النص المفهرس
صفحات 21-24
فتقدّم السجود بسبب تقدّم القنوت الذي هو أعم منه، ولأن في السجود الدعاء القريب من القنوت ثم الركوع (١). (١) بدائع الفوائد، ابن القيم ص ٨٠. ثمرات الالتزام بالركوع أولًا: ثمرات دنيوية على مستوى الفرد: الغاية من خلق الإنسان بل الثقلين هي: توحيد الله عقيدة وعبادة. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ لَِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: ٥٦]. فعلى الإنسان المؤمن أن تكون عبادته وحياته ومماته كلها لله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُشُكِى وَيَحْيَاىَ وَمَعَاقِى لِلَّهِ رَبِّ اٌلْعَلَمِينَ﴾، ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: ١٦٢- ١٦٣]. فخضوع الفرد في هذه الحياة الدنيوية لا ينبغي أن يكون إلا للخالق عز وجل وحده لا شريك له، فإننا نستطيع استخلاص الثمرات التي يحصل عليها الفرد المسلم في الركوع لمولاه دون سواه، وأهمها: ١. ثمرات إيمانية. امتثال أمر الله بالركوع والخضوع تذللًا المولى سبحانه وتعالى، وتعظيمًا له حسب التسبيح المأثور. تحقيق معنى العبودية الخالصة لخالقه عزّ شأنه. منح العزة الإيمانية التي تعطي المسلم الحياة الكريمة، بحيث لا يركع إلا لخالقه سبحانه. www. modoee.com ٣١٣ حرف الراء استقلال شخصية العبد عن التبعية للآخرين ممن آشرکوا وعبدوا غير الله تعالی. حسن الركوع والخشوع من أسباب قبول الصلاة والتلذذ بالعبادة، وعن قتادة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِلَ ◌َُ أَكْعُواْ لَا يَزَكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]: عليكم بحسن الركوع، فإن الصلاة من الله بمكان. وقال قتادة عن ابن مسعود: ((أنه رأى رجلًا يصلي ولا یرکع، وآخر يجرّ إزاره، فضحك، قال: ما يضحكك؟ قال: أضحكني رجلان؛ أما أحدهما فلا يقبل الله صلاته، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه))(١). مغفرة الله لذنوب الراكعين الملتزمين بأوامره، وزيادة الإحسان إليهم. وَأَدْ خُلُواْ الْبَابَ قال سبحانه وتعالى: سُجَدًّا وَقُولُواْ حِظَةٌ تَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٥٨]. وقوله: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ) فَغَفَرْنَا لَهُ, ذَلِكٌ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ ٢٤ مَشَابٍ﴾ [ص: ٢٤ - ٢٥]. محبة الله للمصلين الراكعين الساجدين، حيث أمر الله إبراهيم مرة بتطهير بيته الحرام بمكة المكرمة، فقال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلِّآئِنِينَ وَالْقَآبِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]. (١) جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٦١٢. وأمر إبراهيم مع ولده إسماعيل مرة ثانية، فقال: ﴿أَنْ طَهِرَا بَيْتِيَ لِلطَِّفِينَ وَالْمَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، [البقرة: ١٢٥]. ثانيًا: ثمرات دنيوية على مستوى الجماعة: كل الطاعات لله عز وجل لها فوائد وجني ثمارٍ يانعة على مستوى الفرد والجماعة، وقد ذكرنا سابقًا على مستوى الفرد، ونوجز هنا أهم الثمرات الدنيوية التي تستفيد منها الجماعة المسلمة، وهي: ١. الحث على صلة الفرد المسلم بإخوانه يوميًّا خمس مراتٍ، عن طريق أداء الصلاة مع الجماعة، قال تعالی: ﴿وَأَزْگمُواْ مَعَ الَّكمِينَ﴾، وقوله: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، وقوله: ﴿وَارَكَعِى مع﴾، وقوله: ﴿وَهُمْ رَكِعُونَ﴾، وقوله: ﴿أَرْكَمُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾، وقوله: وَتَقَلُكَ فِ السَّجِدِينَ﴾، مما يجعل الجماعة في ترابط دائم وتعاضد مستمر في السراء والضراء. ٢. الحث على ارتياد المساجد التي بنيت لأداء الصلاة والذكر وقراءة القرآن؛ مما يؤدي إلى إعمارها بجماعة المسلمين، وإبقاء دور المسجد في العبادة والعلم وجميع ما يلزم لأحوال المسلمين، قال