النص المفهرس

صفحات 21-40

الرحمة
أکثر من موضع من کتاب الله، ومنها قوله
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾
[البقرة: ١٤٣].
الرءوف: مأخوذ من الرأفة، وهي أشد
الرحمة، وألطف الرحمة (١).
قال الزجاج رحمه الله: ((الرّأفة هي
المنزلة الثانية، يقال: فلان رحيم، فإذا
اشتدت رحمته فهو رءوف»(٢).
وعن سر الاقتران بين الاسمين الكريمين
﴾: فللإفادة أنه تعالى
﴿لَؤُوفٌ﴾ و﴿ الرَّحِيمـ
يرحم الرحمة القوية لمستحقها، ويرحم
مطلق الرحمة من دون ذلك (٣).
قال ابن عثيمين رحمه الله عند تفسير
قوله تعالى: ((﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌّ
رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]: الرءوف: مأخوذ من
الرّأفة، وهي أشد الرحمة، وألطف الرحمة،
والرحيم: هو ذو الرحمة التي يكون بها
الإحسان إلى خلقه، والإنعام عليهم)» (٤).
الخامس: الودود.
اقترن الاسمان الودود والرحيم في
موضع واحد من کتاب الله، هو قوله تعالى:
﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبٍِّ
(١) أحكام من القرآن الكريم، ابن عثيمين
٣٨١/١.
(٢) تفسير أسماء الله الحسنى ص٦٢.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥/٢.
(٤) أحكام من القرآن الكريم، ابن عثيمين
٣٨١/١.
رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠].
والودود من أسمائه تعالى: هو الذي
يحب أنبياءه ورسله وأولياءه وعباده
المؤمنين فهو الودود بمعنى الوّاد، وهو
المودود، أي: المحبوب الذي يستحق أن
یحب الحب کله، وأن یکون أحب إلى العبد
من سمعه وبصره وجميع محبوباته(٥).
وعن سر الاقتران بين الاسمين الكريمين
يقول ابن القيم رحمه
الْوَدُودُ.
الله: ((وما ألطف اقتران اسم الله الودود
بالرحيم؛ فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه
ولایحبّه، وکذلك قد یرحم من لايحبّ،
والرب تعالى يغفر لعبده إذا تاب إليه،
ویرحمه ویحبّه مع ذلك فإنه يحب التوابين،
وإذا تاب إليه عبده أحبّه ولو كان منه ما
كان))(٦).
السادس: البر.
اقترن الاسمان البر والرحيم في موضع
واحد من كتاب الله، هوقوله تعالى: ﴿إِنَّا
كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ, هُوَ أَلْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾
[الطور: ٢٨].
والبّر: هو العطوف على عباده، المحسن
إليهم، عم ببره جميع خلقه، فلم يبخل عليهم
برزقه(٧).
(٥) انظر: جلاء الأفهام، ابن القيم ٤ /١٤٤، فتح
الرحيم الملك العلام، السعدي ص٥٥.
(٦) التبيان في أقسام القرآن، ص ٥٧.
(٧) شأن الدعاء للخطابي ص ٨٩.
www. modoee.com
١٣٥

حرف الراء
وعن سر الاقتران بين الاسمين الكريمين
﴿أَلْبَرُّ﴾ و﴿الرَّحِيمُ﴾ فلأن كليهما عطاء
من الله وتكرم، فالرحيم: المريد إكرام
عباده المؤمنين في الدنيا بالرزق والعطف
والإحسان، وفي الآخرة بالجنة، والبّر: هو
المحسن إلى خلقه؛ عمهم برزقه، وخص من
شاء منهم بولايته، ومضاعفة الثواب له على
طاعته والتجاوز عن معصيته، وكلا الاسمين
فيهما إحسان وإكرام وعطاء وتفضل، وكلا
الاسمين نعمة، وهذا كله رحمة (١).
٤ . الأسماء المضافة.
ذهب جمع من أهل العلم إلى اعتبار
الأسماء المضافة وعدّها من ضمن
الأسماء الحسنى (٢)، قال شيخ الإسلام
ابن تيمية: ((وكذلك أسماؤه المضافة مثل:
أرحم الراحمين ... وغير ذلك ممّا ثبت في
الكتاب والسنّة، وثبت في الدّعاء بها بإجماع
المسلمين)»(٣).
ومن الأسماء المضافة ولها تعلق
بالرحمة: أرحم الراحمين، وخير الراحمين.
أما أرحم الراحمين: فقد ورد في دعاء
أنبياء الله عليهم السلام.
قال تعالى عن موسى عليه السلام:
(١) رحمة الله أسبابها وآثارها، مسفر الغامدي،
ص٢٠٦.
(٢) انظر: معتقد أهل السنة الجماعة في أسماء الله
الحسنى، التميمي ص١٨٨.
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤٨٥/٢٢.
قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِي
رَحْمَتِكٌّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ ﴾[الأعراف:
١٥١].
وقال عن يوسف عليه السلام في
موضعين: ﴿قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلََّّكَمَآ
أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلٌ فَاللّهُ خَيْرٌ حَفِظَاً وَهُوَ
أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤].
﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ
وقال تعالى:
عَلَيْكُمُ الْيَوْمِّ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ
الرَّحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢].
وقال عن أيوب عليه السلام: ﴿وَأَيُّوبَ
إِذْنَادَى رَبَّهُ، أَنِّ مَسَّفِىَ الُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ
الزَّحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣].
وأرحم الراحمين، أي: الأشد رحمة من
كل راحم (٤)، ومن يرحم غاية الرحمة (٥).
قال ابن جرير رحمه الله: « ﴿وَأَدْخِلْنَا
فِي رَحْتِكْ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ﴾
[الأعراف: ١٥١].
يقول: وارحمنا برحمتك الواسعة عبادك
المؤمنين، فإنك أنت أرحم بعبادك من كل
من رحم شيئًا)) (٦).
وقال ابن عاشور رحمه الله: ((وكون
الله تعالى أرحم الراحمين؛ لأن رحمته
أکمل الرحمات لأن كل من رحم غيره فإما
أن يرحمه طلبًا للثناء في الدنيا، أو للثواب
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١٨/٩.
(٥) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٣١/٣.
(٦) جامع البيان ١٣ / ١٣٣.
١٣٦
القرآن الكريم

