النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الرَّحُ عناصر الموضوع مفهوم الرحم ٧٤ الرّحم في الاستعمال القرآني ٧٥ الألفاظ ذات الصلة ٧٦ مكانة الرحم ٧٨ أنواع الرحم ٨٢ حقوق الرحم ٩١ قطيعة الرحم وعاقبته ١٠٥ ١٠٩ حقوق الرحم من غير المسلمين المُجَلَّدَ السّادسْ عَشِر حرف الراء مفهوم الرحم أولًا: المعنى اللغوي: قال ابن فارس: «(رحم) الراء والحاء والميم أصل واحد يدل على الرقة والعطف والرأفة، يقال من ذلك: رحمه يرحمه، إذا رق له، وتعطف عليه، والرحم والمرحمة والرحمة بمعنى، والرحم: علاقة القرابة، ثم سميت رحم الأنثى رحمًا من هذا؛ لأن منها ما يكون ما يرحم، ويرق له من ولد))(١). وقال ابن سيده: ((الرحم أسباب القرابة، وأصلها الرحم التي هي منبت الولد))(٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: قال الأزهري: ((الرحم: القرابة تجمع بني أب وبينهما رحم))(٣). وقال القرطبي: ((الرحم: اسم لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره)) (٤). وعرف ابن حجر العسقلاني الرحم بقوله: ((يطلق على الأقارب، وهم من بينه وبين الآخر نسب، سواءً كان يرثه أم لا، سواءً كان ذا محرم أم لا))(٥). وعرفها الشوكاني بقوله: ((الرحم: اسم لجميع الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره، لا خلاف في هذا بين أهل الشرع، ولا بين أهل اللغة)) (٦). فالأرحام: هم الذين يجتمعون مع المرء في النسب، سواءً أكان قريبًا أم بعيدًا، وسواء أكانوا محارم أم غير محارم، ويدخل ضمنهم من يرتبط مع المرء بصلة المصاهرة أو الرضاع (٧). (١) مقاييس اللغة ٤٩٨/٢. (٢) المحكم والمحيط الأعظم ٣٣٨/٣. (٣) تهذيب اللغة ٣٤/٥. (٤) الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٧. (٥) فتح الباري ٤١٤/١٠. (٦) فتح القدير ١ / ٤٨١. (٧) انظر: ذوو القربى والأرحام في ضوء القرآن الكريم، مها سكيك ص٧. ٧٤ القرآن الكريمِ الرحمى الرّحم في الاستعمال القرآني وردت مادة (رحم) بمعنى الرحم في القرآن الكريم (١٢) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال جمع تكسير ١٢ ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ الَّذِى تَسَلَّهُ لُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَامَ ﴾ [النساء: ١] وجاءت الرحم في القرآن على وجهين (٢): الأول: القرابة: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَكَ مِنْكُوّ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، يعني: القرابات؛ لأنهم يجمعهم رحم واحد. الثاني: رحم المرأة: قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِ أَزْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] يعني: الوليد في الرحم. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٣٠٩. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٢٤٤، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي ٢/ ٨١. www. modoee.com ٧٥ حرف الراء الألفاظ ذات الصلة القرابة: ١ القرابة لغة: خلاف البعد (١)، قال ابن فارس: ((يقال: قرب يقرب قربًا، وفلان ذو قرابتي، وهو من يقرب منك رحمًا»(٢). القرابة اصطلاحًا: العلاقة بين الأرحام بسبب النسب أو المصاهرة أو الرضاع (٣). الصلة بين الرحم والقرابة: إن القرابة والرحم بمعنى واحد، بحيث يطلق كل منهما على العلاقة بين الأرحام بسبب النسب أو المصاهرة أو الرضاع، إلا أن في لفظة الأرحام معنى الحث والترغيب واستجاشة المشاعر في صلة الرحم. النسب: ٢ النسب لغة: القرابات، يقال: فلان نسيبي، ورجل نسيب حسيب: ذو حسب ونسب، والنسبة مصدر الانتساب، والنّابة: الرجل العالم بالأنساب، ونسبت فلانًا إلى أبيه: إذا رفعت في نسبه إلى جده الأكبر (٤). النسب اصطلاحًا: القرابة الموروثة التي لا يد للإنسان فيها (٥). الصلة بين الرحم والنسب: إن النسب هي أصل الرحم والقرابة، ومنها تأتي القرابة بسبب الزواج والرضاع. (١) انظر: المغرب في ترتيب المعرب الخوارزمي ص٣٧٦. (٢) مقاييس اللغة ٨٠/٥. (٣) انظر: القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ص ٢٩٨. (٤) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٣ / ١٢. (٥) انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعجي وحامد قنيبي ص٤٧٨. ٧٦ جوية الْقُرْآن الكَرِيمِ الرحمى الصهر: ٣ الصهر لغة: القرابة (١)، قال ابن فارس: (((صهر) الصاد والهاء والراء أصلان: أحدهما يدل على قربى، والآخر على إذابة شيء، فالأول الصهر، وهو الختن، قال الخليل: لا يقال لأهل بيت الرجل إلا أختان، ولا لأهل بيت المرأة إلا أصهار، ومن العرب من يجعلهم أصهارًا كلهم، قال ابن الأعرابي: الإصهار: التحرم بجوار أو نسب أو تزوج))(٢). الصھر اصطلاحًا: القرابة بالزواج (٣)، أي: ما يحل لك نكاحه من القرابة، وغير القرابة (٤). الصلة بين الرحم والصهر: أن الصهر سبب من أسباب الرحم والقرابة الحاصلة بسبب الزواج. (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤ /٤٧١، تاج العروس، الزبيدي ٣٦٧/١٢. (٢) مقاييس اللغة ٣١٥/٣. (٣) انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعجي وحامد قنيبي ص ٢٧٧. (٤) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ١٣٥. www. modoee.com ٧٧ حرف الراء مكانة الرحم إن الرحم لها مكانتها العظيمة ومنزلتها الرفيعة، فقد أكد الإسلام على اعتبارها والاهتمام بها واعتنى بتوثيق الأواصر بين الأرحام والأقارب، ووجهها الوجهة الصحيحة بعيدًا عن العصبية القبلية، وبعيدًا عن مجرد الافتخار بمآثر الآباء والأجداد، وأضفى على صلة القرابة طابعًا دينيًا، وجعلها متصلة بالعبادات بحيث يثاب المسلم على الإحسان للأقارب، ويتقرب إلى الله بصلة الأرحام (١). وقد حظيت القرابة بمكانة خاصة عند العرب سواءً في الجاهلية أو الإسلام، فقد كان أهل الجاهلية يتمسكون بوشائج القرابة، ويوقرون الرحم، ويعتزون بالأنساب، ذلك أن النظام القبلي الذي كان معمولا به في الجاهلية يعتمد في أساسه على رابطة النسب، وكانت العصبية القبلية تدفعهم للتناصر والتعاضد مع أقربائهم، والدفاع عنهم في الحق والباطل. وقد صحح الإسلام كثيرًا من المفاهيم المتعلقة بالرحم والقرابة، وحدد ضوابط العلاقات بين الأرحام وذوي القربى، فكان منهج الإسلام في التعامل مع الأقارب هو السبيل الأمثل لإقامة المجتمع القوي (١) انظر: ذوو القربى والأرحام في ضوء القرآن الکریم، مها سکیك ص٣٤. المتماسك. وبالرغم من تلك المكانة التي تميزت بها القرابة في الجاهلية إلا أنها كانت تقوم على أسس فاسدة أحيانًا، وكانت هناك جوانب سلبية عديدة في التعامل مع ذوي القربى والأرحام، وذلك مرجعه إلى أن النظام الجاهلي لم يكن مرتبطًا بمنهج صحيح و قویم. واكتسبت العلاقة بين الأرحام قدسيتها بما حباها الله عز وجل من تعظیم وتکریم، حيث إن الله قد اشتق اسم الرحم من اسمه الرحمن، فأضفى هذا الاسم عليها القداسة والمهابة (٢)، وذلك فيما رواه عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلی الله عليه وسلم يقول: (قال الله: أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته)(٣). فقد أراد الله تعالى أن تتميز العلاقة بين الأرحام وذوي القربى، فأنزل الرحم منزلةً عظيمةً باشتقاق اسمها من اسمه، وبين (٢) انظر: المصدر السابق. (٣) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٦٥٩، ١٩٨/٣، والترمذي في سننه، أبواب البر والصلة عن رسول الله صلی الله عليه وسلم، باب ما جاء في قطيعة الرحم، رقم ١٩٠٧، ٤/ ٣١٥. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٤٣١٤، ٠٧٩٥/٢ ٧٨ جَوَسُولَرَ النَّفْسَيد القرآن الكريم الحمى ثواب من يصل رحمه، وعقاب من يقطعها، فمن وصلها وصله الله برحمته وعطفه والإحسان إليه، ومن قطعها قطع الله عنه رحمته وفضله، وإحسانه (١). ولقد بلغ من قدسية الرحم ومكانتها العالية أن الله جعلها معلقةً بالعرش تدعو الله تعالى أن يصل من يصلها، ويقطع من قطعها، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله)(٢). قال النووي: ((والمراد تعظيم شأنها وفضيلة واصليها، وعظيم إثم قاطعيها بعقوقهم؛ لهذا سمي العقوق قطعًا، والعق الشق، كأنه قطع ذلك السبب المتصل، والعائذ: المستعيذ، وهو المعتصم بالشيء، الملتجئ إليه، المستجير به، قال العلماء وحقيقة الصلة: العطف والرحمة، فصلة الله سبحانه وتعالى عبارة عن: لطفه بهم ورحمته إياهم، وعطفه بإحسانه ونعمه، أو صلتهم بأهل ملكوته الأعلى، وشرح صدورهم لمعرفته وطاعته، قال القاضي عياض: ولا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة، (١) انظر: ذوو القربى والأرحام في ضوء القرآن الكريم، مها سكيك ص٣٤. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، رقم ٤،٢٥٥٥ / ٠١٩٨١ وقطيعتها معصية كبيرة)) (٣). كما تعاظمت مكانة الرحم لما قرن الله تقواه بتقوى الرحم في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُم مِّن نَّفْسٍ وَجِدَةٍ وَخَلَقَّ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَفَاءٌ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَلَّمَ لُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ٥﴾ [النساء: ١]. والمعنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها (٤). قال ابن العربي: ((المعنى: اتقوا الله أن تعصوه، واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقد اتفقت الملة على أن صلة ذوي الأرحام واجبة، وأن قطيعتها محرمة»(٥). ﴿وَالْأَرْحَمَ﴾ فقرأ حمزة بخفض الميم، وقرأ الباقون بنصبها (٦)، ومعناه: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقرئ بكسر الميم فهو كقولك: سألتك بالله وبالرحم وناشدتك بالله وبالرحم؛ لأن العرب كان من عادتهم أن يقولوا ذلك، والرحم القرابة، وإنما استعير اسم الرحم للقرابة؛ لأنهم خرجوا من رحم واحدة، وقيل هو مشتق من الرحمة؛ لأن القرابة يتراحمون ويعطف بعضهم على بعض، وفي الآية دليل على (٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٦ / ١١٢. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٧/ ٥٢٣. (٥) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ١/ ٤٠١. (٦) انظر: الحجة في القراءات السبع، ابن خالويه ص١١٨، معاني القراءات، الأزهري ١/ ٢٩٠، تحبير التيسير في القراءات العشر، ابن الجزري ص٣٣٤. www. modoee.com ٧٩ حرف الراء تعظيم حق الرحم والنهي عن قطعها (١). ولم تقتصر العناية بالرحم في الإسلام على الوصية بها فقط، بل قد بين القرآن أن الإحسان إلى الأقارب والأرحام مما أخذ الله عليه العهد والميثاق على القيام به في الشرائع السابقة: ﴿وَإِذْأَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَّهِ يَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ ثُمَّ تَوَلَيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنِكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٨٣]. وقد نالت الرحم حظها من النصوص الشرعية التي تبين مكانتها، وعظيم الاهتمام بها، والترغيب في وصلها، والترهيب من قطعها، وبین العلماء أحکامها بما یکفل لهذه الرحم أن تكون سببًا للعلاقة بين الأقارب. فقد أمر الله بالإحسان إلى ذوي القربى بعد الوالدين، ويشمل ذلك جميع الأقارب، قربوا أو بعدوا، بأن يحسن إليهم بالقول والفعل، وأن لا يقطع برحمه بقوله أو فعله. قال تعالى: ﴿﴿ وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَلِكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنَِّ وَأَبْنِ اُلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًاً فَخُورًا (٦)﴾ [ النساء: (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ١/ ٣٣٧. ٣٦] (٢) . وإنما أمر بالإحسان إلى ذي القربى استبقاءً لأواصر الود بين الأقارب، إذ كان العرب في الجاهلية قد حرفوا حقوق القرابة فجعلوها سبب تنافس وتحاسد وتقاتل(٣). وقد ربط الاسلام صلة الرحم بدوافع نفسية يسعى إليها كل إنسان من التأخير في أجله، والتوسعة في رزقه تظهر ثمرتها في حياته، كما ورد في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (من سره أن يبسط له في رزقه، أو ينسأله في أثره، فليصل رحمه) (٤). وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من قطيعة الرحم؛ لأنها سبب لقطع من لم يقم بوصلها بها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك (٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج٢/ ٥٠، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٧٨. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥/ ٤٩. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب من أحب البسط في الرزق، رقم ٢٠٦٧، ٥٦/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، رقم ٢٥٥٧، ١٩٨٢/٤. ٨٠ جوسين القرآن الكريم الرحمى لك، ثم قال رسول الله صلی الله علیه وسلم: اقرءوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ أُوْلَيْكَ اَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَرَهُمْ ﴾ [محمد: ٢٢-٢٣])(١). والقطع من الله: كناية عن حرمان الإحسان، والوصل من الله تعالى كناية عن عظيم إحسانه(٢)، كما قال النووي: ((قال العلماء: وحقيقة الصلة العطف والرحمة، فصلة الله سبحانه وتعالى عبارة عن لطفه بهم، ورحمته إياهم، وعطفه بإحسانه ونعمه، أو صلتهم بأهل ملكوته الأعلى، وشرح صدورهم لمعرفته وطاعته»(٣)، بل قد يكون القطع حقيقةً بأن يقطع الله من عمره ورزقه، كما أن في الوصل زيادة في العمر والرزق. وقد رتب النبي صلی الله عليه وسلم الحرمان من دخول الجنة لقاطع الرحم فقد روی محمد بن جییر بن مطعم، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لا يدخل الجنة قاطع) قال ابن أبي عمر: قال سفيان: (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (وتقطعوا أرحامكم)، رقم ٤٨٣٠، ١٣٤/٦، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، رقم ٢٥٥٤، ٤ /١٩٨٠. (٢) شرح صحيح البخاري، ابن بطال ٢٠٥/٩، عمدة القاري، العيني ٢٢/ ٩٣. (٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٠١١٢/١٦ یعني قاطع رحم(٤). وتظهر مكانة الرحم وأهميتها والعناية بها من خلال بيان الحقوق والواجبات والأحكام المتعلقة بها كما سيأتي. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب إثم القاطع، رقم ٥٩٨٤، ٥/٨، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، رقم ١٩٨١/٤،٢٥٥٦. www. modoee.com ٨١ حرف الراء أنواع الرحم إن الرحم في القرآن الكريم تتنوع إلى نوعين رئيسين: رحم عامة، وهي: رابطة الدين بين المسلمين، ورحم خاصة تتمثل في: رابطة القرابة بأحد أسبابها، وهي: النسب والمصاهرة والرضاع، وبيان ذلك في النقاط الآتية: أولًا: رحم عامة: إن رابطة الدين من أعظم الروابط بين المسلمين، وهذه الرابطة تتعدى رابطة النسب واللون واللغة والوطن، فإذا كان بين الناس قرابة النسب والصهر، فإن بين المؤمنين قرابة الإيمان، فهي أوثق من قرابة النسب والصهر، وحسب المؤمنين أن الله وصف ما بينهم من مودة ورحمة بأنهم إخوة. قال تعالى: ﴿إِنََّا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) [الحجرات: ١٠]. قال القرطبي: ((قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اٌلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، أي: في الدين والحرمة لا في النسب، ولهذا قيل: أخوة الدين أثبت من أخوة النسب، فإن أخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين، وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب)»(١). وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم (١) الجامع لأحكام القرآن ٣٢٢/١٦. المؤمنين بأن يكونوا إخوانًا في تعاملاتهم وحياتهم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلی الله علیه وسلم قال: (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، و کونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)(٢). ومعنى (كونوا عباد الله إخوانًا) أي: تعاملوا وتعاشروا معاملة الإخوة في المودة والرفق والشفقة والملاطفة والتعاون في الخير ونحو ذلك مع صفاء القلوب والنصيحة بكل حال (٣). وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته)(٤). وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب ما ینهى عن التحاسد والتدابر، رقم ٦٠٦٤، ١٩/٨، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن التحاسد والتباغض والتدابر، رقم٢٥٥٨، ١٩٨٣/٤. (٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٠١١٦/١٦ (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم والغصب، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، رقم ١٢٨/٣،٢٤٤٢. ٨٢ لِلْقُرْآن الكَرِيمِ الرحمى تدابروا، ولا یبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا یظلمه ولا یخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا) ويشير إلى صدره ثلاث مرات (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه)(١). والمراد بذلك: أخوة الإسلام لا أخوة النسب، فأخوة الإسلام توجب على المسلم حماية أخيه المسلم، والدفاع عنه، ونصرته، ومواساته، والإحسان إليه(٢). قال ابن عاشور: ((وجيء بصيغة القصر ﴿إِنَّمَا ◌ٌلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ المفيدة لحصر حالهم في حال الإخوة مبالغةً في تقرير هذا الحکم بین المسلمین، فهو قصر ادعائي، أو هو قصر إضافي للرد على أصحاب الحالة المفروضة، الذين يبغون على غيرهم من المؤمنين، وأخبر عنهم بأنهم إخوة مجازًا على وجه التشبيه البليغ زيادةً لتقرير معنى الأخوة بينهم، حتی لا یحق أن یقرن بحرف التشبيه المشعر بضعف صفتهم عن حقيقة الأخوة، وهذه الآية فيها دلالة قویة علی تقرر (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم، وخذله، واحتقاره ودمه، وعرضه، وماله، رقم ٢٥٦٤، ١٩٨٦/٤. (٢) انظر: شرح صحيح البخارى، ابن بطال ٣٠٨/٨. وجوب الأخوة بين المسلمين؛ لأن شأن (إنما) أن تجيء لخبر لا يجهله المخاطب ولا یدفع صحته»(٣). وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم" حال المؤمنين في الرحم العامة التي بينهم في الحديث الذي رواه النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)(٤). قال سيد قطب: «هذا المجتمع المتواد المتحاب المترابط المتضامن المتكافل المتناسق. هذا المجتمع الذي حققه الإسلام مرةً في أرقی وأصفی صوره، ثم ظل يحققه في صور شتى على توالي الحقب، تختلف درجة صفائه، ولكنه يظل في جملته خيرًا من كل مجتمع آخر صاغته الجاهلية في الماضي والحاضر، وكل مجتمع لوثته هذه الجاهلية بتصوراتها ونظمها الأرضية! هذا المجتمع الذي تربطه آصرة واحدة - آصرة العقيدة- حيث تذوب فيها الأجناس والأوطان، واللغات والألوان، وسائر هذه الأواصر العرضية التي لا علاقة لها بجوهر (٣) التحرير والتنوير ٢٤٣/٢٦. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، رقم ٢٥٨٦، ٤ /١٩٩٩. www. modoee.com ٨٣ حرف الراء الإنسان))(١). إن رابطة الأخوة التي تجمع المؤمنين من أقوى الروابط؛ لأنها انبثقت من العقيدة الراسخة؛ لذا فهي لا تتأثر بما قد يطرأ على العلاقات الدنيوية من وهن وضعف؛ لأنها أخوة قوية أساسها الإيمان بالله تعالى، وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وميزانها التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالصبر، والتواصي بالحق (٢). والحديث عن القرابة الإيمانية ضمن أنواع القرابة ليس حديثاً بعيدا عن السياق، وإنما هو متمم لأنواع القرابة، فإن اجتمع ذوو القربى في النسب، وتقارب الأصهار بالزواج، وانضم أقارب الرضاع إلى دائرة القرابة بخمس رضعات؛ فإن المؤمنين یجمعهم نسب واحد، وهو الإيمان، وأب واحد هو الإسلام، وتقاربت أرواحهم في الله، وانضموا إلى البيت الإيماني لما ارتضعوا من نبع الأخوة في الله(٣). والأخوة الإسلامية من نعم الله تعالی، وهي كفيلة بإزالة العداوات والثارات والصراع بين القبائل والمجتمعات والدول، كما قال تعالى في الأوس والخزرج: ◌ٍ وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَغَرَّقُواْ (١) في ظلال القرآن ٢٠٩/١. (٢) ذوو القربى والأرحام في ضوء القرآن الكريم، مها سكيك ص ١٠١ . (٣) المصدر