النص المفهرس
صفحات 21-40
الرضا أي: غير مفتقر له، وهذا كناية عن كون طلب عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا التوحيد منهم لنفعهم ودفع الضر عنهم لا كُمْ تَعْمَلُونَ ، سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أَنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْإِنَّهُمْ لنفع الله، وتذکیرهم بهذا؛ ليقبلوا على النظر من أدلة التوحيد، والخبر مستعمل كناية في تنبيه المخاطب على الخطإ من فعله. يِجْسٌُ وَمَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءٌ بِمَا كَانُواْ ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ﴾ و قوله: يَكْسِبُونَ ﴿ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ اَلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٤-٩٦]. [الزمر: ٧]، اعتراض بين الشرطين؛ لقصد الاحتراس من أن يتوهم السامعون أن الله لا یکترث بکفرهم ولا يعبأ به، فیتوهمون أنه والشکر سواء عنده؛ ليتأكد بذلك معنی استعمال الخبر في تنبيه المخاطب على الخطإ، وبهذا تعين أن يكون المراد من قوله: ﴿لِعِبَادِهِ﴾، العباد الذين وجّه الخطاب إليهم في قوله تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنكُمْ﴾ [الزمر: ٧]، وذلك جري على أصل استعمال اللغة لفظ العباد، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ صَلُّواْ السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: ١٧](١). ٢. الرضا بالفسوق. ذكر القرآن الكريم أن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين. قال تعالي: ﴿يَعْنَّذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمَّ قُل لَّا تَعْتَذِرُواْ لَنْ تُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٣٧/٢٣. في الآية السابقة على هذه الآيات، رفع الله الحرج عن الضعفاء والمرضى، وعن الذين لا يجدون ما ينفقون، إذا هم لم يكونوا في موكب المجاهدين الذين يلقون العدوّ في ميدان القتال؛ إذ كانوا ومعهم أعذارهم التي تحول بينهم وبين القيام بهذا الأمر الذي ندب الله سبحانه وتعالى المؤمنين له، ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١](٢). ثم أخبر الله تعالى عن المنافقين الذين تخلفوا عن الجهاد بقوله سبحانه: إنهم سيحلفون معتذرين؛ لتعرضوا عنهم، ولا تؤنبوهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس أي: خبثاء نجس بواطنهم واعتقاداتهم، وماواهم في آخرتهم جهنم جزاء، أي: لأجل الجزاء (٢) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ٤٨٨/٣، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٤٨، التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم يونس ٨٦٩/٦. www. modoee.com ٢٣٣ حرف الراء بما كانوا يكسبون من الآثام والخطايا، ثم ٩٦]. أخبر عنهم بأنهم: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمَّ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ اَلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦]. أي: الخارجين عن طاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والفسق هو الخروج، ومنه سميت الفأرة: فويسقة؛ لخروجها من جحرها، ويقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من أكمامها، وهذا شر مقال قاله الله في أحد من خلقه، حیث أمر عز وجل بالإعراض عنهم وعدم معاتبتهم؛ احتقارًا لهم، ثم أمر باجتنابهم، والابتعاد عنهم؛ لأنهم رجس، والرجس والنجس بمعنی واحد، ثم توعدهم أشد الوعيد في قوله تعالى: ﴿وَمَأْوَنِهُمْ جَهَنَّمُ جَزَّاءُ بِمَا كَانُواْيَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٩٤]. ثم بيّن أن محاولتهم التخلص من التوبيخ والتأنيب، وإرضاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالأيمان الكاذبة لا تنفعهم في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأن الله سيفضح أمرهم ويهتك سترهم في هذه السورة التي سميت سورة الفاضحة (١). وقوله سبحانه: ﴿فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اَللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾ [التوبة: (١) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ٤٨٨/٣، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٤٨، التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم يونس ٠٨٦٩/٦ أي: فلا ينبغي لکم -أيها المؤمنون- أن ترضوا عن من لم يرض الله عنه، بل علیکم أن توافقوا ربكم في رضاه وغضبه، وتأمل كيف قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ اُلْفَسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦]. ولم يقل: ((فإن الله لا يرضى عنهم)»؛ ليدل ذلك على أن باب التوبة مفتوح، وأنهم مهما تابوا هم أو غيرهم، فإن الله یتوب علیهم، ویرضی عنهم، وأما ما داموا فاسقين، فإن الله لا يرضى عليهم؛ لوجود المانع من رضاه، وهو خروجهم عن ما رضيه الله لهم من الإيمان والطاعة، إلى ما يغضبه من الشرك، والنفاق، والمعاصي (٢). وحاصل ما ذكره الله: أن المنافقين المتخلفين عن الجهاد من غير عذر، إذا اعتذروا للمؤمنين، وزعموا أن لهم أعذارًا في تخلفهم، فإن المنافقین یریدون بذلك أن تعرضوا عنهم، وترضوا وتقبلوا عذرهم، فأما قبول العذر منهم والرضا عنهم، فلا حبًّا ولا کرامة لهم، وأما الإعراض عنهم، فیعرض المؤمنون عنهم، إعراضهم عن الأمور الردية والرجس، وقوله: ﴿يَجْسُ﴾ تعليل؛ لترك معاتبتهم، یعنی: أنّ المعاتبة لا تنفع فیھم ولا تصلحهم، إنما يعاتب الأديب ذو البشرة، (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٤٩. جُوَسُولحة النفسية القرآن الكريمِ ٢٣٤ الرضا والمؤمن يوبَّعُ على زلة تفرط منه؛ ليطهره التوبيخ بالحمل على التوبة والاستغفار، وأما هؤلاء فأرجاس لا سبيل إلى تطهيرهم، ﴿وَمَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمُ﴾، يعنى: وكفتهم النار عتابًا وتوبيخًا، فلا تتكلفوا عتابهم، وحكم هذه الآية يستمر في كل مغموص عليه ببدعة ونحوها، فإن المؤمن ينبغي أن يبغضه ولا پرضى عنه لسبب من أسباب الدنیا، ووضع الفاسقين موضع ضميرهم؛ للتسجيل عليهم بالخروج عن الطاعة المستوجب لما حلّ بهم من السخط، وللإيذان بشمول الحكم لكل من كان مثلهم في ذلك. والمراد به نهي المخاطبين عن الرضا عنهم والاغترار بمعاذیرهم الكاذبة على أبلغ وجهٍ وآكده، فإن الرضا عمن لا يرضى عنه الله تعالی مما لا یکاد یصدر عن المؤمن، وقيل: إنما قيل ذلك؛ لئلا يتوهم متوهمٌ أن رضا المؤمنين من دواعي رضا الله تعالى، قال أهل المعاني: هؤلاء طلبوا إعراض الصفح، فأعطوا إعراض المقت، وطلب الإعراض عنھم فیه تحذير للناس من أخلاق المنافقين الخبيثة والرذيلة، فكما يجب الاحتراز عن الأرجاس