الرحمة
في الآخرة، أو دفعًا للرقة العارضة للنفس
من مشاهدة من تحق الرحمة له، فلم يخل
من قصد نفع لنفسه، وأما رحمته تعالى
عباده فهي خلية عن استجلاب فائدة لذاته
العلية»(١).
وأما خير الراحمين: فقد ورد في
موضعين من القرآن الكريم في سورة
المؤمنون وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ،كَانَ فِقٌ
مِنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَنَا
وَأَنْتَ خَيِّرُ اَلْزَّحِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩].
وقوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَغْفِرْ وَأَرْحَمْ وَأَنْتَ
خَيْرُ الزَّحِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨].
[النساء: ٨٣] ... وفي النور: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اُللَّهِ
وخير الراحمين، أي: أفضل من رحم (٢)، عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابُ حَكِيمٌ﴾ [النور:
١٠]»(٦) .
وخير من رحم (٣).
قال الواحدي رحمه الله: ((﴿غَيْرُ
الرَّحِينَ﴾، أي: أفضل رحمة من الذين
يرحمون» (٤).
وقال ابن سعدي رحمه الله: ((﴿غيرُ
الزَّچِينَ﴾ فکل راحم للعبد، فالله خير له منه،
أرحم بعبده من الوالدة بولدها، وأرحم به
من نفسه)»(٥).
٥. اقتران الفضل بالرحمة.
اقترن الفضل والرحمة في مواضع
(١) التحرير والتنوير ١٧ / ١٢٧.
(٢) انظر: تفسير ابن أبي زمنين ٢١٣/٣.
(٣) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٤٩٦/٣.
(٤) الوسيط ٣٠١/٣.
(٥) تيسير الكريم الرحمن ص ٥٦٠.
من كتاب الله، ومنها قوله تعالى:
تَوَلَّيْتُم ◌ِنْ بَعْدٍ ذَلِكٌ فَلَوَّلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
وَرَحْمَتُّهُ لَكُنتُم مِّنَ اْخَسِنَ﴾ [البقرة: ٦٤].
وقد ذكر بعض أصحاب الوجوه والنظائر
أن الفضل إذا اقترن بالرحمة يكون بمعنى
المنة أو النعمة.
قال ابن الجوزي رحمه الله: ((ذكر أهل
التفسير أن الفضل في القرآن على ثمانية
أوجه ... السادس: المنة والنعمة، ومنه قوله
تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَنَ إِلَّا قَلِيلًا
وقال الحيري رحمه الله: في بيان
الوجوه التي ورد بها الفضل في القرآن
الكريم: «أحدها: المنة كقوله في البقرة:
﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ
اْخَسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤] وحيث كان))(٧).
وقال ابن عثيمين رحمه الله عند
تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ
وَرَحْـ
[النساء: ١١٣]: ((والفضل هو
العطاء الزائد، والرحمة أعم؛ لأن الرحمة
یکون فيها دفع المكروه وحصول المطلوب،
(٦) نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٤٧٢.
(٧) وجوه القرآن، الحيري ص ٤١٧ . وانظر:
الوجوه والنظائر، الدامغاني ص٣٦٧.
www. modoee.com
١٣٧

حرف الراء
والفضل حصول المطلوب)) (١).
وفي كلام ابن جرير ما يدل للمعنى الذي
ذكره ابن عثيمين رحمه الله؛ فقد قال رحمه
الله عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ، فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى
رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ [النساء: ١٧٥]: ((يقول:
فسوف تنالهم رحمته التي تنجيهم من
عقابه، وتوجب لهم ثوابه ورحمته وجنته،
ويلحقهم من فضله ما لحق أهل الإيمان به
والتصديق برسله))(٢).
من وصف بالرحمة في القرآن
الله أرحم الراحمين، جعل الرحمة صفةً
له سبحانه، ووصف بها من شاء في كتابه،
فوصف کتبه، وأنبياءه، وعباده المؤمنين،
وبعض مخلوقاته بالرحمة، وسأعرض لمن
وصفهم بها من خلال النقاط الآتية:
أولًا: الكتب السماوية:
نعمة إنزال الكتب من أجل النعم التي
أنعم الله بها عباده.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ
تَمَامًا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْضِيلًاً لِكُلِّ شَىْءٍ
وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُم بِلِقَّهِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾
[الأنعام: ١٥٤].
قال الخازن: ((قوله: ﴿وَرَحْمَةَ ﴾ يعني:
إنزاله عليهم رحمةً مني عليهم))(٣)؛ وذلك
لما يحصلون فيه من العلم الكثير، والخير
الغزير، وتزكية القلوب والأرواح، وتطهير
العقائد، وتكميل الأخلاق، والفتوحات
الإلهية، والأسرار الربانية (٤).
ومن أعظم الكتب المنزلة: القرآن،
والتوراة؛ وجرت العادة أن الله ينوه بالتوراة
والقرآن معا؛ لأنهما أعظم الكتب المنزلة؛
لأنه قبل نزول القرآن كانت التوراة أعظم
(١) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين،
سورة النساء ٢/ ٢٠٥.
(٢) جامع البيان، الطبري ٩/ ٤٢٩.
(٣) لباب التأويل ٢٠١/٢.
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٦٣٣.
١٣٨
القرآن الكريمِ

الرحة
الكتب المنزلة وأجمعها للأحكام، كما قال
الله فيه: ﴿وَتَفْضِيلًاً لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأنعام:
١٥٤].
فلما نزل القرآن كان أشمل كتاب
وأعظمه؛ لأنه جمع الله فيه علوم الأولين
والآخرين، وزاد فيه أشياء لم تنزل على
غيره؛ ولذا لما نزلت التوراة في قوله: ﴿ثُمَّ
ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ تَمَامَا عَلَى أَلَّذِى أَحْسَنَ
وَتَفْصِيلًاً لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ
رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٤].
نوّه بالقرآن العظيم بعده فقال:
وَهَذَا
كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكُ فَأَتَّبِعُوهُ وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥].
ومثل هذا يتكرر في القرآن(١).
وقد ورد وصف كلا الكتابين بالرحمة
كما تقدم في الآيتين من سورة الأنعام، كما
اقترن وصف الرحمة في كليهما بأوصاف
أخرى، کوصفهما بالهدى والبصائر.
قال الشنقيطي رحمه الله عند تفسير قوله
تعالى: ﴿هَذَا بَصَّهُ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ
لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٢٠]: ((وما تضمنته
آية الجاثية من أن القرآن بصائر وهدى
ورحمة، ذكر تعالى مثله في سورة القصص
عن كتاب موسى الذي هو التوراة في قوله
تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ
(١) انظر: العذب النمير، الشنقيطي ٥٢٥/٢،
٥٢٤.
بَعْدِ مَآ أَمْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَابِرَ لِلنَّاسِ
وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [القصص:
٤٣]»(٢).
وقد جاءت الرحمة بصيغة التنكير في
وصف كلا الكتابين في جميع المواضع التي
وردت فيها في القرآن الكريم؛ للدلالة على
التعظیم والتفخیم؛ حیث لا يقدر قدرها ولا
يدرك شأنها(٣).
قال الشوكاني رحمة الله: ((والرحمة ما
يحصل لهم من الله عند عملهم بما فيها من
الرحمة الواسعة» (٤).
وقد قصر الله الرحمة التي تضمنتها تلك
الكتب على المؤمنين فقط، فقال تعالى في
التوراة: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُوسَى الْغَضَبُ
أَخَذَ أَلْأَلْوَاحٌ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدَى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ
لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤].
فلیس کل أحد يقبل هدى الله ورحمته،
وإنما يقبل ذلك وينقاد له، ويتلقاه بالقبول
الذين ﴿هُمْ لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (٥)، الذين هم
يخافون الله؛ وخصهم لأنهم هم المنتفعون
به(٦).
(٢) أضواء البيان ٧/ ٣٨٠.
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٤ / ١٥٥، التحرير والتنوير، ابن عاشور
٨/ ١٥.
(٤) فتح القدير ٢/ ٢٨٥.
(٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٣٠٣.
(٦) انظر: العذب النمير، الشنقيطي ٤ / ١٩٠.
www. modoee.com
١٣٩

