النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الرّضْعَّةُ هـ د عناصر الموضوع مفهوم الرفعة ٢٥٦ الرفعة في الاستعمال القرآني ٢٥٧ الألفاظ ذات الصلة ٢٥٨ الرفعة في حق الله تعالى ٢٦٠ أنواع الرفعة ٢٦٢ أسباب تحصيل الرفعة ٢٨٦ ٢٨٩ أسباب الحرمان من الرفعة في الآخرة المُجَلَّدَ السّادسْ عَشِر حرف الراء مفهوم الرفعة أولًا: المعنى اللغوي: أصل مادة (رفع) تدل على خلاف الوضع، تقول: رفعت الشيء رفعًا إذا جعلته عاليًا. كما يأتي الرفع بمعنى: تقريب الشيء، قال الله تعالى: ﴿وَفَرْشِ مَّرْفُوعَةٍ ﴾ [الواقعة: ٣٤] أي: مقربة لهم، ومن ذلك قوله: رفعته للسلطان، أي: قربته منه. ويأتي الرفع كذلك بمعنى: إذاعة الشيء وإظهاره(١). والرفع قد يكون حسيًّا؛ كرفع البناء ورفع القواعد، ومنه في القرآن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إَِّهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧]. وقوله سبحانه: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اُلُّوَرَ﴾ [البقرة: ٦٣]. وقد يكون معنويًّا؛ كارتفاع الدرجة والمنزلة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢]. وقوله جل وعلا: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]. ويقال: رَفُعَ رِفْعَةً، أي: ارتفع قدره(٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: الرفعة: الإعلاء والتشريف ورفع القدر والمنزلة(٣). (١) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ٣١٤/١، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٧٩، القاموس المحيط لإبراهيم مصطفى ص ٧٢٢، تاج العروس، الزبيدي ١١١/٢١، الكليات، الكفوي ص ٤٧٧. (٢) الصحاح، الجوهري ١٢٢١/٣. (٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٦٠، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٧٩. ٢٥٦ مَوَسُولَة الَّفي القرآن الكريم الرضعة الرفعة في الاستعمال القرآني وردت مادة (رفع) في القرآن الكريم (٢٩) مرة، وما جاء منها بمعنى الرفعة (١٣) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٦ ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ [الشرح: ٤] الفعل المضارع ٤ ﴿فَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ ﴾ [الأنعام: ٨٣] اسم الفاعل ١ ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ﴾ [الواقعة: ٣] اسم المفعول ١ ﴿قَرْفُوعَةِمُطَهَّرَمْ ﴾ [عبس: ١٤] صيغة مبالغة ١ ﴿رَفِيعُ الدَّرَحَتِ﴾ [غافر: ١٥] وجاءت الرفعة في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: نقيض الذلة، وخلاف الضعة. وهي تقال تارة في الأجسام الموضوعة إذا أعليتها عن مقرها، وتارة في البناء إذا طوّلته، وتارة في الذكر إذا نوّهته، وتارة في المنزلة إذا شرّفتها (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن، عبدا لله جلغوم، ص ٥٩٠-٥٩١. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص٣٦٠-٣٦١. www. modoee.com ٢٥٧ حرف الراء الألفاظ ذات الصلة العلو: ١ العلو لغة: السموّ والارتفاع والشرف، ومنه قوله سبحانه: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ فَجْعَلُهَالِلَّذِينَ لَا يُرِيِدُونَ عُلُوًّا فِ اُلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣](١). العلو اصطلاحًا: لا يختلف عن معناه اللغوي، الدال على الارتفاع، ويستعمل في الأمكنة والأجسام أكثر، وفي المحمود والمذموم(٢). الصلة بين الرفعة والعلو: الرفعة والعلو في اللغة بمعنى واحد، وهو الفوقية(٣). السمو: ٢ السمو لغة: هو الارتفاع والعلو فيقال للشريف والملك سمو فلان، والسماء معروفة (٤). السمو اصطلاحًا: لا يختلف عن معناه اللغوي الدال على العلو والشرف والرفعة والعظمة (٥). الصلة بين الرفعة والسمو: الرفعة تقال في الأعيان والمعاني، أما السمو لا يكون إلا في المعاني، والرفع في الأعيان كرفع البناء، والرفع في المعاني كرفع درجة العلم. (١) انظر: العين، الفراهيدي ٢٤٥/٢، مقاييس اللغة، ابن فارس ١١٣/٤، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٦٢٥/٢. (٢) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢٤٦. (٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٥٨. (٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٩٨/٣، لسان العرب، ابن منظور ٣٩٧/١٤. (٥) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٤٠٥/٢، غريب الحديث، ابن قتيبة ٤٧٣/١، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٩٧، المصباح المنير، الفيومي ١/ ٢٩٠. ٢٥٨ الْقُرآن الكَرِيمِ الرضعة المنزلة: ٣ المنزلة لغة: هي المكانة والمرتبة والدرجة، يقال: له منزلة عند الأمير، وهو رفيع المنزل والمنازل(١). المنزلة اصطلاحًا: لا يخرج المعنى الاصطلاحي للمنزلة عن المعنى اللغوي له الدال على المكانة. الصلة بين الرفعة والمنزلة: الرفعة تقال في الأعيان والمعاني، والمنزلة: تقال في الأمور المعنوية(٢). الضعة: ٤ الضّعة لغة: خلاف الرفعة في القدر، والأصل وضعة، والوضيع: الدنيء من الناس (٣). الضعة اصطلاحًا: هي الذل والهوان والدناءة والخسة، والوضيع: ضد الشريف، وهو المحطوط القدر الدنيء، وهو لا يختلف عن المعنى اللغوي(٤). الصلة بين الرفعة والضعة: يظهر من خلال بيان الفرق بين الرفعة والضعة أن بينهما علاقة تضادّ. (١) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٤٦/٩، لسان العرب، ابن منظور ٦٥٨/١١، تاج العروس، الزبيدي ٤٨٢/٣٠، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢ /٩١٥. (٢) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٤٨٢/٣٠. (٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٤٨/٣، لسان العرب، ابن منظور ٣٩٧/٨. (٤) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ١٠٤٠. www. modoee.com ٢٥٩ حرف الراء الرفعة في حق الله تعالى إن الله تعالى هو رفيع الدرجات وهو كناية عن رفعة شأنه وسلطانه عز شأنه، وأخبر سبحانه أنه هو الذي یرفع درجات الخلق في العلم والأخلاق الفاضلة والرزق وغيرها، وإن من لم يرفعه الله فهو موضوع، فهو الخافض الرافع سبحانه، وفي هذا البحث بيان معنى الرفيع. يقول تعالى مخبرًا عن عظمته و کبریائه، وعلوه على جميع المخلوقات التي أعلاها وأعظمها عرشه العظيم العالي على جميع مخلوقاته كالسقف لها. قال تعالى: ﴿رَفِيعُ الذَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْفِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، لِبُنَذِرَ يَوْمَ النَّلَاَقِ ٥﴾ [غافر: ١٥]. وقال سبحانه: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِى الْمَعَارِج تَعْرُجُ الْمَلَتَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِ يَوْمِ ٠ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةِ ﴾ [المعارج: ٣-٤]. والرفعة في حق الله تعالى تأتي صفة ذات وصفة فعل، فالأول: اسم الله رفيع الدرجات، والثاني: اسم الله الرافع (١). ١. اسم الله رفيع الدرجات. وصف الله تعالى نفسه بأنه رفيع (١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧/ ٢٧٠، فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٥٥٦. الدرجات ذو العرش، وهي رفعة الذات على جميع المخلوقات، وفوق كل شيء، وليس فوقه شيء، فذكر العرش عند هذه الصفة من أدلة فوقيته تعالى، ودليل على أنه في السماء على العرش، لأن ﴿ذُو﴾ نعت، ولا يكون إلا نعت استوائه عليه، وكذا قال في سورة البروج: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ١٥ [البروج: ١٥]. فهو سبحانه وتعالى الكبير المتعال، ذو العرش والسلطان، المتفرد بهذا المقام العالي، والسلطان العظيم، لا يشاركه أحد، ولا ينازعه سلطان، ورفعة القدر وهي رفعة صفاته وعظمتها، وأنه أرفع الموجودات وأعلاها في جميع صفات الجلال والإكرام، الذي لا أرفع قدرًا منه، وهو المستحق لدرجات المدح والثناء، فلا ريب أنه سبحانه أشرف الموجودات وأجلها رتبة من جهة استغنائه في وجوده وفي جميع صفات وجوده عن کل ما سواه، وافتقار كل ما سواه إليه في الوجود وفي توابع الوجود، فهو سبحانه الرفيع في جمیع صفات الكمال والجلال، فله الكمال المطلق في كل صفة وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم الذي هو أول لكل ما سواه، وليس له أول، وآخر لكل ما سواه، وليس له آخر، وهو العالم بجميع الذوات والصفات والكليات والجزئيات، كما قال تعالى: ٢٦٠ مَشَوالَةُ النَفسِّية لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الرفعة ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِعُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]. وهو أعلى القادرين وأرفعهم، لأنه في وجوده وجميع كمالات وجوده غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فإنه محتاج في وجوده وفي جميع كمالات وجوده إليه، وهو الواحد الذي يمتنع أن یحصل له ضد وند وشريك ونظير (١). والدرجات مستعارة للمجد والعظمة، وجمعها إيذان بكثرة العظمات باعتبار صفات مجد الله التي لا تحصر، والمعنى: أنه حقيق بإخلاص الدعاء إليه، وإجراء وصف ذي المعارج على اسم الجلالة لاستحضار عظمة جلاله، ولإدماج الإشعار بكثرة مراتب القرب من رضاه وثوابه، فإن المعارج من خصائص منازل العظماء. قال تعالى: ﴿لِبُيُوتِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّدٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣]. ولكل درجة المعارج قوم عملوا لنوالها، قال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَأَلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. وليكون من هذا الوصف تخلص إلى (١) انظر: تفسير السمر قندي ٢٠٠/٣، النكت والعيون، الماوردي ٥/ ١٤٧، تفسير القرآن، السمعاني ١٠/٥، الكشاف، الزمخشري ١٥٦/٤، مفاتيح الغيب، الرازي ٤٩٧/٢٧، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٩٩/١٥، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤/ ١٠٦. ذكر يوم الجزاء الذي يكون فيه العذاب الحق للكافرين (٢) ٢. اسم الله الرافع. وإن فسرناه بالرافع، کان معناه أن كل درجة وفضيلة ورحمة ومنقبة حصلت لشيء سواه، فإنما حصلت بإيجاده و تكوينه وفضله ورحمته. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِبْرَهِيمَ عَلَى قَوْمِهَ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأنعام: ٨٣]. أي: رافع درجات الخلق في العلم والأخلاق الفاضلة، كما قال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. وكذا في الرزق والأجل، قال جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَيْفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥]. وجعل للملائكة مقامات معينة. قال جل وعلا: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُ, مَقَامٌ مَعْلُومٌ ١٦٤) [الصافات: ١٦٤]. وللأجسام البسيطة العلوية والسفلية درجات معينة كما يشهد به علم الهيئة، أو يراد رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة، وجعل لكل أحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤/ ١٠٦، ١٥٦/٢٩. www. modoee.com ٢٦١ حرف الراء السعادة وموجبات الشقاوة، وفي الآخرة آثار لظهور تلك السعادة والشقاء (١). ويجوز أن يكون رفيع من أمثلة المبالغة، أي کثیر رفع الدرجات لمن يشاء، وهو معنى قوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ [يوسف: ٧٦]. وإضافته إلى الدرجات من الإضافة إلى المفعول، فيكون راجعًا إلى صفات أفعال الله تعالى(٢). وفي هذه الآيات تثبيت للمؤمنين على عبادة الله تعالى وترغيب لهم بالتعرض إلى الدرجات العالية التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين. (١) انظر: تفسير السمرقندي ٢٠٠/٣، النكت والعيون، الماوردي ١٤٧/٥، تفسير القرآن، السمعاني ١٠/٥، الكشاف، الزمخشري ١٥٦/٤، مفاتيح الغيب، الرازي ٤٩٧/٢٧، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٩٩/١٥. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠٦/٢٤. أنواع الرفعة تأتي الرفعة في القرآن الكريم على أنواع، الأول: الرفعة في الدنيا، والثاني: الرفعة في الآخرة، فالأول رفعة الأنبياء والرسل والعلماء والمؤمنين والأعمال الصالحة والشعائر والملك والحكم والقرآن والبيت الحرام والتفاوت في الدرجات بين الناس، والثاني: الرفعة في الآخرة، وهو درجات الجنة ونعيمها، وسيكون بيان ذلك في النقاط الآتية: أولًا: الرفعة في الدنيا: ١. رفعة الأنبياء والرسل. ذكر الله تعالى أن الرسل والأنبياء هم أرفع درجة في الحياة الدنيا وفي الآخرة. تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا قال تعالى: بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍُ مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَّهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقال سبحانه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَاْ ءَاتَيْنَهَا إِبْرَهِيمَ عَلَى قَوْمِهَ نْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأنعام: ٨٣]. وقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبْعِنَ عَلَى بَعْضٍ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾ [الإسراء: ٥٥]. وقال تعالى عن إدريس عليه السلام: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٧)﴾ [مريم: ٥٧]. بينت الآيات فضيلة الرسل والأنبياء جَوَنُوالَهُ النفسية القرآن الكريم ٢٦٢ الرضعة عليهم السلام وارتفاع درجاتهم وعلو بي النبيون، وأرسلت إلى الناس كافة)(٢) (٣). وأجمعت الأمة على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، وعلى أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أفضل من جميع الأنبياء والمرسلين، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى على المشهور، وعلى أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء، وأن أولي العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّيْنَ بِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ تُوْجٌ وَإِنْزَهِيمَ وَمُوسَى وَحِيسَى أَبْنِ مَرْيَمٌ وَآَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَقًّا غَلِيظًا ﴾ [الأحزاب: ٧]. منزلتهم، وتمجيد سمعتهم، وتعليم المسلمين أن هذه الفئة الطيبة مع عظيم شأنها قد فضل الله بعضها على بعض، وأسباب التفضيل لا يعلمها إلا الله تعالى، غير أنها ترجع إلى ما جری علی أیدیھم من الخيرات المصلحة للبشر ومن نصر الحق، وما لقوه من الأذى في سبيل ذلك، وما أيدوا به من الشرائع العظيمة، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لأن يهدي الله بك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس)(١). فما بالك بمن هدى الله بهم أممًا في أزمان متعاقبة، ومن أجل ذلك كان محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل، ويتضمن الكلام ثناء عليهم وتسلية للرسول عليه السلام فيما لقي من قومه، وللتفاضل بينهم قال عليه الصلاة والسلام: (فضلت على الأنبياء بست: أوتيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وختم (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب فضل من أسلم على يديه رجل، رقم ٣٠٠٩، ٤ /٦٠، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم، باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، رقم ٢٤٠٦، ٤ / ٠١٨٧٢ * شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وقوله تعالى: وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِىَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِإِبْنَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ١٣] (٤). وفي قوله سبحانه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. أشار بالبعيد لعلو مرتبتهم في الكمال وسمو درجتهم، وهو إشارة إلى جميع الرسل، فتكون الألف واللام للاستغراق، وقيل: هو إشارة إلى الأنبياء المذكورين (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا، رقم ٣٧١/١،٥٢٣. (٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٢٢/١، التفسير الوسيط، الواحدي ٣٦٣/١، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٣٤/١، تفسير السمر قندي ١٦٦/١، تفسير الراغب الأصفهاني ١/ ٥١٧. (٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٦/ ٥٢١، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨٨/٥. www. modoee.com ٢٦٣ حرف الراء في هذه السورة، وقيل: إلى الأنبياء الذين بلغ علمهم إلى النبي صلی الله عليه وسلم، ثم بين تفضيلهم، فقال تعالى: ﴿مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اَللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، مثل موسى عليه السلام، ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، يعني إدريس عليه السلام، كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَانَا عَلِيًّا )﴾ [مريم: ٥٧]. وجعل بعضهم خليلاً، وبعضهم ملكًا، وسخّر لبعضهم الريح والشياطين، وأحيا ببعضهم الموتى، وأبرأ الأكمه، والأبرص (١). ذكر الفقهاء في هذه الآية الكريمة، أعني قوله تعالى: ﴿يَلَّكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُِ﴾ [البقرة: ٢٥٣] إشكالًا قويًّا معروفًا، ووجهه: أنه ثبت في حديث أبي هريرة المتفق عليه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا تخیروني علی