الجسمانية، فوجوب الاحتراز عن الأرجاس الروحانية أولى؛ خوفًا من سريانها إلى الإنسان، وحذرًا من أن يميل طبع الإنسان إلى تلك الأعمال(١). (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢٤/١٦، ٣. الرضا بالأعمال والأقوال السيئة. يخبر الله تعالى عن صفة من صفات المنافقين، وهي تبييت ما لا يرضى من القول. قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمّْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا ١٠٧) خَوَانًا أَثِمًا ! يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَ كَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطَا﴾ [النساء: ١٠٧-١٠٨]. نھی الله تعالی نبیه صلی الله علیه وسلم عن المجادلة، عمن أذنب وتوجه عليه عقوبة من حد أو تعزیر، فإنه لا يجادل عنه بدفع ما صدر منه من الخيانة، أو بدفع ما ترتب على ذلك من العقوبة الشرعية، ثم أخبر سبحانه أنه: ﴿لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانَا أَثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧]، أي: كثير الخيانة والإثم، وإذا انتفى الحب ثبت ضده وهو البغض، فإذا كان العدوان من وليّ الأمر على الظالم الآثم أمرًا تنكره الشريعة، فتفرض حماية على الظالم المعتدي، حتى لا يجاوز بعقابه الحدّ المرصود لجريمته، فإن الميل مع الظالم الآثم، والتماس المعاذير لجريمته، ابتغاء التخفيف عنه، لا يقلّ في نظر الشريعة عن الكشاف، الزمخشري ٣٠٢/٢، المحرر الوجيز، ابن عطية ٣ /٧٢، البحر المحيط، أبو حيان ٤٨٩/٥، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤ / ٩٤. www. modoee.com ٢٣٥ حرف الراء فعل الظالم نفسه؛ لأن في هذا عدوانًا على وأحوال الخلق كافة؟! أي: لا يمكن أن حق الله، وتعطيلًا لحدوده! ثم أخبر جل وعلا أن من صفات هؤلاء الخونة: أنهم يستترون من الناس عند اجتراحهم الآثام إما حياء وإما خوفًا من ضررهم، ولا يستترون من الله ولا يستحیون منه بتركها؛ لضعف إيمانهم؛ إذ الإيمان يمنع من الإصرار وتكرار الذنب، ولا تقع الخيانة من صاحبه إلا عن غفلة أو جهالة عارضة لا تدوم، فمن یعلم أن الله يراه لابد أن يترك ما لا يرضى من القول؛ تبرئة لأنفسهم ورمي غیرهم بجريمتهم، ثم توعدهم على عظیم جرمهم فقال سبحانه: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾، جل وعلا عالم بهم وبأحوالهم، يسمع ما يدبرونه في الخفاء ويضمرونه في السر من رمي البريء وشهادة الزور والحلف الكاذب(١). ثم حذر المؤمنين من مساعدة هؤلاء الخونة فقال: ها أنتم يا هؤلاء جادلتم عنهم وحاولتم تبرئتهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلًا، يوم يكون الخصم والحاكم هو الله المحيط علمه بأعمالهم وأحوالهم (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩١/٩، تفسير المراغي ١٤٩/٥، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٠٠، التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم يونس ٣/ ٨٩٠. يجادل هنالك أحد عنهم، ولا أن يكون وكيلًا بالخصومة لهم، فعلى المؤمنين أن يراقبوا الله تعالى في مثل ذلك، ولا يحسبوا أن من أمکنه أن ینال الفرج بالحکم له من قضاة الدنیا بغير حق، يمكنه كذلك أن يظفر في الآخرة، یوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذ لله(٢). والسبب الذي نزلت فيه هذه الآية هو: أن رجلا من الأنصار اسمه: طعمة بن أبیرق الذنب والخيانة؛ حياء منه تعالى وخوفًا من وكان منافقًا، سرق درعًا لعمه كانت عنده عقابه، وهو تعالى شاهدهم حين يدبرون ليلًا وديعة، فلما أن خاف أن يعرف فيه قذفها على یهودي، وأخبر بني عمه بذلك فجاء اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بالدرع، وقال: والله ما سرقتها يا أبا القاسم ولكن طرحت علي! فلما رأوا ذلك بنو عم طعمة جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبرئوا صاحبهم من الدرع، ويسألونه أن يبرئه منها، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبرئه من السرقة حتى نزل: ﴿وَلَا تُجَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧]. يريد: طعمة وبني عمه، ولما نزل القرآن في طعمة لحق بقريش وارتد، ثم عاد إلى مشربة الحجاج حليف لبني عبد الدار فنقبها فسقط علیه حجر، فنحل لحمه، فلما أصبح (٢) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٣٢٥/٥. موسوعة البقية القرآن الكريم ٢٣٦ الرضا أخرجوه، ونفوه من مكة فخرج فلقي ركبا فعرض لهم، وقال: ابن سبيل منقطع به، فحملوه حتى إذا جن الليل عدا عليهم، فسرقهم، ثم انطلق، فخرجوا في طلبه فأدركوه فقذفوه بالحجارة حتى مات(١). (١) انظر: الهداية الى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ١٤٥٨/٢. رضا المخلوقين بين المحمود والمذموم إن الرضا من العباد مطلوب شرعًا سواء كان ذلك الرضا عن الله وقضائه وقدره، أو کان رضا بعضهم عن بعض، وينقسم رضا العباد إلى قسمين؛ قسم محمود وقسم مذموم، وسوف يتم تناول ذلك في النقاط الآتية: أولًا: الرضا المحمود: ١. الرضا عن الله. أخبر الله تعالى عن رضاه عن المؤمنين ورضاهم عنه. قال عز وجل: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنَفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَثَّتٌ تَجْرِ مِن تَمْتِهَا اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِبِهَا أَبْدًا رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩]. وقال تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّتٍ نَّجْرِىمِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَأَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اَللّهِ أَلَّ إِنَّ حِزْبَ اَللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]. إن الرضا عن الله سبحانه وتعالى من أعلى مقامات اليقين بالله. قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَّآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا www. modoee.com ٢٣٧ حرف الراء اُلْإِحْسَنُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. كلّه في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلاّ فمن أحسن الرضا عن الله جازاه الله فاصبر، والرضا حال يصحب العبد في الدنيا والآخرة. بالرضا عنه، فقابل الرضا بالرضا، وهذا غاية الجزاء ونهاية العطاء، وهو قوله عز وجل: ﴿َرَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. قيل: ذلك في الدنيا، فرضاه عنهم هو ما أظهره عليهم من أمارات رحمته وغفرانه، ورضاهم عنه: هو رضاهم بجميع ما قسم لهم من جميع الأرزاق والأقدار، وکقوله سبحانه: ﴿أَرْجِىّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨]. وقال الراغب: ((رضا العبد عن الله أن لا یکره ما يجري به قضاؤه، ورضا الله عن العبد هو أن يراه مؤتمرًا بأمره ومنتهيًا عن نهیه، وأرضاه: أعطاه ما يرضى به، وترضّاه: طلب رضاه))(١). وقال بعض الصالحين: رضى العباد عن الله: رضاهم بما يرد من أحكامه، ورضاه عنهم أن يوفقهم للرضی عنه»، وقال أبو بكر بن طاهر: ((الرضى عن الله: خروج الكراهية عن القلب حتی لا یکون إلا فرح وسرور»، وقال السري السقطي: ((إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تطلب منه الرضا عنك؟))