حرف الراء
وَمِن قَبْلِهِ،
وقال تعالى أيضًا عن التوراة:
كِتَبُ مُوسَىَ إِمَامًا وَرَحْمَةٌ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ
بِهِ﴾ [هود: ١٧].
أي: أنزل الله تعالی إلی تلك الأمة إمامًا
لهم، وقدوةً يقتدون بها، ورحمةً من الله
بهم؛ فمن آمن بها حق الإيمان قاده ذلك إلى
الإيمان بالقرآن؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أُوْلَئِيَكَ
يُؤْمِنُونَ بٍِ﴾ [هود: ١٧](١).
وقال سبحانه في القرآن: ﴿بَأَيُّهَا النَّاسُ
قَدْ جَتَكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّيَّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِى
الصُّدُورِ وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:
٥٧].
فالهدى هو العلم بالحق والعمل
به، والرحمة هي ما يحصل من الخير
والإحسان، والثواب العاجل والآجل، لمن
اهتدى به، فالهدى أجل الوسائل، والرحمة
أکمل المقاصد والرغائب، ولكن لا يهتدي
به، ولا یکون رحمة إلا في حق المؤمنین،
وإذا حصل الهدى، وحلت الرحمة الناشئة
عنه، حصلت السعادة والفلاح، والربح
والنجاح، والفرح والسرور (٢).
ومما يجدر الإشارة إليه أن التوارة رحمة
لمن أنزلت إليهم قبل أن تنسخ بما أنزل على
محمد صلى اللهعليه وسلم، فكانوا يرجعون
إليها في أمور الدين والأحكام، فهداهم الله
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٢/٤.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٣٦٦.
بها من الضلال؛ وهذا هو السبب للرحمة
حتی نسخ الله منها ما نسخ (٣)؛ فلا يستدل
بالمطبوع من التوراة الذي يغيّر إلى الآن آنًا
بعد أن، تقرؤه تجد في ذاته دليل بطلانه،
وبرهان بهتانه(٤).
ثانيًا: الرسل:
الرحمة صفة الأنبياء والمرسلين، وقد
جاء ذلك مصرحًا به في القرآن الكريم؛ فقال
تعالى عن نبيه يحيى عليه السلام ﴿وَحَنَانًا
مِن لَّدُنَا وَزَّكَوَةٌ وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٣].
والحنان هو الرحمة، والعطف
والشفقة(٥)؛ وقد أعطاه الله هذه الصفة لا
بتربية ولا تعليم، فهو مهدي حنون شفيق
بمقتضى تكوينه الفطري، ولذا قال تعالى:
﴿مِنْ لَّدُنَا﴾ (٦)، فأعطاه الله تلك الرحمة التي
تيسرت بها أموره، وصلحت بها أحواله،
واستقامت بها أفعاله (٧)، ويجوز أن يكون
المعنى أعطيناه رحمةً من لدنا كائنةً فى قلبه
يتحنن بها على الناس؛ حتى يخلصهم من
الكفر (٨).
والمعنيان متلازمان؛ قال البغوي رحمه
(٣) انظر: الرحمة في القرآن الكريم، موسى
عسیري ص١٤٣ .
(٤) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣٦٨٧/٧.
(٥) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤ /٢٨٨.
(٦) انظر: زهرة التفاسير ٩/ ٤٦١٨.
(٧) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٤٩٠.
(٨) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣٢٦/٣.
١٤٠
القرآن الكريمِ

الرحمة
الله: «ومعنى الآية: وآتيناه رحمةً من عندنا
وتحننا على العباد، ليدعوهم إلى طاعة
ربهم))(١).
والحنان صفةٌ ضرورية للنبي المكلف
برعاية القلوب والنفوس، وتأليفها
واجتذابها إلى الخير في رفق (٢)؛ ولذا قال
تعالی في وصف نبيه محمد صلی الله عليه
وسلم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمَّ﴾ [آل
عمران: ١٥٩].
أي: برحمة الله لك ولأصحابك، منّ
الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت
لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم
خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا
أمرك؛ لأن الأخلاق الحسنة من الرئيس في
الدين، تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم
فيه، مع ما لصاحبه من المدح والثواب
الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في
الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه،
مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص؛
فلذا كان من أوجب الواجبات، وأهم
المهمات، معاملة الناس بما يعاملهم به
صلى الله عليه وسلم، من اللين وحسن الخلق
والتأليف، امتثالا لأمر الله، وجذبًا لعباد الله
لدين الله(٣).
(١) معالم التنزيل ٢٢٢/٥.
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٣٠٤/٤.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
١٥٤.
وقال تعالى عن نبيه عيسى عليه السلام
﴿وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةٌ لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّأْ وَكَانَ
أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١].
رحمة من الله عز وجل لمريم؛ لما
حصل لها من الفخر والثناء الحسن والمنافع
العظيمة (٤)؛ لأنها صارت به أم نبي، له
وجاهته ومكانته في الدنيا والآخرة، كما
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَتَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ
اَللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ
مَرْيَمَ وَجِيهًا فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل
عمران: ٤٥].
ورحمة من الله به حیث جعله نبیًا یدعو
إلى عبادة الله تعالى وتوحيده في مهده
وكهولته، كما قال تعالى: ﴿وَيُكَلِمُ النَّاسَ فِی
اَلْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [آل عمران:
٤٥](٥).
ورحمة لمن آمن به؛ لما ينالونه منه من
الهداية والخير الكثير؛ لأن كل نبي رحمة
لأمته (٦).
وخاتم الأنبياء وأفضلهم نبينا محمد
صلی الله عليه وسلم، وصفه ربه بالرحمة
في آيات عدة من كتاب الله، وأخبر صلى
الله عليه وسلم عن نفسه بقوله: (إنما أنا
رحمة مهداة)(٧).
(٤) انظر: المصدر السابق ص ٤٩١ .
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٢٢٢.
(٦) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣٧٩/٣.
(٧) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٩١، رقم
www. modoee.com
١٤١

حرف الراء
ومن الآيات التي وصف الله بها نبيه
صلى الله عليه وسلم بالرحمة قوله تعالى:
﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلََّّرَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء:
١٠٧].
اشتملت هذه الآية بوجازة ألفاظها على
مدح الرسول عليه الصلاة والسلام، ومدح
مرسله تعالى، ومدح رسالته؛ بأن كانت
مظهر رحمة الله تعالی للناس كافة، وبأنها
رحمة الله تعالى بخلقه(١).
والرحمة على عمومها في الآية الكريمة،
وهذا العموم یحتمل وجهين:
أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم
النفع برسالته(٢)؛ لأن الناس كانوا ثلاثة
أصناف: مؤمن، وكافر، ومنافق، وكان
رحمةً للمؤمنین حیث هداهم طريق الجنة،
ورحمةً للمنافقين حيث أمنوا القتل، ورحمةً
للكافرين بتأخير العذاب (٣).
الوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد، لكن
المؤمنين قبلوا هذه الرحمة، فانتفعوا بها دنيا
وأخرى، والكفار ردوها، فلم يخرج بذلك
١٠٠، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرطهما.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٤٦٣/١.
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور
١٧ /١٦٥.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/ ٥٥٢.
(٣) انظر: تفسير السمر قندي ٤٤٥/٢.
عن أن يكون رحمةً لهم لكن لم يقبلوها (٤).
وضرب بعض أهل العلم لهذا مثلًا قال:
لو فجر الله عينًا للخلق غزيرة الماء، سهلة
التنازل، فسقى الناس زروعهم ومواشيهم
بمائها، فتتابعت عليهم النعم بذلك، وبقي
أناس مفرطون كسالى عن العمل، فضيعوا
نصيبهم من تلك العين، فالعين المفجرة في
نفسها رحمة من الله، ونعمة للفريقين. ولكن
الكسلان محنة على نفسه حيث حرمها ما
ينفعها (٥)، ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ
دَارَ الْبَوَارِ ﴾ [إبراهيم: ٢٨].
وقال الله تعالى في صفة القرآن: ﴿قُلّ
هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ
لَا يُؤْمِنُونَ فِيّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّىَّ
أُوْلَكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت:
٤٤](٦) .
ومن الآيات التي وصف الله بها نبيه
صلى الله عليه وسلم بالرحمة قوله تعالى:
﴿ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىِّ وَيَقُولُونَ هُوَ
أُذُنَّ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ
لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ
(٤) انظر: جلاء الأفهام ص٢٨٨.
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٨٥/٥، أضواء
البيان، الشنقيطي ٤ /٢٨٨، تيسير الكريم
الرحمن، السعدي ص ٥٣٢.
(٥) انظر: أضواء البيان ٢٨٨/٤.
(٦) انظر: تفسير القرآن العظيم ٣٨٥/٥، أضواء
البيان ٢٨٨/٤.
١٤٢
القرآن الكريم

