النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الزَّكوع عناصر الموضوع مفهوم الركوع ٢٩٤ الركوع في الاستعمال القرآني ٢٩٥ الألفاظ ذات الصلة ٢٩٦ الحث على الركوع ٢٩٨ بين الركوع والسجود ٣٠٧ ٣١٣ ثمرات الالتزام بالركوع المُجَلَّدَ السّادسْ عَشِر حرف الراء مفهوم الركوع أولًا: المعنى اللغوي: أصل مادة (رك ع) تدل على الانحناء(١)، والركوع في اللغة له معانٍ متعددة، منها: الركوع: الانحناء، ومنه ركوع الصلاة. يقال: ركع الشيخ، أي: انحنى من الكبر(٢). وتارة يستعمل في الهيئة المخصوصة في الصلاة كما هي، وتارة في التّواضع والتّذلّل، إمّا في العبادة، وإمّا في غيرها(٣). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: وعليه يمكن القول بأن الركوع في الاصطلاح: هو الانحناء لذي قدر ومكانة في نفس فاعله؛ تعظيمًا وإجلالًا؛ للدلالة على الخضوع والاستسلام والطاعة تعبدًا(٤). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٣٤/٢. (٢) الصحاح، الجوهري ١٢٢٢/٣. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٦٤. (٤) التوقيف على مهمات التعاريف ص ١٨١. ٢٩٤ جَوْسُو القرآن الكريمِ الرّكوع في الاستعمال القرآني وردت مادة (ركع) في القرآن بصيغ متعددة، بلغت (١٣) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل المضارع ١ *[المرسلات: ٤٨] ٤٨ ﴿وَإِذَا قِلَ لَهُ أُرَّكَعُواْ لَا يَزَكَعُونَ فَ فعل الأمر ٤ [البقرة: ٤٣] ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَنَّهُ فَأَسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ اسم الفاعل ٥ ٤)﴾[ص: ٢٤] ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلَِّنَ وَالْقَآبِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ الجمع ٣ (١)﴾ [الحج: ٢٦] وجاء الركوع في الاستعمال القرآني على ثلاثة أوجه(٢): الأول: الصلاة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَزْكَعُواْ مَعَ الَّكِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: صلّوا مع المصلّين. الثاني: السجود: ومنه قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] يعني: ساجدًا. الثالث: الركوع بعينه: ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]. (١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلعوم ص ٥٩٣. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٢٤٢. www. modoee.com ٢٩٥ ﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَرْكَعُواْ مَعَ الزَّكِينَ ٤٣ حرف الراء الألفاظ ذات الصلة ١ السجود: السجود لغة: سجد في اللغة: خضع، وأصله التطامن والتذلل، وسجد: طأطأ رأسه وانحنى (١). السجود اصطلاحًا: هو إلصاق الرأس والأطراف بالأرض على هيئة مخصوصة في الصلاة وغيرها، يقول فيها العبد ألفاظًا مخصوصة؛ تعظيمًا وإجلالًا للمعبود، وخضوعًا وانكسارًا من العبد على سبيل التعبد. الصلة بين الركوع والسجود: إن كلا من الركوع والسجود يدل على الانحناء(٢)، غير أن السجود يكون بانحناءٍ أشد، ويجوز أن يفعل خارج الصلاة تعبدًا لله. القنوت : ٢ القنوت لغة: يأتي بمعنى الطاعة، وطول القيام، والصلاة، والسكوت (٣). القنوت اصطلاحًا: هو طول القيام في الصلاة طاعة لله، على هيئة مخصوصة، في وقت مخصوص، تعظيمًا لله وإجلالاً. وقيل: الدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام(٤). الصلة بين الركوع والقنوت: كلاهما من أفعال الصلاة، لكن تختلف فيهما الهيئة والأقوال، فالقنوت يكون بقراءة القرآن والدعاء، والحمد والثناء، بينما الركوع لا يجوز فيه قراءة القرآن. (١) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٣٦٦. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٧١٤/١. (٣) انظر: الزاهر في معاني كلمات الناس، الأنباري ٦٨/١، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ١٤٧. (٤) انظر: فتح الباري، ابن حجر ٢/ ٤٩٠. ٢٩٦ القرآن الكريمِ الخشوع: ٣ الخشوع لغة: تدل مادة (خ شع) على التطامن. يقال: خشع، إذا تطامن وطأطأ رأسه، يخشع خشوعًا. وهو قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن والإقرار بالاستخذاء، والخشوع في الصوت والبصر(١). الخشوع اصطلاحًا: إقبال المرء بقلبه على الله في دعائه وصلاته؛ خوفًا وانقيادًا، مع خضوع الجوارح والأعضاء(٢). الصلة بين الركوع والخشوع: الركوع عمل يقوم به المرء ظاهرًا على هيئة مخصوصة، بانحناء القامة والأعضاء، بينما الخشوع يكون محله القلب، ويظهر أثره بهيئة مغايرة على أعضاء الإنسان بسكونها، وعلى الصوت فيخفت، وعلى البصر فيخضع. (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٨٢/٢. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٨٣، الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٤٨، التعريفات، الجرجاني ص ٩٨. www. modoee.com ٢٩٧ حرف الراء الحث على الركوع لقد وردت لفظة ((الركوع)) ومشتقاتها في الأسلوب القرآني بأوامر ربانية في ثلاثة أسالیب صریحة، تحث على الركوع، وورد أسلوب واحد بلفظ السجود مؤولاً بالركوع، وسنرى ذلك في النقاط الآتية: أولًا: الأسلوب الصريح: وقد استخدم في ذلك عدة أساليب: ١. أسلوب فعل الأمر. نحو قوله: ﴿وَأَزْكَعُواْ﴾، ﴿وَآَرَّكَبِى﴾. وقد جاء ذلك في أربع آيات، منها: قول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَزْكَعُواْ مَعَ الَّكِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. قال الإمام الطبري رحمه الله: ((﴿وَأَزْكَعُوا مَعَ الزَّكِينَ﴾، هذا أمر من الله تعالى لمن ذكر من أحبار بني إسرائيل ومنافقيها -أي: منافقي المدينة- بالإنابة والتوبة إليه، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والدخول مع المسلمين في الإسلام، والخضوع له بالطاعة، ونهيٌ منه سبحانه وتعالى لهم عن كتمان ما قد علموا من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، بعد تظاهر حججه عليهم»(١). قال ابن عطية رحمه الله: ((﴿وَأَزْكَعُواْ مَعَ الَّکمِينَ﴾، قال قوم: جعل الركوع -لما كان (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٦١١. جوسين القرآن الكريمِ من أركان الصلاة- عبارة عن الصلاة كلّها، وقال قوم: إنما خص الركوع بالذكر لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوع)) (٢). وقال أيضًا: ((﴿وَأَزْكَعُواْ مَعَ الزَّكِينَ﴾، أي: صلّوا مع المصلين، محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذكر بلفظ الركوع؛ لأن الركوع ركن من أركان الصلاة، ولأن صلاة اليهود لم یکن فيها رکوع، وکأنه قال: صلوا صلاةً ذات ركوع، قيل: وإعادته بعد قوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ لهذا، أي: صلّوا مع الذين في صلواتهم ركوع، فالأول: مطلق في حق الكل، وهذا في حق أقوام مخصوصین)»(٣). وقال الواحدي رحمه الله: ((قال المفسرون: قوله تعالى: ﴿وَأَزْكَعُواْ مَعَ اُلَّكِينَ﴾، معناه: وصلوا مع المصلين محمد وأصحابه، فعبّر بالركوع عن جميع الصلاة؛ إذ كان ركنا من أركانها كما عبّر باليد عن عمل الجسد في قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَالَكَ﴾ [الحج: ١٠]. وقيل: إنما عبّر بالركوع عن الصلاة؛ لأنه أول ما يشاهد، مما يدل على أن الإنسان يؤدي الصلاة، وإنما قال: ﴿وَأَزْكَعُواْ﴾ بعد قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ﴾، وكان الركوع داخلًا في الصلاة؛ لأنه أراد الحث على إقامة (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ١٩٩/١. (٣) المصدر السابق، وانظر: أحكام القرآن، القرطبي ٣٤٥/١. ٢٩٨ الصلاة جماعة. وقيل: لأنه لم یکن في دین اليهود ولا في صلاتهم ركوع، فذكر ما اختص بشريعة الإسلام، والآية خطاب لليهود))(١). قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: ((وقوله: ﴿وَأَزْكَعُواْ مَعَ الرَّكِينَ﴾، أي: صلوا مع المصلين، ففيه الأمر بالجماعة للصلاة ووجوبها، وفیہ أن الرکوع رکن من أُر کان الصلاة؛ لأنه عبّر عن الصلاة بالركوع، والتعبير عن العبادة بجزئها يدل على فرضيته لها». وقال أيضًا: ((﴿وَأَزْكَعُواْ مَعَ اَلَّكِينَ﴾، فإنكم إذا فعلتم ذلك مع الإيمان برسل الله وآياته، فقد جمعتم بين الأعمال الظاهرة والباطنة، وبين الإخلاص للمعبود والإحسان إلى عبيده، وبين العبادات القلبية والبدنية والمالية))(٢). وقال الله عزّ ثناؤه: ﴿يَمَرْيَمُ أَقْنُتِى لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرَكَعِى مَعَ الزَّكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. والسلام بالخضوع له بالطاعة، وهذا ما أشار إليه الإمام الطبري رحمه الله بقوله: ((فتأويل الآية إذن: يا مريم أخلصي عبادة ربك لوجهه خالصًا، واخشعي لطاعته وعبادته، مع من (١) التفسير البسيط، الواحدي ٤٤٦/٢. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٥. خشع له من خلقه، شكرًا له على ما أكرمك به من الاصطفاء والتطهير من الأدناس، والتفضيل على نساء عالم دهرك، وقد بيّنا معنى الركوع والسجود بالأدلة المؤكدة على صحته، وأنهما عين الخشوع لله، والخضوع له بالطاعة والعبودية)) (٣). وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ وَأَعْبُدُ واْرَبَّكُمْ﴾ [الحج: ٧٧]. قال الإمام الطبري رحمه الله: ((في تفسير قول الله تعالى ذكره: ﴿بَأَيُّهَا أَلَِّينَ ءَامَنُواْ أَرْكَعُواْ﴾: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله اركعوا لله في صلاتكم، ﴿وَأَسْجُدُواْ﴾ له فيها ﴿وَأَعْبُدُواْ رَتَّكُمْ﴾، يقول: وذلّوا لربكم، واخضعوا له بالطاعة لتفلحوا بذلك)» (٤). وَإِذَا قِيلَ لَهُمُّ أَرْكَـ وقال الله جل شأنه: لَا يَزَكَعُونَ﴾[المرسلات: ٤٨]. وعن مجاهد بن جبر رحمه الله: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِلَ لَهُ أَّكَعُواْ يصلّون)»(٥). أمر صريح من الله لمريم عليها الصلاة لَا يَزَكَعُونَ﴾، قال: ((إذا قيل لهم صلّوا لا قال الإمام الطبري رحمه الله: ((يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء المجرمين المكذبين بوعيد الله أهل التكذيب به: (٣) جامع البيان، الطبري ٤٠٠/٥. (٤) المصدر السابق ٦٣٨/١٦-٦٣٩. (٥) تفسير مجاهد بن جبر ص ٦٩٣. www. modoee.com ٢٩٩ حرف الراء ارکعوا، لا یرکعون». واختلف أهل التأويل في الحين الذي یقال لهم فيه: وعن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَزَكَعُواْ لَا يُزَكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] يقول: يدعون يوم القيامة إلى السجود فلا يستطيعون السجود، من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا)). وقال آخرون: ((بل قيل ذلك لهم في الدنيا)». وعن قتادة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَمُ أَزْكَعُواْ لَا يَزْكَعُونَ﴾ ((أي: عليكم بحسن الركوع، فإن الصلاة من الله بمكان؛ لأن المقصود بالآية عنده هو الر کوع نفسه». وقال قتادة في آخرین: «هذه حال کفار قریش في الدنيا، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم وهم لا یجیبون، وذکر الركوع عبارة عن جميع الصلاة، وهذا قول الجمهور)). وقال قتادة عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه رأى رجلا يصلي ولا یرکع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقيل له: ما يضحكك؟ قال: أضحكني رجلان؛ أما أحدهما فلا يقبل الله صلاته، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه))(١). قال الإمام القرطبي رحمه الله: ((قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِلَ لَهُ أَرَّكَعُواْ لَا يَرَّكَعُونَ﴾ أي: فقال بعضهم: ((يقال لهم ذلك في الآخرة إذا قيل لهؤلاء المشركين: ﴿أَرَّكَعُواْ﴾، أي: حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون، صلّوا: ﴿لَا يَزْكَعُونَ﴾، أي: لا يصلّون)). قال مقاتل: ((نزلت في ثقيف، امتنعوا من الصلاة فنزل ذلك فیھم، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أسلموا)، وأمرهم بالصلاة فقالوا: لا ننحني فإنها مسبةٌ علینا، فقال النبي صلی الله عليه وسلم: (لا خير في دین لیس فيه ر کوع ولا سجود)(٢). قال ابن العربي رحمه الله: «هذه الآية حجة على وجوب الركوع وإنزاله ركنًا في الصلاة، وقد انعقد الإجماع عليه، وظنّ قوم أن هذا إنما يكون في القيامة، وليست بدار تکلیف فیتوجه فیھا أمر یکون علیہ ویلٌ وعقابٌ، وإنما يدعون إلى السجود كشفًا لحال الناس في الدنيا، فمن كان يسجد یمگّن من السجود، ومن کان یسجد رئاءً لغيره صار ظهره طبقًا واحدًا». وقيل: أي: إذا قيل لهم اخضعوا للحق (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٦١٢/٢٣-٦١٤، الدر المنثور، السيوطي ٣٠٥/٦. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٧٩١٣، ٢٩/ ٤٣٨، وأبو داود في سننه، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب ما جاء في خبر الطائف، رقم ٣٠٢٦. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، رقم ٤٧١١. ٣٠٠ جوبه القرآن الكريم لا يخضعون، فهو عام في الصلاة وغيرها، بجمع تضلّ البلق في حجراته وإنما ذكر الصلاة، لأنها أصل الشرائع بعد التوحيد. وقيل: الأمر بالإيمان؛ لأنها لا تصح من غير إيمان (١). قال الواحدي رحمه الله: ((إذا أمروا إنما كان لأن كثيرًا من العرب كان يأنف من بالصلوات الخمس لا يصلّون مع محمد الركوع والسجود، ويراها هيئةً منكرةً؛ لما كان في أخلاقهم من العجرفة)) (٦). صلی الله عليه وسلم))(٢). قال ابن كثير رحمه الله: ((﴿وَ إِذَا قِلَ ◌َُ أَرَّكَعُواْ لَا يَزْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، أي: إذا أمر هؤلاء الجهلة من الكفار أن يكونوا من المصلين مع الجماعة، امتنعوا من ذلك واستكبروا عنه))(٣). قال البغوي رحمه الله: ((﴿وَإِذَا قِلَ لَهُ ازگعُوا ﴾، يعني: صلّوا، ﴿لَا یزكمُونَ﴾: لا يصلّون)) (٤). قال ابن عطية رحمه الله في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِلَ لَهُ أَكَعُواْ لَا يَزَّكَعُونَ﴾ ((هي حكاية حال المنافقين في الآخرة إذا سجد الناس، فأرادوا السجود فانصرفت أصلابهم إلى الأرض، وصارت فقراتهم كصياصي البقر، قاله ابن عباس رضي الله عنهما وغيره)). وقال بعض المتأولين: ((عني بالركوع التواضع» كما قال الشاعر (٥): (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩/ ٦٢٧. (٢) التفسير البسيط، الواحدي ١٠٥/٢٣. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٣٨/٤. (٤) معالم التنزيل، البغوي ٢ / ٩٩٣. تری الأکم فيه سجّدًا للحوافر ويتابع ابن عطية قائلًا: ((إنّ ذكر الركوع هنا وتخصيصه من بين سائر أحوال العبادة، ٢. أسلوب الوصف الدال على المدح. وقد جاء في ثمانية مواضع، منها: قال الله عز وجل: ﴿فَاسْتَغْفَرَرَبَّهُ وَخَرّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]. لى الله تعالى: ﴿الزَّكِمُونَ الشَّجِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]. وقال عز وجل: ﴿وَهُمْ رَكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]. وقال تعالى: ﴿وَأَرْكَعُواْ مَعَ الَّكِينَ [البقرة: ٤٣]. وقال سبحانه: ﴿وَأَرْكَعِى مَعَ الزَّكِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. على أن السجود يأتي بمعنى الخضوع والتواضع، موافقًا للغة، وانظر: كتاب الصّاحبيّ، لابن فارس ٢٦١، حيث ورد بلفظ: بجمع تضلّ ... ، وأورد رواية ثانية: بجيش تضل ... (٥) الشاعر هو: زيد الخيل، إذ يستشهد بالبيت (٦) المحرر الوجيز، ابن عطية ٥١٠/٨. www. modoee.com ٣٠١ حرف الراء وقال تبارك وتعالى: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]. وقال وتعالى: ﴿تَرَهُمْ زُگْعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩]. ٣. أسلوب الوصف الدال على الذمّ. وقد ورد في موضع واحد. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِلَ لَهُ أَزَكَعُواْ لَا يَرَكَعُونَ ﴾ [المرسلات: ٤٨] .. ٤. الأمر بالركوع بلفظ السجود. وقد ورد بلفظة (سُجَدًا﴾، في ثلاثة مواضع هي: قال الله تعالى: ﴿وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا﴾ [البقرة: ٥٨]. وقال تعالى: ﴿وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجْدًا﴾ [النساء: ١٥٤]. وقال تعالى: ﴿وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا﴾ [الأعراف: ٦١]. قال الإمام الطبري رحمه الله: ((القول في: ﴿وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا﴾، فإن ابن عباس كان يتأوّل قوله تعالى: ﴿سُجَدًّا﴾ بمعنی: الرکع»(١). وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَادْ خُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا﴾ ((ركعًا من باب صغير))(٢). (١) جامع البيان ١/ ٧١٤-٧١٥. (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك، ٢٦٢/٢، جوبير القرآن الكريم وعن ابن عباس من طريق آخر في قوله تعالى: ﴿وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا﴾، قال: «أمروا أن يدخلوا رکعًا». قال أبو جعفر: ((وأصل السجود الانحناء لمن سجد له معظّمًا بذلك، فكل منحنٍ لشيء تعظيمًا له وخشوعًا فهو له ساجد))(٣). وقال الإمام الواحدي رحمه الله: ((وقوله: ﴿وَآَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا﴾، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ركعًا، وهو شدة الانحناء، والمعنى: منحنين متواضعين)) (٤) ٠ وجاء بلفظ ﴿ وَتَقَلُبَكَ فِ السَِّجِدِينَ﴾، بموضع واحد. ﴿ وَتَقَلُبَكَ فِ السَّجِدِينَ﴾ قال تعالى: [الشعراء: ٢١٩]. قال الإمام الطبري رحمه الله: ((معنى ذلك: ويرى تقلّبك في صلاتك حين تقوم، ثم حین ترکع، وتسجد، وقال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَتَقَلُبَكَ فِ السَِّدِينَ﴾ «قيامك وركوعك وسجودك)»(٥). ونقل مثل هذا التفسير عن عكرمة أيضًا، وقد رجّح الإمام الطبري هذا القول بعد ذكره للأقوال الواردة في تفسير هذه الآية. ويمكن أن نضيف أسلوبًا غير صريح يحث على الركوع: وهو الأمر بإقامة وقال: صحيح على شرط الشيخين. (٣) جامع البيان، الطبري ٧١٤/١-٧١٥. (٤) البسيط ٥٥٨/٢. (٥) جامع البيان، الطبري ٦٦٦/١٧ - ٦٧٠. ٣٠٢ الصلاة، فإن ذلك يتضمن الأمر بالركوع؛ حيث إن الركوع جزء من الصلاة، وما أكثر الآيات الواردة في ذلك، ولا حاجة للإطالة في ذكرها. ثانيًا: الثناء على الراكعين: يعتبر الركوع من أهم الصفات التي يتميز بها العبد المسلم بخضوعه لربه جل جلاله، منحنيًا بهامته لخالقه ورازقه بكل عبودية وتعظیم وإخلاص لله تعالى. ولقد أثنى الله عز وجل على الراكعين في أكثر من آية وردت بآيات الذكر الحكيم، وبعدة أساليب، أهمها: ١. المدح المباشر للراکعين. وقد ظهر ذلك بمدحه لمحمد صلى الله علیه وسلم وأتباعه؛ بأنھم یرکعون لله سبحانه، ولهذا أمر اليهود بأن يخضعوا لله سبحانه، وأن يتبعوا رسوله محمدًا عليه الصلاة والسلام ويكونوا مع أتباعه، خاضعين لله ورسوله: ﴿وَأَرْكَعُواْ مَعَ الزَّكِينَ﴾ [البقرة: ٤٣](١). وبأمر الله لمريم عليها السلام بأن تكون راكعة مع الراكعين لله تعالى ، مخلصة له بالعبادة اصطفاؤها وتفضيلها على العالمين: ﴿وَأَرَّكَعِى مَعَ الزَّكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣](٢). (١) المصدر السابق ٦٦٦/١. (٢) المصدر السابق ٤٠٠/٥. ويجعل الركوع صفة من الصفات الممدوحة للمؤمنين المتبعين لشرع الله ورسوله، وجعل سبحانه وتعالى المكافأة علی ذلك بأن الراكع وليه الله ورسوله، بل أوجب موالاتهم وحبهم بأداة الحصر (إنما): ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَّكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥](٣). ويمدح عباد الله المؤدين للصلوات المفروضة، والمكثرين من النوافل بعدة صفات، كان الركوع الصفة الخامسة، بقوله: ﴿اَلْتََِّّبُونَ الْعَبِدُونَ الْحَمِدُونَ السَّيِحُونَ الزَّكِعُونَ السَّجِدُونَ اُلَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْخَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢] (٤). مدح الله عز وجل للمكثرين من الركوع والسجود المتجهين إلى الكعبة المشرفة في صلاتهم وركوعهم، سواء أكانوا حولها أم بعیدین عنها. بل أمر سبحانه خليله إبراهيم وولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام بتطهير وتهيئة بيته المحرم لهؤلاء: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ وَأَمْنَا وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهَِ مُصَلّ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرِهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهْرًا (٣) المصدر السابق ١٠٤/١. (٤) البسيط، الواحدي ١١/ ٧١. www. modoee.com ٣٠٣ حرف الراء بَيْقَِ لِلَطَآئِفِينَ وَالْعَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥](١). مدح أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بأنهم من المكثرين في الصلاة، والركوع والسجود من أجل أركان الصلاة: ﴿تَّهُمْ رَكَّعَا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩](٢). دلالة على محبة الله تعالی لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم حال رؤيته له متقلبًا في صلاته وركوعه وسجوده بقوله: ﴿ وَتَقَلُبُّكَفِی السَّجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩]. ٢. الركوع سبب من أسباب قبول التوبة والفلاح. فقد جعل الله سبحانه الركوع سببًا للتوبة عن بني إسرائيل، وشكرًا لله عز وجل على أن سهّل لهم فتح بيت المقدس، فقال: ﴿وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا وَقُولُواْ حِقَةٌ تَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨](٣). وقال: ﴿أَدْخُلُواْ أَلْبَابَ ◌ُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ ﴾ [النساء: ١٥٤] (٤). ﴿وَقُولُواْ حِظَّةٌ وَأَدْ خُلُواْ أَلْبَابَ وقال: سُجَّدًا تَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيْثَنِكُمْ﴾ (١) جامع البيان، الطبري ٥١٣/١٦. (٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٧ /٦٨٩، الوسيط، الواحدي ٣٢٦/٢٠، تفسير القرآن العظیم، ابن كثير ٢٣٥/٤. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣٤/١. (٤) المصدر السابق ١/ ٧١٢. [الأعراف: ١٦١](٥). وكلها أتت كما قال ابن عباس ومن وافقه بمعنی ارکعًا منحنین خاضعين لله سائلينه أن يحطّ عنهم سيئاتهم، ولكن بني إسرائيل خالفوا أمر الله جلّ ثناؤه، فلم يدخلوا راكعين، إنما دخلوا متزحفين على أستاههم -وفي رواية على أوراكهم-، مخالفين لأمر الله فاستحقوا الرجز من رب السماء)) (٦). ونرى ذلك واضحًا في قبول التوبة والفلاح بقصة داوود عليه الصلاة والسلام الواردة في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ تَعْجَنَّكَ إِلَى نِعَلِهِ، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَِّ لَتْغِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ وَقَلِلٌ مَّاهُمُّ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَكِعًا وَأَنَبَ ا فَغَفَرْنَا لَهُ, ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَشَابٍ﴾ [ص: ٢٤ و٢٥]. أي: ألقى بنفسه نحو الأرض متطامنًا متواضعًا لله عز وجل، سائلا ربه بأن يغفر له ذنبه، تائبًا مما وقع فيه من الخطأ. قال الحسن بن الفضيل: ((سألني عبد الله بن طاهر عن قوله تعالى: ﴿وَخَرَّرَاكِعًا﴾، هل يقال للراكع خرّ؟ قلت: لا، ومعناه، أي: ساجدًا بعد ما کان رائعًا))(٧). (٥) المصدر السابق ٤/ ٧١٢،٢٣٥. (٦) التفسير البسيط، الواحدي ٥٥٨/٢. (٧) معالم التنزيل، البغوي ٢/ ٨٠٠. مَوْسُو ◌َرَ القرآن الكريمِ ٣٠٤ ٣. ذم الذین لا یر کعون لله تعالى. فقد ذمّ الله الذين لا يركعون له في الدنیا، وهددهم بأن یفضحهم على رؤوس الخلائق يوم القيامة في أرض المحشر، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِلَ لَهُ أَزَكَعُواْ لَا يَزَكَعُونَ﴾، ﴿وَيْلٌ يَؤْمَيِذٍ لِّلْتَكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٨- ٤٩]. وإذا استخدمنا مفهوم المخالفة لهذا النص اقتضى مدح من كان يركع لله في الدنيا فهو ناجٍ برحمة الله تعالى يوم القيامة من عذاب جهنم، مستحق للفوز برضوانه وجنته. قال مقاتل رحمه الله في تفسير هذه الآية ((قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أسلموا)، وأمرهم بالصلاة، فقالوا: لا ننحني؛ فإنها مسبةٌ علينا فقال لهم النبي صلی الله عليه وسلم: (لا خير في دین ليس فیە ر کوع ولا سجود)»(١). ورجح الإمام ابن عطية: «بأن ذکر الركوع هنا وتخصيصه من بين سائر أحوال العبادة، إنما كان لأن كثيرًا من العرب كان يأنف من الركوع والسجود، ويراهما هيئة منكرة، لما كان في أخلاقهم من العجرفة!))(٢). (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩/ ٦٢٧. (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٨/ ٥١٠. ثالثًا: بيان حسن الجزاء للراكعين في الآخرة: يقوم المؤمن بطاعته لربه، وخضوعه لأوامره، واجتناب نواهيه، مخلصًا لله عز وجل في جميع أقواله وأعماله، مبتغیًا بذلك جزيل التوفيق في الحياة الدنيا، ورضى الله تعالى والفوز بجنته في الآخرة. وقد رتب الله سبحانه على من اتصف بصفات الطاعة (بالركوع والسجود له) جزاء عظيمًا في الآخرة، نستخلصها من آية سورة الفتح، کما یآتي: أولًا: وعد الله لهم بمغفرته ورضوانه، وإدخالهم النعيم المقيم في جنتة. قال الله تعالى: ﴿تَرَدُهُمْ رُكَمَا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَنًا﴾، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]. قال الإمام القرطبي رحمه الله: (((تَرَهُمْ رُكَّعَا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩]. تراهم ركعًا أحيانًا لله في صلاتهم، سجدًا أحيانًا ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَنًا﴾، يقول: يلتمسون بركوعهم وسجودهم وشدتهم على الكفار، ورحمة بعضهم بعضًا ﴿فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾، وذلك برحمته إياهم، بأن يتفضل عليهم فیدخلهم جنته، وأن یرضی عنهم ربهم، وقوله: ﴿مَغْفِرَةَ﴾، يعني: عفوًا عامًّا عما مضی من ذنوبهم وسيء أعمالهم بحسنها. www. modoee.com ٣٠٥ حرف الراء وقوله: ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: وثوابًا في ذلك منها، قال: ((سمعت شبيبًا يقول: جزيلًا، وذلك الجنة))(١). وزاد ابن كثير رحمه الله: ((﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّْلِحَتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]. وعدهم الله مغفرة لذنوبهم، وثوابًا جزيلاً ورزقًا کریمًا. ووعد الله حق وصدق لا يخلف ولا يبدّل، وكل من اقتفى أثر الصحابة رضي الله عنهم فهو في حکمهم»(٢). ثانيًا: علامة يجعلها الله في وجوه المؤمنین يوم القيامة، يعرفون بها؛ لما كان من سجودهم له في الدنيا، ثم اختلف أهل التأويل في ((السيما)) الذي عناه الله في هذا الموضع: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة)). وقال الحسن رضي الله عنه وعن خالد الحنفي وعطية: ((مواضع السجود من وجوههم يوم القيامة تكون أشد بیاضًا»، وهو كقوله سبحانه: ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةً التَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]. وهناك أقوال أخرى وردت في بيان معنى هذه السیما، ذكرها ابن كثير ورجحها جميعها، ولكنه قدّم هذه العلامة وأنها ستکون لهم في الآخرة، وذکر عدة أحاديث (١) جامع البيان، الطبري ٣٢١/٢١ - ٣٣٤. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٣٥/٤. عن مقاتل بن حيان، قال: ﴿سِيمَاهُمْ فِىِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثْرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]. قال: النور يوم القيامة))(٣). ثالثًا: ونرى في المقابل أن الله عز وجل توعد من لم يركع ويخضع له في الدنيا بالعذاب الشديد يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِبِلَ لَمُ أَرَّكَعُواْ لَا يَزَكَعُونَ () وَيْلٌ يُؤْمِيدٍ لِلْكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٨ -٤٩]. قال الإمام الطبري رحمه الله: ((واختلف أهل التأويل في الحين الذي يقال لهم فيه، فقال بعضهم: يقال لهم ذلك في الآخرة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون، عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: ﴿وَإِذَا قِلَ لَّهُ أَزْكَعُواْ لَا يَزَّكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]. يقول: يدعون يوم القيامة إلى السجود فلا يستطيعون السجود، من أجل أنهم لم یکونوا يسجدون لله في الدنيا)» (٤). وقال آخرون: ((بل قيل ذلك لهم في الدنيا)»(٥). (٣) المصدر السابق. (٤) جامع البيان، الطبري ٦١٢/٢٣-٦١٤. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦٢٧/١٩. ٣٠٦ القرآن الكريم بين الركوع والسجود إذا أمعنا النظر في لفظتي الركوع والسجود سواء من الناحية اللغوية، أو من الناحية الاصطلاحية، نجد بينهما توافقًا في جوانب، وتباينًا في جوانب أخرى، وسنفصل ذلك فيما يلي: أولًا: جوانب التوافق: من الناحية اللغوية: يتفقان في أن كلّا منهما يدل على الخضوع والانحناء والذل والخوف لشيءٍ قوي قاهر، سواء كان للمخلوقات، أو كان خضوعًا لله سبحانه وتعالى بالطاعة له، والانقياد لشرعه. وعلى هذا يمكن تفسير عبادة غير الله تعالى: بأن الناس اعتقدوا فيما يعبدونه من دون الله تعالى القوة والبطش، فذلوا لآلهتهم وعبدوها وقدّموا لها القرابين، وكانوا يدخلون أماكنها وهم يركعون، أو یسجدون، أو راکعین ساجدین. أما المسلم فلا یرکع إلا لله عز وجل، فهو خالقه والمنعم عليه؛ طمعًا في مرضاته وفوزه بجنته، وخوفًا من غضبه وعذابه، فيكون الركوع والسجود في الصلاة شكرًا لله عز وجل، وطلبًا لعبادته، وتعظيمًا لقدره، وتقربًا إليه، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُواْ أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ وَأَعْبُدُواْ﴾ [الحج: ٧٧]. وغير ذلك مما ورد في شأن الركوع أو السجود. من الناحية الشرعية: نجد أن الر کوع أو السجود أو کلیهما كانا عند جميع الأمم وفي شرائعهم المنزلة، كما يَمَرْيَمُ أشار الله عز وجل إلى ذلك بقوله: أَقْتِى لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرْكَعِى مَعَ الزَّكِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. وقوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّهُ فَأَسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]. وقوله سبحانه آمرًا إبراهيم عليه الصلاة ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّيِنِينَ والسلام: وَالْقَآيِمِينَ وَالرُّكَعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]. وأمره سبحانه لإبراهیم وولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام في موضع آخر: ﴿أَنْ طَهِرَا بَيْتَِ لِلِّفِينَ وَالْمَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. بل ذمّ الله سبحانه وتعالى من لم يركع له في الدنيا، وأن له العذاب الشدید یوم القيامة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَزْكَعُواْ لَا يَزْكَعُونَ () وَيْلٌ يَؤْمَيِذٍ لِّلْمَكَذِّبِينَ ﴾ [المرسلات: ٤٨ -٤٩]. www. modoee.com ٣٠٧ حرف الراء ثانيًا: جوانب التباين: من الناحية اللغوية: الركوع هو: انحناء وخفض للرأس والظهر بدون أن يصل الراكع إلى الأرض، أمّا السجود فإنه لابدّ للساجد من وضع جبهته وأنفه على الأرض، وعليه فالسجود أكثر خضوعًا وتذللًا من الركوع؛ لذا ورد في الحدیث: (أقرب ما یکون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء)(١). من الناحية الشرعية: فالركوع انحناء للظهر واستقامته مع الرأس ومسك اليدين للركبتين، ويكون فيه تعظيمٌ للربّ بقول الراكع: (سبحان ربي العظيم) ثلاثًا. أما السجود فهو وضع الجبهة مع الأنف واليدين والركبتين وباطن أصابع القدمين على الأرض، ويكون فيه التسبيح لله تعالى العلي القهار بقول الساجد: (سبحان ربي الأعلى) ثلاثًا، ويكون فيه الدعاء بما يشاء العبد، ویکون فیه أقرب إلى الله تعالى ، وعلى هذا جاء نص الحديث التالي: (فأما الركوع فعظّموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمنٌ أن يستجاب لكم). لذلك إذا استقرأنا الآيات التي ذكر فيها (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، رقم ٤٨٢. الركوع والسجود، نرى تقديم الركوع فيها على السجود دائمًا، ماعدا آية آل عمران رقم ٤٣، ففيها تقدیم السجود على الركوع، وسنرى تعليل ذلك، ونجد أيضًا أن ترتيب الركوع في الصلاة يكون قبل السجود، ولا يتوصل إلى السجود إلا بالركوع، فالركوع بداية الخضوع، والسجود كمال الخضوع ونهايته، وكلاهما لا يكون إلا لله ربّ العالمين. ثالثًا: الركوع بمعنى السجود: بالرجوع إلى نصوص الآيات التي وردت بالركوع، نرى