، و کتب عمر بن الخطّاب رضي الله عنه إلى أبى موسى الأشعرىّ: ((أمّا بعد، فإن الخير (١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٥٦. جوبي القرآن الكريمِ قال بعض العلماء: الرضا عن الله باب الله الأعظم، وجنة الدنيا ولذة العارفين، والرضوان عن الله في الجنة وهم في الدنيا راضون عنه متلذذون بمجاري أقضيته، سليمة صدورهم من الغل، مطهرة قلوبهم عن الفساد، لا یتحاسدون ولا یتباغضون، وقيل: ذلك في الآخرة، فرضاهم عنه رضاهم بما من به عليهم من النعم، ورضاهم عنه هو ما روي أن الله تعالى يقول لأهل الجنة: (هل رضيتم بما أعطيتكم؟ فيقولون: نعم ربنا وكيف لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين؟! فيقول: أنا أعطيكم أفضل من كل ما أعطيتكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا)(٢) (٣). ٢. الرضا بقدر الله. بين القرآن الكريم أن من صفات المؤمنین الرضا بقدر الله، وعدم الاعتراض عليه، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ (٢) سبق تخريجه. (٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٥٦، المحرر الوجيز، ابن عطية ٥٠٩/٥، مفاتيح الغيب، الرازي ٤ / ١٣٣، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٣/ ٨٢، إعراب القرآن وبیانه، محيي الدين درویش ٥٤٧/١٠. ٢٣٨ الرضا مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا قُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. أعلم الله في هذه الآية أنه لا اختيار على ما قضاه الله ورسوله، بل من حقهم أن یجعلوا رأیھم تبعًا لرأيه، واختيارهم تلوًا لاختياره، وسبب نزول هذه الآية: أن رسول الله صلی الله عليه وسلم خطب زينب بنت جحش، فظنت أن الخطبة لنفسه، فلما بين أنه إنما يريدها لزيد بن حارثة رضي الله عنه کرهت وأبت، فنزلت الآية، فأذعنت زينب رضي الله عنها حينئذ وتزوجته، فهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء، فليس لأحد مخالفته ولا اختیار لأحد هاهنا، ولا رأي ولا قول. قال تعالى: ﴿فَلَّ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. ولهذا شدد في خلاف ذلك، فقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا قُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُثَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ مُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣](١). (١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٤٧٢/٣، الكشاف، الزمخشري ٣/ ٥٤٠، المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٨٥/٤، تفسير القرآن العظیم، ابن کثیر ٦/ ٤٢٣. وقال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَّقْصٍ مِنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِّ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ (٦) أُوْلَتْبِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَكَ هُمُ اٌلْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. أخبر الله تعالى عباده أنه سوف يبتليهم بنقص من الأموال والأنفس والثمرات، ثم أخبر بما لهم عند الله تعالى عند الصبر على هذه الشدائد في طاعة الله تعالى، فقال سبحانه: ﴿أُوْلََّكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]. يعني: الثناء الجميل والبركات والرحمة، وهي النعمة التي لا يعلم مقاديرها إلا الله تعالى، كقوله في آية أخرى: ﴿إِنََّا يُوَلَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر : . ـوله تعالى: ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، إقرار بالبعث والنشور، واعتراف بأن الله تعالى سيجازي الصابرين على قدر استحقاقهم، فلا يضيع عنده أجر المحسنين. وقد تضمنت الآية مدح الصابرين على شدائد الدنيا وعلى مصائبها على الوجه التي ذكر، والوعد بالثواب والثناء الجميل والنفع العظيم لهم في الدنيا والآخرة، فأما في الدنيا: فما یحصل له به من الثناء الجميل في نفوس المؤمنين؛ لائتماره لأمر الله تعالى، ولأن في الفكر في ذلك www. modoee.com ٢٣٩ حرف الراء تسلیة عن الهمّ ونفي الجزع الذي ربما أدى إلى ضرر في النفس وإلى إتلافها في حال ما يعقبه ذلك في الدنيا من محمود العاقبة، وأما في الآخرة: فهو الثواب الجزيل الذي لا يعلم مقداره إلا الله. قال أبو بكر الجصاص: ((وقد اشتملت هذه الآية علی حکمین، فرض ونفل، فأما الفرض: فهو التسليم لأمر الله والرضا بقضاء الله والصبر على أداء فرائضه، لا يثنيه عنها مصائب الدنيا ولا شدائدها، وأما النفل: فإظهار القول بـ (إنا لله وإنا إليه راجعون)، فإن في إظهاره فوائد جزيلة؛ منها فعل ما ندب الله إليه، ووعده الثواب عليه، ومنها أن غيره يقتدي به إذا سمعه، ومنها غيظ الكفار وعلمهم بجدّه واجتهاده في دین الله تعالى، والثبات على طاعته ومجاهدة أعدائه. ويحكى عن دواد الطائي أنه قال: ((الزاهد في الدنيا لا يحب البقاء فيها، وأفضل الأعمال الرضا عن الله، ولا ينبغي للمسلم أن يحزن للمصيبة؛ لأنه يعلم أن لكل مصيبة ثوابا))(١). فقضاء الله کله خير وعدل وحكمة، يجب الرضا به كله، والمقضيّ -وهو المفعول المنفصل عنه- لا يجب الرضا به کله، فإنه إنما شرع الرضا بما یرضی الله به، والمقضي نوعان: (١) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ١١٦/١، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٨٨/٣، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٦. النوع الأول: شرعي ديني: فالرضا بالقضاء الديني الشرعي واجب، وهو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان، فيجب على العبد أن يكون راضيًا به بلا حرج، ولا منازعة ولا معارضة، ولا اعتراض، قال الله تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيَّ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: ٦٥]. فأقسم: أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله، وحتی پرتفع الحرج من نفوسهم من حکمه، وحتى يسلموا لحكمه تسلیمًا، وهذه حقيقة الرضا بحكمه، فالتحكيم: في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج: في مقام الإيمان، والتسليم: في مقام الإحسان. والنوع الثاني: الرضا بالقضاء الكوني القدري، الموافق لمحبة العبد وإرادته ورضاه -من الصحة، والغنى، والعافية، واللذة- أمر لازم بمقتضى الطبيعة؛ لأنه ملائم للعبد، محبوب له، فليس في الرضا به عبودية، بل العبودية في مقابلته بالشكر، والاعتراف بالمنة، ووضع النعمة مواضعها التي یحب الله أن توضع فيها، وأن لا يعصي المنعم بها، وأن یری التقصير في جميع ذلك، والرضا بالقضاء الكوني القدري، الجاري على خلاف مراد العبد ومحبته -مما لا يلائمه، ولا يدخل تحت اختياره- مستحب، ٢٤٠ مَوَهُ وَالَرَ النَّفْسِيْ جوسين الْقُرْآن الكَرِيمِ الرضا وهو من مقامات أهل الإيمان، وفي وجوبه قولان، وهذا كالمرض والفقر، وأذى الخلق له، والحر والبرد، والآلام ونحو ذلك، والرضا بالقدر الجاري عليه باختياره - مما یکرهه الله ویسخطه، وینھی عنه- كأنواع الظلم والفسوق والعصيان: حرام يعاقب عليه، وهو مخالفة لربه تعالى، فإن الله لا يرضى بذلك ولا يحبه، فكيف تتفق المحبة ورضا ما يسخطه الحبيب ويبغضه؟