الرحة
يُؤْذُونَرَسُولَ اللهِ لَهُمْعَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [التوبة: ٦١].
کان النبي صلی الله عليه وسلم يسعى
في إيصال الخير والرحمة إلى المنافقين مع
كونهم في غاية الخبث والخزي، ثم إنهم
بعد ذلك يقابلون إحسانه بالإساءة، وخيراته
بالشرور (١)؛ وقد جرأهم على ذلك إغضاؤه
صلى الله عليه وسلم عن إجرامهم وإمهالهم
حتى يتمكن من الإيمان من وفقه الله للإيمان
منهم (٢)؛ فإنه لو أمره الله تعالى أن يعاملهم
بما يخفون من الكفر لكان ذلك أمرًا بقطع
رقابهم، وبقاؤهم خير لهم بالمعنى الذي
يعتقدونه من لفظ الخير، وخير لهم في نفس
الأمر؛ لأنه إمهال لهم يرجى أن يتوب بسببه
من فيه استعداد للإيمان منهم بما يراه من
آیات الله، وتأييده لرسوله وللمؤمنين (٣).
وخص المؤمنين في قوله: ﴿وَرَحْمَةٌ
لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ﴾ وإن كان رحمة
للعالمین، لأن ما حصل لهم بالإيمان بسبب
الرسول لم يحصل لغيرهم، وخصوا هنا
بالذكر وإن كانوا قد دخلوا في العالمين
لحصول مزیتهم (٤).
وعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا: من
اتبعه واهتدى بهداه، وصدّق بما جاء به من
عند ربه، لأن الله استنقذهم به من الضلالة،
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٦ / ٩٤.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٣/١٠.
(٣) البحر المحيط، أبو حيان ٥/ ٦٤.
(٤) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ١٠/ ٤٤٨.
وأورثهم باتباعه جنّاته(٥).
ولذا قال أبو الليث السمرقندي رحمه
الله: ((﴿لَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ﴾ في السر
والعلانية)»(٦).
ويؤيد هذا القول: قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ
يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ فهو مقابل
قوله: ﴿وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ﴾، يدل
على إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالقول
أو الفعل ينافي الإيمان الذي هو سبب
الرحمة، فجزاؤه ضد جزائه وهو العذاب
الشديد الإيلام(٧).
وقيل المراد بالذين آمنوا هنا:
المتظاهرون بالإيمان المبطنون للكفر، وهم
المنافقون (٨)
وكونه رحمةً لهم؛ لأنه قبل منهم الإيمان
الظاهر، لا تصديقًا لهم بل رفقًا بهم، ولم
يكشف أسرارهم ولم يهتك أستارهم، وأنه
رحمة لهم بقبول ظواهرهم ومعاملتهم بها
معاملة المؤمنين (٩).
لِلَّذِينَ ءَامَنُو
ويؤيد هذا أن الله قال:
فعبر عنهم بالفعل، ولم يقل المؤمنين
(٥) انظر: جامع البيان ١٨/ ٥٥٢.
(٦) تفسير السمر قندي ٦٩/٢.
(٧) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٤٤٩/١٠.
(٨) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٤/١٠.
(٩) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٧١/٢، إرشاد
العقل السليم، أبو السعود ٤ /٧٧، فتح
القدير، الشوكاني ٤٢٩/٢، روح المعاني،
الألوسي ١٢٧/١٠.
www. modoee.com
١٤٣

حرف الراء
بالوصف (١).
وهذا القول لم يرتضه عدد من أهل
العلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم
إنما بعث رحمة لمن آمن به حقًا، وأما غير
المؤمنين فإنهم لم يقبلوا هذه الرحمة بل
ردوها، فخسروا دنياهم وآخرتهم(٢).
وأما قولهم: أن الله قال: ﴿لَلَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ فعبر عنهم بالفعل، ولم يقل
المؤمنين بالوصف؛ فهذا القول ضعيف؛
لأن كثيراً ما ناط التنزيل الجزاء على الإيمان
بالتعبير عن أهله بالفعل الماضي (٣).
وأما تفسيرهم كونه رحمةً بالمنافقين
بستره عليهم وقبول الإيمان منهم ظاهرًا؛
فهو خطأ أيضًا؛ لأن ذلك يعتبر استدراجا
من الله لهم، و کیف یکون رحمةً لهم وهم
يعيشون في الدنيا في أسوأ حال، وهم
يتوقعون في كل يوم أن يوقع بهم النبي
صلى الله عليه وسلم إذا انكشفوا وظهرت
حقيقتهم، وسيؤول أمرهم في الآخرة إلى
أسوأ حال حيث يكونون في الدرك الأسفل
من النار؟!(٤)
ومن الآيات التي وصف الله بها نبيه
(١) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٤٤٨/١٠.
(٢) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٤٤٨/١٠،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٤١.
(٣) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٤٤٨/١٠.
(٤) انظر: المنافقون في القرآن الكريم، الحميدي
ص٤١٩.
صلى الله عليه وسلم بالرحمة قوله تعالى:
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ
عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم
بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
وصف الله رسوله بصفتين من صفاته
العلى، وسماه باسمين من أسمائه الحسنى،
فإنه قال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾
[البقرة: ١٤٣].
(٥)
وهذا نهاية الكرامة
وتقديم الرأفة باعتبار أن آثارها دفع
المضار؛ وتأخير الرحمة باعتبار أن آثارها
جلب المنافع والأول أهم من الثاني؛ فهو
صلى الله عليه وسلم يسعى بشدة في إيصال
الخير والنفع للمؤمنين، وفي إزالة كل
مکروه عنهم(٦).
ولما كانت الرأفة والرحمة خاصة جاء
متعلقها خاصًا وهو قوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ
رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٧)؛ للاهتمام بالمؤمنين
في توجه صفتي رأفته ورحمته بهم،
وأما رحمته العامة الثابتة بقوله تعالى:
﴿وَمَاأَرْ سَلْنَكَ إِلَّرَحْمَةُ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء:
١٠٧].
فهي رحمة مشوبة بشدة على غير
(٥) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٣٦٣/٢،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٤٢/١٠.
(٦) انظر: روح المعاني، الألوسي ١١/ ٥٢.
(٧) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ١٢٠/٥.
١٤٤
القرآن الكريم