موسی، فإن الناس یصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنی الله)(٢). (١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٢٢/١، التفسير الوسيط، الواحدي ٣٦٣/١، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٣٤/١، تفسير السمر قندي ١٦٦/١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الخصومات، باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهود، رقم ٢٤١١، ١٢١/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم، رقم ٢٣٧٣، ٤ /١٨٤٤. وثبت أيضًا في حديث أبي سعيد المتفق عليه: (لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة)(٣) الحديث. وفي رواية: (لا تفضلوا بين أنبياء الله) (٤). وفي رواية: (لا تخيروني من بين الأنبياء)(٥). والجواب من وجوه: : أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضیل. وفي هذا نظر. والثاني: أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع. والثالث: أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذا الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر. والرابع: لا تفضلوا بمجرد الآراء (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الخصومات، باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهود، رقم ٢٤١٢، ١٢١/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم، رقم ٢٣٧٤، ٤ /١٨٤٥. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (وإن يونس لمن المرسلين)، رقم ٣٤١٤، ١٥٩/٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسی صلى الله عليه وسلم، رقم ٢٣٧٣، ١٨٤٤/٤. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: (ولما جاء موسى لميقاتنا و كلمه ربه)، رقم ٥٩/٦،٤٦٣٨. ٢٦٤ القرآن الكريم الرفعة والعصبية. والخامس: ليس مقام التفضيل إليكم، وإنما هو إلى الله عز وجل، وعلیکم الانقياد والتسليم له والإيمان به. وقيل: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة علیھا. قال الشنقيطي: ((وهذا قول حسن، فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غیر نسخ، والقول بتفضيل بعضهم على بعض، إنما هو بما منح من الفضائل وأعطی من الوسائل، وقد أشار ابن عباس إلى هذا فقال: ((إن الله فضل محمدا صلى الله عليه وسلم على الأنبياء وعلى أهل السماء، فقالوا: بم يا ابن عباس فضله على أهل السماء؟ فقال: إن الله * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِلَّ إِلَّهٌ مِّن تعالى قال: دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّهُ كَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: ٢٩]. إِنَّا وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ، لِيَغْفِرَ لَكَ اَللَّهُ مَا تَقَّذَّمَ مِن ذَنَّبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١- ٢]. قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَمْ﴾ [إبراهيم: ٤]. وقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّ كَافَّةٌ لِلنَّاسِ [سبأ: ٢٨] فأرسله إلى الجن والإنس))(١). وقال أبو هريرة: ((خير بني آدم نوح وإبراهيم وموسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وهم أولو العزم من الرسل))(٢). وهذا نص من ابن عباس وأبي هريرة في التعيين، ومعلوم أن من أرسل أفضل ممن لم يرسل؛ فإن من أرسل فضل على غيره بالرسالة، واستووا في النبوة إلى ما يلقاه الرسل من تكذيب أممهم وقتلهم إياهم، وهذا مما لا خفاء به»(٣). قال ابن عطية: «ونص الله في هذه الآية على تفضيل بعض الأنبياء على بعض، وذلك في الجملة دون تعيين مفضول، وهكذا هي الأحاديث عن النبي عليه السلام، فإنه قال: (١) أخرجه الدارمي في سننه، كتاب دلائل النبوة، باب ما أعطي النبي صلى الله عليه وسلم من الفضل، رقم ٤٧، ١٩٤/١، والطبراني في المعجم الكبير، رقم ٢٣٩/١١،١١٦١٠. (٢) أخرجه البزار في مسنده، رقم ٩٧٣٧١، ١٤١/٧، والخلال في السنة، رقم ٣٢٤، ٢٦٤/١، وابن الأعرابي في معجمه، رقم ٠٦٤/١،٨٨ قال المناوي: إسناده صحيح. انظر: التيسير بشرح الجامع الصغير ٥٢٤/١. (٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٣٨/١، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٦٢/٣، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٧١/١، أضواء البيان، الشنقيطي ١/ ١٥٦. www. modoee.com ٢٦٥ حرف الراء (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)(١)، ولم یعین. ومنع التفضيل على طريق الخصوص، کقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تفضلوني على موسى)(٢)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى)(٣)، وفي هذا نهي شدید عن تعيين المفضول)» (٤). وقد ذكر القرآن الكريم بعض الأنبياء وخصهم بالرفعة وهم: إدريس عليه السلام. لقد أثنى القرآن الکریم على إدريس عليه السلام وبيّن علو مكانه. قال تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ إِدْرِسَّ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نِّيَّا وَرَفَعْنَهُ مَكَانَا عَلِيًّا ()﴾ [مريم: ٥٦-٥٧]. (١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٠٩٨٧، ١٧/ ١٠، والترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة بني إسرائيل، رقم ٣١٤٨، ٣٠٨/٥، وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة، رقم ٤٣٠٨، ١٤٤٠/٢. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٣٠٩/١،١٤٦٨. (٢) سبق تخريجه. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (وهل أتاك حديث موسى)، رقم ٣٣٩٥، ١٥٣/٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب في ذكر يونس عليه السلام، رقم ٢٣٧٦، ١٨٤٦/٤. (٤) المحرر الوجيز ٣٣٨/١. إدريس عليه السلام، هو من ذرية آدم الأولين، وهو جدّ أعلى لنوح(٥)، ولهذا اختصّ بالذكر؛ لأنه ليس من الأنبياء الذين جاءوا من ذرية إبراهيم، ووصفه الله تعالى بأمور، أنه كان صديقًا، وأنه كان نبيًّا، وثالثها: قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَانًّا عَلِيًّا ﴾ [مريم: ٥٧]. وفيه قولان: أحدهما: أنه من رفعة المنزلة، كقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ [الشرح: ٤]. فإن الله تعالى شرفه بالنبوة وأنزل عليه ثلاثين صحيفة. الثاني: أن المراد به الرفعة في المكان إلى موضع عال. ثم اختلفوا فقال بعضهم: إن الله رفعه إلى السماء، وإلى الجنة، وهو حي لم يمت. وقال آخرون: بل رفع إلى السماء وقبض روحه. وقيل: إن الله جلّ ذكره جعله في السماء الرابعة قاضيًا، كالملك في وسط ملكه، وجعل خزائن السموات بيده. وقيل: رفع إلى السماء السادسة، واعلم أن الله تعالى إنما مدحه بأن رفعه إلى (٥) وقد جزم البخاري في صحيحه ١٣٥/٤، في كتاب أحاديث الأنبياء بأن إدريس جد نوح أو جد أبيه، فقال: وهو جد أبي نوح، ويقال جد نوح عليهما السلام. ٢٦٦ جَوَسُورَةُ النَّفِيَّ لِلْقُرآن الكَرِيمِ الرضعة السماء؛ لأنه جرت العادة أن لا یرفع إليها إلا من كان عظيم القدر والمنزلة، ولذلك قال في حق الملائكة: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ، لَا يَسْتَكُْونَ [الأنبياء: عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ١٩](١). وفي حديث الإسراء عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه رأى إدريس في السماء الرابعة ليلة المعراج) (٢). إبراهيم عليه السلام. ذکر تعالی أنه خص إبراهيم عليه السلام بالرفعة والاتصال إلى الدرجات العالية الرفيعة. قال تعالى: ﴿وَأَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ [النساء: ١٢٥]. وقال سبحانه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَاَ ءَاتَيْتَهَا إِبْرَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأنعام: ٨٣]. (١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٧٧/٣، تفسير القرآن، السمعاني ٣/ ٣٠٠، تفسير الراغب الأصفهاني ٤/ ٢٢١، معالم التنزيل، البغوي ٢٣٨/٣، المحرر الوجيز، ابن عطية ٤/ ٢١، مفاتيح الغيب، الرازي ٥٥٠/٢١، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١/ ١١٧، محاسن التأويل، القاسمي ٧/ ١٠٤. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم ٣٢٠٧، ١٠٩/٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات، وفرض الصلوات، رقم ١٦٤، ١٥٠/١. فذكر الله تعالى أنه رفعه بالتوحيد الذي هداه إليه وحاج به قومه، قال بعضهم: هي احتجاجه عليهم بقوله سبحانه: ﴿فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ ◌ِلْأَمْنِّ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنعام: ٨١]. وحجته في ذلك أن الذي يعبد الله لا يشرك به شيئًا أحق بالأمن من الذي يعبد الله ويشرك به، وقيل: أراد به الحجج الذي حاج به نمروذ، على ما سبق في سورة البقرة، وعبر بالإیتاء، وذلك يدل على أن إيتاء الله تعالى إبراهيم عليه السلام تلك الحجة من أشرف النعم، ومن أجل مراتب العطايا والمواهب، وبهذا استحق إبراهيم أن يلقى من ربّه هذا التكريم، وأن ينعته هذا النعت العظيم بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ [النحل: ١٢٠ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٢٠]، فهو أمة وحده، ومجتمعه أشبه بفرد واحد إزاء هذه الأمة العظيمة، أو هو الأمة، وقومه لا شيء، إذ كان هو الإنسان الوحيد فيها، الذي يحمل عقل الإنسان وينتفع به، ومن فضل الله على إبراهيم عليه السلام: النبوة والعلم والفهم والملك والإمامة، وجعله عزيزًا في الدنيا، وذلك لأنه تعالى جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من نسله، ومن ذريته وأبقى هذه الكرامة في نسله إلى يوم القيامة، لأن من أعظم أنواع السرور علم المرء بأنه يكون من عقبه الأنبياء www. modoee.com ٢٦٧ حرف الراء والملوك، والمقصود من هذه الآيات تعدید أنواع نعم الله على إبراهيم عليه السلام جزاء على قيامه بالذب عن دلائل التوحيد(١). وقد ذكر بعضهم الإجماع على أن خير البرية بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو إبراهيم الخليل عليه السلام (٢)، فعن أنس بن مالك، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا خير البرية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذاك إبراهيم عليه السلام)(٣). يوسف عليه السلام. خص الله تعالى نبيه يوسف عليه السلام بالرفعة والاتصال إلى الدرجات العالية الرفيعة، بالنبوة والحكم والعلم والفهم والفضيلة والعقل. قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٢١]. وقال جل وعلا: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ءَاتَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢]. (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٥١/١٣، الجامع لأحكام القرآن القرطبي ٧/ ٣٠، التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم يونس ٢٢٨/٤. (٢) انظر: التيسير بشرح الجامع الصغير، المناوي ٥٢٤/١. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل صلى الله علیه وسلم، رقم ٢٣٦٩، ١٨٣٩/٤. وقال جل وعلا: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّ﴾ [يوسف: ٣٧]. قَالَ أَجْعَلْنِى عَلَى وقال سبحانه وتعالى: خَزَآَيْنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥]. وقال عز من قائل: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْتَهُ ﴾ [يوسف: ٦٨]. ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعَيَتِهِمْ قَبْلَ وقال تعالى: وِقَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ أُسْتَخْرَجَهَا مِن ◌ِعَاءِ أَخِيَةٍ كَذَلِكَ كِذْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ اَلْمَلِكِ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَّن نَّشَلَهُ وَفَوْقَ كُلِ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ ) [يوسف: ٧٦]. وقال جلا في علاه: ﴿رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ ﴾ [يوسف: ١٠١]. لقد منّ الله تعالى على نبيه يوسف عليه السلام بكل درجات الرفعة فآتاه الملك والسلطان والعلم والنبوة وتعليم الأحاديث، وهذه الآية تدل على أن العلم أشرف المقامات وأعلى الدرجات، لأنه تعالى لما هدى يوسف إلى هذه الحيلة والفكرة مدحه لأجل ذلك، فقال تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَّن نَشَآءُ﴾، وأيضا وصف إبراهيم عليه السلام بقوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]، عند إيراده ذكر دلائل التوحيد والبراءة عن إلهية الشمس والقمر والكواكب ووصف هاهنا يوسف أيضًا بقوله سبحانه: ٢٦٨ جَوَنُو الْقُرآن الكَرِيمِ الرفعة ﴿نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَّن نَشَاءُ﴾ لما هداه إلى هذه الحيلة، وكم بین المرتبتين من التفاوت(١). رفع عيسى عليه السلام. أخبر الله تعالی نبیه عیسی علیه السلام أنه منجيه من كيد الكافرين المتآمرين على قتله، وأنه سوف يصونه من القتل ويرفعه إليه. قال سبحانه وتعالى: ﴿فَيِّمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِثَايَتِ اَللَّهِ وَقَبْلِهِمُ الْأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا خُلِّفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا وَيَكُفْرِهِمْ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا () وَقَّوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنَا عَظِيمًا () وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَدَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَنْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شَكٍ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عٍِّ إِلَّ انِبَعَ الَّنِّ وَمَا قَدَلُوهُ يَقِينًا » بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ حَكِيمًا ) ◌ِه قَبْلَ مَوْتٌِ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النساء: ١٥٥-١٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اَللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِينَ ﴾ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى إِ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ أَتَبُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ (١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٢٤٢/٥، التفسير الوسيط، الواحدي ٦٢٤/٢، المحرر الوجيز، ابن عطية ٣١٦/٢، مفاتيح الغيب، الرازي ٤٨٩/١٨. بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ عمران: ٥٤ -٥٥]. หัว عيسى عليه السلام آخر أنبياء بني إسرائیل، ولیس بینه وبین النبي محمد صلى الله عليه وسلم نبي آخر، وهو من آل عمران، ومن نسل داود، ولذلك اضطهده اليهود، وآذوه، وحاولوا قتله، دعا الإسرائيليين إلى شريعة موسى عليه السلام وبشر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم للعالمين من بعده، وهو أحد أولي العزم من الرسل، الذين أبلوا بلاء حسناً، وصبروا على ما کذبوا، وأوذوا حتی أتاهم نصر الله المبين، وإن الذي يجب اعتقاده بنص القرآن: أن المسيح عليه السلام لم يقتل ولم یصلب، وأن الله رفعه إليه بروحه وجسده، ولما علم الله أن من الناس من يخطر بباله أن الذي رفعه الله هو روحه لا جسده ذكر هذا الكلام ليدل على أنه عليه الصلاة والسلام رفع بتمامه إلى السماء بروحه وبجسده. إِذْ قَالَ اَللَّهُ يَعِيسَىَّ إِنِ وقوله تعالى: مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ ﴾ [آل عمران: ٥٥]. فيه أربعة أقاويل: أحدها: معناه: إني قابضك برفعك إلى السماء من غير وفاة بموت. والثاني: متوفيك وفاة نوم للرفع إلى السماء. والثالث: متوفيك وفاة بموت. www. modoee.com ٢٦٩ حرف الراء والرابع: أنه من المقدم والمؤخر بمعنى يميته الله تعالى))(٣). رافعك ومتوفیك بعده. وفي قوله تعالى: ﴿وَرَاقِعَإلى﴾، قولان: أحدهما: رافعك إلى السماء. والثاني: معناه رافعك إلى كرامتي(١). قال ابن عطية: ((وأجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من أن عيسى عليه السلام في السماء حي، وأنه ينزل في آخر الزمان فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويقتل الدجال ويفيض العدل ويظهر هذه الملة ملة محمد صلى الله عليه وسلم(٢)، ويحج البيت ويعتمر، ويبقى في الأرض أربعًا وعشرين سنة، وقيل أربعين سنة، ثم (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٧٨/٩، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٤٧، الجواهر الحسان، الثعالبي ٣٢٧/٢، محاسن التأويل، القاسمي ٣٢٤/٢، النكت والعيون، الماوردي ٣٩٧/١، المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٤٤/١، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٣٧/٨، التحرير والتنوير ٦/ ٢٢. (٢) وهو ما أخرجه أبا هريرة رضي الله عنه، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًاً مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد)). أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب قتل الخنزير، رقم ٢٢٢٢، ٨٢/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، رقم ١٥٥، ٠١٣٦/١ وفي هذه الآية دليل على علو الله تعالى واستوائه على عرشه حقيقة، كما دلت على ذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تلقاها أهل السنة بالقبول والإيمان والتسليم، وسينزل عيسى ابن مريم، في آخر