النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الرّحَّةُ
عناصر الموضوع
مفهوم الرحمة
١١٦
الرحمة في الاستعمال القرآني
١١٧
الألفاظ ذات الصلة
١١٩
الرحمة في حق الله سبحانه وتعالى
١٢٠
من وصف بالرحمة في القرآن
١٣٨
موجبات رحمة الله تعالى
١٤٩
أسباب اليأس والقنوط من رحمة الله
١٥٩
من مظاهر رحمة الله وآثارها
١٦٢
موقف الخلق من رحمة الله
١٧٢
المُجَلَّدَ السّادسْ عَشِر

حرف الراء
مفهوم الرحمة
أولًا: المعنى اللغوي:
تدور مادة (رح م) حول الرقّة، والعطف.
قال ابن فارس: ((الرّاء والحاء والميم أصل واحد، يدل على: الرقة والعطف والرأفة. يقال
من ذلك: رحمه يرحمه إذا رقّ له وتعطّف عليه، والرّحم والمرحمة والرّحمة بمعنّى)) (١).
وقال ابن منظور رحمه الله: ((الرحمة: الرقة والتعطف، والرحمة في بني آدم: رقة القلب
وعطفه)» (٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
ذكر أهل العلم في تعريف الرحمة في الاصطلاح عدة تعريفات مأخوذة من دلالة المعنى
اللغوي للكلمة، ومن هذه التعريفات:
قول الراغب الأصفهاني رحمه الله: ((الرحمة رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وقد
تستعمل تارةً في الرقة المجردة، وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة نحو رحم الله فلانًا))(٣).
وقال الكفوي رحمه الله: ((الرحمة حالة وجدانية تعرض غالبًا لمن به رقة القلب، وتكون
مبدأً للانعطاف النفساني الذي هو مبدأ الإحسان»(٤).
وعرفها بعض الباحثين بقوله: ((رقة يجدها المخلوق في قلبه تحمله على العطف
والإحسان إلى سواه ومواساته، وتخفيف آلامه)) (٥).
والرحمة هي السبب الذي بين الله وبين عباده؛ بها أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه،
وبها هداهم، وبها أسكنهم دار ثوابه، وبها رزقهم وعافاهم، وبها أنعم عليهم (٦).
فالمعنى الاصطلاحي للرحمة لا يبعد عن معناه اللغوي، إلا أنه خص برحمة الله لعباده،
ولا ينافي معنى الرحمة أن يكون في بعض التكاليف مشقة.
(١) مقاييس اللغة، ٣٩٨/٣.
(٢) لسان العرب ٢٣١/١٢.
(٣) المفردات ص ١٩١.
(٤) الكليات ص ٤٧١ .
(٥) الرحمة في القرآن الكريم، موسى عسيري ص٢١-٢٢.
(٦) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ٣٥/١.
١١٦
جوية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الرحة
الرحمة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (رحم) في القرآن الكريم (٣٣٩) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٨
﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ الَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ﴾ [هود: ٤٣]
الفعل المضارع
١٥
[العنكبوت: ٢١]
رَبَّنَا لَا تُخْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَُّنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ
المصدر
١١٦
أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ [آل عمران: ٨]
اسم الفاعل
٦
﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ ﴾ [يوسف: ٦٤]
صيغة المبالغة
١٧٢
الرَّحْمَنِ الرَّحِمِ ﴾ [الفاتحة: ٣]
اسم التفضيل
٤
﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ ﴾ [يوسف: ٩٢]
الاسم
١٣
﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى قَسَآءَ لُونَ بِهِ، وَاَلْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]
وأطلقت الرحمة في الاستعمال القرآني على عدة أمور (٢):
الأول: الإسلام والإيمان: ومنه قوله تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِ رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: ٣١]،
أي: في دينه الإسلام. وقوله تعالى: ﴿وَءَانَنِى رَحْمَةٌ مِّنْ عِنْدِهِ﴾ [هود: ٢٨]، أي: الإيمان.
الثاني: الجنة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ أَتَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اَللَّهِ﴾ [آل عمران:
١٠٧]، أي: في جنته.
الثالث: المطر: ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ،﴾
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص ٣٠٤- ٣٠٩.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان ص ٣٩- ٤٢، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٢٢٤-٢٢٧،
نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٣٣١-٣٣٤، الوجوه والنظائر، أبو هلال العسكري ص ٢٢٧ -
٢٢٨.
www. modoee.com
١١٧
يُعَذِبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءٌ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ
٢١

حرف الراء
[الأعراف: ٥٧]، أي: المطر.
الرابع: النبوة: ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَّآْنُ رَحْمَةٍ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٩]، أي:
مفاتيح النبوة.
الخامس: القرآن: ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِ فَبِذَلِكَ فَلْيَغْرَحُواْ﴾ [يونس: ٥٨]،
أي: القرآن.
السادس: الرزق: ومنه قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآيِنَ رَحْمَةٍ رَبِ إِذَا لَّأَمْسَكْتُمُ خَشْيَةَ
الْإِنفَاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠]، أي: رزق ربي.
السابع: النصر والفتح: ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِى يَعْصِمُكُم مِّنَ اللّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ
أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٧]، أي: النصر والفتح.
الثامن: العافية: ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَءَ يْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللّهُ بِضُرِ هَلْ
هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِِّة أَوْ أَرَادَنِ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر: ٣٨]، أي: عافية.
التاسع: المودة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبٍ اُلَّذِينَ أَتَبَعُوهُ رَأَفَةٌ وَرَحْمَةً ﴾ [الحديد:
٢٧]، أي: مودة.
العاشر: التوفيق: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النساء: ٨٣]، أي:
توفيقه.
الحادي عشر: العصمة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَبَرِيُ نَفْسِىٌّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالشُّوْءِ إِلََّّمَا
رَحِمَرٍَِ﴾ [يوسف: ٥٣].
١١٨
جوي
قَضوري
القرآن الكريمِ