أن لفظة الركوع تصرف إلى حقيقتها الشرعية واللغوية مالم يكن هنالك صارف إلی معنی آخر، وأنه ركن من أركان الصلاة، فعبّر الله تعالى بالركوع عن الصلاة التي فيها الصلة به والخضوع له، لكننا نجد أن الركوع ورد بمعنى السجود في: أولًا: قول الله تعالى حكاية عن نبيه داوود عليه الصلاة والسلام: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّرَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]. فقد فسّرها الإمام الطبري رحمه الله: «فخرّ ساجدًا لله، ورجع إلی رضی ربه، وتاب من خطيئته))(٢). وقال الحسين بن الفضل: ((المعنى (٢) جامع البيان، الطبري ٦٤/٢٠. ٣٠٨ جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة لِلْقُرآن الكَرِيمِ (خرّ من ركوعه)، أي: سجد بعد أن كان أَرَكَعُواْ لَا يَزْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]. راكعًا))(١). النبي صلی الله عليه وسلم سجد في (ص) وقال: (سجدها داوود عليه السلام توبةً، ونسجدها شكرًا)(٢). وعن ابن عباس رضي الله عنهما في رواية سعيد بن جبير((﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾، ساجدًا». وقال الواحدي رحمه الله: ((ويجوز أن يعبّر بالركوع عن السجود، لأن الركوع في اللفظ معناه الانحناء، ولا خلاف بين المفسرين أنه خرّ ساجدًا)) (٣). قال الإمام البغوي رحمه الله: (﴿فَاسْتَغْفَرَرَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا﴾، أي: ساجدًا، عبّر بالركوع عن السجود، لأن كل واحد منهما فيه انحناء، قال الحسين بن الفضل: سألني عبد الله بن طاهر عن قوله: ﴿وَخَرَّ رَكِعَا وَأَنَابَ﴾، هل يقال للراكع خرّ؟ قلت: لا، ومعناه: فخرّ، أي: ساجدًا، بعد ما كان راكعًا))(٤). ثانيًا: وقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِلَ لَهُ (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٤١/٧. (٢) أخرجه النسائي في الكبرى، ٥/٢، رقم ١٠٣١. وصححه الألباني في صحيح أبي داود، الأم ١٥٤/٥. (٣) التفسير الوسيط، الواحدي ١٩/ ١٩٠. (٤) معالم التنزيل، البغوي ٢/ ٨٠٠. يقول الإمام الطبري رحمه الله: وعن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن ((واختلف أهل التأويل في الحين الذي يقال لهم فيه، فقال بعضهم: يقال لهم ذلك في الآخرة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَ إِذَا قِلَ لَمُ أَزَكَعُواْ لَا يَزْكَعُونَ﴾، يقول: يدعون يوم القيامة إلى السجود فلا يستطيعون السجود. من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا))(٥). قال ابن عطية رحمه الله: ((قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِلَ لَهُ أَكَّعُواْ لَا يَزْكَعُونَ﴾، قيل: هي حكاية حال المنافقين في الآخرة إذا سجد الناس، فأرادوا السجود فانصرفت أصلابهم إلى الأرض وصارت فقراتهم كصياصي البقر، قاله ابن عباس رضي الله عنهما وغيره))(٦) رابعًا: السجود بمعنى الركوع: ذكرنا سابقًا أنه ورد لفظ السجود بمعنى الركوع في ثلاثة مواضع: الله تعالى: ﴿وَأَدْ خُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا﴾ [البقرة: ٥٨]. وقال تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ أَلْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء: ١٥٤]. (٥) جامع البيان، الطبري ٦١٢/٢٣ -٦١٤. (٦) المحرر الوجيز، ابن عطية ٨ /٥١٠. www. modoee.com ٣٠٩ حرف الراء وقال تعالى: ﴿وَأَدْخُلُواْ أَلْبَابَ سُجَّدًا﴾ متزحفين على أستاههم))(٣). [الأعراف: ١٦١]. وکلها وردت في أمر الله تعالى لبني إسرائیل بأن يدخلوا من باب حطة إلى بيت المقدس راكعين، خاشعين، شاكرين لله على أنه فتح عليهم مدينة بيت المقدس. قال الإمام القرطبي رحمه الله: ((وأما قوله: ﴿سُجَّدًا﴾، فإن ابن عباس كان یتأوّلە بمعنی الركوع». وعن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَدْخُلُواْ أَلْبَابَ سُجَّدًا﴾، قال: ((ركّعًا من باب صغير))(١). وعن ابن عباس من طريق آخر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا﴾، قال: ((أمروا أن يدخلوا ركعًا)). قال أبو جعفر: ((وأصل السجود الانحناء لمن سجد له معظّمًا بذلك، فكل منحنٍ لشيء تعظيمًا له وخشوعًا فهو له ساجد))(٢). وقال الإمام الواحدي رحمه الله: (وقوله: ﴿وَأَدْخُلُواْ أَلْبَابَ سُجَّدًا﴾، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ركّعًا، وهو شدة الانحناء، والمعنى: منحنين متواضعين. قال مجاهد رحمه الله: هو باب حطة من بيت المقدس، طوطئ لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم، فلم يخفضوا ولم يركعوا، ودخلوا (١) أخرجه الحاكم في المستدرك، ٢٦٢/٢، وقال: صحيح على شرط الشيخين. (٢) جامع البيان، الطبري ١/ ٧١٤-٧١٥. وقال ابن كثير رحمه الله: ((وحكي عن بعضهم أن المراد هنا بالسجود الخضوع؛ لتعذّر حمله على حقيقته)) (٤). وقال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: «﴿سُجدًا ﴾، أي: رگّعًا، خضّعًا، منحنين. وقال وهب: فإذا دخلتموه فاسجدوا شکرًا لله»(٥). وورد أيضًا في بعض التفاسير أن السجود أتى بمعنى الركوع في قوله تعالى: ﴿ وَتَقَلَُّكَ فِي السَِّدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩]. قال الإمام الطبري رحمه الله: ((ويرى تقلّبك مع الساجدين في صلاتهم معك، حین تقوم معهم وترکع وتسجد؛ لأن ذلك هو الظاهر من معناه)) (٦). وقال الإمام الشنقيطي رحمه الله: («﴿وَتَقَلَُّكَ فِ السَّجِدِينَ﴾ أي: المصلين، إذا صلیت بالناس))(٧). خامسًا: الركوع والسجود منفردين ومجتمعين: بالتتبّع لآيات الركوع والسجود نجد أن آيات الركوع الواردة في القرآن الكريم أقل من آيات السجود عمومًا، وأن آيات الركوع (٣) التفسير البسيط، الواحدي ٥٥٨/٢. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١٣٤. (٥) معالم التنزيل، البغوي ٢٦/١. (٦) جامع البيان، الطبري ٦٦٦/١ - ٦٦٩. (٧) أضواء البيان ٣٨٨/٦. ٣١٠ القرآن الكريمِ جاءت منفردة بالركوع في آیات، ومجتمعة مع السجود في آيات أخر. ١ . مجيء الركوع منفردًا. أتت آيات الركوع منفردة لم يذكر معها السجود بثلاثة مواضع، هي: لجماعة المصلين كما في قوله تعالى: ﴿وَأَزْكَعُواْ مَعَ الزَّكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وقوله: ﴿وَهُمْ رَكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]. ولمن طلب منهم الصلاة بقوله: ﴿وَإِذَا قِلَ لَمُهُ أَرْكَعُواْ لَا يَرَكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]. خاص لمريم عليها الصلاة والسلام في قول الله عز وجل: ﴿وَأَرَّكَعِى مَعَ الزَّكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. خاص بداوود عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]. ٢. مجيء الركوع والسجود مجتمعين. غالب الآيات التي ورد فيها الركوع، قرن بالسجود؛ كقوله تعالى: ال١٠٧ الشُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، [الحج: ٢٦]. تعالى: ﴿الرَّكِمُونَ وقوله السَّجِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]. وقوله: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ [الحج: وقوله: ﴿تَرَهُمْ رَكَّعَا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩]. مما يدلّ على تلازم الركوع مع السجود؛ حيث جاءت مرتبة للركوع قبلًا ثم السجود، ولأن الإنسان لا يمكن أن يصل إلى السجود قبل المرور بالركوع، وهذا هو الترتيب في أداء الصلاة، الركوع أولًا ثم يعقبه الرفع منه ثم السجود، وكلاهما يدلان على محض الخضوع والخشوع لله تعالى. وجاء الركوع والسجود في آية واحدة مجتمعين؛ ولكن بتقديم السجود على الركوع، في قوله تعالى: ﴿وَأَسْجُدِى وَأَرَّكَعِى [آل عمران: ٤٣]. فلم قدّم السجود هنا على الركوع؟ وللمفسرين في بيان سبب تقديم السجود على الركوع في هذه الآية أربعة أقوال، نبسطها لبيان الحكمة في ذلك: القول الأول: الواو هنا للجمع لا للترتیب، وليس فيه دليل على المبدوء به. فقدم السجود لفظًا، وهو مؤخر معنىّ(١). القول الثاني: أن السجود كان مقدمًا في شريعة زكريا عليه الصلاة والسلام وغيره من أنبيائهم. قال المنتجب الهمذاني: ((أي قيل لمريم: افعلي کلیهما، وقد ثبت في الصدور واستقر في النفوس تقديم الركوع على السجود، ٧٧]. (١) انظر: التفسير البسيط، الواحدي ٢٤٧/٥- ٢٥٠. www. modoee.com ٣١١ حرف الراء والقوم -أي: العرب- إذا أمنوا اللبس لها: ﴿وَأَرْكَمِ مَعَ الزَّكِعِينَ﴾، وقصد هنا تلعّبوا بألفاظهم، مع أن العطف عارٍ عن معلمًا من معالم الصلاة؛ لئلا يتكرر اللفظ، الترتيب)»(١). القول الثالث: أن الأمر ورد عامًا فيه حضّر على أفعال الخير، فكأنه قال: استعملي السجود في حال، واستعملي الركوع في حال، ولم يذهب إلى أنهما يجتمعان، ثم بالأمر على اختلاف الحالين. قال ابن عطية رحمه الله: ((وإنما المعنى: افعلي هذا وهذا، وقد علم تقدیم الركوع -أي: في الصلاة- وهذه الآية أكثر إشكالًا من قولنا: قام زید وعمرو؛ لأن قيام زيدٍ وعمروٍ ليس له رتبة معلومة، وهذه الآية قد علم أن السجود بعد الركوع، فكيف جاءت الواو بعكس ذلك؟))(٢). القول الرابع: أن مريم أمرت بفعلين ومعلمين من معالم الصلاة، هما طول القيام والسجود أولًا ﴿يَمَرْيَمُ أَقْتُبِى ◌ِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى﴾، وخصّا بالذكر لشرفهما في أركان الصلاة؛ إذ العبد يقرب في وقت سجوده من الله تعالى ، وهذان يختصان بصلاتها منفردة، وإلا فمن یصلي وراء إمام فليس يقال له: أطل قيامك !. ثم أمرت بعد بالصلاة في الجماعة، فقيل (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٨٩/٤. (٢) التفسير البسيط، الواحدي ٢٤٧/٥. ولم يرد بالآية السجود الذي هو منتظم في ركعة واحدة، والله أعلم (٣). ونقل ابن كثير رحمه الله قول الأوزاعي «أن مريم ركدت في محرابها راكعة ساجدة وقائمة حتى نزل الماء الأصفر على قدميها يقدّم السجود على الركوع، بل أراد العموم رضي الله عنها وأرضاها)) (٤). وللفائدة: نذكر مقارنة أجراها الإمام ابن القيم، توضح لنا نقطة مهمة تعتبر سببًا من أسباب تقديم الركوع على السجود؟ أو تقديم السجود على الركوع؟ وذلك في الآيتين التاليتين: الأولى: قول الله تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ وَأَعْبُدُواْ رَتَّكُمْ وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. ففيها ترتيب من الخاص إلى العام بين أربعة أشياء: أخصّها الركوع ثم السجود أعم منه، ثم العبادة أعم من السجود، ثم فعل الخير العام، المتضمن لما سبقه. الثانية: قوله تعالى: ﴿يَلْمَرْيَمُ أَقْنُّتِى لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرَّكَعِى مَعَ الزَّكِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. ففيها ترتيب من العام إلى الخاص، (٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢١٩/٢. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٥٤/١. ٣١٢ جَوَسُوبَةُ النَّفْسِيْ القرآن الكريمِ