(١). ودلت هذه الآية، أعني قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، على أن من لم يصبر، فله ضد ما لهم، فحصل له الذم من الله، والعقوبة والضلال والخسران، فما أعظم الفرق بين الفريقين! وما أقل تعب الصابرين، وأعظم عناء الجازعين! فقد اشتملت هاتان الآيتان على توطين النفوس على المصائب قبل وقوعها؛ لتخف وتسهل إذا وقعت، وبيان ما تقابل به إذا وقعت، وهو الصبر، وبيان ما يعين على الصبر، وما للصابر من الأجر، ويعلم حال غير الصابر، بضد حال الصابر، وأن هذا الابتلاء والامتحان، سنة الله التي قد خلت، ولن تجد لسنة الله تبديلا، كما اشتملت على بيان أنواع المصائب(٢). (١) انظر: الرضا عن الله بقضائه، ابن أبي الدنيا ص ٦٥، مدارج السالكين، ابن القيم ١٨٩/٢. (٢) انظر: الرضا عن الله بقضائه، ابن أبي الدنيا ص ٥٠. ٣. الرضا بحكم الله. إن الرضا بحكم الله تعالى واجب شرعًا، قال تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. أقسم تعالى في هذه الآية الكريمة بنفسه الكريمة المقدسة، أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم رسوله صلى الله عليه وسلم في جمیع الأمور، ثم ینقاد لما حکم به ظاهرًا وباطنًا ويسلمه تسليمًا كليًّا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، وهذه حقيقة الرضا بحكمه، فالتحكيم: في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج: في مقام الإيمان، والتسليم: في مقام الإحسان، وبين في آية أخرى أن قول المؤمنين محصور في هذا التسليم الكلي، والانقياد التام ظاهرًا وباطنًا لما حكم به صلى الله عليه وسلم، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. لِيَحْكُمُ بَيْنَهُ أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ اٌلْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]. فيجب على العبد أن يكون راضيًا به بلا حرج، ولا منازعة ولا معارضة، ولا (٣) اعتراض (٣). (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٥١٨/٨، مدارك التنزيل، النسفي ٣٧٠/١، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٤٩/٢، أضواء البيان، الشنقيطي ٢٤٥/١. www. modoee.com ٢٤١ حرف الراء ثانيًا: الرضا المذموم: ١. الرضا بالأقوال الباطلة. ذم الله تعالى قومًا رضوا بالأقوال الباطلة، فقال عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا شَيَطِينَ أَلْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًاً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوَّةٌ فَذَرْهُمْ وَمَا يَقْتَرُونَ (١) وَلِتَصْغَّى إِلَيْهِ أَفِْدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَاهُمْ مُقْتَرِقُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣]. أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أنه جعل له أعداء يخالفونه ويكذبونه ويعادونه، کما جعل ذلك لكل نبي تقدم قبله، فلا يهولنه ذلك، وأخبر سبحانه أن هؤلاء الأعداء هم شياطين من الإنس وشياطين من الجن، والشيطان كل عاتٍ متمرد من الجن والإنس، قالوا: وشياطين الإنس أشد تمردًا من شياطين الجن؛ لأن شيطان الجن إذا عجز عن إغواء المؤمن الصالح وأعياه ذلك استعان على إغوائه بشيطان الإنس؛ ليفتنه، ومن صفات هؤلاء الشياطين أنهم يدعون الناس إلى ضلالهم وكفرهم، وأنهم يزينون الأعمال القبيحة لبني آدم ويغرونهم بها على المعاصي، وأن هذا بمشيئة الله، وأن الله تعالى لو شاء لمنع الشياطين من إلقاء الوسوسة إلى الإنس والجن، ولكن الله يمتحن من يشاء من عباده بما يعلم أنه الأجزل له في الثواب إذا صبر على المحنة، ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَقْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]. يعني: فخلّهم يا محمد وما زين لهم إبليس وغرهم به من الكفر والمعاصي فإني من ورائهم، ثم أخبر سبحانه أن هؤلاء الشياطين إنما يخدعون ويغرون من هم على شاكلتهم من الكفار والضلال الذين لا يؤمنون بالله، وتمیل نفوسهم إلى هذه الزخارف الباطلة ويرضون بها؛ لأنها توافق أهواءهم وشهوتهم، وأما المؤمنون بالله فلا يقبلون هذه الزخارف ولا يرضونها؛ لعلمهم ببطلانها ووخامة عاقبتها، وليرضوه لأنفسهم بعد ما مالت اليه أفئدتهم(١). وفيه تحذير من الكفر وترغيب في الإيمان وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتنبيه له على ما أعد للكفرة من العقاب، وله من الثواب بسبب صبره على سفاهتهم وتلطفه بهم. (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ١٤٨/٢، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٠٩/٦، مراح لبيد، الجاوي ١/ ٣٤٢، تفسير المراغي ٨/٨. ٢٤٢ مَوَسُوعُ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الرضا ٢. الرضا بالقعود عن الجهاد. ذم الله تعالى قومًا رضوا بالتخلف عن الجهاد، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَآَ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَجَِهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ أُسْتَعْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَعِدِينَ ﴿ رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطيِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٦-٨٧]. وقد بين تعالى أن الأغنياء من هؤلاء المنافقين، إذا أنزل الله سورة فيها الأمر بالجهاد، استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في التخلف عن الجهاد والخروج معه لقتال أعداء الله من المشرکین، ورضوا أن يكونوا في منازلهم كالنساء اللواتي ليس عليهن فرض الجهاد، فهن قعود في وبيوتهن، وقد كانت الرجولة تفترض فيهم أن يهبوا للقتال، لكنهم ارتضوا لأنفسهم ضعف النساء والأطفال. وقوله سبحانه: ﴿رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطيِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٧]، استـ قصد منه التعجيب من دناءة نفوسهم وقلة رجولتهم بأنهم رضوا لأنفسهم بأن يكونوا تبعًا للنساء، وفي اختيار فعل (رضوا) إشعار بأن ما تلبسوا به من الحال من شأنه أن يتردد العاقل في قبوله، كما في قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨]. وقوله جل جلاله: ﴿إِنَّكُتْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَأَقْعُدُ وامَعَ الْخَلِفِينَ﴾ [التوبة: ٨٣]. والطبع تمثيل لحال قلوبهم في عدم قبول الهدى بالإناء أو الكتاب المختوم، والطبع مرادف الختم، وهو التغطية على الشيء والاستیثاق منه، فلا يدخله شيء، وأسند الطبع إلى المجهول إما للعلم بفاعله وهو الله، وإما للإشارة إلى أنهم خلقوا كذلك وجبلوا عليه، وفرع على الطبع انعدام علمهم بالأمور التي يختص بعلمها أهل الأفهام، وهو العلم المعبر عنه بالفقه، أي: إدراك الأشياء الخفية، أي: فآثروا نعمة الدعة على سمعة الشجاعة وعلى ثواب الجهاد؛ إذ لم يدركوا إلا المحسوسات؛ فلذلك لم يكونوا فاقهين، وذلك أصل جميع المضار في الدارين، وجيء في إسناد نفي الفقاهة عنهم بالمسند الفعلي؛ للدلالة على تقوي الخبر وتحقيق نسبته إلى المخبر عنهم وتمكنه منهم(١). قال سيد قطب: ((إن للذلّ ضريبة كما أن للكرامة ضريبة، وإن ضريبة الذلّ لأفدح في كثير من الأحايين، وإن بعض النفوس الضعيفة ليخيل إليها أن للكرامة ضريبة باهظة لا تطاق، فتختار الذل والمهانة؛ هربًا من هذه التكاليف الثقال، فتعيش عيشة تافهة (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤/ ٤١٢، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٩/١٠، أضواء البيان، الشنقيطي ٧/ ٢٥٦. www. modoee.com ٢٤٣ حرف الراء رخيصة، مفزعة قلقة، تخاف من ظلها، بِهَا﴾، أي: ركنوا إليها، وجعلوها غاية وتفرق من صداها، يحسبون كل صيحة مرامهم ونهاية قصدهم، فسعوا لها وأكبوا عليهم، ولتجدنهم أحرص الناس على حیاة، هؤلاء الأذلاء يؤدون ضريبة أفدح من على لذاتها وشهواتها، بأي طريق حصلت حصلوها، ومن أي وجه لاحت ابتدروها، تكاليف الكرامة، إنهم يؤدون ضريبة الذل قد صرفوا إرادتهم ونياتهم وأفكارهم وأعمالهم إليها، فكأنهم خلقوا للبقاء كاملة، يؤدونها من نفوسهم، ويؤدونها من أقدارهم، ويؤدونها من سمعتهم، ويؤدونها من اطمئنانهم، و کثیرًا ما يؤدونها من دمائهم وأموالهم وهم لا يشعرون))(١). فيها، وکأنها ليست دار ممرّ، یتزود منها المسافرون إلى الدار الباقية التي إليها يرحل الأولون والآخرون، وإلى نعيمها ولذاتها شمر الموفقون، ومن صفاتهم، ﴿وَأَلَّذِينَ ٣. الرضا بالدنيا وزينتها. هُمْ عَنْ ءَايَئِنَا غَفِلُونَ ﴾، فلا ينتفعون بالآيات ذم الله تعالى قومًا رضوا بالدنيا، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُواْ بِاْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَأَحْمَأَنُواْ بِهَا وَأَلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَئِنَا غَفِلُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ مَأْوَنَّهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٧-٨]. القرآنية، ولا بالآيات الكونية والنفسية، والإعراض عن الدليل مستلزم للإعراض والغفلة عن المدلول المقصود، ثم أخبر الله تعالى بما يستحقونه من الجزاء وهو نار جهنم، فبين سبحانه أن رضوانهم بالحياة الدنيا واطمئنانهم بها ناتج عن مرض الكفر بالله وبلقائه سبحانه، وأن ذلك كله مترتب على مرض الجهل الحاصل من حب الدنيا(٢). وقال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أنَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِّ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فِ اُلْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلُ﴾ [التوبة: ٣٨]. يخبر تعالى عن حال الأشقياء الذين كفروا بلقاء الله يوم القيامة ولا يرجون في لقاء الله شيئًا، الذي هو أكبر ما طمع فيه الطامعون، وأعلى ما أمله المؤملون، بل أعرضوا عن ذلك، وربما كذبوا به ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا﴾ بدلا عن الآخرة، ﴿وَأَطْمَأَُّواْ (١) في ظلال القرآن ١٦٨٤/٣. ٤. الرضا عن المنافقين. أخبر الله تعالى عن أخلاق المنافقين القبيحة وتخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيمانهم الكاذبة وخوفهم (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢١٠/١٧، مدارك التنزيل، النسفي ٨/٢، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٩/٤، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١/ ٩٩. ٢٤٤ القرآن الكريم الرضا من المؤمنين ومحاولة استرضائهم، وأمر من خلقه، حيث أمر عز وجل بالإعراض عنهم وعدم معاتبتهم؛ احتقارًا لهم، ثم أمر باجتنابهم، والابتعاد عنھم، ثم بيّن أن محاولتهم التخلص من التوبيخ والتأنيب، وتعالى: وإرضاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالأيمان الكاذبة لا تنفعهم في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأن الله سيفضح أمرهم، ويهتك سترهم في هذه السورة التي سميت الفاضحة. النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن یعرضوا عنهم، فلا يأخذونهم باللّوم، ولا يضعونهم موضع الاتهام، فقال تبارك ﴿سَيَحْلِقُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أَنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَنَهُمْ جَهَنَّمُ جَزَّاءُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴿ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمَّ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ اَلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥-٩٦]. وقد أخبر الله تعالى عن المنافقين الذين تخلفوا بقوله: إنهم سيحلفون معتذرين؛ لتعرضوا عنهم ولا تؤنبوهم، فأعرضوا عنهم إنهم رجس، والرجس: الخبث، والمراد: تشبيههم بالرجس في الدناءة ودنس النفوس، رجس معنوي، أي: خبثاء نجس بواطنهم واعتقاداتهم، ثم توعدهم مَاوَنهُم أشد الوعيد، في قوله سبحانه: جَهَنَّمُ جَزَاءُ بِمَاكَانُواْيَكْسِبُونَ﴾. ثم أخبر عنهم بأنهم: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْ عَنْهُمّ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾، أي: الخارجين عن طاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والفسق هو الخروج ومنه سميت الفأرة: فويسقة؛ لخروجها من جحرها، ويقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من أكمامها، وهذا أشد ما ذم الله به أحدًا قال أهل المعاني: هؤلاء طلبوا إعراض الصفح، فأعطوا إعراض المقت. ثم ذكر العلة في وجوب الإعراض عنهم، فقال: إنهم رجس، والمعنى: أن خبث باطنهم رجس