الرحة
الألفاظ ذات الصلة
الرأفة:
١
الرأفة لغة:
أصل مادة (رأف) تدل على رقّة ورحمة، وهي الرّأفة (١).
الرأفة اصطلاحًا:
قال الكفويّ: ((الرّأفة مبالغة فى رحمة مخصوصة، هي رفع المكروه وإزالة الضرّ))(٢).
الصلة بين الرأفة والرحمة:
الرّأفة أخص من الرحمة؛ فالرّأفة: أشد الرحمة (٣)، أو الرّأفة: أعلى معاني الرحمة (٤)، أو
الرّأفة: ألطف الرحمة وأرقها (٥).
قال الزجاج رحمه الله: «الرأفة هي المنزلة الثانية، يقال: فلان رحيم، فإذا اشتدت رحمته
فهو رءوف»(٦).
القسوة:
٢
القسوة لغةً:
القسوة: الصّلابة في كلّ شيءٍ، والقسوة في القلب تعني ذهاب اللّين والرّحمة والخشوع
منه(٧).
القسوة اصطلاحًا:
قال الراغب: ((القسوة: غلظ القلب))(٨).
الصلة بين القسوة والرحمة:
العلاقة بينهما التضاد، فالقسوة ضد الرحمة.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٧١/٢.
(٢) الكليات ص ٣٧٨.
(٣) انظر: مجاز القرآن، أبو عبيدة ١/ ٥٩، تفسير القرآن، السمعاني ٣٧٩/٥.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/٢، المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٢١/١.
(٥) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ١/ ٥١٨، تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمن، من سورة الحجرات
وحتى الحديد ص٤٢٨.
(٦) تفسير أسماء الله الحسنى ص٦٢.
(٧) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٨٠/١٥.
(٨) المفردات ص ٦٧١.
www. modoee.com
١١٩

حرف الراء
الرحمة في حق الله سبحانه وتعالى
الرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان:
رحمة ذاتية موصوف بها سبحانه على الوجه
اللائق به، وإضافتها إليه من إضافة الصفة
إلى الموصوف كقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى
وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو
وقوله تعالى:
الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨].
والرحمة الأخرى: رحمة مخلوقة، وهي
من أثر صفة الرحمة الذاتية، وإضافتها إليه
سبحانه من إضافة المخلوق إلى خالقه
كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِبَحَ
بُشْرَا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧].
وكما جاء في الحديث: (فقال الله
للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من
عبادي) (١)(٢).
ورحمة الله وردت في القرآن الكريم
صفة له سبحانه، واشتق منها اسمان عظيمان
هما الرحمن والرحيم، وسأعرض لما تقدم
من خلال النقاط الآتية:
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة
نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون
والجنة يدخلها الضعفاء، ٢١٨٥/٤، رقم
٢٨٤٦، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم ٤٠٨/٢.
أولًا: ورود الرحمة مفردة صفة لله
تعالى:
جاءت رحمة الله في مواضع من القرآن
الکریم موصوفة بصفة معينة، ککتابة الله لها
على نفسه وكالسعة، والقرب من المحسنين،
وسأعرض لهذه الأوصاف والدلالات من
خلال الآتي:
١. الرحمة مما كتبه الله سبحانه
علی نفسه.
ليس لأحد أن يلزم الله شيئًا، ولكن الله
يلزم نفسه ما شاء، ومعنى إلزامه أن يخبر
به، ووعده جل وعلا صادق لا يتخلف،
فما وعد الله به فهو واجب الوقوع لازمه
محتوم؛ لأن الله لا يخلف الميعاد(٣).
ومما أخبر الله به سبحانه عن نفسه أنه
كتب على نفسه الرحمة، أي: أوجبها على
نفسه الكريمة تفضلًا منه وإحسانًا؛ وهذه
الكتابة كونية قدرية لم يوجبها عليه أحد (٤).
قال ابن حجر رحمه الله: « قوله تعالى:
﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾
[الأنعام: ٥٤].
ليس معناه أن ذلك لازم له؛ لأنه لا آمر
له، ولا ناهي يوجب عليه ما يلزمه المطالبة
به، وإنما معناه إنجاز ما وعد به من الثواب،
(٣) انظر: العذب النمير، الشنقيطي ٣٤٠/١.
(٤) انظر: شرح العقيدة الواسطية، الفوزان
ص٣٥.
١٢٠
القرآن الكريم

الرحمة
وهو لا يخلف الميعاد))(١).
وقد ورد إخبار الله سبحانه عن نفسه أنه
كتب على نفسه الرحمة في موضعين من
سورة الأنعام:
الأول: قوله تعالى: ﴿قُل لِمَن مَّافِى
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُل لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ
الرَّحْمَةُ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِلَا رَيْبَ
فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
(١٢﴾ [الأنعام: ١٢].
بيّن تعالى كمال إلاهيته وقدرته ونفاذ
تصرفه في عالم المخلوقات بالكلية، ثم
أردفه بكمال رحمته وإحسانه إلى الخلق
فقال: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾ (٢).
فقضى أنّه بعباده رحیم، لا يعجل عليهم
بالعقوبة، ويقبل منهم الإنابة والتوبة، وهذا
منه تعالى استعطاف للمعرضين عنه إلى
الإقبال إليه بالتوبة (٣).
و﴿الرَّحْمَةَ﴾ هنا الظاهر أنها عامّة،
فتعم المحسن والمسيء في الدنيا، وهي
عبارة عن الاتصال بهم والإحسان إليهم،
ولم يذكر متعلق الرحمة لمن هي فتعم (٤).
قال ابن سعدي رحمه الله: ((وقوله:
﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، أي: العالم
العلوي والسفلي تحت ملکه وتدبيره، وهو
(١) فتح الباري ٤١٣/١٣.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/ ١٣٧.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١١/ ٢٧٣.
(٤) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٤ /٨٦.
تعالى قد بسط عليهم رحمته وإحسانه،
وتغمدهم برحمته وامتنانه، وكتب على
نفسه كتابًا أن رحمته تغلب غضبه، وأن
العطاء أحب إليه من المنع، وأن الله قد فتح
لجميع العباد أبواب الرحمة، إن لم يغلقوا
عليهم أبوابها بذنوبهم، ودعاهم إليها، إن لم
تمنعهم من طلبها معاصيهم وعيوبهم)) (٥).
وقد أورد العلامة ابن عاشور رحمه الله
عدة معانٍ بديعة في وقوع جملة ﴿كَتَبَ عَلَى
نَفْسِدِ الرَّحْمَةً ﴾معترضة، حیث قال: «وفي
هذا الاعتراض معان: أحدها: أنّ ما بعده
لمّا کان مشعرًا بإنذار بوعيد قدّم له التذكير
بأنّه رحيم بعبيده، عساهم يتوبون ويقلعون
عن عنادهم، على نحو قوله تعالى: ﴿كَتَب
رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ
مِنكُمْ سُوءً ابِجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ
فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤].
والشرك بالله أعظم سوءٍ وأشدّ تلبّسًا
بجهالة، والثاني: أنّ الإخبار بأنّ لله ما في
السماوات وما في الأرض يثير سؤال سائل
عن عدم تعجيل أخذهم على شركهم بمن
هم ملكه. فالكافر يقول: لو كان ما تقولون
صدقًا لعجّل لنا العذاب، والمؤمن يستبطىء
تأخير عقابهم، فكان قوله: ﴿كَنَّبَ عَلَى
نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ جوابًا لكلا الفريقين بأنّه
تفضل بالرحمة، فمنها رحمة كاملة: وهذه
(٥) تيسير الكريم الرحمن ص ٢٥١.
www. modoee.com
١٢١