الرحمة
المؤمنين فهو بالنسبة لغير المؤمنين رائف جميل(٣)؛ ومن الصفات الجميلة التي
وصف الله بها نبيه أنه ﴿رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾
وراحم، ولا يقال: بهم رؤوف رحيم(١).
[التوبة: ١٢٨].
قال محمد رشيد رضا رحمه الله:
((وتخصيص رأفته ورحمته صلى الله عليه
وسلم بالمؤمنين في مقابلة ما أمر به من
الغلظة على الكفار والمنافقين، لا يعارض
کون رسالته رحمة للعالمين، کما هو ظاهر،
فإن هذه الرحمة مبذولة لجميع الأمم،
لعموم بعثته صلى الله عليه وسلم ولكن
منهم من قبلها ومنهم من ردّها، وقد بينا
في تفسير ﴿وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمَّ﴾ [التوبة: ٧٣]، أنه
إنما أمر بذلك صلوات الله تعالى عليه؛ لأن
الغالب على طبعه الشريف الرقة والرحمة،
والأدب في المقابلة والمعاشرة، وقد قال
حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]))(٢).
ثالثًا: المؤمنون:
وصف الله عباده المؤمنين بالرحمة في
عدة آيات من كتابه مدحًا وثناءً عليهم بهذه
الصفة، ومنها قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ
وَالَّذِينَ مَعَدُ أَشِدَّاهُ عَلَى الْكُفَّارِرُحَآءُ بَيْنَهُمْ
[الفتح: ٢٩].
ابتدأ الله سبحانه الآية الكريمة بوصف
رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله:
رَّسُولُ اللهِ﴾، وهو مشتمل على كل وصف
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١/ ٧٣.
(٢) المنار ١١/ ٧٢.
وارتضى لعباده المؤمنين ما ارتضاه لنبيه
صلی الله عليه وسلم، وأمرهم بالتأسي به،
ج (٤)
◌ٌبينهَمْ
ووصفهم بقوله:
وفي وصف أصحابه بأنهم أشداء على
الكفار رحماء بينهم، مدح عظيم لهم، وجمع
بين الوصفين على سبيل الاحتراس، فهم
ليسوا أشداء مطلقًا، ولا رحماء مطلقًا، وإنما
شدتهم على أعدائهم، ورحمتهم لإخوانهم
في العقيدة، وفي معنى هذه الآية قوله تعالى:
يَكَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ، فَوْفَ
يَأْتِ اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلىَ الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٌ
تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ مِنْ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤](٥).
وفي هذا إيماء إلى أصالة آرائهم وحكمة
عقولهم، وأنهم يتصرفون في أخلاقهم
وأعمالهم تصرف الحكمة والرشد، فلا
تغلب على نفوسهم محمدة دون أخرى،
ولا يندفعون إلى العمل بالجبلة وعدم
الروية (٢)؛ لأن الشدة في محل اللين هي
من الحمق والخرق، واللين في محل الشدة
هو من الضعف والخور، والسداد والحكمة
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧ / ٣٦٠.
محَمّد
(٤) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ١١٩/٢.
(٥) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٢٣/٢٦،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٥/٢٦.
(٦) انظر: التحرير والتنوير ٢٠٥/٢٦.
www. modoee.com
١٤٥

حرف الراء
أن تكون الشدة في محل الشدة، واللین في
محل اللين (١).
قال ابن كثير رحمه الله: ((وهذه صفة
المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا عنيفًا على
الكفار، رحيمًا برًا بالأخيار، غضوبًا عبوسًا
في وجه الكافر، ضحوكًا بشوشًا في وجه
أخيه المؤمن، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ قَدِلُواْ الَّذِينَ يِلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ
وَلَيَجِدُواْ فِيَكُمْ غِلْظَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ
الْمُنَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣].
وقال النبي صلی الله عليه وسلم: (مثل
المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل
الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى
له سائر الجسد بالحمّی والسّھر)(٢)، وقال:
(المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا،
وشبك بين أصابعه)(٣)) (٤).
(١) انظر: العذب النمير، الشنقيطي ١٥٢/٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب رحمة الناس والبهائم، ٢٢٣٨/٥، رقم
٥٦٦٥، ومسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين
وتعاطفهم وتعاضدهم، ١٩٩٩/٤، رقم
٢٥٨٦، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم،
باب نصر المظلوم، ٨٦٣/٢، رقم ٢٣١٤،
ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم
وتعاضدهم، ١٩٩٩/٤، رقم ٢٥٨٥، عن أبي
موسى الأشعري رضي الله عنه.
(٤) تفسير القرآن العظيم ٧/ ٣٦٠.
المؤمنين بالرحمة، ما وصف به الحواريين
في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَتِنَا عَلَى ءَانَرِهِم
بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى أَبْنِ مَرْبَرَ وَءَاتَيْنَهُ
الْإِنِيلَ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّعُوهُ رَأْفَةٌ
وَرَحْمَةٌ﴾ [الحديد: ٢٧].
ثناء من الله على أتباع عيسى عليه
السلام، وهم الحواريين، الذين اتبعوا عيسى
على منهاجه وشريعته(٥)، كما قال تعالى:
﴿قَالَ الْمَوَّارِيُونَ فَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤].
ووصف لهم بما وصف به صحابة
نبيه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى:
﴿ُحَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩](٦).
وعطف الرحمة على الرأفة من باب
عطف العام على الخاص؛ لأن الرأفة
رحمة خاصة، تتعلق بدفع الأذى والضر،
أما الرحمة فهي أشمل وأعم؛ لأنها عطف
ومن الآيات التي وصف الله بها عباده وشفقة على كل من كان في حاجة إليها (٧).
ومعنى جعل الرأفة والرحمة في قلوب
الذين اتبعوه: أن تعاليم الإنجيل الذي آتاه
الله عيسى أمرتهم بالتخلق بالرأفة والرحمة
فعملوا بها، أو أن ارتياضهم بسيرة عيسى
عليه السلام أرسخ ذلك في قلوبهم وذلك
بجعل الله تعالى؛ لأنه أمرهم به ويسّرّه
علیهم، ذلك أن عیسی بعث لتهذیب نفوس
(٥) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢١٣/٢٩،
التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٤ /١٠٠.
(٦) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠٢/٢٣.
(٧) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٢١/٢٧.
١٤٦
القرآن الكريمِ