روحاني، فكما يجب الاحتراز عن الأرجاس الجسمانية، فوجوب الاحتراز عن الأرجاس الروحانية أولى؛ خوفًا من سریانها إلى الإنسان، وحذرًا من أن يميل طبع الإنسان إلى تلك الأعمال (١). وفي الآيات السابقة: أن من أرضى الناس بسخط الله أسخطهم عليه وسخط عليه، ومن أسخط الناس في رضي الله أرضاهم عليه، ورضي عنه، فمن أقر منكرًا حياء أو خوفًا من الناس، فقد أسخط مولاه، (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٠٢/٢، المحرر الوجيز، ابن عطية ٧٢/٣، مفاتيح الغيب، الرازي ١٢٤/١٦، البحر المحيط، أبو حيان ٤٨٩/٥، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤/ ٩٤. www. modoee.com ٢٤٥ حرف الراء ومن أنكر منكرًا، ولم يراقب أحدًا، فقد أهلها، وإنما يرومون بذلك أن تقصر عليهم، وقد عبر عن رضاهم بصيغة الماضي؛ أرضی مولاه، ومن راقب الناس لم يراقب الله، ومن راقب الله لم يراقب الناس، ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ, أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢] (١). للدلالة على أنه كان يكون لأجل العطاء في وقته وینقضي، فلا يعدونه نعمة يتمنون دوام الإسلام لدوامها، وعبر عن سخطهم بـ (إذا) الفجائية، وبالفعل المضارع؛ للدلالة على ٥. الرضا المشروط بالمنفعة. سرعته واستمراره، وهذا دأب المنافقين أخبر الله تعالی عن حال المنافقين، وأن رضاهم وسخطهم لأنفسهم لا للدين وما فيه صلاح أهله، بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوَاْ مِنْهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَعُونَ ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآ ءَاتَنُهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ، وَقَالُواْ حَسْبُنَا اَللَّهُ سَيُؤْتِيْنَا اَللّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٨-٥٩]. وخلقهم في كل زمان ومكان، ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، أي: ولو أنهم رضوا ما أعطاهم الله من فضله بما أنعم عليهم من الغنائم وغيرها، وأعطاهم رسوله بقسمه للغنائم والصدقات كما أمره الله تعالى: ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا اَللَّهُ﴾، أي: هو حسبنا وكافينا في كل حال: ﴿سَيُؤْتِيْنَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ،وَرَسُولُهُ﴾، أي: سيعطينا الله من فضله في المستقبل من الغنائم والكسب؛ لأن فضله دائم لا ينقطع، ويعطينا رسوله مما يرد عليه من الغنائم والصدقات زيادة مما أعطانا من قبل، لا يبخس أحدًا منا حقا يستحقه في شرع الله تعالى ﴿إِنَّ إِلَى اللّهِ رغبُونَ ﴾، لا نرغب إلى غيره في شيء، وفي الآية إشارة للعبد أن لا يكون رضاه وغضبه، تابعًا لهوی نفسه الدنيوي وغرضه الفاسد، بل الذي ينبغي أن يكون هواه تبعًا لمرضاة ربه(٢). أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن سوء نية بعض المنافقين وخبث نفوسهم، وقبائحهم وفضائحهم، وجشعهم في الدنيا، وطعنهم في الرسول صلی الله عليه وسلم بسبب أخذ الصدقات من الأغنياء، ويقولون: إنه يؤثر بها من يشاء من أقاربه وأهل مودته، وينسبونه إلى أنه لا يراعى العدل وأنه يحابي فيها، وسبب سخطهم أنهم يودون أن توزع الصدقات عليهم، فإذا رأوها توزع على غيرهم طعنوا في إعطائها بمطاعن يلقونها في أحاديثهم، ويظهرون أنهم يغارون على مستحقيها، ويشمئزون من صرفها في غير (١) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٤٠٠/٢. (٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٦٨٨/١، المنار، محمد رشيد رضا ١٠/ ٤٢١، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣١/١٠، تيسير الكريم ٢٤٦ جَوْسُور لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الرضا الرضا في المعاملات إن الرضا في الشريعة الإسلامية مبدأ من المبادئ الأساسية في المعاملات، وسنذكر بعض المعاملات القائمة على التراضي، وهي ما يأتي: أولًا: الرضا بالمهر: إذا وجب المهر بين الزوجين وعلم فلا بأس أن يقع فيه التراضي بعد ذلك بین الرجال والنساء في تركه كله أو بعضه أو الزيادة عليه. قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَنتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ كِتَبَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُواْبِأَمْوَلِكُمْ تُخْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَْ فَمَا أَسْتَمْتَعْثُم بِهِ مِنْهُنَّ فَشَاتُوهُنَّ أُجُورَ هُنَ فَرِيضَةٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَضَيْتُم بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٢٤]. لما بين الله تعالى ما يحل من النساء وما يحرم، وأخبر أن المهر فريضة واجبة للنساء على الرجال، وأنه في مقابلة الاستمتاع، وأخبر سبحانه أن هذه الفريضة قائمة على التراضي بين الزوجين. وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَضَيِّتُم بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ﴾، أي: لا الرحمن، السعدي ص ٣٤٠، البحر المديد، ابن عجيبة ٢/ ٣٩٤. حرج ولا تضييق عليكم منه تعالى إذا تراضيتم بعد الفريضة على الزيادة فيها أو النقص منها أو حطها كلها، فإن الغرض من الزوجية أن تكونوا في عيشة راضية ومودة ورحمة تصلح بها شئونکم، وترتقي بها أمتكم، والشرع يضع لكم قواعد العدل، ويهديكم مع ذلك إلى الإحسان والفضل، وهو كقوله تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْ ءٍ مِنْهُ نَفْسَا فَكُلُوهُ هَنْيَنَامَِّيِّئًا﴾ [النساء: ٤]. إلّاّ أَن يَعْفُونَ وقوله جل وعلا: [البقرة: أَوْ يَعْفُواْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ٢٣٧]. وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٢٤]. فيضع لعباده من الشرائع بحكمته ما یعلم أن فيه صلاح حالهم ما تمسكوا به، ومن ذلك أن أوجب على الرجل أن يفرض لمن يريد الاستمتاع بها أجرًا یکافئها به على قبول قیامه وریاسته علیھا، ثم أذن له ولها في التراضي على ما يريان الخير فيه لهما والائتلاف والمودة بينهما (١). وذهبت الشيعة إلى أن المراد بالآية: (١) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ١٠٦/٣، مفاتيح الغيب، الرازي ١٠/ ٤٥، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣٥/٥، مدارك التنزيل، النسفي ٣٤٨/١، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٩/٢، المنار، محمد رشيد رضا ١١/٥، روح المعاني، الألوسي ٧/٣. www. modoee.com ٢٤٧ حرف الراء (نكاح المتعة)، ونكاح المتعة: هو نكاح بل إن هذا العمل منكر (١). المرأة إلى أجل معين كيوم أو أسبوع أو شهر، ولا خلاف أنه کان مرخصًا فيه في بدء الإسلام، وأباحه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في