حرف الراء
رحمته بعباده الصالحين، ومنها رحمة
موقّتة وهي رحمة الإمهال والإملاء للعصاة
والضّالّين، والثالث: أن ما في قوله: ﴿ قُل
لِّمَن مَّا فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ قُل لِلَّهِ﴾ من
التمهيد لما في جملة ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ
اٌلْقِيَامَةِلَا رَيِّبَ فِيهِ﴾ من الوعيد والوعد.
ذكرت رحمة الله تعريضًا ببشارة المؤمنين
وبتهديد المشركين)) (١).
والثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآَمَكَ
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِشَايَتِنَا فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ أَنَّهُ مَنْ
عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًابَجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِنْ
وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤].
جاءت هذه الآية إرشادًا من الله لنبيه
صلى الله عليه وسلم في شأن فريق من
الناس، وهم الذين يجيئون الرسول آنًا
بعد آنٍ مؤمنين بآيات الله المثبتة للتوحيد
والرسالة، فيدخلون في الإسلام مذعنين
لأمر الله ورسوله(٢).
ثم بين سبحانه أن المراد بالرحمة في
قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾
غفرانه ما يعملون من سوء إذا تابوا
وأصلحوا، فقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ
الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًاپجَهَالَةِ
ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾،
(١) التحرير والتنوير ٧/ ١٥١.
(٢) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٣٤٧/٧.
فقوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا﴾ مفسر
لتلك الرحمة مبين لها (٣)
.
والتوبة لا بد فيها من ترك الذنوب،
والندم عليها، وإصلاح العمل، وأداء ما
أوجب الله، وإصلاح ما فسد من الأعمال
الظاهرة والباطنة، فإذا وجد ذلك كله ﴿فَأَنَّهُ.
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يصب عليهم من مغفرته
ورحمته، بحسب ما قاموا به، مما أمرهم
به(٤).
وقريب من هذه الآية(٥) قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَُّّءَ
◌ِجَهَلَّةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأَوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ
عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:
١٧].
فمدلول هذه الآية أن الله ليس عليه حق
بقبول توبة أحد من المذنبين، وليس الله
براجع لأحد منهم إلى ما يحبه من العفو
عنه والصفح عن ذنوبه التي سلفت منه، إلا
للذين يزاولون المعاصي عن جهل منهم،
وهم من عذاب ربهم مشفقون، فيتوبون من
ذنوبهم ويراجعون طاعة الله التي ترضيه،
ويلازمون الاستغفار والندم على ما فات
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٧/٧،
العذب النمير، الشنقيطي ٣٤١/١.
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٢٥٨.
(٥) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين،
سورة النساء ١٣٩/١.
١٢٢
جوببيو
القرآن الكريمِ

الرحمة
عازمين على ترك العودة إليه (١).
ومما يجدر الإشارة إليه في ختام الكلام
على الآیتین الکریمتین أن ما أخبر الله من
أنه سبحانه بأنه كتب على نفسه الرحمة هو
الذي دلت عليه السنة، فقد ثبت عن النبي
صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن الله
جل وعلا كتب في كتاب فهو عنده فوق
عرشه: (إن رحمتي غلبت غضبي)(٢).
وهذا المعنى هو الذي دلت عليه آيات
أخرى من كتاب الله، وهو الذي سيكون عنه
الحديث في الفقرة الآتية.
٢. سبق رحمة الله غضبه.
بسط الله سبحانه على عباده رحمته
وإحسانه، وتغمدهم برحمته وامتنانه، و کتب
على نفسه كتابًا أن رحمته تغلب غضبه، وأن
العطاء أحب إليه من المنع، وأن الله قد فتح
لجميع العباد أبواب الرحمة (٣).
وقد جاء هذا المعنى في عدة آيات من
کتاب الله تعالی، ومنها:
قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ اَلْغَنِىُّ ذُوَ الرَّحْمَةِ
(١) انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، عبدالرحمن
الدوسري ٥/ ١٧٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: (وهو
الذي يبدأ الخلق ثم يعيده)، ١١٦٦/٣، رقم
٣٠٢٢، ومسلم في صحيحه، كتاب التوبة،
باب في سعة رحمة الله تعالى، ٢١٠٧/٤،
رقم ٢٧٥١، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٥١.
إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ
بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ
قَوْمٍ ءَاخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣].
الله سبحانه هو الغني: في ذاته وصفاته
وأفعاله وأحكامه، الغني عن عباده والكل
مفتقر إليه؛ فلا ينفعه إيمان المؤمنين، ولا
طاعة الطائعين، كما قال تعالى: ﴿بَأَيُّهَا النَّاسُ
أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّالْحَمِيدُ﴾
[فاطر: ١٥].
كما لا يضره كفر الكافرين، أو معصية
العاصين، كما قال تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُواْ أَنْتُمْ
وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَميعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ حَمِيدٌ﴾
[إبراهيم: ٨](٤).
وفي الحديث القدسي، الثابت عن النبي
صلی الله عليه وسلم ، فیما يرويه عن ربه،
أن الله جل وعلا يقول: (يا عبادي لو أن
أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على
أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في
ملکي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم
وإنسكم وجنکم کانوا علی أنجر قلب رجل
منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا)(٥).
والنكتة في الآية: أن الله بما قدّم قبل
هذه الآية من آيات أمر ونهي، وبين ما
(٤) انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن
الكريم، مجموعة مؤلفين ٣ / ٥٦٢.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب تحريم الظلم، ٤ / ١٩٩٤، رقم
٢٥٧٧، عن أبي ذر رضي الله عنه.
www. modoee.com
١٢٣