تعالى: ﴿وَأَزْكَعُواْ مَعَ اُلرَّكِينَ﴾، ٣١٤ الْقُرْآن الكَرِيمِ وقوله: ﴿وَأَرَّكَعِى مَعَ الزَّكِينَ﴾، فإن ثالثًا: ثمرات أخروية على مستوى الفرد (مع) تفيد وجوب أداء الصلاة بشهود والجماعة: الجماعة، وهذا يكون في المساجد (١). ٣. تزكية الجماعة الراكعة لله تعالى بأنهم من عمّار بيت الله الحرام في مكة؛ لذا أمر الله خليله إبراهيم وولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام بتطهير بيته المكرم لهم، فقال: ﴿أَنْ طَهْرَا بَيْتِىَ لِلّطَّيِفِينَ وَالْمَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: ١٢٥](٢). ٤. الركوع خضوعًا لله تعالى بعد المعصية من أسباب قبول التوبة وتكفير الذنوب، تعالى: وزيادة الإحسان للعبد من خالقه، قال ﴿وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا وَقُولُواْ حِظَّةٌ تَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٥٨](٣). ٥. وجود الركوع في الصلاة من خصوصيات أمة محمدٍ عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد ذكر هذا بعض المفسرين في تفسير آية: ﴿وَأَرْكَعُواْ مَعَ الرَّكِينَ﴾، حيث قال: إنما خص الركوع بالذكر لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوع!(٤). (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٤٨/١. (٢) جامع البيان، الطبري ٧/ ٦٤٤. (٣) المصدر السابق. (٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ١/ ١٩٩. يحرص كل مسلم في هذه الدنيا على القیام بطاعة الله سبحانه ، جاعلا من دنياه مزرعة لآخرته؛ ليحصل على إرضاء مولاه، ويقطف ثمار ما زرعه في دنياه يوم القيامة والحساب، فيفوز برضى الله وجنته، وقد بین الله عز وجل في آیات الركوع بعض ما يكون للعبد من جزاء في الآخرة، نوجزها بما يلي: ١. بشارة الله سبحانه لمن اتصف بهذه الصفات التسع بأنهم من المؤمنين، وذکر من ضمنها صفة ﴿الزَّكِمُونَ﴾، ﴿التَّيِّبُونَ قال الله تعالى: الْعَبِدُونَ الْحَمِدُونَ السَّبِحُونَ السَّجِدُونَ الزَّكِعُونَ اْأَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْخَفِظُونَ لِحُدُودِ اَلَّهُ وَبَشِيرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٥٨]. ٢. الوعد بالفلاح في الآخرة للمؤمنين الراكعين، الساجدين، العابدين الله، الفاعلين للخير، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْ كَعُوا وَأَسْجُدُواْ وَأَعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. ٣. الراكعين الساجدين سيما وعلامة www. modoee.com ٣١٥ حرف الراء تميّزهم بها من غيرهم في أرض المحشر من أثر السجود، وقد وصف الله تعالی محمدًا صلى الله عليه وسلم والذين معه بذلك، فقال سبحانه: ﴿تَرَّهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اَللَّهِ وَرِضْوَنًا سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثْرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]. ٤٨-٤٩]. موضوعات ذات صلة: التسبيح، الذكر، السجود، الصلاة ٤. تقريب الله تعالى للعبد المؤمن المستغفر من ذنبه، الراكع لربه والمنيب إليه، ومنحه الدرجات العالية في الجنة على توبته، قال الله تعالى بعد قبول توبة نبيه داوود عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَشَابٍ﴾ [ص: ٢٥] (١). ٥. الوعد بالمغفرة والأجر العظيم في الآخرة لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ومن سار على نهجهم، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]. ٦. كشف كذب المجرمين الذين لم يركعوا لله في الدنيا أمام الخلائق في أرض المحشر يوم القيامة، وأن لهم العذاب الشديد في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَ إِذَا قِيلَ لَمُ أَكَعُواْ لَا يَزْكَعُونَ﴾، ﴿وَيْلٌ يَؤْمَيْدٍ لِلْمَكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٩/٤. صَقَ الَرُ النَّفِيد القرآن الكريمِ ٣١٦