هذه الأمة حكمًا عدلًا، يقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويتبع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ويعلم الكاذبون غرورهم وخداعهم، وأنهم مغرورون مخدوعون (٤). رفعة محمد صلى الله عليه وسلم. ٠ أجمعت الأمة على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء. قال تعالى: ﴿يَلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِلُ مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اَللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. قال الزجاج: ((جاء في التفسير أنه أراد محمدًا صلى الله عليه وسلم، لأنه أرسله إلى الناس كافة، وليس شيء من الآيات التي أعطاها الله الأنبياء عليهم السلام إلا والذي أعطى محمدًا صلى الله عليه وسلم أكثر، لأنه قد كلمته الشجرة، وأطعم من كفّ من التمر خلقًا كثيرًا، وأمرّ يده على شاة أم معبد (٣) المحرر الوجيز ٤٤٤/١. (٤) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٣٢٤/٢، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٣٢، ٠٩٦٧ ٢٧٠ جوسين القرآن الكريم الرفعة فدرّت لبنًا كثيرًا بعد الجفاف، ومنها انشقاق وصدق بالجنة والنار و كل شيء، ولم يشهد أن محمداً رسول الله، لم ينتفع بشيء و کان القمر، فذلك قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم))(١). کافرا، ومن عظیم رفع ذكره، أن الله تعالی ذكره في كتب الأنبياء قبله، حتى عرف للأمم الماضية قبل مجيئه، وأمرهم بالبشارة به، ولا دين إلا ودين محمد صلى الله عليه وسلم يظهر عليه (٢). وقوله تعالى: ﴿وَرَفَّعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾﴾ [الشرح: ٤] رفعة ذكر وجلال قدر وشرف وتعظيم ومحبة، رفعة ذکر في الدنيا، ورفعة ذكر في الآخرة، ورفعة في السماء، ورفعة في الأرض، ورفعة النبوة، رفعة لم ينلها أحد من قبل ولا من بعد في هذا الوجود. ورفع الذكر مجاز في إلهام الناس لأن یذکروه بخير، وذلك بإيجاد أسباب تلك السمعة حتى يتحدث بها الناس، واستعير عاليًا لا تناله جميع الأيدي ولا تدوسه الأرجل، فقد فطر الله رسوله صلى الله عليه وسلم على مكارم يعز وجود نوعها ولم يبلغ أحد شأو ما بلغه منها حتى لقب في قومه بالأمین، ومن عظیم رفع ذكره أن اسمه مقترن باسم الله تعالى في كلمة الإسلام وهي كلمة الشهادة، والأذان، والإقامة والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، ويوم عرفة، وعند الجمار، وعلى الصفا والمروة، وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها، ولو أن رجلًا عبد الله جل ثناؤه، (١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٣٤/١. وفيه يقول حسان بن ثابت رضى الله عنه یمدح النبي صلى الله عليه وسلم(٣): أغرّ عليه للنّبوّة خاتمٌ من اللّه مشهودٌ يلوح ويشهد وضمّ الإله اسم النّبيّ مع اسمه إذا قال في الخمس المؤذّن أشهد الرفع لحسن الذكر؛ لأن الرفع جعل الشيء وشقّ له من اسمه ليجلّه فذو العرش محمودٌ وهذا محمّد ٢. رفعة العلماء. إن العلم هو أجل نعم الله على عباده، وهو الذي ترجح به موازين الناس، وترتفع به منازل بعضهم على بعض، وإنه ليكفي العلم قدرًا وجلالًا، أن يرفع الله قدر أهله، وینزلهم منازل رضوانه، بقدر ما حصّلوا من (٢) انظر: تفسير السمرقندي ٥٩٤/٣، الكشف والبيان، الثعلبي ١٠/ ٢٣٣، النكت والعيون، الماوردي ٢٩٧/٦، المحرر الوجيز، ابن عطية ٥/ ٤٩٧، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠٦/٢٠، تفسير المراغي ١٨٩/٣٠، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤١١/٣٠، أضواء البيان، الشنقيطي ٥٧٨/٨. (٣) انظر: ديوان حسان ص ٤٢. www. modoee.com ٢٧١ حرف الراء علم، وما حققوا من إیمان، فيقول سبحانه: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَنِتُّ ءَانَآءَ الَيَّلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ اَلْآَخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُّ إِنَّمَا يَتَذَّكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبِ ( [الزمر: ٩]. وقال تعالى: ﴿يَرْفَعَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْمِنَكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]. وقوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَّن نَّشَآءُ وَفَوْقَ كُلِ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]. وقوله سبحانه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْتَهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهْ نَرْفَعُ دَرَجَتٍ مَن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ اَلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النمل: ١٥]. بل يكفى بأن عطف الله سبحانه وتعالى العلماء على الملائكة، فقال سبحانه: ﴿شَهِدَ الَهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ اَلْمِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]. فهذه كلها درجات العلم والحجة، وإن العلماء هم أرفع درجة بعد الأنبياء، فهم ورثة الأنبياء، وإن العلم يرفع الله به صاحبه فوق العباد درجات، لأن العلم أشرف المقامات، وأعلى الدرجات، خصوصًا العالم العامل المعلم، فإنه يجعله الله إمامًا للناس، ودرجة كل واحد منهم بقدر ما أصلح من نفسه ومن غيره، وبحسب حاله ترمق أفعاله، وتقتفى آثاره، ويستضاء بنوره، ورفعة الدرجات تدل على الفضل إذ المراد به كثرة الثواب، وبها ترتفع الدرجات، ورفعتها تشمل المعنوية في الدنيا بعلو المنزلة وحسن الصيت، والحسية في الآخرة بعلو المنزلة في الجنة. وقيل: في قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّزِدْنِی عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. أي: بالقرآن، وكان كلما نزل شيء من القرآن ازداد به