حرف الراء
يدخل الجنة وما يدخل النار، ثم نبه خلقه، تمهيد لمعنى الإمهال الذي في قوله: ﴿إِن
يَشَأَيُذْهِبْكُمْ﴾ أي: فلا يقولنّ أحد
فكأنه يقول: يا عبادي: لا تظنوا أنني آمركم
وأنهاكم لأجل أن أجر بذلك لنفسي نفعًا أو
أصرف عنها ضراً، لا، أنا الغني بذاتي الغنى
المطلق، وإنما النفع لكم لا لي (١).
لماذا لم يذهب هؤلاء المكذبين، أي: أنه
لرحمته أمهلهم إعذارًا لهم(٥)؛ فلو شاء
العجل لهم العقاب وسارع إلى إهلاكهم
واستخلاف غيرهم، كما أهلك أسلافهم
الذين خرجوا من أصلابهم، لكنه تعالى
يمهلهم لعلهم يرجعون، ويؤخرهم فعساهم
يتوبون (٦).
ثم تليت هذه الصفة بقوله تعالى: ﴿ذُو
الرَّحْمَةِ ﴾ فأردف الاستغناء بالتفضل وهذا
أجمل تناسق(٢)، والوصف بذي الرحمة
يساوي وصف الرحيم؛ لأن ذو تقتضي
رسوخ النسبة بين موصوفها وما تضاف
إليه (٣)، وقوله: ﴿ذُوَ الرَّحْمَةِ﴾، أي: أنه
صاحب الرحمة وحده، فهو الرحيم رحمة
مطلقة بعباده، ورحمة غيره رحمة نسبية،
تليق بالمخلوقات، أما الله تعالى فرحمته
واسعة، وسعت كل شيء، خلق الكون
والناس برحمته، وخلق العقلاء وكفلهم
برحمته، وأنزل من السحاب ماءً مدرارًا
برحمته، وخلق من الماء كل شيء حي
برحمته، وجعل الأرض مهادًا والجبال
أوتادًا برحمته، وخلق الموت والحياة
برحمته، وخلق البعث والنشور برحمته،
وأنشأ السمع والأبصار والأفئدة برحمته (٤).
والمقصود من الوصف بذي الرحمة،
ومن الآيات الدالة على سبق رحمة
الله غضبه قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو
الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ
الْعَذَابَّ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ.
مَوْبِلًا ﴾ [الكهف: ٥٨].
الله واسع المغفرة، يغفر الذنوب، ويتوب
على من يتوب، فيتغمده برحمته، ويشمله
بإحسانه، وأنه لو آخذ العباد على ما قدمت
أيديهم من الذنوب، لعجل لهم العذاب،
ولكنه تعالى حليم لا يعجل بالعقوبة، بل
يمهل ولا يهمل، والذنوب لا بد من وقوع
آثارها، وإن تأخرت عنها مدة طويلة (٧).
وفي معنى هذه الآية وردت آيات
(١) انظر: العذب النمير، الشنقيطي ٣٠٣/٢.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٥٥/٥-
٣٥٤.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٥٧/١٥.
(٤) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢٦٧٩/٥.
(٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨٦/٨.
(٦) انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن
الكريم، مجموعة مؤلفين ٥٦٢/٣.
(٧) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٤٨٠.
١٢٤
جوبيه
القرآن الكريمِ

الرحمة
كثيرة(١)، كقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اَللَّهُ
النَّاسَ بِظُلْمِهِ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِرُهُمْ
إِلَى أَجَلٍ مُسَتَّىٌ﴾ [النحل: ٦١].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ
بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن
دَآَبَةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَ أَجَلٍ مُسَنَّ﴾
[فاطر: ٤٥].
فإنه لو عاجل الخلق بالعقوبة لأهلك
جميع من في الأرض، ولكنه حلیم لا يعجل
بالعقوبة؛ لأن العجلة من شأن من يخاف
فوات الفرصة، ورب السماوات والأرض
لا يفوته شيء أراده(٢).
ذكر الله تعالى الكفار بالصفات الموجبة
للخزي والخذلان (٣) في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِرَ بِثَايَتِ رَبِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنِىَ
مَا قَدَّمَتْ يَدَاءُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن
يَفْقَهُوهُ وَفِىّ ءَاذَانِمْ وَقْرَاْ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى
فَلَن يَهْتَدُوَأْ إِذَا أَبَدًا ﴾ [الكهف: ٥٧].
ولما كان هذا مقتضيًا لأخذهم أتبعه
بقوله (٤): ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾
جريًا على عادة القرآن في تعقيب الترهيب
بالترغيب والعكس؛ فلما رماهم بقوارع
التهديد والوعيد عطف على ذلك التعريض
بالتذكير بالمغفرة؛ لعلهم يتفكرون في
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤ /١٩٣.
(٢) المصدر السابق ٣٤٨/٣.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ٤٧٦.
(٤) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٤ / ٤٨٤.
مرضاته، ثم التذكير بأنه يشمل الخلق
برحمته في حين الوعيد، فيؤخر ما توعدهم
به إلى حد معلوم، إمهالًا للناس لعلهم
يرجعون عن ضلالهم، ويتدبرون فيما هم
فیه من نعم الله تعالی فلعلهم يشكرون(٥).
ومن استمر منهم ﴿لَهُمْ قَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا
مِن دُونِهِ، مَوْبِلًا﴾ وهو يحتمل أن يكون
المراد ما سيكون عليهم من القتل بأيدي
المؤمنين في الدنيا، أو ما سيكون عليهم
يوم القيامة الذي لا مفر منه (٦)، ونظير هذا
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِ الصَّلَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ
الرَّحْتَنُ مَدَّأَ حَقَّقٍ إِذَا رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَلِمَّا
السَّاعَةَ﴾ [مريم: ٧٥].
أي: فلیهمله الرحمن إمهالًا فيما هو فيه
حتى يستدرجه بالإمهال ویموت على ذلك
ولا یرجع عنه، بل يستمر على ذلك حتى
يرى ما يوعده الله، وهو: إما عذاب في
الدنيا بأيدي المسلمين، كقوله: ﴿قَتِلُوهُمْ
يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]،
أو بغير ذلك، وإما عذاب الآخرة إن ماتوا
وهم على ذلك الكفر (٧).
وهذه سنة الله في الأولين والآخرين،
أن لا يعاجلهم بالعقاب، بل يستدعيهم إلى
التوبة والإنابة، فإن تابوا وأنابوا، غفر لهم
(٥) انظر: التحرير والتنوير ٣٥٦/١٥.
(٦) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين،
سورة الكهف ص١٠٦.
(٧) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤ / ٤٥٠.
www. modoee.com
١٢٥

