النص المفهرس
صفحات 21-38
الرفعة بالله ورسوله)(١) (٢). وفي الآيات إشارة إلى أن الرفعة يؤتيها الله تعالى للمؤمن الذي يبتغي بعمله وجه الله تعالى، وقبول عمل المؤمن، أما ما عداهم من أهل النفاق والكفر، فليس لأعمالهم قبول عند الله، وفيها دعوة للمؤمن أن يسارع الی تکمیل الدرجات، والوصول إلى أحسن الحالات، ﴿وَلَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾، أي والله بأعمالكم ذو خبرة لا يخفى عليه المطيع منكم من العاصي، وهو مجازيكم جميعًا بالذي هو أهله أو يعفو (٣). (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤٦/٢٣، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٩٩/١٧، مدارك التنزيل، النسفي ٤٤٩/٣، أنوار التنزيل، البيضاوي ١٩٥/٥، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨/٨، اللباب في علوم الكتاب ٥٤٥/١٨، روح البيان، إسماعيل حقي ٩/ ٤٠٣، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨ / ٤٠ - ٤٢. (٣) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ١١٩/٢، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٠/٢٨، ٤٢. والكلم الطيب، هو التوحيد الصادر عن عقيدة طيبة، وقيل: هو التحميد والتمجيد، وذكر الله والدعاء، ونحوه من القرب، وأن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، وهو العمل بطاعته، وأداء فرائضه والانتهاء إلى ما أمر به، والأعمال الخبيثة لا يقبلها الله تعالى (٤). ﴿وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ قوله: [فاطر: ١٠]، على معنى: يرفعه الله، أو يرفع صاحبه، ويجوز أن يكون المعنى: والعمل بأعمالكم، فالمحسن بإحسانه، والمسيء الصالح يرفع الكلم الطيب، والصعود هو الحركة إلى فوق، وهو العروج أيضًا، ولا يتصور ذلك في الكلام لأنه عرض، لكن ٤. رفع الأعمال الصالحة. ضرب صعوده مثلًا لقبوله، لأن موضع يخبر الله تعالى أنه إليه يصعد الكلم ◌َإليهِ يَصْعَدُ الْكُلِّمُ الطيب، قال سبحانه: الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. الثواب فوق، وموضع العذاب أسفل، يقال ارتفع الأمر إلى القاضي أي علمه، فهو بمعنى العلم، وخص الكلام والطيب بالذكر لبيان الثواب عليه، وقوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ أي: إلى (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من قال إن الإيمان هو العمل، رقم ٢٦، ١/ ١٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، رقم ٨٨/١،٨٣. الله يصعد، وقيل: يصعد إلى سمائه والمحل الذي لا يجري فيه لأحد غيره حکم، وقيل: أي يحمل الكتاب الذي كتب فيه طاعات العبد إلى السماء(٥). (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٤٤٤، المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ /٤٣١. (٥) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤ / ٢٦٥، تفسير السمر قندي ٣/ ١٠٢، الكشف والبيان، الثعلبي ٨/ ١٠١، النكت والعيون، الماوردي ٤ / ٤٦٤، تفسير القرآن، السمعاني ٣٤٩/٤، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٢٩/١٤، www. modoee.com ٢٧٥ حرف الراء الدّرجات ويكتب بها الرّضوان هي الّتي يدفع بها صاحبها عن المسلم مظلمة، أو يفرّج بها عنه كربة، أو ينصر بها مظلومًا))(١). ٥. رفعة الشعائر. إن الله تعالى أمر برفع الشعائر وتعظيمها، فقال تعالى: ﴿فِ بُيُوتٍ أَذِنَ اَللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيَهَا أُسْمُهُ يُسَمِحُ لَهُ فِيَهَا ◌ِلْغُدُوِّ ﴾ [النور: ٣٦]. وَالْأَصَالِ @ بيوت الله هي المساجد، وقد أمر الله برفعها وتعظيمها، وصيانتها عن الأقذار، والأوساخ، والصبيان، والمخاط، والخنا من الأقوال وغيرها. ٣٦]، فيه أقوال: قال مجاهد: تبنى، وقال الحسن: تعظم، يعني: أنه لا یذکر فيها الخنا من القول، وعن بعضهم: تطهر. قال الرازي ((والقول الثاني: أولى؛ لأن قوله: في بیوت أذن الله أن ترفع ظاهره أنها کانت بیوتًا قبل الرفع فأذن الله أن ترفع». وقال الجصاص عند تفسير قوله تعالى: ﴿فِ بُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]. حيث قال: ((يجوز أن يكون المراد الأمرين جميعًا من رفعها بالبناء ومن تعظيمها جميعًا لأنها مبنية لذكر الله والصلاة، وهذا التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٢/٢٢. (١) انظر: فتح الباري، ابن حجر ٣١١/١١. ٦. رفعة الملك والحكم. إن رفعة الملك والحكم والسلطان من أعظم الدرجات التي يرفع الله تعالى إليها من يشاء من عباده، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَيْفَ اْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَبِكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَّكُمْ فِى مَآ ءَاتَنَكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [الأنعام: ١٦٥]. وقال تعالى: ﴿قُلِ اَللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي وقوله سبحانه: ﴿أَذِّنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُّمِرُّ مَنْ تَشَاءٍ وَتُذِلُ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرٌّ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ )) [آل عمران: ٢٦]. وقال جل وعلا: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكً قَالُواْ أَنَّ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَتَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَلَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةٌ فِ اَلْعِلْمِ وَالْجِسْمُ وَاَللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ, مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. ٢٤٧ وقال سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى (٢) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ١٨٨/٥، تفسير القرآن، السمعاني ٥٣٤/٣، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٥/٤، مفاتيح الغيب، الرازي ٣٩٦/٢٤. ٢٧٦ فَضْو جَوَسُولَةُ النَّقية القرآن الكريم قال ابن بطّال: ((والكلمة الّتي ترفع بها يدل على أنه يجب تنزيهها من القعود فيها لأمور الدنيا، مثل: البيع والشراء وعمل الصناعات، ولغو الحديث الذي لا فائدة فيه والسفه وما جرى مجرى ذلك»(٢). الرفعة مَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِنْزَهِيَمَ اُلْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُم مُّلْكًا عَظِيمًا [النساء: ٥٤]. وقال جل وعلا: ﴿﴿ رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَفِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَإِ، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ تَوَقَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ •[يوسف: ١٠١]. ١٠١ ذكرت الآيات أن درجة الخلافة من أعظم الدرجات التي یرفع الله تعالی إليها من يشاء من عباده، وأن الملك بيد الله تعالى يؤتيه من يشاء. وقوله تعالى: ﴿وَءَاتَنُهُ اَللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ، مِنَا يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، بين تعالى أنه جمع لداود عليه السلام الملك والحكمة والنبوة، وهي أعظم فضيلة، إذ لم تخص بمجموعها إلا بعض الأنبياء، وجعل لبعضهم النبوة دون الملك، وإن لم يخل أحد منهم من نصرته؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلْنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ [غافر: ٥١]. وقال لموسى عليه الصلاة والسلام: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيَكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ [القصص: ٣٥]. وقال سبحانه: ﴿فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَهِيَمَ اُلْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ٥٤]. وذكر الملك ثم الحكمة ثم النبوة بعد من باب الترقي، والملك صاحب رسالة دنيوية، يعالج بها شئون الناس في الحياة، ويقيمهم على صراط مستقيم، فهو بهذا الوصف مكمل لرسالة الرسول، ومطبّق للشرع الإلهي الذي جاء به الرسول، وهو أن الفصل في الخصومات بين الناس أمر خطير، يحتاج إلى علم واسع، وبصيرة نافذة، ونفس تجردت من کل هوی، وإلا كان الخطأ والزلل، الذي من شأنه إن غلب أفسد حياة الناس، وأغرى بعضهم ببعض، وإيتاء الملك درجة عظيمة يمن الله تعالى بها على من يشاء. وقد دل القرآن الکریم علی ذلك، إذ عبر عنه بما يفيد ذلك من خلال التعبير بلفظ الإيتاء، فلا يستعمل إلا في الشيء العظيم، قال تعالى: ﴿وَءَاتَنَهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥١]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا﴾ [سبأ: ١٠] (١). وذكر الغزالي أن الملك والسلطان يأتي في المرتبة الثالثة بعد أن ذكر أن الأنبياء هم أعلى رتبة ويليهم العلماء حيث قال: «ثم يليهم السلاطين بالعدل؛ لأنهم أصلحوا دنيا الخلق كما أصلح العلماء دينهم، ولأجل (١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١٢٩/٣، تفسير الراغب الأصفهاني ١/ ٥١٣، البحر المحيط، أبو حيان ٢/ ٥٩٣، التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم يونس الخطيب ٩/ ٩٢٤، التحرير والتنوير ٣٢/٣. www. modoee.com ٢٧٧ حرف الراء اجتماع الدين والملك والسلطنة لنبينا ومكتوب أيضًا في صحف عند الملائكة، محمد صلى الله عليه وسلم كان أفضل من وحسبه بهذا علوًّا وشرفًا، وكونه عاليًا على سائر الأنبياء، فإنه أكمل الله به صلاح دينهم جميع الكتب بسبب كونه معجزًا باقيًا على وجه الدهر(٢). ودنياهم، ولم یکن السیف والملك لغیره من الأنبياء)»(١). ٧. رفعة القرآن الكريم. رفعة القرآن من جهة أنه قرآن مكتوب معتنى به: ذكر الله تعالى أن القرآن مكرم عنده مرفوع في اللوح المحفوظ، مطهر، وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِيَ أُمِّ الْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلِىُّ حَكِيمُ : [الزخرف: ٤]. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ،لَقُءَانُ كِمٌ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا فیکِنَبِ مَگنُونٍ ﴾﴾ ٨٠ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ الْمُطَقَّرُونَ [الواقعة: ٧٧ - ٨٠]. وقال جل ذكره: ﴿بَلْهُوَقُزْءَانْ تَجِدٌ فِ لَوْچ تَخْفُوظ )﴾ ﴾ [البروج: ٢١-٢٢]. وقال جل في علاه: ﴿كَلَّ إِنّهَا نَذْكِرَةٌ فَنْ شَآءُ ذَكَرُهُ نْ فِي سُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (٢)، نَّرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَقْم :[عبس: ١١-١٤]. ١٤ يخبر سبحانه وتعالى عن منزلة القرآن وعلوه ورفعته وشرفه، وإنه عليٌّ في ذاته، وأنه مودع في أم الكتاب عند الله، مكتوب في اللوح المحفوظ في السماء السابعة، (١) إحياء علوم الدين ٤ / ٩٨. والقرآن الکریم رفيع من حیث کونه کلام رفيع الدرجات جل جلاله، وهل هناك أمجد وأرفع وأعرق من قول الله العظيم؟ وهو في لوح محفوظ، وهو رفيع في الأخلاق الرفيعة التي يدعوا إليها، ورفيع في القضاء العادل الذي يأمر به(٣). رفعة القرآن لمن يعمل به: یخبر الله تعالى أن اتباع آياته والعمل بما جاء فيها سببًا للهداية والتزكية والرفعة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦]. أي: أن من شأن من أوتي آيات الله تعالى أن ترتقي نفسه، وترتفع في مراقي الكمال درجته، لما فيها من الهداية والإرشاد والذکری، وإنما يكون ذلك لمن أخذ هذه الآيات وتلقاها بالقبول، وعمل بما جاء فیها، وأخلص في عمله. والرفع يشمل معاني كثيرة، منها الرفع في المنزلة عنده، والرفع في شرف الدنيا ومكارمها، والرفع في الذكر الجميل والثناء الرفيع، والرفعة مستعارة لكمال النفس (٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢١١/٥، مفاتيح الغيب، الرازي ٣١/ ٥٥. (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٨٧٦/٦. ٢٧٨ جَبُوا لِلْقُرآن الكَرِيمِ الرفعة وذكائها، لأن الصفات الحميدة تخيل سماء العزّ إلى تراب الذّل، وتلقيه في وهدة الهوان، ومن لم يصدّق علمًا فعن قريب صاحبها مرتفعًا على من دونه، أي لو شئنا لا