الرحمة
اليهود، واقتلاع القسوة من قلوبهم التي
تخلقوا بها في أجيال طويلة، قال تعالى:
◌ُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ فَهِىَّ كَالْحِجَارَةِ أَوْ
٤٠٠٤٠
أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ [البقرة: ٧٤](١).
بل إن الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع
المسيح وعلى منهاج إنجيله، فيهم مودة
للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما
في قلوبهم، إذ كانوا على دين المسيح من
الرقة والرأفة، كما قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ
أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا
نَصَرَىّ﴾ [المائدة: ٨٢](٢).
ولكن بعد أن كفروا بمحمد صلى الله
عليه وسلم صاروا أغلظ الناس، أو من
أغلظ الناس، كما جرى بين المسلمين
وبين النصارى في الحروب الصليبية(٣)،
وتمالؤهم مع اليهود ضد الإسلام
والمسلمين منذ القدم إلى يومنا هذا تبين
حقيقة عداوتهم للإسلام والمسلمين (٤).
ومن الآيات التي وصف الله بها عباده
المؤمنين بالرحمة قوله تعالى: ﴿ثُمَّكَانَ
مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَصَوْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ﴾
[البلد: ١٧].
(١) انظر: المصدر السابق.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٧/٣.
(٣) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، من
سورة الحجرات وحتی الحدید ص٤٢٧.
(٤) انظر: تنوير العقول والأذهان في تفسير مفصل
القرآن، اللاحم ٥٤٣/١.
التواصي بالصبر على الشدائد
والطاعات، وعن المعاصي والسيئات،
والتواصي بالتراحم، من شأنه أن یفتح الباب
أمام سائر الفضائل، ويغلق الطريق دون سائر
الرذائل، وهذا عنوان أهل الميمنة (٥)؛ لأن
هاتين الصفتين على رأس الصفات الفاضلة
بعد الإيمان بالله (٦).
فالصبر ملاك الأعمال الصالحة كلها؛
لأنها لا تخلو من كبح الشهوة النفسانية
وذلك من الصبر، والمرحمة ملاك صلاح
الجامعة الإسلامية، قال تعالى:
بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].
والتواصي بالرحمة فضيلة عظيمة، وهو
أيضًا كناية عن اتصافهم بالمرحمة؛ لأن من
يوصي بالمرحمة هو الذي عرف قدرها
وفضلها، فهو يفعلها قبل أن يوصي بها(٧).
وقد قرن الله بين الصبر والمرحمة في
الآية الكريمة والناس أربعة أقسام: منهم من
یکون فيه صبر بقسوة، ومنهم من یکون فيه
رحمة بجزع، ومنهم من يكون فيه القسوة
والجزع، والمؤمن المحمود الذي يصبر
على ما يصيبه ويرحم الناس (٨).
(٥) انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن
الكريم ٩/ ٠١٣٨
(٦) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي
١٥/ ٤٠٧.
(٧) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٦١/٣٠.
(٨) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/ ٤٧.
www. modoee.com
١٤٧

حرف الراء
فالذين اتصفوا بالصبر والرحمة، هم
الذين وفقهم الله لاقتحام العقبة التي ذكرها
الله في الآيات التي تسبق هذه الآية(١).
قال تعالى: ﴿فَلَ آَقْنَحَمَ اَلْعَقَبَةَ ( ١) وَمَآ
أَدْرَنِكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَّبَةٍ ، أَوْ إِطْعَمِّ فِ يَوْمٍ
ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِمَاذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينَاذَا
مَتْرَبَةٍ ﴾[البلد: ١١-١٦].
ففكوا الرقاب، وأطعموا المساكين،
وواسوا ذوي القربى في يوم المسغبة؛
ولذا كانوا هم السعداء الممتعون بجنات
النعيم(٢) ﴿أَعْضَبُّ الْيَّسَنَّةِ﴾ [البلد: ١٨]؛ الذين
يؤتون کتابهم يوم القيامة بأیمانهم، ومن
أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابًا
يسيرًا، وينقلب إلى أهله مسرورًا(٣).
رابعًا: الغيث:
المطر رحمة من الله يرحم بها عباده
في الدنيا فيكونون في جدب وفي فقر،
ومواشيهم على وشك الهلاك، فيغيثهم
الله بالمطر، فتنبت زروعهم وثمارهم
وتنعم مواشيهم فتكثر عندهم اللحوم
والأسمان والأزياد، وتتوفر عندهم الأشعار
والأصواف والأوبار، ينسجون منها اللباس
وغيره من الفرش والخيام وما جرى مجرى
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٧٠/٣١،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٢٤.
(٢) انظر: تفسير المراغي ١٦٣/٣٠.
(٣) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، جزء
عم، ص٢١٨.
ذلك. فهذا من غرائب آياته، وعظائم نعمه،
فهذا هو أصل النعم الدنيوية على الخلق(٤)؛
ولذا سماه الله رحمة في أكثر من موضع من
كتابه كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىَّ أَرْسَلَ الرَّبَحَ
بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَيِّهٍ، وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَلِ مَآءَ
طَهُورًا ) لِنُحْفِىَ يِ بَلْدَةٌ مَّيْنًا وَنُتَقِيَهُ مِمَّا
خَلَقْنَا أَنْعَمًا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا ﴾ [الفرقان:
٤٨-٤٩].
فالحياة على هذه الأرض كلها تعيش
على ماء المطر إما مباشرة، وإما بما ينشئه
من جداول وأنهار على سطح الأرض،
ومن ينابيع وعيون وآبار من المياه الجوفية
المتسربة إلى باطن الأرض منه، ولكن
الذين يعيشون مباشرة على المطر هم
الذین یدرکون رحمة الله الممثلة فیه إدراكًا
صحیحًا كاملًا، وهم يتطلعون إليه شاعرين
بأن حیاتهم کلها متوقفة علیه، وهم يترقبون
الرياح التي يعرفونها تسوق السحب،
ويستبشرون بها؛ ويحسون فيها رحمة الله إن
كانوا ممن شرح الله صدورهم للإيمان (٥).
فإذا انقطع عنهم المطر مدة وظنوا أنه
لا يأتيهم، وأيسوا وعملوا لذلك الجدب
أعمالًا، فينزل الله الغيث وينشر به رحمته
من إخراج الأقوات للآدميين وبهائمهم،
فيقع عندهم موقعًا عظيمًا، ويستبشرون
(٤) انظر: العذب النمير، الشنقيطي ٤١٦/٣،
٤١٥.
(٥) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٥٧٠/٥.
جَوْسُورُ
القرآن الكريم
١٤٨

الرحمة
بذلك ويفرحون (١)، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ
الَّذِى يُنَزِلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ
رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِىُّ الْحَمِيدُ ﴾ [الشورى: ٢٨]
وقد أمرهم تعالى أن ينظروا نظرة تعقل
واتعاظ واستبصار، إلى الآثار المترتبة
على نزول المطر، وكيف أن نزوله حول
النفوس من حالة الحزن إلى حالة الفرح،
وجعل الوجوه مستبشرة بعد أن كانت عابسة
يائسة(٢)، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ،
وَإِن
مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ()
كَانُواْ مِن قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ، لَمُبْلِسِينَ
فَأَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اَللَّهِ كَيْفَ يُحِي
٤٩
الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاْ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْىِ الْمَوْقَى وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٤٨ -٥٠].
فبعد أن بينّ استبشار الناس بنزوله بعد
الإبلاس؛ اعترض بذكر الأمر بالنظر إلى
أثر الرحمة وإغاثة الله عباده حين يحيي لهم
الأرض بعد موتها بالجفاف، والأمر بالنظر
للاعتبار والاستدلال (٣)؛ فبعد ما كانت
أرضهم مقشعرة هامدة أصبحت وقد اهتزت
وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج؛ ولهذا
قال: ﴿فَنْظُرْ إِلَىَّ ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾، يعني:
المطر، ﴿كَيْفَ يُّحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتَهَا﴾(٤).
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٧٥٨.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ١١/ ٩٨.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٣/٢١.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢٣/٦.
موجبات رحمة الله تعالى
إن رحمة الله جل وعلا تستجلب بأسباب
ذكرها الله في كتابه، ومن هذه الأسباب:
١. الإيمان والهجرة والجهاد.
الإيمان الصحيح الذي يحشو قلوب
أهله بحب الله وتعظيمه، ويجعلهم
يتفانون في طاعة الله ورسوله ويفضلونها
على الأهل والعشيرة والأوطان والمال
والإخوان والجاه وكل متع الدنيا ولذاتها،
فيهجرونها في سبيل الله، ويعرضون أنفسهم
للمکابد؛ والمكائد، فیجاهدون ابتغاء وجهه
الكريم(٥)؛ فحقيق بهؤلاء أن يكونوا هم
الراجون رحمة الله، لأنهم أتوا بالسبب
الموجب للرحمة(٦)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى
سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ
﴾ [البقرة: ٢١٨].
رجِـ
وبين جل وعلا في موضع آخر أن من
قام بهذه الأعمال المذكورة، أنهم أعظم
درجة عند الله من جميع الخلق(٧)، فقال:
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِىِ سَبِيلِ اللّهِ
◌ِأَمْوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُ
(٥) انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري
٣٥٧/٣.
(٦) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٩٨.
(٧) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٦/ ٤٤٢.
www. modoee.com
١٤٩