حرف الراء
ورحمهم، وأزال عنهم العقاب، وإلا فإن لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين، هما
جلب النفع ودفع الضرر(٤)، والله سبحانه
استمروا علی ظلمهم وعنادهم، وجاء الوقت
الذي جعله موعدًا لهم، أنزل بهم بأسه (١)؛
ولهذا قال: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا
ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا ﴾ [الكهف:
٥٩].
قرن في عدة آيات من كتابه بين الترغيب
في رحمته، والترهيب من عذابه، كقوله:
﴿نَبِىِّ عِبَادِىٌّ أَنْ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَأَنَّ
عَذَابِى هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾ [الحجر:
٤٩ - ٥٠].
وهذا استشهاد على ما فعل بقريش من
تعيين الموعد؛ ليتنبهوا لذلك، ولا يغتروا
بتأخر العذاب(٢).
٣. سعة رحمة الله.
الله سبحانه واسع الرحمة، له كمال
الرحمة، ورحمته قد ملأت العالم العلوي
والسفلي وجميع المخلوقات، وشملت
الدنيا والآخرة(٣).
وهذه الرحمة الواسعة التي عمت البر
والفاجر، وجميع المخلوقات، دلّ عليها
عدة آيات من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى:
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةِ
وَسِعَةٍ وَلَا يُرَأُ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِنَ﴾
[الأنعام: ١٤٧].
جمع جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة،
بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد؛
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٤٨٠.
(٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٢٣١/٥.
(٣) المواهب الربانية من الآيات القرآنية، السعدي
ص١١٦.
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ
[الأنعام: ١٦٥].
أي: فإن كذبك مخالفوك من المشركين
واليهود ومن شابههم(٥)، فقل: ﴿رَبُّكُمْ
ذُورَحمةِ وَسِعٌ﴾ تسع جميع خلقه، المحسن
والمسيء، لا يعاجل من كفر به بالعقوبة، ولا
من عصاه بالنّقمة، ولا يدع كرامة من آمن به
وأطاعه، ولا يحرمه ثواب عمله، رحمةً منه
بكلا الفريقين (٦)
.
فالله سبحانه أمهلهم، وأغدق عليهم
نعمه، وأعطاهم العافية والإمهال، وهم
يكذبون رسله، ويرتكبون مساخطه،
ويتمردون عليه، فسبحانه ما أرحمه (٧)!
إلا أنه سبحانه مع سعة رحمته؛ فإن
سطوته وعذابه لا يردّه إذا أحله عند غضبه
على المجرمين، فقال: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ
(٤) أضواء البيان، الشنقيطي ٧ / ٧٥.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٥٧/٣.
(٦) جامع البيان، الطبري ١٢/ ٢٠٦.
(٧) انظر: العذب النمير، الشنقيطي ٢/ ٤٠٧.
١٢٦
القرآن الكريمِ

الرحمة
اُلْقَوْمِ الْمُجْرِمِنَ﴾(١).
وقرن سبحانه بين سعة رحمته وشدة
بأسه؛ ليكون الخوف والرجاء جناحين
يطير بهما الإنسان إلى امتثال أمر الله، هذا
الملك الجبار الذي أدعو کم إلیه رحیم عظیم
الرحمة الواسعة لمن أطاعه، شديد النكال
والبأس لمن عصاه، فعليكم أن تخافوا بأسه
ونکاله، وتطمعوا في رحمته فتطيعوه(٢).
ومن الآيات الدالة على سعة رحمته
قوله تعالى عن حملة العرش ومن حوله:
﴿الَّذِينَ يَحِْلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بَحَمْدِ
رَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا
وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ
لِلَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجِيمِ﴾
[غافر: ٧].
سعة علمه تعالى عموم تعلقه بكل معلوم(٣).
فما من موجود في الدنيا إلا وقد نالته
قسمة من رحمة الله، سواء في ذلك المؤمن
والكافر والإنسان والحيوان (٤)؛ لأن الله
قرن الرحمة مع العلم، فكل ما بلغه علم
الله، وعلم الله بالغ لكل شيء، فقد بلغته
رحمته، فكما يعلم الكافر، يرحم الكافر
أيضًا؛ لكن رحمته للكافر رحمة جسدية
(١) جامع البيان، الطبري ١٢ / ٢٠٦.
(٢) العذب النمير، الشنقيطي ٢/ ٤٠٧.
(٣) انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم ٢/ ٤١٠.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤/ ٩١.
بدنية دنيوية قاصرة غاية القصور بالنسبة
لرحمة المؤمن، فالذي يرزق الكافر هو
الله الذي يرزقه بالطعام والشراب واللباس
والمسكن والمنكح وغير ذلك، أما
المؤمنون، فرحمتهم رحمة أخص من هذه
وأعظم، لأنها رحمة إيمانية دينية دنيوية(٥).
وسعة رحمته تتضمن أنّه لا يهلك عليه
أحد من المؤمنين به أهل توحيده ومحبته،
فإنّه واسع الرحمة، لا يخرج عن دائرة
رحمته إلا الأشقياء، ولا أشقى ممن لم تسعه
رحمته التي وسعت كلّ شيءٍ (٦).
ومن الآيات الدالة على سعة رحمته
قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾
[الأعراف: ١٥٦].
وهذه الآية قال عنها ابن كثير رحمه الله:
وسعتها عموم تعلقها بكل شيء؛ كما أن (( آية عظيمة الشمول والعموم؛ كقوله إخبارًا
عن حملة العرش ومن حوله أنهم يقولون:
﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةٌ وَعِلْمًا﴾
[غافر: ٧]))(٧).
فرحمته سبحانه وسعت العالم العلوي
والسفلي، والبر والفاجر، والمؤمن والكافر،
فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله،
وغمره فضله وإحسانه (٨)، فالعموم في
(٥) انظر: شرح العقيدة الواسطية، ابن عثيمين ص
٢٠٥.
(٦) انظر: الداء والدواء، ابن القيم ص٢٧١.
(٧) تفسير القرآن العظيم ٤٨١/٣.
(٨) تيسير الكريم الرحمن السعدي ص ٣٠٥.
www. modoee.com
١٢٧