کتسب بعمله بالآیات فضلًا وذكاءً وتمیزًا بالفضل، فمعنى لرفعناه ليسرنا له العمل الذي یشرف به(١). يقاسيه وجودًا، والأرض في هذه الآية عبارة عن الدنيا، وذلك أن الدنيا هي الأرض، لأن ما فيها من العقار والرياع والضياع كلها أرض وسائر متاعها يستخرج منها(٣). ﴿وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾، أي: سكن إلى الحياة الدنيا في الأرض، ومال إليها، وآثر لذتها وشهواتها على الآخرة، فخططناه ووضعنا منزلته، وجاء الاستدراك هنا تنبيها على السبب الذي لأجله لم يرفع ولم یشرف کما فعل بغيره ممن أوتي الهدى فآثره واتبعه، والكلام تمثيل لحال المتلبس بالنقائص والكفر بعد الإيمان والتقوى، بحال من کان مرتفعًا عن الأرض فنزل من اعتلاء إلى أسفل، فبذكر الأرض علم أن الإخلاد هنا ركون إلى السفل، أي: تلبس بالنقائص والمفاسد(٢)، ﴿وَاتَّبَعَ هَوَنَهُ﴾، ورفض طاعة الله وخالف أمره، واتباع الهوى ترجيح ما يحسن لدى النفس من النقائص المحبوبة، على ما يدعو إليه الحق والرشد، فالاتباع مستعار للاختيار والمیل، والهوى شاع في المحبة المذمومة الخاسرة عاقبتها، وموافقة الهوى تنزل صاحبها من (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٦٩/١٣، التفسير الوسيط، الواحدي ٢/ ٤٢٧. (٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢٢٣/٥، تفسير المراغي ١٠٨/٩، التحرير والتنوير ٠١٧٦/٩ ثم ضرب الله له مثلً فقال: ﴿فَتَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَت﴾ [الأعراف: ١٧٦]. ولو شئنا لرفعناه ولكنا لم نشأ، فمثله كمثل الكلب، فصفته التي هي مثل في الخسة والضعة كصفة الكلب في أخس أحواله وأذلها، وهي حال دوام اللهث به واتصاله، سواء حمل عليه أو ترك غير متعرض له بالحمل عليه، ومحل الجملة الشرطية النصب على الحال، کأنه قيل: كمثل الكلب ذليلًا دائم الذلة لاهثًا في الحالتين، وقيل: لما دعا بلعم على موسى عليه السلام خرج لسانه فوقع على صدره، وجعل یلهٹ كما يلهث الكلب، ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا من اليهود بعد ما قرءوا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة (٤). قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالی (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٦١/١٣، التفسير الوسيط، الواحدي ٢/ ٤٢٧، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩/ ١٧٦. (٤) انظر: الكشاف، الزمخشري ١٧٨/٢، المحرر الوجيز، ابن عطية ٢ / ٤٧٨. www. modoee.com ٢٧٩ حرف الراء لِلْنَّقِينَ ﴾ [البقرة: ٢]: «من فوائد الآية: بيان علوّ القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾، فالإشارة بالبعد تفيد علوّ مرتبته؛ وإذا كان القرآن عالي المكانة والمنزلة، فلا بد أن يعود ذلك على المتمسك به بالعلوّ والرفعة؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ،﴾ [التوبة: ٣٣]، وكذلك ما وصف به القرآن من الكرم، والمدح، والعظمة فهو وصف أيضًا لمن تمسك به))(١). وخلاصة ذلك: إن من شأن من يؤتى الآيات أن تسمو نفسه وتصعد في سلم الكمال؛ لما فيها من الهداية إلى سبيل الخير الحاضة على عمل النافع وما فيه فائدة روحية له، على شريطة أن يتلقاها بعزيمة ونية صادقة كما جاء في الحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)(٢)، أما من تلقاها بغير قصد أو بنية كسب المال والجاه وفى نفسه ما يصرفه عنها فلن يستفيد منها شيئًا وسرعان ما ينسلخ منها (٣). وقد ورد في هذا المعنى من حديث عامر بن واثلة، أن نافع بن عبد الحارث، (١) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الفاتحة والبقرة ٢٨/١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدأ الوحي، باب كيف كان بدأ الوحي، رقم ١، ٠٦/١ (٣) انظر: تفسير المراغي ١٠٨/٩، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٦/٩. عند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَّبُ لَ رَيْبُّ فِهْ هُدَى لقي عمر بعسفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي، فقال: ابن أبزی، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولی؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله عز وجل، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم صلی الله علیه وسلم قد قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما، ويضع به آخرين) (٤). وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنیا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها)(٥). وعند النظر في عدد آيات القرآن نجد أن الرفعة عظيمة جدًّا، فإن عدد آيات القرآن ست وثلاثون ومائتان وستة آلاف، على اختلاف في ذلك، فسبحان من أعطى هذه (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل من يقوم بالقرآن، ويعلمه، وفضل من تعلم حكمة من فقه، أو غيره فعمل بها وعلمها، رقم ٨١٧، ٥٥٩/١. (٥) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة، رقم ١٤٦٤، ٢/ ٧٣، والترمذي في سننه، أبواب فضائل القرآن، رقم ٢٩١٤، ١٧٧/٥، والنسائي في السنن الكبرى، كتابة القرآن، باب الترتيل، رقم ٧،٨٠٠٢/ ٢٧٢. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح أبي داود، الأم ٢٠٥/٥. ٢٨٠ فَضْو لِلْقُرآن الكَرِيمِ الرفعة الدرجات(١). ٨. رفعة البيت الحرام. ذكر الله تعالى أن أول من بنى المسجد الحرم ورفع أساسه هو إبراهيم الخليل عليه السلام، وولده إسماعيل عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِزَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْمَعِيلُ رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٧)﴾ [البقرة: ١٢٧](٢). وقيل: إن إبراهيم عليه السلام كان يبني وإسماعيل يرفع إليه الأحجار ويناوله، والرفع يقال في الأجسام، وفي الشرف، وعبر عنه بالمضارع وخولف الأسلوب الذي يقتضيه الظاهر في حكاية الماضي أن یکون بالفعل الماضي بأن يقول وإذ رفع إلى كونه بالمضارع (يرفع) لاستحضار الحالة وحكايتها كأنها مشاهدة؛ لأن المضارع دال على زمن الحال فاستعماله هنا استعارة تبعية، شبه الماضي بالحال لشهرته ولتكرر الحديث عنه بينهم، فإنهم لحبهم إبراهيم عليه السلام وإجلالهم إياه لا يزالون يذكرون مناقبه، وأعظمها بناء الكعبة، فشبه الماضي لذلك بالحال، ولأن ما مضى من الآيات في ذكر إبراهيم، من قوله تعالى: (١) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، الغنيمان ١/ ٤٠٣. (٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١٩٠/١، مفاتيح الغيب، الرازي ٥١/٤، تفسير القرآن العظیم، ابن كثير ١/ ٤٢٧. ﴿وَإِذِ أَبْتَلَّ إِبْرَهِمَ رَيُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤] إلى قوله تعالى: ﴿وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِعُ الْقَوَاعِدَ﴾ [البقرة: ١٢٧]، مما يوجب امتلاء أذهان السامعين بإبراهيم وشؤونه حتى كأنه حاضر بينهم، وكأن أحواله حاضرة مشاهدة، وكلمة (إذ) قرينة على هذا التنزيل؛ لأن غالب الاستعمال أن يكون للزمن الماضي، وهذا معنى قول النحاة أن إذ تخلص المضارع إلى (٣) الماضي(٣). وذكر القرآن الكريم الحالة التي كان عليها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، في حالة رفعهما القواعد من البيت الأساس، واستمرارهما على هذا العمل العظيم، وكيف كانت حالهما من الخوف والرجاء، حتى إنهما مع هذا العمل دعوا الله أن يتقبل منهما عملهما، حتى يحصل فيه النفع العميم، ودعوا لأنفسهما، وذريتهما بالإسلام الذي حقيقته خضوع القلب، وانقياده لربه المتضمن لانقياد الجوارح (٤). وقيل: ليس المراد برفعهما قواعد البناء فقط، بل رفع مكانة البيت وإظهار شرفه ودعاء الناس إلى حجّه، ودعاء الله بحفظه، وصح نسبة ذلك إليهما وإن كان الله تعالى في الحقيقة شرفه من حيث أنهما من (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧١٧/١. (٤) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ٣١٤/١، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٦. www. modoee.com ٢٨١ حرف الراء الأسباب المتأخرة لتشريفه(١). والأكثرون من أهل الأخبار على أن هذا البیت کان موجودًا قبل إبراهيم عليه السلام، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهُِ الْقَوَاعِدَ﴾ [البقرة: ١٢٧]. فإن هذا صريح في أن تلك القواعد كانت موجودة متهدمة إلا أن إبراهيم عليه السلام رفعها وعمرها(٢). ومن خلال ما سبق یتبین أن أول من دله الله تعالى على مكان البيت إبراهيم عليه السلام، وهو أول من بناه مع ولده إسماعيل، وأول من حجه، ويجب على العبد أن يخلص بعمله ويقصد به وجه الله تعالى، وأن يكون أشد حرصًا على طلب القبول من الله تعالی لهذا العمل، ويلح بالدعاء كما فعل إبراهيم الخليل وولده إسماعيل عليهما السلام. ٩. التفاوت في الدرجات بين الناس. ذكر القرآن الكريم التفاوت في الدرجات بين الناس في الدنيا في آيات عدة منها: قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ غَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيسَتَهُمْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَاً وَرَفَعْنَا ٢٠٠٠٠٠ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِئًا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمًا يَجْمَعُونَ (١) (١) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ٣١٤/١، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٥٩/١. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤ /٥١، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٣٣. [الزخرف: ٣٢]. وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥]. وقوله جل جلاله: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضَِّ وَلَلْأَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبِرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١]. ذكرت الآيات أن الله تعالى هو الذي يقسم فضله بين أهل الفضل، على حسب علمه بمواقع الاختیار، ومن يصلح له ممن لا يصلح، وهو الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات، وقسم بينهم معايشهم ودرجات التفضيل، فهو القاسم ذلك وحده لا غيره، وهو الذي جعل لكل واحد من عباده درجة معينة والأخلاق، والمحاسن فى الأرزاق والمساوي، والمناظر والأشكال والألوان، وجعل لكل واحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة، ومنهم من يعيش بالحلال، ومنهم من يعيش بالحرام، وجعل الله تعالى هذا التفاوت بين العباد لحكمة؛ لأنه لو سوى بينهم في كل هذه الأحوال لم یخدم أحد أحدًا، ولم يصر أحد منهم مسخرًّا لغيره، وحينئذ يفضي ذلك إلى خراب العالم وفساد نظام الدنیا، وهذا التفاوت لیس لأجل العجز والجهل والبخل فإنه تعالى متعال عن هذه الصفات، وإنما هو لأجل الابتلاء ٢٨٢ جَوَسُو ◌َرُ النَّفْسِيْ القرآن الكريمِ الرفعة والامتحان، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿لَّسَبْلُؤُكُمْ فِىِ مَآ ءَاتَنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥]. وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]. أي: أن الله تعالی إذا خص بعض عبيده بنوع فضله ورحمته في الدين، فهذه الرحمة خير من الأموال التي يجمعها؛ لأن الدنيا على شرف الانقضاء والانقراض، وفضل الله ورحمته تبقى أبد الآباد(١). وفي هذا التفاوت الذي بین الناس، وفي درجات التفاضل المقسومة بينهم، يتحرك الناس، فيلحق المتأخر بالمتقدم، ويسعى المتقدم لیلحق بمن تقدم علیه وفضله، أو ينزل عن مكانه الذي هو فيه ليأخذه غيره، وهكذا يتحرك الناس في الحياة صعودًا وهبوطًا، ويتبادلون المواقف، ويتنازعون منازل الفضل، وبهذا تظل ريح الحياة في حركة دائمة مجدّدة، يتنفس فيها الناس أنفاس الأمل، والقوة، والحياة(٢). (١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٣٣٣/٨، الوجيز، الواحدي ص ٩٧٣، معالم التنزيل، البغوي ١٥٩/٤، الكشاف، الزمخشري ٢٤٨/٤، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧/ ٦٣٠، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥٨/٧، لباب التأويل، الخازن ١٧٩/٢. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٨٨/١٢، الكشف والبيان، الثعلبي ٢١٣/٤، المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٧١/٢، مفاتيح الغيب، الرازي ١٩٢/١٤، الكشاف، الزمخشري ٨٤/٢، لباب التأويل، الخازن ١٧٩/٢، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَكيفَ ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، فيه عبرة وعظة، لعدم الاغترار بالقوة والرفعة، ولجعل ذلك وسيلة لشكر تلك النعمة، والسعي في زيادة الفضل لمن قصر عنها، والرفق بالضعيف وإنصاف المظلوم، ولذلك عقبه بقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُكُمْ فِي مَآ ءَاتَنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥]. أي: ليخبركم فيما أنعم به عليكم من درجات النعم حتى يظهر للناس كيف يضع أهل النعمة أنفسهم في مواضعها اللائقة بها وهي المعبر عنها بالدرجات، والدرجات مستعارة لتفاوت النعم، وهي استعارة مبنية على تشبيه المعقول بالمحسوس لتقريبه، والإيتاء مستعار لتكوين الرفعة في أربابها تشبيهًا للتكوين بإعطاء المعطي شيئًا لغيره. والبلو: الاختبار، والمراد به ظهور موازين العقول في الانتفاع، والنفع بمواهب الله فيها وما يسره لها من الملائمات والمساعدات، فالله يعلم مراتب الناس، ولكن سمى ذلك بلوى؛ لأنها لا تظهر للعيان إلا بعد العمل، أي ليعلمه الله علم الواقعات بعد أن كان يعلمه علم المقدرات، فهذا موقع لام التعليل(٣). تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٨٤/٣، التفسير القرآني للقرآن ٣٥٩/٤، تفسير المراغي ٨٥/٢٥. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١١/٨. www. modoee.com ٢٨٣ حرف الراء ثانيًا: الرفعة في الآخرة. لا منزلة ولا درجة أرفع من الجنة، وقد ذكر القرآن الكريم أن التفاضل في درجات الآخرة أكبر من التفاضل في درجات الدنيا، فالدرجات أكبر، والتفاضل أعظم؛ لأن الآخرة ثواب وأعواض وتفضل وكلها متفاوتة، فأهل النار في دركات سفلى متفاوتة، وأهل الجنة في درجات عليا متفاضلة، وأن المجاهدين والمهاجرين أعظم درجة عند الله. قال تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضَِّ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ نَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: ٢١]. وقال سبحانه: ﴿اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَِّرُونَ ﴾ [التوبة: ٢٠]. وقال جل وعلا: ﴿هُمْ دَرَجَتُ عِندَ اللَّهِ [آل عمران: وَاَللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (® ١٦٣]. ومنها قوله في ربط درجات العمل ﴿ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى بدرجات الجزاء: دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً اُلْفَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا وَرَحْمَةٌ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦]. وقوله عز وجل: ﴿وَلِكُلِّ دَرَجَتٌ مِمَا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِفَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام: ١٣٢]. ١٣٢ وقوله سبحانه: ﴿وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَِّحَتِ فَأُوْلَبِّكَ لَهُمُ الدَّرَحَتُ الْعُلَى ٧٥ [طه: ٧٥](١). فهذه الآيات تبين أن درجات الآخرة أعظم من درجات الدنيا ومن تفضيلها، فإنّ نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا، فإن كان الإنسان تشتدّ رغبته في طلب فضيلة الدنيا فبأن تقوى رغبته في طلب الآخرة أحرى؛ لأنها دار المقامة، فلا نسبة لنعيم الدنيا ولذاتها إلى الآخرة بوجه من الوجوه، فكم بين من هو في الغرف العاليات واللذات المتنوعات والسرور والخيرات والأفراح ممن هو يتقلب في الجحيم ويعذب بالعذاب الأليم، وقد حل عليه سخط الرب الرحيم، وكل من الدارين بين أهلها من التفاوت ما لا يمكن أحدًا عده، والجنات نفسها متنوعة، فهناك جنات الفردوس، وجنات عدن، وجنات نعيم، وهناك دار الخلد، ودار السلام، وجنة المأوى، وهناك عليون الذي هو أعلى وأفضل الجنات، وأعلى ما فيها التمتع برؤية (١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٣٨/٢، الكشاف، الزمخشري ٢/ ٦٥٦، مفاتيح الغيب، الرازي ٤١٦/٩، تفسير المراغي ٢٩/١٥، المنار، محمد رشيد رضا ١٨٠/٤، التفسير المنير، الزحيلي ٤٥/١٥. ٢٨٤ القرآن الكريم الرضعة الحق تبارك وتعالى، وهو نعيم يعلو كثيرًا ولهذا جاء في الحديث أن رسول الله صلى عن أي نعيم في الطعام والشراب في الدنيا، الله عليه وسلم قال: (إن أهل عليين ليراهم ودرجات الجزاء في الآخرة على حسب الأعمال والنوايا، وحسب درجات الارتقاء بالعلم والعمل في الدنيا، وأن هذه الدرجات لا يعلمها إلا من أحاط بكل شيء علمًا (١). وفي الآيات تعظيم شأن يوم القيامة، والترغيب والترهيب، ليخاف الناس في الدنيا من أسباب الخفض في الآخرة فيطيعوا الله ويرغبوا في أسباب الرفع فيطيعوه أيضًا، وأن عطاء الدنيا غير منوط بصلاح الأعمال ألا ترى إلى ما فيه من تفاضل بين أهل العمل المتحد، وقد يفضل المسلم فيه الكافر، ويفضل الكافر المسلم، ويفضل بعض المسلمين بعضًا، وبعض الكفرة بعضًا، وكفاك بذلك هاديًا إلى أن مناط عطاء الدنيا أسباب ليست من وادي العمل الصالح ولا مما يساق إلى النفوس الخيرة(٢). قال الضحاك في تفسير قوله تعالى: ﴿لَمْ دَرَجَتُ عِندَرَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٤]: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فیری الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا یری الذي هو أسفل منه أنه فضل عليه أحد، (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٥٥، المنار، محمد رشيد رضا ٤/ ١٨٠، تفسير الشعراوي ١ / ٢٠٧. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦٣/١٥، أضواء البيان، الشنقيطي ٧/ ٥١٠. من أسفل منهم، كما ترون الكوكب الغابر في أفق من آفاق السماء) قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا ينالها غيرهم، فقال: (بلی والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين)(٣). وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أهل الجنة لیتراءون أهل الدرجات العلى، كما تراءون الكوكب الغابر في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم، وأنعما)(٤). (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، رقم ٣٢٥٦، ١١٩/٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف، كما يرى الكوكب في السماء، رقم ٢٨٣١، ٢١٧٧/٤. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقائق، باب صفة الجنة والنار، رقم ١١٥/٨،٦٥٥٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف، كما يرى الكوكب في السماء، رقم ٢٨٣٠، ٤ / ٢١٧٧. www. modoee.com ٢٨٥ حرف الراء أسباب تحصيل الرفعة لقد خص الله تعالى بالرفعة في الحياة الدنيا والآخرة من يشاء من عباده، وجعل أرفع درجة في الحياة الدنيا النبوة، واصطفى من عباده من يشاء لهذه الدرجة الرفيعة، وخصهم بالأخلاق الرفيعة التي تؤهلهم لحمل هذه الرسالة التي سوف يحملونها للعالم، وجعل الله تعالى للرفعة أسباب أخرى، ترفع صاحبها في الدنيا ولآخرة، ومن هذه الأسباب، الإيمان والعلم والجهاد في سبيل الله تعالی واتباع الحق والعمل به، وسوف أذكر هذه الأسباب في النقاط الآتية: ١. النبوة والرسالة. ذكر الله تعالى أن النبوة والرسالة هي أرفع الدرجات التي يصطفي إليها من يشاء من عباده، ويخصهم بهذه المرتبة العالية، وليس لأحد سبب اختيار هذه الدرجة، أو اعتراض عليها، ولكنه سبحانه وحده الذي له اختيار ذلك، قال تعالى: ﴿اَللَّهُأَعْلَمُ حَيْثُ يَعْمَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. أي: هو أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه، كما قال تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلَا نُزْلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم [الزخرف: ٣١]. يعنون: لولا نزل هذا القرآن على رجل عظيم كبير مبجل في أعينهم ﴿مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾، أي: مكة والطائف، وذلك لأنهم -قبحهم الله- كانوا يزدرون بالرسول، صلوات الله وسلامه عليه، بغيًا وحسداً، وعنادًا واستكبارًا، كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَإِذَا رَمَاكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًّا أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الَّعْنِ هُمْ كَفِرُونَ (١)﴾ [الأنبياء: ٣٦]. وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلََّّهُزُوًّا أَهَذَا الَّذِى بَعَنَ اَللَّهُ رَسُولًا ٤١ [الفرقان: ٤١]. وقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدٍ أُسْنُهْزِىَّ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ [الأنعام: ١٠](١). ٢. الإيمان. قال تعالى: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْمِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]. من أسباب الرفعة التي ذكرها القرآن الكريم هو الإيمان، والإيمان أصل الأسباب كلها؛ لأن الإيمان أصل الدين، وبه تقبل الأعمال، وتزكو الخصال، فالإيمان بمنزلة السماء، محفوظة مرفوعة، ومن ترك الإيمان، بمنزلة الساقط من السماء، عرضة (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٩٥/٢١، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٢٢/٤، النكت والعيون، الماوردي ٢٢٣/٥، تفسير القرآن العظیم، ابن كثير ٣٣٢/٣. ٢٨٦ جَوَسُولَةُ التَفيمـ القرآن الكريم الرضعة للآفات والبليات، فإما أن تخطفه الطير فتقطعه أعضاء، كذلك المشرك إذا ترك الاعتصام بالإيمان تخطفته الشیاطین من کل جانب، ومزقوه، وأذهبوا علیه دينه ودنياه. قال تعالى: ﴿حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيَّرَ مُشْرِكِينَ بِّ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ اٌلَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِ مَكَانٍ [الحج: ٣١]. سحيق ٣١ أمرهم أن يكونوا ﴿حُنَفَآءَ لِلَّهِ﴾ أي: مقبلين عليه وعلى عبادته، معرضين عما سواه، ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِّ وَمَن يُشْرِكَ بِاللَّهِ﴾، فمثله ﴿فَكَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ﴾ أي: سقط منها ﴿فَتَخْطَفُهُ اَلَّيْرُ﴾، بسرعة ﴿أَوْ تَهْوِى بِهِ الْرِيحُ فِ مَكَانٍ سَحِقٍ﴾، أي: بعيد، كذلك المشرك، وإن خير الدنيا والآخرة من ثمرات الإيمان الصحيح، وبه يحيا العبد حياة طيبة في الدارين، وبه ينجو من المكاره والشرور، وبه تخف الشدائد، وهو السبب الوحيد للقيام بكل شرائع الدين من صلاة وزكاة وصيام وحج وصدقة وأمر بمعروف ونهي عن منكر وجهاد في سبيل الله، فكلما قوي إيمان العبد علمًا ومعرفةً وإرادةً وعزيمةً، زاد قربًا من الله وطاعته، وقام بکل ما يقدر عليه بحسب حاله ومرتبته، فنال الدرجة العالية والمنزلة الرفيعة، وإذا ضعف الإيمان تكاسل عن الطاعات وقلة درجاته ورفعته بحسب ضعف إيمانه، وهذا کله من ثمرات الإيمان ومن تمامه وكماله؛ وبالجملة فخير الدنيا والآخرة كله فرع عن الإيمان ومترتب عليه، والهلاك والنقص إنما يكون بفقد الإيمان ونقصه؛ والله المستعان (١). ٣. العلم. من أسباب الرفعة التي ذكرها القرآن الکریم العلم، وهو خیر ما سعی له الإنسان فالعلم أصل كل شيء ومنبع كل خير منه؛ لأنه لا یمکن أن یجاهد المجاهد ولا أن يصلي المصلي ولا أن يزكي المزكي ولا أن يصوم الصائم ولا أن يحج الحاج ولا أن يعتمر المعتمر ولا أن يأكل الآكل ولا أن يشرب الشارب ولا أن ينام النائم ولا أن يستيقظ المستيقظ إلا بالعلم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)(٢) (٣). قال تعالى: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْمِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ دَرَحَتٍّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]. ولم يعين عز وجل الدرجات؛ لأن (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٨٩/٨، تیسیر الکریم الرحمن، السعدي ص ٣٣٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، رقم ٧١، ٢٥/١، ومسلم في صحيحه، كتاب الكسوف، باب النهي عن المسألة، رقم ٠٧١٨/٢،١٠٣٧ (٣) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٣٨٩/٥، مراح لبيد، الجاوي ٢/ ٥٠٣. www. modoee.com ٢٨٧ حرف الراء هذه الدرجات بحسب ما مع الإنسان من الإيمان والعلم كلما قوي الإيمان وكلما کثر العلم وانتفع الإنسان به ونفع غیرہ کان أكثر درجات، فإن الله تعالى: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١](١). ٤. الجهاد. بين القرآن الكريم درجة المجاهدين، قال تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَهِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اَللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَنْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْفَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلَّا وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَىِّ وَفَضَّلَ اللّهُ [النساء: ٩٥ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ٩٥]. من أسباب الرفعة التي ذكرها القرآن الكريم الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال، فلا رفعة ولا عزة ولا مكانة للأمة إلا بالجهاد بالنفس والمال، وإن الجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الدين، الذي به يحفظ الدين الإسلامي ويتسع، وينصر الحق ويخذل الباطل، فأمة بلا جهاد لا تساوي شيء، ولا مكانة لها بين الأمم، وعيش المذلة والمهانة والدون، ومن يقبل بالمذلة والمهانة في الحياة الدنيا فليس له في الآخرة إلا الدركات السفل جزاء وفقا، فدين الإسلام دين العزة والكرامة والشموخ والإباء لا يرضى بالضيم والمذلة أبدًا. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيَ كُمْ قَالُواْ كُنَا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضَِّ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةً فَنُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمٌ وَسَآَمَتْ مَصِيًّا ٩٧ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَاَلْوِلْدَنِ لَا فَأَوْلَئِكَ ٩٨ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ( عَسَى اَللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ١١﴾ [النساء: ٩٧ -٩٩]. ولما كان المجاهد في سبيل الله قد رغب عن الدنيا وأقبل على الله كانت درجته في الآخرة أعلى الدرجات، والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم هم الذين ترتفع بهم كرامة الأمة ويحمونها، ولذلك كان الجزاء من جنس العمل، وهو ارتفاع درجتهم وقدرهم في الدنيا من الغنيمة والظفر والذكر الجميل ودفع شر الأعداء عن الأمة والبلاد، وكذلك عند الله تعالى لهم أجر عظيم، ثم بين هذا الأجر العظيم بما فضلهم به من الدرجات، في غرف الجنات العاليات، ومغفرة الذنوب والزلات، وأحوال الرحمة والبركات، إحسانًا منه وتكريمًا؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿دَرَجَاتٍ ١٦) وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا مِّنْهُ وَمَغْفِرَةٌ [النساء: ٩٦](٢). (١) انظر: شرح رياض الصالحين، ابن عثيمين ٤٢٠/٥. (٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١ / ٥٨٠، المنار، ٢٨٨ جُوَسُولَةُ النَّقْتَبـ القرآن الكريم الرضعة وفي الآيات الحض على الجهاد والترغيب فيه وتنشيط المجاهدين ليرغبوا، وتبکیت القاعدين ليأنفوا. ٥. اتباع الحق وإيثاره. ذكر القرآن الكريم أن اتباع الحق وإيثاره سبب من أسباب الرفعة، فقال تعالى: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ [الأعراف: ١٧٦]. وأتبع هوّنهُ ﴾ فأخبر سبحانه أن الرفعة عنده ليست بمجرد العالم، فإن هذا كان من العلماء، وإنما هي باتباع الحق وإيثاره، وقصد مرضاة الله، فإن هذا کان من أعلم أهل زمانه، ولم یرفعه الله بعلمه، ولم ينفعه به، نعوذ بالله من علم لا ينفع(١). (١). محمد رشيد رضا ٩/ ٤٩٥، تفسير المراغي ١٢٩/٥. (١) انظر: التفسير القيم، ابن القيم ص ٢٩٢. أسباب الحرمان من الرفعة في الآخرة کما أن للرفعة أسباب ینال بها الشخص المنزلة الرفيعة والمكانة العالية كذلك هناك أسباب للحرمان من الرفعة في الآخرة وهي: ١ . الكفر. لما كان أعز الأشياء الموجبة للرفعة في درجات الآخرة هو الإيمان، فإن أذل الأشياء الموجبة للمذلة المانعة من الرفعة هو الكفر، وهو سبب الحرمان من دخول الجنة ونيل الرفعة فيها. وقد ذكر القرآن الكريم هذا الحرمان ووصف الكافرين أنهم هم الذين كانوا سبب هذا الحرمان، هو أنهم اتخذوا في دينهم أعمالًا لا تزكي الأنفس، فتكون أهلاً لدار الكرامة، بل هي إما لهو: وهو ما يشغل الإنسان عن الجد والأعمال المفيدة بالتلذذ بما تهوى النفس، وإما لعب: وهو ما لا تقصد منه فائدة صحيحة كأعمال الأطفال، وغرتهم بذلك الحياة الدنيا فكان كل همهم التمتع بشهواتها ولذاتها -حرامًا كانت أو حلالًا - لأنها مطلوبة عندهم لذاتها. وأما أهل الجنة فهم الذين سعوا لها سعيها بأعمال الإيمان التي تزكي الأنفس وترقیها فلم يغتروا بالحياة الدنيا، بل كانت الدنيا عندهم مزرعة الآخرة لا مقصودة لذاتها؛ لذلك كانوا يقصدون بالتمتع بنعم www. modoee.com ٢٨٩ حرف الراء الله فيها الاستعانة بها على ما يرضيه من أي: سقط من السماء إلى الأرض، فتمزقت أوصاله، وصارت الطير تتخطفها وتهوي بها إقامة الحق وعمل الخير والاستعداد للحياة الأبدية. الربح فتلقيها في مكان سحيق، أي: محل بعيد لشدة هبوبها بأوصاله المتمزقة، ومن قال تعالى: ﴿وَنَادَىَ أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ اَلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَثِفِرِينَ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهُوَّ وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَأَ فَلْيَّوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُوْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ [الأعراف: ٥٠ - ٥١]. بِشَايَتِنَا يَجْحَدُور کانت هذه صفته فإنه لا یرجی له خلاص ولا يطمع له في نجاة، فهو هالك لا محالة، لأن من خر من السماء إلى الأرض لا يصل الأرض عادة إلا متمزق الأوصال، فإذا خطفت الطير أوصاله وتفرق في حواصلها، أو ألقته الريح في مكان بعيد فهذا هلاك محقق لا محيد عنه وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تحريم الجنة ونعيمها على من كفر بالله تعالی وخلوده في نار جهنم، وأنه لا یرجی له خلاص، جاء موضحًا في مواضع أخر كقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ، مَن يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ ﴾ [المائدة: ٧٢]. وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِ مَكَانٍ سَحِقٍ﴾ [الحج: ٣١]. بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن من آشرك بالله غيره أي ومات ولم يتب من ذلك فقد وقع في هلاك، لا خلاص منه بوجه، ولا نجاة معه بحال؛ لأنه شبهه بالذي خرّ، ٢. اتباع الدنيا. إن من أذل الأشياء الموجبة للمذلة المانعة من الرفعة هو حب الدنيا، وهو سبب الحرمان من دخول الجنة ونيل الرفعة فيها، وقد ذكر القرآن الكريم هذا الحرمان وذم من غرتهم الحياة الدنيا، فكان كل همهم التمتع بشهواتها ولذاتها؛ لأنها مطلوبة عندهم لذاتها، ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَاأَ فَلْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُو ◌ْلِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِشَايَئِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١]. يعني: وخدعهم عاجل ما هم فيه من خصب العیش ولذته، وشغلهم ما هم فيه من (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٨٩/٨، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٣٨، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢٦/٢، المنار، محمد رشيد رضا ٣٩١/٨، أضواء البيان، الشنقيطي ٢٥٦/٥. ٢٩٠ جَوَسي القرآن الكريم الرفعة ذلك عن الإيمان بالله ورسله وعن الأخذ الآخرة، فقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا بنصيبهم من الآخرة حتى أتتهم المنية على لَعِبٌ وَلَهْوٌّ وَلَدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَمْقِلُونَ(٣)﴾ [الأنعام: ٣٢]. ذلك، والغرة غفلة في اليقظة وهو طمع وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا لِلْمَيَّةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهَوْ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَنَّقُواْ يُؤْيِّكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْخَلْكُمْ أَمْوَلَكُمْ ﴾ [محمد: ٣٦]. الإنسان في طول العمر وحسن العيش وكثرة المال والجاه ونيل الشهوات، فإذا حصل ذلك صار محجوبًا عن الدين وطلب الخلاص؛ لأنه غریق في الدنيا بلذاته وما هو فيه من ذلك. ولما وصفهم الله تعالى بهذه الصفات الذميمة قال سبحانه: ﴿فَالْيَوْمَ نَفْسَهُمْ كَمَا نَسُو ◌ْلِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١]. يعني: فاليوم نتركهم في العذاب المهين جياعًا عطاشًا كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا(١). والجانب المذموم في حب الدنيا هو التعلق بها الذي يبعد صاحبه عن دين الله وطاعته وتشغله عنها، ويترك ما أوجب الله عليه ويؤثر الحياة الدنيا، ومن ذلك حب الدنيا وعدم المبالاة بما حرم الله، فلا فرق بین حلال وحرام، وطيب وخبيث. وقد نبه سبحانه عباده المؤمنين من حال الحياة الدنيا وصفتها التي تمتاز بها فأعلم بذلك ليجتنبوها ويحذروا غرورها، وليعملوا إلى الرفعة الحقيقية وهي الدار (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/ ٢٣٧، لباب التأويل، الخازن ٢٠٥/٢، البحر المحيط، أبو حيان ٥٤٩/٤. وقال جل وعلا: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَوْ وَزِينَةٌ وَتَفَاخٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ اْأَّمَوَلِ وَالْأَوْلَّدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ اَلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ ◌َهِيجُ فَتَرَنَّهُ مُصْفَرًا ثُمَ يَكُونُ خُطَمَّاً وَفِ اْأَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اَللَّهِ وَرِضْوَنُ وَمَا ج﴾ [الحديد: اْحَيُوَةُ الدُّنْيَآ إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ ٢٠] (٢) . ٣. اتباع الهوى. إن من أذل الأشياء الموجبة للمذلة المانعة من الرفعة هو اتباع الهوى، وهو سبب الحرمان من دخول الجنة ونيل الرفعة فيها، وقد ذكر القرآن الكريم هذا الحرمان وذم اتباع الهوى فإن الهوى يهوي بصاحبه إلى أسفل الدركات، وبالهوى تندفع النفوس إلى الشهوات الضارة المهلكات، وموافقة الهوى تنزل صاحبها من سماء العزّ إلى تراب الذّل، وتلقيه في وهدة الهوان، ومن لم يصدّق علمًا فعن قريب يقاسيه وجودًا کما يقال، والهوى مصدر هواه إذا أحبه، ثم سمي بالهوى المشتهى محمودًا (٢) انظر: ملاك التأويل، الثقفي ١/ ١٥٦. www. modoee.com ٢٩١ حرف الراء كان أو مذمومًا، ثم غلب على غير المحمود. وتدلّ المادّة الّتي اشتقّ منها على الخلوّ والشّقوط، ومن ذلك: الهواء بين السّماء والأرض سمّي بذلك لخلوّه، وكلّ خال هواء. قال تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتَهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣ ]، أي: خالية لا تعي شيئًا، ويقال: هوى الشّيء يهوي أي سقط، والهاوية جهنّم؛ لأنّ الكافر يسقط فيها، قال تعالى: ﴿ وَلَوْشِئْنَا ◌َرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦]. والسبب الذي لأجله لم يرفع ولم یشرف كما فعل بغيره ممن أوتي الهدى فآثره واتبعه، هو اتباع الهوى(١). موضوعات ذات صلة: الذل، العزة (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٦١/١٣، تفسير الراغب الأصفهاني ٣٠٦/١، التفسير الوسيط، الواحدي ٢/ ٤٢٧. جَوَسُولَةُ النَّبي القرآن الكريم ٢٩٢