حرف الراء
اَلْفَآيِزُونَ﴾ [التوبة: ٢٠].
ثم بين الدرجة العظيمة التي في قوله:
﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ﴾ بقوله: ﴿يُبَشِّرُهُمْ
رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنَّتٍ لَهُمْ فِيَهَا
نَعِيدٌ مُقِيمُ ( خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ
عِنْدَهُأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [التوبة: ٢١-٢٢].
فتلك الدرجة: هي عناية الله تعالى بهم
بإدخال المسرة عليهم، وتحقيق فوزهم،
وتعريفهم برضوانه عليهم، ورحمته بهم،
وبما أعد لهم من النعيم الدائم(١).
٢. طاعة الله ورسوله؛ وإقام الصلاة،
وإيتاء الزكاة؛ والأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر.
انتظمت هذه الطاعات والعبادات التي
جعلها الله من موجبات رحمته في آية من
کتاب الله تعالى، أبان الله فيها حسن حال
المؤمنين والمؤمنات في الحال والمآل
فقال: ﴿وَأَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضَِّ يَأْمُونَ بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ
وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أَوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١].
وابتدأها بالإشارة إلى أنّ اللحمة الجامعة
بينهم هي ولاية الإسلام، فهم فيها على
السواء ليس واحد منهم مقلّدًا للآخر، ولا
تابعًا له على غير بصيرة؛ لما في معنى الولاية
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤٩/١٠.
من الإشعار بالإخلاص والتناصر (٢).
ثم بين الصفات التي أوجبت لهم رحمة
الله.
هي
ومنها: طاعة الله ورسوله التي
سبب للرحمة (٣) كما تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ
وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:
١٣٢].
وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ
الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْهُونَ﴾
[النور: ٥٦].
فأمر الله المؤمنين أن يطيعوا اللّه في كل
ما أمرهم به ونهاهم عنه، وأن يكونوا في
ذلك مطيعين للرسول صلوات الله وسلامه
علیه، سالکین وراءه فيما به أمرهم، وتارکین
ما عنه زجرهم، لعلكم بهذه الطاعة تكونون
في رحمة من الله؛ ولا شك أن من فعل ذلك
أن الله سيرحمهم، كما قال تعالى في الآية
الأخرى: ﴿أُوْلَكَ سَيَرْمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:
٧١] (٤).
والمراد: أنه تعالى يتعهد المؤمنين
والمؤمنات برحمته الخاصة المستمرة
في مستقبل أمرهم في الدنيا والآخرة،
باستمرارهم على طاعته وطاعة رسوله (٥).
(٢) انظر: المصدر السابق ٢٦٢/١٠.
(٣) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين،
سورة آل عمران، ١٦٥/٢.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٨١.
(٥) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٤٦٩/١٠.
١٥٠
مَوَسُولُ اللَّهِ
القرآن الكريم

الرحمة
ومن الصفات التي أوجبت لهم رحمة
الله: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما قال
تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْ
الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْهُونَ﴾ [النور: ٥٦].
الصلاة والزكاة أكبر الطاعات وأجلهما،
جامعتان لحقه وحق خلقه، للإخلاص
للمعبود، وللإحسان إلى العبيد فمن أراد
الرحمة، فهذا طريقها، ومن رجاها من
دون إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإطاعة
الرسول، فهو متمنٍ كاذب، وقد منّته نفسه
الأماني الكاذبة (١).
وخص الله الزكاة بكونها سببا من أسباب
الرحمة في قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ
كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ وَيُؤْثُنَ
الزَّكَوَةَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
وخصها دون ما عداها من الطاعات؛
لأن النفوس شحيحة ففتنته تقتضي أن یکون
المانعون للزكاة أكثر من التاركين غيرها من
الطاعات (٢).
ويفهم من هذه الآية من مفهوم مخالفتها:
أن الذین لا یتقون الشرك ولا المعاصي، ولا
یؤتون الزكاة لا تکتب لهم هذه الرحمة، وقد
بين تعالى ذلك في قوله: ﴿وَوَيٌِّ لِلْمُشْرِكِينَ
الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ بِآلْآَخِرَوِ
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٥٧٣.
(٢) انظر: تفسير المراغي ٩/ ٨٠.
٧)﴾ [فصلت: ٦-٧] (٣).
كَفِرُونَ {
هُمْ
ومن الصفات التي أوجبت لهم رحمة
الله: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
كما قال تعالى: ﴿وَاَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ
سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة:
٧١].
وهاتان الصفتان من أخص صفات
المؤمنين التي يمتازون بها على المنافقين
وعلى غيرهم من الكفار، هما سياج حفظ
الفضائل، ومنع فشو الرذائل (٤)، والمعروف
اسم جامع، لكل ما عرف حسنه، من العقائد
الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق
الفاضلة، وأول من يدخل في أمرهم
أنفسهم، والمنكر كل ما خالف المعروف
وناقضه من العقائد الباطلة، والأعمال
الخبيثة، والأخلاق الرذيلة (٥).
ومن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر فهو بعيد عن رحمة الله، مستحق
لغضب الله ولعنته، كما قال تعالى:
﴿لُمِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِي إِسْرٌّوِيلَ
عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمٌ ذَلِكَ بِمَا
(٣) انظر: العذب النمير، الشنقيطي ٤ /٢٠٥.
(٤) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٤٦٧/١٠.
(٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٣٤٣.
www. modoee.com
١٥١

حرف الراء
عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴿ كَانُوا لَا عظيمة، أولها توفيقه إياهم للصبر الذين
ينالون به الأجر، وجبرهم في مصيبتهم بأن
يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا
كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة: ٧٨]
يخلف عليهم خيرًا منها(٣).
فهذه الصفات الأربع استوجب بها
المؤمنون رحمة الله.
وبعد أن بيّن صفاته ورحمته لهم
إجمالاً بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ سَيَّرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾؛
بين ما وعدهم به من الجزاء المفسر لرحمته
تفصيلاً؛ للتنبيه على أنّ تلك الرحمة هي هذه
الأشياء(١) فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ
خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةٌ فِى جَنَّتِ
عَلْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
اَلْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: ٧٢].
٣. الصبر.
الصابرون المحتسبون على المصائب،
عليهم من ربهم الرحمن الرحيم صلواته
العامة ورحمته الخاصة (٢)، كما قال تعالى:
﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم
مُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ ) أُوْلَكَ
عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَتِكَ هُمُ
الْمُهْتَدُونَ ()﴾ [البقرة: ١٥٥ -١٥٧].
فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة
الجسيمة؛ ثناء وتنويه بحالهم ورحمة
(١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٥/ ٥٧.
(٢) انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري
٤٦٩/٢.
فالله تعالى لم يمن على عباده الصابرين
بالمغفرة والرضوان فقط، وحسبهما جزاءً
للصبر ولكن منّ بالرحمة، رحمة الله تعالى
التي وسعت كل شيء، فرحمهم في الدنيا
بالهداية والتوفيق لفعل الخير، ورحمهم في
الآخرة بالنعيم المقيم (٤).
وهذه الرحمة یحسدهم علیها الكافرون،
فإن الكافر الذي حرم من هذه الرحمة،
إذا نزلت به المصيبة تضيق به الأرض بما
رحبت، حتى لقد يقضي على نفسه بيده إذا
لم يجد وسيلةً للخلاص مما حلّ به (٥)؛
فمن لم يصبر فهو محروم من صلوات الله
ورحمته وهدایته(٦).
٤. العفو.
القصاص في النفس والجراح کان حتمًا
في التوراة على اليهود، ولم يكن لهم أخذ
الدية، وكان في شرع النصارى الدية ولم
یکن لهم القصاص، فخير الله تعالى هذه
الأمة بين القصاص وبين العفو عن الدية
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٧٥.
(٤) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ١/ ٤٧٥.
(٥) انظر: تفسير المراغي ١/ ٢٥٦.
(٦) انظر: صفوة الآثار والمفاهيم الدوسري
٤٦٩/٢.
١٥٢
جوبيه
القرآن الكريم