حرف الراء
الرحمة عموم كامل صادق، وقال سبحانه
وتعالى: ﴿كُلَّ شَىْءٍ﴾ ولم يقل كل شخص،
للإشارة إلى أن الرحمة شاملة عامة للأشياء
والأشخاص، فشريعته عدل ورحمة،
وإرساله الرسل عدل ورحمة، وخلقه الكون
وما فيه من شمس مشرقة مضيئة للكون،
وقمر منیر، ونجوم ذات بروج، وسحاب
ورياح مرسلات رحمة، وهكذا كل ما
سخره الله تعالى للإنسان، وما مكنه منه
رحمة به (١)
.
ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة
الدنیا والآخرة، لیست لکل أحد، ولهذا قال
عنها: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ﴾(٢).
فعموم الرحمة في الآية الكريمة قد ورد
ما يخصصه وهو قوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ
يَنَّقُونَ﴾(٣).
قال ابن عادل رحمه الله: ((﴿وَرَحْمَتِّ
وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ أي: أن رحمته في الدنيا
تعم الكل، وأمّا في الآخرة فهي مختصة
بالمؤمنين؛ لقوله هنا: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ
يَثَّقُونَ﴾، وهذا من العام الذي أريد به
الخاص كقوله: ﴿وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾
[النمل: ٢٣]»(٤).
(١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢٩٦٦/٦.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٠٥.
(٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني
ص٣٩٢، زاد المسير، ابن الجوزي ٢٧١/٣.
(٤) اللباب في علوم الكتاب٢٣٨/٩.
جوب
الْقُرآن الكَرِيمِ
فنعيم الجنة رحمة من الله، وقد كتبها
الله تعالى للذين يؤمنون بالله وبالآخرة،
ولذا قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُم بِثَايَبِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٥).
وإن كان المتقون هم أهل الرحمة،
والرحمة مرصدة لهم؛ فقد دل القرآن الكريم
أيضًا على قربها منهم، وهو ماسيكون الكلام
عنه في الفقرة الآتية.
٤. قرب رحمة الله من المحسنين.
الله يرحم أهل توحيده المؤمنين به،
وكتب رحمته ﴿لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُم بِثَايَِّنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:
١٥٦].
والذين يتبعون رسوله فهؤلاء هم أهل
الرحمة، كما أنهم هم المحسنون، وكما
أحسنوا جوزوا بالإحسان و﴿هَلْ جَزَآءُ
اُلْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ﴾ [الرحمن: ٦٠](٦).
فالرحمة مرصدة للمحسنين، الذين
يتبعون أوامر الله ويتركون زواجره(٧)،
وقد قرّب الله تعالى رحمته لعباده(٨) فقال:
﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
[الأعراف: ٥٦].
وأوضح في موضع آخر صفات عبيده
الذين سيكتبها لهم في قوله: ﴿وَرَحْمَتِى
(٥) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٦ / ٢٩٦٦.
(٦) بدائع الفوائد، ابن القيم ٤ /٣١.
(٧) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨١/٣.
(٨) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٦/ ٢٨٧٠.
١٢٨

الرحمة
وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ [الأعراف: ١٥٦](١).
جاء ذكر قرب رحمة الله من المحسنين
عقب جملة من آداب الدعاء هي: الإخلاص
فیه لله وحده، وأن یکون القلب خائفًا طامعًا
لا غافلًا ولا آمنًا، ولا غير مبال بالإجابة (٢)
فقال تعالى: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ
إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ وَلَا تُفْسِدُوا فِى
الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاً إِنَّ
رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
[الأعراف: ٥٥-٥٦].
ولما كان قوله: ﴿وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاً﴾
مشتملًا على جميع مقامات الإيمان
والإحسان، وهي الحب والخوف والرجاء،
عقّبها بقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ
المُحْسِنِينَ﴾، أي: إنما تنال من دعاه خوفًا
وطمعًا، فهو المحسن، والرحمة قريب
منه؛ لأن مدار الإحسان على هذه الأصول
الثلاثة.
وقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ
المُحسِنِينَ﴾، فیه تنبيه ظاهر علی أن فعل
هذا المأمور هو الإحسان المطلوب منكم،
ومطلوبكم أنتم من الله رحمته، ورحمته
قريب من المحسنين، الذين فعلوا ما أمروا
به من دعائه تضرعًا وخفيةً، وخوفًا وطمعًا
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٣٧٩/٢.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٩١.
فقرر مطلوبكم منه، وهو الرحمة بحسب
أدائكم لمطلوبه، وإن أحسنتم أحسنتم
لأنفسكم، وإنما اختص أهل الإحسان بقرب
الرحمة؛ لأنها إحسان من الله عز وجل
أرحم الراحمين، وإحسانه تبارك وتعالى
إنما يكون لأهل الإحسان؛ لأن الجزاء
من جنس العمل، وكلما أحسنوا بأعمالهم
أحسن إليهم برحمته، وأما من لم يكن من
أهل الإحسان فإنه لما بعد عن الإحسان
بعدت عنه الرحمة، بعدٌ ببعدٍ، وقربٌ بقرب،
فمن تقرب إليه بالإحسان تقرب الله إليه
برحمته، ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله
عنه برحمته، والله سبحانه يحب المحسنين،
ويبغض من ليس من المحسنين، ومن أحبه
الله فرحمته أقرب شيء منه، ومن أبغضه
الله فرحمته أبعد شيء منه (٣).
فكان في بیان قربه سبحانه من المحسنين
من التحريض على الإحسان واستدعائه
من النفوس وترغيبها فيه غاية حظ وأشرفه
وأجله على الإطلاق، وهو أفضل إعطاء
أعطيه العبد، وهو قربه تبارك وتعالى من
عبده الذي هو غاية الأماني، ونهاية الآمال،
وقرة العيون، وحياة القلوب، وسعادة العبد
كلها (٤).
(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٦/١٥-٢٨.
(٤) بدائع الفوائد، ابن القيم ٤ / ٤٧.
www. modoee.com
١٢٩

حرف الراء
ثانيًا: اسما الله تعالى الرحمن والرحيم: أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:
٢٩].
ورد اسما الله تعالى الرحمن والرحيم
منفردین في مواضع من كتاب الله، واقترنا
في مواضع أخر من کتاب الله، كما اقترن
اسم الرحيم بغيره من الأسماء الحسنى،
كما اعتبر بعض أهل العلم الأسماء المضافة
مثل: أرحم الراحمين، وعدّها من ضمن
الأسماء الحسنى (١). وسأعرض لما تقدم
من خلال الآتي:
١. ورود كل من الاسمين الكريمين
منفردًا كل منهما عن الآخر.
الحسن في أسماء الله تعالى يكون
باعتبار کل اسم علی انفراده، ويكون بجمعه
إلى غيره فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر
کمالٌ فوق کمال(٢).
وقد ورد اسما الله ﴿الرَّحْمَنُ﴾
و﴿الرَّحِيمُ ﴾ منفردين في مواضع كثيرة من
كتاب الله تعالى، ومنها قوله تعالى:
ـمْ
يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنَّ﴾ [الرعد: ٣٠].
وأما اسم الله ﴿الرَّحِيمُ﴾ فلم يرد في
القرآن منفردًا إلا في ثلاثة مواضع هي:
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا
تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْ
تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا نَقْتُلُواْ
(١) انظر: معتقد أهل السنة الجماعة في أسماء الله
الحسنى، محمد التميمي ص ١٨٨.
(٢) المصدر السابق ص ٣١٥.
وقوله تعالى: ﴿رَّبُّكُمُ الَّذِى يُزْجِى لَكُمُ
اٌلْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهٌِ إِنَّهُ، كَانَ
بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [الإسراء: ٦٦].
وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ
وَمَلَتَبِكَتُهُ لِيُخْرِحَكُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ
وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
و﴿الرَّحْمَنُ﴾ و﴿الرَّحِيمُ﴾ اسمان
مشتقان من الرحمة، ورحمان أبلغ من
رحیم، و ﴿الرَّحْمنُ﴾ خاص لله لا يسمى
به غيره ولا يوصف، و﴿الرحیمُ ﴾ یوصف
به غیر الله تعالی، فیقال: رجل رحيم، ولا
يقال: رحمان(٣).
والمعنى الذي حمل عليه أكثر أهل
العلم الاسمين الكريمين سواءً وردا
منفردين أو مقترنين هو: أن ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ذو
الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا
وللمؤمنين في الآخرة، و﴿الرَّحِيمُ﴾ ذو
الرحمة للمؤمنين يوم القيامة. وهذا القول
نسبه الشنقيطي رحمه الله إلى أكثر العلماء
واختاره (٤).
قال ابن كثير رحمه الله: ((وقال تعالى:
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ آَسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم
(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن
الأثير ٢/ ٢١٠.
(٤) أضواء البيان، الشنقيطي ٤٨/١.
١٣٠
جوبيع
القرآن الكريم