النبي صلى الله عليه وسلم علمًا. وقيل: ما أمر الله رسوله بزيادة الطلب في شيء إلا في العلم، وقد طلب موسى عليه السلام الزيادة فقال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا﴾ [الكهف: ٦٦](١). وفي قوله تعالى: ﴿يَرْفَعَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾ تعميم ثم تخصيص، وتفصيل ذلك: أن الجزاء برفع الدرجات هنا مناسبة للعمل؛ لأن المأمور به تفسيح المجالس كيلا يتنافسوا في القرب من المکان الرفیع حوله صلی الله عليه وسلم فيتضايقوا، وذلك لا يليق بآداب المجلس التي من أولويَّاتها تفادي إزعاج المجالسين وترنیق صفوهم، واجتناب ما یکدّر صفاءهم وينغص بالهم، ولما كان المتمثّل لذلك (١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٣٣/٣، تفسير المراغي ٢٢/١٣، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٦٣. ٢٧٢ القرآن الكريمِ الرفعة الأمر یخفض نفسه عمّا يتنافس فيه من الرفعة امتثالاً وتواضعًا جوزي على تواضعه برفع الدرجات، ثم لما علم سبحانه أن أهل العلم بحيث يستوجبون عند أنفسهم وعند الناس ارتفاع مجالسهم خصهم بالذکر عند الجزاء ليسهل عليهم ترك ما لهم من الرفعة في المجلس تواضعًا لله عز وجل، وفي هذا التخصيص إلماع إلى فضل العلم. وقيل: إنه تعالی خص أهل العلم ليسهل عليهم ترك ما عرفوا بالحرص عليه من رفعة المجالس وحبهم للتصدير، وهذا من مغيبات القرآن لما ظهر من هؤلاء في سائر الأعصار من التنافس في ذلك (١). وفي الآيات دليل على شرف العلم وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم، وأجزل القسم، وأن من أوتیه فقد أوتی فضلًا علی کثیر من عباد الله، وما سماهم رسول الله صلی الله علیه وسلم (ورثة الأنبياء)، إلا المداناتهم لهم في الشرف والمنزلة، لأنهم القوام بما بعثوا من أجله، وفيها تحريض للعلماء على أن يحمدوا الله على ما آتاهم من فضله، وأن يتواضعوا ويعتقدوا أن من عباد الله من يفضلهم فيه، وفيها التحريض على طلب العلم(٢). (١) انظر: حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي ٨/ ١٧٠، تفسير المراغي ١٧/٢٨، روح المعاني، الألوسي ١٤/ ٢٢٣. (٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٥٣/٣، مدارك وقد وردت أحاديث كثيرة تبين فضل العلم ومنها: وعن قيس بن كثير قال: (قدم رجل من المدينة على أبي الدرداء، وهو بدمشق، فقال: ما أقدمك يا أخي؟ قال: حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما جئت لحاجة غيره، قال: لا، قال: أما قدمت في تجارة؟ قال: لا، قال: ما جئت إلا في طلب هذا الحديث، قال: نعم، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة تضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد، كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورّثوا العلم، من أخذه فقد أخذ بحظ وافر)(٣). التنزيل، النسفي ٥٩٥/٢، تفسير المراغي ١٢٧/١٩. (٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، رقم ٣٦٤١، ٣١٧/٣، وابن ماجه في سننه، كتاب الإيمان وفضائل الصحابة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، رقم ١،٢٢٣ /٨١. وصححه الألباني في صحيح الجامع ١٠٧٩/٢. www. modoee.com ٢٧٣ حرف الراء وعن أبي أمامة الباهلي، قال: ذکر لرسول الله صلی الله عليه وسلم رجلان أحدهما عابد والآخر عالم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم)(١). ٣. رفعة المؤمنين. ذكر الله تعالى علو درجات المؤمنين وارتفاع شأنهم ورفعة قدرهم ومکانھم، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرٌ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَنْتُهُ زَادَتْهُمْ اٌلَّذِينَ إِيَمَنًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ ® يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّا لَُّمْ دَرَجَدتُ ٣ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ ))﴾ [الأنفال: ٢- ٤]. وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَيْفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥]. وقال جل وعلا: ﴿وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ فَأُوْلَكَ لَهُمُ الذَّرَحَتُ الْعُلَى ﴾ [طه: ٧٥]. (١) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، رقم ٠٥٠/٥،٢٦٨٥ قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ١٩/١. وقال جل وعلا: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ دَرَحَتٍّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]. وقد أشار إلى هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَلَلْأَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١]. وقوله جل وعلا: ﴿وَلِكُلِّ دَرَجَتٌ مِمَا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِفَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [الأنعام: ١٣٢] ونحو ذلك من الآيات. ١٣٢ يخبر الله تعالى أن أهل الإيمان هم الذين لهم الرفعة في الدنيا والآخرة، وذلك بطاعتهم لله ورسوله واتباع أوامره، ومن سواهم فإنهم موضوعون بحسب بعدهم عن الإيمان، وكم من إنسان في الدنيا رفيع الجاه، معظَّمٌ عند الناس يكون يوم القيامة من أحقر عباد الله، وكلما ازداد الإيمان كلما ارتفعت درجة المؤمن، فكانت له الدرجات العلا بالنصر وحسن الذكر في الدنيا، والإيواء الى غرف الجنان في الآخرة، وتنکیر درجات للإشارة إلى أنواعها من درجات الدنيا ودرجات الآخرة، والدرجات مستعارة للكرامة؛ فإن الرفع في الآية رفعًا مجازي، وهو التفضيل والكرامة، وجيء للاستعارة بترشيحها بکون الرفع درجات، وهو أفضل ما اشتغل بعلمه إنسان، كما في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي العمل أفضل؟ فقال صلی الله عليه وسلم: (إيمان جَوَسُور القرآن الكريم ٢٧٤