الرحمة
تخفيفًا منه ورحمة(١)، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَدْلِىّ الْخُرُّ
بِالْخُّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنَّ فَمَنْ عُفِىَ
لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَأَنْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ
◌ِإِحْسَنَّ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةُ فَمَنِ
اُعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:
١٧٨].
فالإسلام قد جمع في تشريعه الحكيم
لعقوبة القتل بين العدل والرحمة، فالأخذ
بالقصاص عدل، والآخذ بالعفو رحمة (٢).
وكان العفو والدية تخفيفًا من الله إذ فيه
انتفاع الولي بالدّية، وحصول الأجر بالعفو
استبقاء مهجة القاتل، وبذل ما سوى النفس
هين في استبقائها(٣).
وقد رغب الشارع في العفو بما يحرك
عاطفة الرحمة والحنان (٤)؛ بذكر الأخوة
الرابطة التي لم يقطعها الاعتداء؛ لأنها برباط
الله تعالى فلا يفكه العبد(٥)، فقال: ﴿فَمَنْ
عُفِىَ لَّهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاً
إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾ ترقيق وحث على العفو إلى
الدية، وأحسن من ذلك العفو مجانًا(٦).
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١/ ١٩١.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤٣/٢.
(٣) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ١٧/٢.
(٤) انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري
٤٢/٣.
(٥) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ١/ ٥٣٦.
(٦) انظر: تيسير الكريم الرحمن،
السعدي ص ٨٤.
وإنما كانوا العفو رحمة؛ لأن من استبقى
مهجتك بعد استحقاق إتلافها فقد رحمك؛
وأي رحمة أعظم من ذلك؟ ولعل القاتل
المعفو عنه يستقل من الأعمال الصالحة
في المدة التي عاشها بعد استحقاق قتله ما
يمحو به هذه الفعلة الشنعاء، فمن الرحمة
إمهاله لعله يصلح أعماله(٧) .
وكذلك العفو رحمة بالعافي إذ به
يتخلص من الأحقاد، وأضغانها، ورحمة
بالأمة لكونه بدل أن ينقص عددها اثنين
ينقص إلى واحد، وبدل أن تتبادل الدماء
تنتهي المعركة (٨).
فبالعدالة والرحمة تسعد الأمم وتطمئن
في حياتها؛ إذ العدالة هي التي تكسر شر
النفوس، وتغسل غل الصدور، وتردع
الجاني عن التمادي في الاعتداء، لأنه يعلم
علم اليقين أن من وراء الاعتداء قصاصًا
عادلًا، والرحمة هي التي تفتح الطريق أمام
القلوب لکي تلتئم بعد التصدع وتتلاقى بعد
التفرق، وتتواد بعد التعادي، وتتسامى عن
الانتقام إلى ما هو أعلى منه وهو العفو؛ فلله
هذا التشريع الحكيم الذي ما أحوج العالم
إلى الأخذ به، والتمسك بتوجيهاته(٩).
٥. الموت في سبيل الله.
(٧) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢/ ١٧.
(٨) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ١/ ٥٣٧.
(٩) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي
٣٧٢/١.
www. modoee.com
١٥٣

حرف الراء
الموت في سبيل الله، وسیلة إلی نیل
رحمة الله وعفوه ورضوانه، وذلك خير من
البقاء في الدنيا وجمع حطامها الفاني(١)،
كما قال تعالى: ﴿وَلَيْن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ خَيْرٌ مِّمَّا
يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٥].
في هذه الآية ترغيب للمؤمنين في
الجهاد وأنه مما يجب أن يتنافس فيه
المتنافسون؛ وتعزية لهم وتسلية مما أصابهم
في سبيل الله تعالى(٢)؛ لأنه سبحانه لا
يختارهم لشيء أفضل مما عنده، ولا يختار
الجزاء الدنيوي فقط مهما عظم وضخم؛
لأنه لا يساوي شيئًا مما في الآخرة، فبموت
المؤمن أوقتله يتخلص من عدوه ويلحق
بمحبوبه الرب العظيم، فكان جزاؤه منه
سبحانه المغفرة والرحمة التي لا تعدلها
الدنيا ثمنًاً(٣)؛ لأن الشيء يعظم بعظم باذله
﴿لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ ﴾ (٤)؛ وجمع بينهما
ليكمل للإنسان سعادته؛ إذ بالمغفرة زوال
المكروه، وبالرحمة حصول المطلوب(٥)،
فالمغفرة تمحو ما كان من ذنوبه، والرحمة
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤٧/٢.
(٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ٤/ ١٠٤.
(٣) انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري
٣٨٤/٤.
(٤) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين،
سورة آل عمران ٣٥٩/٢.
(٥) المصدر السابق ٢/ ٣٦٠.
ترفع درجاته (٦).
وذكر رحمة الله تعالى في هذا المقام؛
لكيلا تذهب نفوس المؤمنين حسرة على
من ماتوا منهم، فإنهم ليسوا في شقاء بل هم
في نعيم، ﴿ وَلَا تَّحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أَمْوَنَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:
١٦٩](٧).
٦. الاعتصام بالله.
وعد الله المؤمنين المعتصمين به
بالرحمة والفضل والهداية، فقال تعالى:
﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ،
فَسَيُّدْ خِلُهُمْ فِ رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَّهْدِيهِمْ إِلَيْهِ
صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥].
فالذين اعترفوا بوجوده واتصافه بكل
وصف كامل، وتنزيهه من كل نقص وعيب،
ولجأوا إليه واعتمدوا عليه، وتبرؤوا من
حولهم وقوتهم واستعانوا بربهم (٨)؛
ستنالهم الرحمة العاجلة والآجلة (٩)،
الرحمة العاجلة في الدنيا بأن يكونوا في
سعادة واطمئنان وهدوء بال (١٠)؛ لأن أنعم
الناس بالًا وأشدهم انشراحًا في الصدور هم
(٦) انظر: تفسير المراغي ١١٠/٤.
(٧) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٤٧٢/٣،
تفسير المراغي ٤ / ١١٠.
(٨) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٢١٧.
(٩) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين،
سورة النساء ٢/ ٥٣٣.
(١٠)انظر: زهرة التفاسير ٤ /١٩٩٤.
مَوَسُوعَرَا
القرآن الكريم
١٥٤