الرحمة
جميع خلقه برحمته، وقال: ﴿وَكَانَ واحدة رأيان لأهل العلم:
بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
فخصهم باسمه الرحیم، قالوا: فدل على
أن الرحمن أشد مبالغة في الرحمة لعمومها
في الدارين لجميع خلقه، والرحيم خاصة
بالمؤمنين)»(١).
وذکر الشنقيطي رحمه الله قول ابن کثیر
المتقدم وزاد عليه بقوله: ((ومثله قوله تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى اُلَّيْرِفَوْقَهُمْ صَّفَّتٍ وَيَقْبِضْنَّ مَا
يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ [الملك: ١٩]، أي:
ومن رحمانيته: لطفه بالطير وإمساكه إياها
صافات وقابضات في جو السماء، ومن
أظهر الأدلة في ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ
عَلَّمَ اَلْقُرْءَانَ ﴾ [الرحمن: ١-٢].
إلى قوله: ﴿فَأَتِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
[الرحمن: ١٣].
وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾
[الأحزاب: ٤٣]. فخصهم باسمه الرحیم))(٢).
٢. ورود الاسمين الكريمين
مقترنین.
ورد هذان الاسمان مقترنين في أكثر من
موضع من كتاب الله ومنها قوله تعالى في
أول آية من كتاب الله تعالى: ﴿وتسيِ اللهِالرّفين
الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١].
وعن سر الجمع بينهما واقترانهما في آية
(١) تفسير القرآن العظيم ١/ ١٢٦.
(٢) أضواء البيان ١/ ٤٨.
الرأي الأول: أن الرحمن والرحيم بمعنىّ
واحد، و جمع بینھما تأکیدًا.
قال النحاس رحمه الله: ((قال قطرب:
يجوز أن یکون جمع بينهما للتوكيد(٣)؛
وهذا قول حسن، وفي التوكيد أعظم
الفائدة، وهو كثير في كلام العرب يستغني
عن الاستشهاد»(٤).
وقال ابن العربي رحمه الله: ((والصحيح
أنهما بمعنى واحد للتأكيد، کندمان
وندیم»(٥).
الرأي الثاني: التفريق بين الرحمن
والرحيم في المعنى، والجمع بينهما ليس
للتأکید.
وأشهر الأقوال التي ذكرت في معناهما
قولان:
القول الأول: أن ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ذو
الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا
وللمؤمنين في الآخرة، و﴿الرَّحِيمُ﴾ ذو
الرحمة للمؤمنين يوم القيامة.
وهذا القول نسبه الشنقيطي رحمه الله
إلى أكثر العلماء واختاره (٦).
(٣) الزاهر في معاني كلمات الناس، الأنباري
٥٨/١.
(٤) معاني القرآن ١/ ٥٤.
(٥) انظر: الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى،
القرطبي ١ /٤٠٦.
(٦) أضواء البيان ١/ ٤٨.
www. modoee.com
١٣١

حرف الراء
قال الخطابي رحمه الله: ((﴿الرَّحْمَنُ﴾
ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في
أرزاقهم وأسباب معايشهم ومصالحهم،
وعمت الجميع المؤمن والكافر، وأما
الرحيم فخاص للمؤمنين كما قال:
﴿وَكَانَ بِلْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:
٤٣] (١))).
القول إشكالًا؛ وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ
◌ِلنَّاسِ لَرَّهُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣](٢)؛
فلفظ الناس یشمل المؤمنین والكفار جمیعًا.
وأجاب عنه ابن عثيمين رحمه الله بقوله:
((هذه هي الرحمة العامة التي بها يعيش الناس
في دنياهم برزق الله من طعام، وشراب،
وكسوة، وغيرها؛ وأما الرحمة الخاصة فهي
للمؤمنين خاصة؛ وبها يحصل سعادة الدنيا،
والآخرة، كالعلم والإيمان المثمرين لطاعة
الله، ورسوله))(٣).
(١) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، القرطبي
ص ٤٠٦.
(٢) النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى،
النجدي ٧٨/١.
(٣) تفسير القرآن الكريم، ابن عثمين، سورة
البقرة، ١٢١/٢.
وقال رحمه الله في شرح الواسطية ص٢٨:
((فيجتمع من الرحمن الرحيم: أن رحمة الله
واسعة وأنها واصلة إلى الخلق، وهذا ما أومأ
إليه بعضهم بقوله الرحمن: رحمة عامة،
والرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين، ولما كانت
رحمة الله للكافر رحمة خاصة في الدنيا فقط
فكأنها لا رحمة لهم)).
القول الثاني: أن ﴿الرَّحْمَنُ﴾ دال على
صفة ذاتية، و﴿الرَّحِيمُ﴾ دال على صفة
فعلية.
وهذا القول: هو اختيار: القرطبي، وابن
القيم، وابن عاشور، وابن عثيمين رحمهم
الله (٤).
قال القرطبي رحمه الله: ((وروي عن
وقد أورد بعض أهل العلم على هذا أبي عبيدة أنه قال: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ذو الرحمة،
و﴿الرَّحِيمُ﴾ هو الراحم(٥). قال ابن
الحصّار: يشير - والله أعلم - إلى ﴿الرَّحْمَنُ﴾
صفة الخالق سبحانه، و﴿الرحيمُ ﴾ يدل
على أفعاله التي يرحم بها عباده، ولله درّه
في هذا القول))(٦).
إن التفريق بين الرحمن والرحيم في
المعنى أولى من القول أنهما بمعنى واحد
والجمع بينهما للتأكيد، وهو الذي تعضده
قاعدة من قواعد الترجيح عند المفسرين
وهي: قاعدة: التأسيس أولى من التأكيد(٧).
قال الطاهر ابن عاشور رحمه الله:
((وينسب إلى قطرب: أن ﴿الرَّحْمَنُ﴾
و﴿الرَّحِيمُ﴾ يدلان على معنى واحد من
(٤) انظر: الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى،
القرطبي ص ٤٠٦، بدائع الفوائد، ابن القيم
ص ٤٢.
(٥) مجاز القرآن، أبو عبيدة ١/ ٢١.
(٦) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، القرطبي
ص ٤٠٦.
(٧) قواعد الترجيح عند المفسرين، الحربي
٢/ ٤٧٣.
١٣٢
القرآن الكريم