بعض الغزوات؛ لبعدهم عن نسائهم، فرخص فيه مرة أو مرتين؛ خوفًا من الزنا، فهو من قبیل ارتكاب أخف الضررین، ثم نهى عنه نهيًا مؤبدًا؛ لأن المتمتع به غالبًا لا يكون مقصده الإحصان، وإنما يكون مقصده الاستمتاع فقط. وقد نھی سیدنا عمر رضي الله عنه في خلافته عن نكاح المتعة، وأعلن بتحريمه على المنبر، وأقر الصحابة له على ذلك، ومنع نكاح المتعة يقتضى منع النكاح بنية الطلاق، ولكن بعض الفقهاء أجازوه إذا نواه الرجل ولم يشترطه في العقد، وإن كان كتمانه يعد خداعًا وغشًّا وعبثًا بهذه الرابطة العظيمة التي هي أعظم الروابط البشرية، وإيثارًا للتنقل في مراتع الشهوات، إلى ما يترتب على ذلك من العداوة والبغضاء، وذهاب الثقة بين الزوجين حتى بالصادقين الذين يريدون بالزواج الإحصان، والتعاون على تأسيس البيت الصالح والعيشة السعيدة، ولا شك أن الإسلام بقيمه السامية وأخلاقه الرفيعة لا يقبل بأي حال من الأحوال بهذا النوع من النكاح ولا يرتضيه، وليس من خلق المسلم هذا العمل القبيح، قال البقاعي: ((ولما ذكر في هذه الآيات أنواعًا من التكاليف هي في غاية الحكمة، والتعبير عنها في الذروة العليا من العظمة، وختمها بإسقاط الجناح عند الرضى، وكان الرضى أمرًا باطنًا لا يطلع عليه حقيقة إلا الله تعالى، حثّ على الورع في شأنه بنوط الحكم بغلبة الظن، فقال: مرغبًا في امتثال أوامره ونواهيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾، أي: الذي له الإحاطة التامة علمًا وقدرة ﴿كَانَ عَلِيمًا﴾، أي: بمن يقدم متحرّیًا لرضی صاحبه أو غير متحرِّ لذلك ﴿حَكِيمًا﴾، أي: يضع الأشياء في أمكن مواضعها من الجزاء على الذنوب وغيره)) (٢). ثانيًا: الرضا بالنفقة: إن الله سبحانه وتعالى تعهد نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالإرشاد والتأديب؛ لأنهن الأسوة والقدوة الحسنة، قال تعالى: ﴿تُرْجِ مَن تَشَكَةُ مِنْهُنَّ وَتَّقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ أَبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنََّحَ عَلَيْكَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ تَفَرَّ أَعْيُُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَ وَيَرْضَيْنَ (١) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ١٠٦/٣، تفسير السمر قندي ٢٩٤/١، مفاتيح الغيب، الرازي ٤٥/١٠، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣٥/٥، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٩/٢، نظم الدرر، البقاعي ٢٣٤/٥، المنار، محمد رشيد رضا ١١/٥. (٢) نظم الدرر، البقاعي ٢٣٤/٥. ٢٤٨ مَوَسُوء القرآن الكريم الرضا بِمَآ ءَانَيْتَهُنَّ كُلُهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِ قُلُوبِكُمّ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١]. بینت الآيات أن الله سبحانه فوض الأمر إلی رسوله صلی الله علیه وسلم کي يصنع مع زوجاته ما شاء، من تقدیم وتأخير، وعزل وإمساك، وضم من أرجأ، وإرجاء من ضم إليه، وما شاء في أمرهن فعل توسعة عليه، ونفيًا للحرج عنه، وكان القسم والتسوية واجبًا عليه، فلما نزلت هذه الآية سقط عنه وصار الاختیار إليه فیھن، فصار حق المبيت حقًّا له لا لهن بخلاف بقية المسلمين، ثم أبان الله تعالى سبب هذا التفويض للنبي صلى الله عليه وسلم في الإيواء والإرجاء وأنه لمصلحتهن، فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ آَدْنَ} أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَ وَيَرْضَيْنَ بِمَّا ءَانَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾، أي: إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحرج في القسم، وأنه غير واجب عليك، فإن شئت قسمت، وإن شئت لم تقسم، وأنت مع ذلك تقسم لهن باختيارك لا جبرًا عنك، فرحن بذلك، واستبشرن به، وقدّرن جميلك، واعترفن بمنتك عليهن في قسمك لهن، وتسويتك بينهن، وإنصافك لهن، وعدلك فیهن، ورضین کلهن بما تفعل، دون إقلاق ولا بلبلة؛ لأن المرء إذا علم أنه لا حق له في شيء كان راضيًا بما أوتي منه وإن قلّ، وإن علم أن له حقًّا لم يقنعه ما أوتي منه، واشتدت غیرته علیه، وعظم حرصه فيه، فكان ما فعل الله لرسوله من تفويض الأمر إليه في أحوال أزواجه أقرب إلى رضاهن معه، واستقرار أعينهن على ما يسمح به منه لهن، دون أن تتعلق قلوبهن بأكثر منه، ومع هذا التخيير للنبي صلی الله عليه وسلم إلا أنه لم يأخذ لنفسه به تكرمًا منه على أزواجه، قال الزهري: «ما علمنا أن رسول الله أرجأ أحدًا من أزواجه بل آواهن كلهن))، فقد كان صلى الله عليه وسلم يجتهد في القسم بینهن في كل شيء، روی أحمد، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة قالت: كان رسول الله پقسم بین نسائه فيعدل، ثم يقول: (اللهم هذا فعلي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)(١)، يعنى: القلب، وزيادة الحب لبعض دون بعض (٢). (١) أخرجه أحمد في مسنده رقم ٢٥١١١، ٤٦/٤٢، والترمذي في سننه، أبواب النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر، رقم ١١٤٠، ٤٣٨/٣، والنسائي في سننه، كتاب عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض، رقم ٤٩٣٤، ٦٣/٧، وابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء، رقم ٦٣٣/١،١٩٧١. وصححه ابن الملقن في البدر المنير ٤٠/٨. (٢) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٤٧٨/٣، تفسير القرآن، السمعاني ٢٩٨/٤، معالم التنزيل، البغوي ٦٥٣/٣، مفاتيح الغيب، الرازي ١٧٦/٢٥، لباب التأويل، الخازن ٤٣٢/٣، مدارك التنزيل، النسفي ٤٠/٣، تفسير المراغي ٢٥/٢٢، التفسير المنير، الزحيلي ٦٧/٢٢. www. modoee.com ٢٤٩ حرف الراء وفى هذه الآيات حث على تحسين ما في وعدالتهم حال كونهم من الشهداء، وهو القلوب، ووعيد لمن لم يرض منهن بما دبر عام في كل شاهد، وإنما وصف الرجل مع المرأتين بهذا الوصف؛ لضعف شهادة النساء وقلة ثقة الناس بها، ولذلك وكل الأمر فيه إلى رضا المستشهدين، ثم بين علة جعل المرأتين بمنزلة رجل واحد بقوله عز وجل: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ النفقة فلا يكلفن أزواجهن ما لا يطيقون، إِحْدَهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. الله له من ذلك، وفوضه إلی مشيئته، وبعث على تواطؤ قلوبهن، والتصافي بينهن، والتوافق على رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه توجيه لجميع المؤمنات أن يرضين بما قسم الله تعالى لهن من فقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَافِ قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥١]، خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولأزواجه، ويندرج فيه جميع المؤمنين والمؤمنات وجمع بجمع الذكور؛ للتغليب(١). ثالثًا: الرضا بالشهادة: ذكر القرآن الكريم أن من شرط الشاهد أن يكون عدلًا مرضيًّا عنه. ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ قال تعالى: مِن رِجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَ مُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فقد أمرنا الله سبحانه بأن نحمّل الشهادة المحتاج إليها لأهل العدل والرضا، فقوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قالوا: أي ممن ترضون دينهم (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٥٥٢/٣، التفسير الوسيط، طنطاوي ١١/ ٢٣٣. أن تضل إحداهما أي: تخطئ؛ لعدم ضبطها وقلة عنايتها، فتذكّر كل منهما الأخرى بما كان، فتكون شهادتها متممة لشهادتها، أي: إن كلَّ منهما عرضة للخطأ والضلال، أي: الضياع وعدم الاهتداء إلى ما كان وقع بالضبط، فاحتيج إلى إقامة الثنتين مقام الرجل الواحد؛ لأنهما بتذکیر کل منهما للأخرى تقومان مقام الرجل، ولهذا أعاد لفظ إحداهما مظهرًا، وليس المعنى: لئلا تنسى واحدة فتذكرها الثانية، كما فهم كثير من المفسرين (٢). وجملة القول فيمن تقبل شهادته: أن تجتمع فيه عشر خصال: أن یکون حرًّا بالغّا مسلمًا عدلًا عالمًا بما يشهد به، ولا یجر بشهادته إلى نفسه منفعة، ولا يدفع عن (٢) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٢٩٣/٢، معالم التنزيل، البغوي ٣٩٤/١، مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ٩٥، لباب التأويل، الخازن ٢١٥/١، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠٦/٣، المنار، محمد رشيد رضا ٣/ ١٠٣. ٢٥٠ مَنُور لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الرضا نفسه مضرّة، ولا يكون معروفًا بكثرة الغلط نفسه نفعًا، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، ولا يترك المروءة، ولا يكون عنده لين، ولا عن جده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تجوز شهادة خائن، ولا خائنة، ولا محدود في الإسلام، ولا ذي غمر على أخيه)(١). يشهد عليه عبده، فإذا اجتمعت فيه هذه الخصال كان مقبول القول جائز الشهادة، فشهادة الكافر مردودة؛ لأن الكذاب لا قال الفزاري: ((أراد بالخيانة الخيانة في الدين والمال والأمانة، فإن من ضيع شيئًا من أوامر الله أو ارتكب شيئًا مما نهى الله عنه لا یکون عدلًا، والغمر -بکسر الغین -: الحقد»(٢). تقبل شهادته، فالذي یکذب على الله أولى بأن ترد شهادته، وجوز بعض أهل الرأي شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، ولا تقبل شهادة العبيد، وأجازها ابن شریح وابن سیرین وهو قول أنس، ولا قول للمجنون معتبر حتى تصح شهادته، ولا تجوز شهادة الصبيان، وسئل ابن عباس عن ذلك فقال: ((لا تجوز؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. والعدالة شرط: وهو أن لا يكون الشاهد مقيمًا على الكبائر مصرًّا على الصغائر، والمروءة شرط: وهي ما تتصل بآداب النفس مما یعلم أن تاركه قليل الحياء، وهي حسن الهيئة والسيرة والعشرة والصناعة، فإن كان الرجل يظهر في نفسه شيئًا مما يستحيي أمثاله من إظهاره في الأغلب علم بذلك قلة مروءته وترد شهادته، وانتفاء التهمة شرط: فلا تقبل شهادة العدو على عدوه، وإن كان مقبول الشهادة على غيره؛ لأنه متهم في حق عدوه لا في حق غيره، ولا تقبل شهادة الرجل لولده ووالده و تقبل شهادته علیھما، ولا تقبل شهادة من يجر بشهادته إلى وفي الآية دليل على تفويض القبول في الشهادة إلى الحاكم؛ لأن الرضا معنی يكون في النفس بما يظهر إليها من الأمارات عليه، ويقوم من الدلائل المبينة له، ولا يكون غير هذا؛ فإنا لو جعلناه لغيره لما وصل إليه إلا بالاجتهاد، واجتهاده أولى من اجتهاد غيره، وقصر الشهادة على الرضا خاصة؛ لأنها ولاية عظيمة؛ إذ هي تنفيذ قول الغير على الغیر؛ فمن حکمه أن یکون له شمائل (١) أخرجه أحمد في مسنده رقم ٦٦٩٨، ٢٩٩/١١، وابن ماجه في سننه، كتاب الأحكام، باب من لا تجوز شهادته، رقم ٠٧٩٢/٢،٢٣٦٦ وحسنه الألباني في إرواء الغليل ٢٨٣/٨. (٢) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٢٩٣/٢، معالم التنزيل، البغوي ٣٩٤/١، مفاتيح الغيب، الرازي، ٩٥/٧، لباب التأويل، الخازن ٢١٥/١، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠٦/٣، المنار، محمد رشيد رضا ١٠٣/٣. www. modoee.com ٢٥١ حرف الراء له مزية على غيره توجب له تلك المزية رتبة الاختصاص بقبول قوله على غيره، ويقضى له بحسن الظن، ويحكم بشغل ذمة المطلوب بالحق بشهادته علیه، ویغلب قول الطالب على قوله بتصديقه له في دعواه (١). رابعًا: الرضا بالتجارة: نهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن یأکلوا أموال بعضهم بعضًا بالباطل. قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَّكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِآلْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وقال سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَاضٍ مِّنَكُمُّ وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. أي: لا تأكلوا أموالكم بينكم بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية، كأنواع الربا والقمار، والغصب والسرقة والخيانة وشهادة الزور، وأخذ المال باليمين الكاذبة، وجحد الحق ونحو ذلك. وإنما خص الأکل بالذکر ونھی عنه؛ تنبيهًا على غيره من جميع التصرفات الواقعة (١) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٣٣٦/١. جَوْسُور الْقُرْآن الكَرِيمِ ينفرد بها، وفضائل يتحلى بها حتى يكون على وجه الباطل؛ لأن معظم المقصود من المال الأكل، وقيل: يدخل فيه أكل ماله بالباطل، وأكل ماله بالباطل: هو إنفاقه في المعاصي، ويدخل في أكل المال الباطل جميع العقود الفاسدة. وقوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تَجَرَةً عَنْ تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. هذا الاستثناء منقطع؛ لأن التجارة عن تراض ليست من جنس أكل المال بالباطل، فکان الاستثناء هاهنا بمعنی: لکن یحل أكله بالتجارة عن تراض، يعني: بطيبة نفس كل واحد منكم، وقيل: هو أن یخیر کل واحد من المتبايعين صاحبه بعد البيع فيلزم، وإلّا فلهما الخيار ما لم يتفرقا؛ لما روي عن ابن عمران أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعًا أو يخير أحدهما الآخر، فإن خيّر أحدهما الآخر فتبایعا علی ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع)(٢). وانما خص التجارة بالذكر؛ لكونها أغلب أسباب المكاسب وقوعًا، وأوفقها (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع، رقم ٢١١٢، ٦٤/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين، رقم ١١٦٣/٣،١٥٣١. ٢٥٢