الرحمة
الصفة المشبهة، فهما متساويان، وجعل
الجمع بينهما في الآية من قبيل التوكيد
اللفظي، ومال إليه الزجاج (١)، وهو
وجه ضعيف؛ إذ التوكيد خلاف الأصل
والتأسيس خير من التأکید، والمقام هنا بعید
عن مقتضى التوكيد))(٢).
٣. اقتران اسم الله الرحيم ببقية
الأسماء الحسنى.
اقترن اسم الله الرحيم بستة أسماء
غير اسم الرحمن، وسأذكرها مرتبة حسب
الأكثر ورودًا في القرآن، وهي:
الأول: الغفور:
اقترن الاسمان الغفور والرحيم في
مواضع كثيرة من القرآن الكريم، كلها تقدّم
فيها الغفور على الرحيم إلافي موضع واحد
وهو قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِ اَلْأَرْضِ وَمَا
يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا
وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢]
والغفور: هو الذي يستر الذنوب عن
الخلق، ولا يظهرها (٣).
والله سبحانه يقرن بين الاسمين
الكريمين ﴿الْغَفُورُ﴾ و﴿الرَّحِيمُ﴾؛ لأنهما
دالان على معنىّ متشابه؛ ففي المغفرة
زوال المكروب وآثار الذنب، وفي الرحمة
(١) تفسير أسماء الله الحسنى، الزجاج ص ٢٩.
(٢) التحرير والتنوير١ / ١٧٢.
(٣) انظر: تفسير أسماء الله الحسنى، الزجاج٢٨،
الحجة في بيان المحجة، الأصبهاني ١/ ١٤٤.
حصول المطلوب (٤).
وقد أشار إلى هذا المعنى ابن القيم
رحمه الله بقوله: «فيجلب لهم الإحسان
والنفع على أتم الوجوه برحمته، ويعفو عن
زلتهم ویھب لهم ذنوبهم، ولا يؤاخذهم بها
بمغفرته، فقال: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ:
٢]»(٥).
وعن سر تقديم الغفور على الرحيم في
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ:
٢].
يقول ابن القيم رحمه الله: ((وأما قوله:
﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾ في سبأ، فالرحمة
هناك متقدمة على المغفرة فإما بالفضل
والكمال، وإما بالطبع؛ لأنها منتظمة بذكر
أصناف الخلق من المكلفين وغيرهم من
الحيوان، فالرحمة تشملهم، والمغفرة
تخصهم والعموم بالطبع قبل الخصوص،
کقوله:
﴿فَكِهَةٌ وَغَضْلٌ وَرَُّانٌ﴾ [الرحمن:
٦٨]))(٦).
الثاني: العزيز:
اقترن الاسمان العزيز والرحيم في أكثر
من موضع من كتاب الله، ومنها قوله تعالى:
﴿وَإِنَّرَبِّكَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩].
والعزيز: هو الذي له العزة كلها: عزة
القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع، فامتنع
(٤) شرح العقيدة الواسطية، ابن عثيمين ص٢٩٠.
(٥) بدائع الفوائد ١/ ٨٧.
(٦) المصدر السابق ١/ ١١٢.
www. modoee.com
١٣٣

حرف الراء
أن يناله أحد من المخلوقات، وقهر جميع
الموجودات، ودانت له الخليقة وخضعت
لعظمته (١).
وعن سر الاقتران بين الاسمين الكريمين
﴿اَلْعَزِيزُ﴾ و﴿ الرَّحِيمُ﴾ فللإشارة إلى أن
العزة على من لم يؤمن منهم، والرحمة لمن
آمن(٢).
قال أبو حيان رحمه الله: ((﴿ وَإِنَّرَبَّكَ
لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩]، أي: الغالب
القاهر، ولما كان الموضع موضع بيان
القدرة، قدم صفة العزة على صفة الرحمة.
فالرحمة إذا كانت عن قدرة، كانت أعظم
وقعًا، والمعنى: أنه عز في نقمته من الكفار،
ورحم مؤمني كل أمة)) (٣).
وقال ابن جرير رحمه الله عند تفسیر
قوله تعالى: ((﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ
الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: ٤٢].
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ يقول
جلّ ثناؤه واصفًا نفسه: إن الله هو العزيز
في انتقامه من أعدائه، الرحیم بأوليائه، وأهل
طاعته»(٤).
الثالث: التواب:
اقترن الاسمان التواب والرحيم في أكثر
من موضع من كتاب الله، ومنها قوله تعالى:
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٤٦.
(٢) الإتقان في علوم القرآن، السيوطي ٢٢٧/٣.
(٣) البحر المحيط ٧/ ٧.
(٤) جامع البيان ٢٢/ ٤٢.
﴿فَلَقَّ ءَدَمٌ مِن رَّبِّهِ كَلِمَتٍ فَنَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ
النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧].
والتواب من أسمائه تعالى، وهو الكثير
القبول لتوبة العبد، أو الكثير الإعانة
عليها (٥).
.
وعن سر الاقتران بين الاسمين الكريمين
﴾: أن الرحيم يدل
﴿التَّوَّابُ﴾ و
على تفضله سبحانه على عبده مع التوبة
بالرحمة، ورحمته إياه إقالة عثرته، وصفحه
عن عقوبة جرمه، فقبول التوبة سبب رحمة
الله لعبده(٦).
قال ابن سعدي رحمه الله: ((وختمه كثيرًا
من الآيات بهذين الاسمين ﴿النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
بعد ذكر ما يدعو به العبد إلى التعرض
من رحمته ومغفرته، وتوفيقه وحلمه،
فمناسبته جلیلة لكل أحد، وأنه لما كان هو
﴿التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، أقبل بقلوب التائبين إليه،
ووفقهم للأخذ بالأسباب التي يتوب عليهم
ويرحمهم بها، ثم يغفر لهم ويرحمهم، فتاب
عليهم أولًا بتوفيقهم للتوبة وأسبابها، وتاب
عليهم ثانيًا حين قبل متابهم وأجاب سؤالهم
لطفًا منه ورحمةً بهم))(٧).
الرابع: الرؤوف.
اقترن الاسمان الرؤوف والرحيم في
(٥) البحر المحيط، أبو حيان ٣٢٠/١.
(٦) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٤٨/١، البحر
المحيط، أبو حيان ١/ ٣٢٠.
(٧) انظر: القواعد الحسان ص٥٣.
١٣٤
القرآن الكريم