السابق. وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَنَا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنَقَذَّكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اُللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ نَّهْتَدُونَ (٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣]. فقد ذكرهم الله بعظيم النعمة عليهم في الإسلام؛ لأنهم كانوا في جاهليتهم يقتل بعضهم بعضًا، ويستبيح كل غالب منهم من غلبه، فحظر عليهم الإسلام الأنفس والأموال إلا بحقها، فعرفهم الله عز وجل ما لهم من الحظ في العاجل في الدخول في الإسلام. وهذه نزلت في الأوس والخزرج (٤)؛ لأنهم كانت بينهم في الجاهلية حروب دائمة قد أتت عليها السنون الكثيرة، فأزال الإسلام تلك الحروب وصاروا إخوانًا في الإسلام متوادين على ذلك، وأصل الأخ في اللغة: أن الأخ مقصده مقصد أخيه، وكذلك هوی الصداقة تكون إرادة بینهم، فكل واحد من الأخوین یکون موافقًا لما یرید صاحبه، والعرب تقول: فلان يتوخى مسار فلان، أي: يقصد ما يسره (٥). وقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ. (٤) انظر: أسباب النزول، الواحدي ص ١٢١، العجاب في بيان الأسباب، ابن حجر العسقلاني ٢/ ٧٢٧. (٥) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١ / ٤٥٠. ٨٤ القُرآن الكَرِيْمِ الحمى إِخْوَنَا﴾ فهذا السياق في شأن الأوس ١٠٣]. والخزرج، فإنه قد كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة وضغائن وإحن وأحقاد، طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام، فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانًا متحابين بجلال الله، متواصلین في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٢)، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمَّ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّغْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمَّ إِنَّهُ, عَزِيزٌ ﴾ [الأنفال: ٦٢-٦٣](١). حَكِيمُ ) وعلى ركيزة الأخوة العامة بنيت المجتمعات الإسلامية والدول، قال سيد قطب: ((ركيزتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة، وتؤدي بهما دورها الشاق العظيم، فإذا انهارت واحدة منهما لم تكن هناك جماعة مسلمة، ولم یکن هنالك دور لها تؤديه: ركيزة الإيمان والتقوى أولًا، الركيزة الثانية فهي ركيزة الأخوة، الأخوة في الله، على منهج الله، لتحقيق منهج الله: وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ، إِخْوَنَا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اَللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ()﴾ [آل عمران: (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٧٧. فهي أخوة إذن تنبثق من التقوى والإسلام .. من الركيزة الأولى .. أساسها الاعتصام بحبل الله -أي: عهده ونهجه ودينه- وليست مجرد تجمع على أي تصور آخر، ولا على أي هدف آخر، ولا بواسطة حبل آخر من حبال الجاهلية الكثيرة! ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بَحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَغَرَّقُواْ﴾. هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله بها على الجماعة المسلمة الأولى. وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائمًا، وهو هنا يذكرهم هذه النعمة. یذکرهم كيف كانوا في الجاهلية أعداءً، وما كان أعدى من الأوس والخزرج في المدينة أحد. وهما الحيان العربيان في يثرب. یجاورهما الیهود الذین کانوا یوقدون حول هذه العداوة، وينفخون في نارها حتى تأكل روابط الحيين جميعًا. ومن ثم تجد يهود مجالها الصالح الذي لا تعمل إلا فيه، ولا تعيش إلا معه. فألف الله بين قلوب الحيين من العرب بالإسلام، وما كان إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة، وما کان إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع، فيصبحون بنعمة الله إخوانًا))(٢). وبهذا يتضح أن للقرابة الإيمانية شأن عظيم في تقوية أركان المجتمع المسلم، (٢) في ظلال القرآن ١ / ٤٤٢. www. modoee.com ٨٥ حرف الراء ولها تأثير بالغ في اتحاد المسلمين وتآلفهم، فلو عايش المسلمون معاني هذه الأخوة التي أوجبتها هذه القرابة وطبقوها واقعًا عمليًا في حياتهم؛ لما أصاب مجتمعاتهم من الضعف؛ ولما تجرأ عليهم الأعداء، وتكالبت عليهم الأمم. ولكن المسلمين هانوا في أعين أعدائهم يوم ضعفت أواصر الأخوة والمحبة بينهم، فلا سبيل للعزة والنصرة إلا إذا رجع المسلمون إلی تطبیق مبادی دینهم وقاموا بأداء ما عليهم من واجبات تجاه إخوانهم المسلمين وأمدوهم بالمعونة والنصرة والمؤازرة (١). ثانيًا: الرحم الخاصة: أما الرحم الخاصة بين الأرحام والأقارب فهي في القرآن الكريم على ثلاثة أنواع: ١. قرابة النسب. إن قرابة النسب من أهم أنواع القرابة، فتعریف الشخص في المجتمع لا يكون إلا من خلال انتسابه إلى أبيه وجده وعائلته؛ لذا كان اعتناء العرب قديمًا وحديثًا بأصالة النسب وعراقته كونهم يتعارفون به بين الناس (٢). وقد ذكر الله قرابة النسب في قوله تعالى: (١) انظر: ذوو القربى والأرحام في ضوء القرآن الكريم، مها سكيك ص ١٠٤. (٢) المصدر السابق ص ١٠٤. ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَِّ بَشَرَا فَجَعَلَهُ، فَسَبًّا وَصِهْرَأْ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ﴾ [الفرقان: ٥٤]. وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُمْ مِّن ذَكَرٍ وَأَنَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَ فُواْ إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَاللَّهِأَنْقَنَّكُمْ إِنَّ الَّهُ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )﴾ [الحجرات: ١٣]. ويترتب على قرابة النسب الكثير من الأحكام، والتي منها تحريم النكاح، كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُكَّهَتُّكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَلَّتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأَتَهَتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. وسيأتي المزيد من الأحكام في مبحث حقوق القرابة بكل أنواعها. وقد حث النبي صلی الله عليه وسلم؟ على تعلم الأنساب من أجل صلة الرحم، كما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلی الله علیه وسلم قال: (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر)، ومعنى قوله: (منسأة في الأثر)، يعني: زيادة في العمر (٣). (٣) أخرجه أحمد في مسنده ، رقم ٨٨٦٨، ١٤/ ٤٥٦، والترمذي في سننه، أبواب البر والصلة عن رسول الله صلی الله علیه وسلم، باب ما جاء في تعليم النسب، رقم ١٩٧٩، ٣٥١/٤. وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم ١،٢٩٦٥/ ٥٧٠. ٨٦ جوببية القرآن الكريم الرحمى ٢. قرابة المصاهرة. إن قرابة المصاهرة ثاني أنواع القرابة، ولا تقل أهمية عن قرابة النسب، فقد قرنها الله تعالى بها قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَّ بَشَرَا فَجَعَلَهُ نَسَبًّا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان: ٥٤]. والصهر من يحل نكاحه من القرابة وغير القرابة، وأصل الصهر الاختلاط، فسميت المناكح صهرًا لاختلاط الناس بها(١). وقرابة المصاهرة هي: القرابة الحاصلة بسبب الزواج، وبالزواج تتقارب عائلتان لم يكن بينهما من قبل صلة، فتتعارفان وتتآلفان وتنشأ بينهما قرابة الصهر التي تعتبر هي أساس القرابة؛ حيث ينشأ من العلاقة الزوجية الأبناء الذين ينضمون إلى نسب الأب ويلتحقون بسلسلة قرابة النسب(٢). قال تعالى: ﴿ وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةٌ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الَِّبَتِ أَفَبِالْبَطِلٍ يُؤْمِنُونَ :[النحل: ٧٢]. وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ () ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُتْآَزوجًا﴾، أي: من جنسكم أزواجًا، جعل لكم من أزواجكم بنين وبنات وحفدةً، وهم أولاد البنين تزوجونهم؛ فيحصل لكم بسببهم الأختان (١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١٥١/٤. (٢) ذوو القربى والأرحام في ضوء القرآن الكريم، مها سکیك ص ٩٦. والأصهار (٣). قال ابن كثير: ((يذكر تعالى نعمه على عبيده بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجًا من جنسهم وشكلهم، ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة، ولكن من رحمته خلق من بني آدم ذكورًا وإناثًا، وجعل الإناث أزواجًا للذكور، ثم ذكر تعالى أنه جعل من الأزواج البنين والحفدة وهم أولاد البنين)» (٤). وقال السعدي: ((يخبر تعالى عن منته العظیمة على عباده، حیث جعل لهم أزواجًا ليسكنوا إليها، وجعل لهم من أزواجهم أولادًا تقر بهم أعينهم ويخدمونهم، ويقضون حوائجهم، وينتفعون بهم من وجوه كثيرة، ورزقهم من الطيبات من جميع المآكل والمشارب، والنعم الظاهرة التي لا يقدر العباد أن يحصوها))(٥). والقرابة بالمصاهرة يحرم بها نكاح سبعة من المحرمات، ستة منها في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَنتُكُمُ الَّتِىَ أَرْضَعْنَّكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ مِنَ الرَّضَعَةِ وَأُمَهَنتُ نِسَآَيِكُمْ وَرَبِيِبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُم مِّنِ يِّسَابِكُمُ الَّتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَبِلُ أَبنَّابِكُمُ (٣) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ١٨٨/٣. (٤) تفسير القرآن العظيم ٥٠٣/٤ (٥) تيسير الكريم الرحمن ص ٤٤٤. www. modoee.com ٨٧ حرف الراء الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ [النساء: ٢٣]. والسابعة في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَآؤُكُمْ مِنَ النِّسَآءِ إِلَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ، كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا ﴾ [النساء: ٢٢](١). ٣. قرابة الرضاع. وقرابة الرضاع هي ثالث أنواع القرابة، ولها من الأهمية ما لقرابة النسب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلی الله عليه وسلم في بنت حمزة رضي الله عنه عندما عرض علیه نكاحها: (لا تحل لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، هي بنت أخي من الرضاعة)(٢)، ويترتب على الرضاع بعض الأحكام مثل: تحريم النكاح. فيحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وذلك بالنظر إلى أقارب المرضع؛ لأنهم أقارب للرضيع، وأما أقارب الرضيع فلا قرابة بينهم وبين المرضع، والمحرمات من الرضاع سبع: الأم والأخت بنص القرآن، (١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٣٤٣/٣. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب، والرضاع، رقم ٢٦٤٥، ٣ /١٧٠. والبنت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت؛ لأن هؤلاء يحرمن من النسب، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُكَّهَتُّكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَلَّتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ وَأُمَّهَتُ نِسَآپِكُمْ وَرَبیبُكُمُ الَّتِي فِ حُجُورِكُم مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهَِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَبِلُ أَبْنَا بِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾﴾ [النساء: ٢٣] (٣). ولما رواه ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم في بنت حمزة: (لا تحل لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، هي بنت أخي من الرضاعة)(٤). ثبوت المحرمية التي تبيح النظر. تبيح الرضاعة ما تبيحه الولادة من حيث انتشار الحرمة بين الرضيع وأولاد المرضعة وتنزيلهم منزلة الأقارب في جواز النظر (٣) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ١٥٧/٢، أحكام القرآن، ابن العربي ٤٧٩/١، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١٧/٢. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب، والرضاع، رقم ٢٦٤٥، ١٧٠/٣. ٨٨ الْقُرْآن الكَرِيمِ الرحمى والخلوة والمسافرة؛ لما روته عمرة بنت الأحاديث، وأما الرجل المنسوب ذلك اللبن إليه لكونه زوج المرأة أو وطئها بملك أو شبهة فمذهبنا ومذهب العلماء کافةً ثبوت حرمة الرضاع بينه وبين الرضيع ويصير ولدًا عبدالرحمن، أن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلی الله عليه وسلم، أخبرتها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها، وأنها سمعت صوت رجل يستأذن له، وأولاد الرجل إخوة الرضيع وأخواته، في بيت حفصة، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، هذا رجل يستأذن في بیتك، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أراه فلانًا) لعم حفصة من الرضاعة، فقالت عائشة: لو کان فلان حيًّا -لعمها من الرضاعة - دخل علي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم، إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة)(١). قال النووي مبينًا أحكام الرضاعة: ((هذه الأحاديث متفقة على ثبوت حرمة الرضاع، وأجمعت الأمة على ثبوتها بين الرضيع والمرضعة، وأنه یصیر ابنها يحرم عليه نكاحها أبدًا، ويحل له النظر إليها، والخلوة بها، والمسافرة، وأجمعوا أيضًا على انتشار الحرمة بين المرضعة وأولاد الرضيع، وبين الرضيع وأولاد المرضعة، وأنه في ذلك كولدها من النسب لهذه (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض، رقم ٢٦٤٦، ١٧٠/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة، رقم ١٤٤٤، ٢/ ٠١٠٦٨ وتكون إخوة الرجل أعمام الرضيع، وأخواته عماته، وتكون أولاد الرضيع أولاد الرجل، ولم يخالف في هذا إلا أهل الظاهر وابن علية، فقالوا: لا تثبت حرمة الرضاع بين الرجل والرضيع، ونقله المازري عن ابن عمر وعائشة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَّكُمْ وَأَخَوَتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ﴾ ولم يذكر البنت والعمة كما ذكرهما في النسب، واحتج الجمهور بهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة في عم عائشة وعم حفصة))(٢). عدم ثبوت سائر الأحكام. لا يثبت بالرضاع أحكام النسب وأحكام النفقة والميراث وغيرها، فلا يترتب على الرضاع أحكام الأمومة من كل وجه، فلا يتوارثان، ولا يجب على واحد منهما نفقة الآخر، ولا يعتق عليه بالملك، ولا ترد شهادته لها، ولا يعقل عنها، ولا يسقط عنها القصاص بقتله فهما كالأجنبيين في هذه الأحكام(٣). (٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١٩/١٠، وانظر: معالم التنزيل، البغوي ١ / ٥٩٠. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٩/١٠، www. modoee.com ٨٩ حرف الراء وإنما ثبتت حرمة الرضاع بشرطين: الأول: أن يكون إرضاع الصبي في حال الصغر، وذلك إلى انتهاء سنتين من ولادته لقوله تعالى: ﴿وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وقوله تعالى: ﴿وَفِصَلُهُ فِى عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]؛ ولما روته أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحرم من الرضاع إلّا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام) (١). الثاني: أن يوجد خمس رضعات متفرقات، عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن، بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهن فيما يقرأ من القرآن (٢)(٣) وانظر: معالم التنزيل، البغوي ١/ ٥٩٠، لباب التأويل، الخازن ١/ ٣٥٩. (١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الرضاع، باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين، رقم ١١٥٢، ٤٥٠/٣، وابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، باب لا رضاع بعد فصال، رقم ١،١٩٤٦/ ٦٢٦. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٢،٧٤٩٥/ ٠١٢٤٧ (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات، رقم ١٤٥٢، ١٠٧٥/٢. (٣) لباب التأويل، الخازن ٣٥٩/١. إن اهتمام الإسلام بقرابة الرضاع، وجعلها كقرابة النسب يبرز ما لهذه القرابة من منزلة، وينبه المسلمين إلى ضرورة مراعاة حقوق أقاربهم من الرضاعة، ويبين خطورة الجهل بأحكام الرضاعة، كحرمة تزوج الرجل من محارمه من الرضاعة؛ لئلا يتزوج من إحداهن وهو لا يعلم؛ لذا وجب إعطاء أمر الرضاعة مزيدًا من العناية والتحقق من المرضع وأقاربها؛ لئلا تنتهك الحرمات وتستباح المحرمات (٤). (٤) ذوو القربى والأرحام في ضوء القرآن الكريم، مها سکیك ص ١٠٠. ٩٠ القرآن الكريمِ الرحمى حقوق الرحم إن حقوق الرحم تتنوع بين الحقوق الاجتماعية، والحقوق المالية، والحقوق الدعوية، وسيأتي بيان هذه الحقوق في النقاط الآتية: أولًا: الحقوق الاجتماعية: تتمثل الحقوق الاجتماعية في صلة الرحم بالإحسان بالقول والفعل، كالزيارة ونحوها، والتربية الإيمانية والعبادية والأخلاقية، وسيتم توضيح ذلك في الفقرات الآتية: ١. صلة الرحم بالإحسان بالقول والفعل. من الحقوق الاجتماعية صلة الرحم بالإحسان بالقول والفعل، فقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ يِ. شَيْئاً وَبِاَلْوَلِدَ يْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]. أي: أحسنوا إليهم بالقول الكريم، والخطاب اللطيف، والفعل الجميل بطاعة أمرهما، واجتناب نهيهما، والإنفاق عليهما، وإكرام من له تعلق بهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا بهما، وللإحسان ضدان، الإساءة وعدم الإحسان، وكلاهما منهي عنه(١)، فكل قول وفعل يحصل به منفعة للوالدين أو سرور لهما، فإن ذلك من الإحسان، وإذا وجد الإحسان انتفى العقوق(٢). والإحسان إلى الزوجة يكون بالمعاشرة بالمعروف، فقد ورد الأمر بذلك في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِّ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]. فقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ يِالْمَعْرُوفِ﴾، أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهیئاتکم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: ﴿وَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (٣). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقًا، وخيركم خیر کم لنسائهم) (٤). (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٠١٧٨ (٢) انظر: المصدر السابق ص ٢٧٩. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٢١٢. (٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الرضاع عن رسول الله صلی الله عليه وسلم، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، رقم ١١٦٢، ٤٥٨/٣، وابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، باب حسن معاشرة النساء، رقم ١٩٧٨، ٠٦٣٦/١ وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم www. modoee.com ٩١ حرف الراء وکذلك الإحسان إلى الأولاد، ویدل عليه عموم قوله تعالى: ﴿وَإِذْأَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِيّ إِسْرَّاءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُوْلِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنِكُمْ وَأَنْتُم مُّعْرِضُونَ ﴾ [البقرة: ٨٣]. وَأَعْبُدُواْ اَللَّهَ وَلَا وقوله تعالى: تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًا وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى اُلْقُرْبَ وَاُلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ [النساء: ٣٦]. ء فقد أمر الله بالإحسان إلى ذوي القربى بعد الوالدين، ويشمل ذلك جميع الأقارب، قربوا أو بعدوا، بأن يحسن إليهم بالقول والفعل، وأن لا يقطع برحمه بقوله أو فعله(١). ولأن قوله تعالى: ﴿وَذِى اَلْقُرْبِىِ﴾ عام يشمل الأصل، وهو الأبوان وما يتصل بالمرء من ناحيتهما من أصولها وفصولهما، ويشمل الفصل، وهو الأبناء والبنات وما يتصل به منهما من فصول، غير أن الوالدين لمزيد العناية بهما خصصا بالذكر في ١،٣٢٦٥/ ٠٦٢٠ (١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢/ ٥٠، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٧٨ . الآيات المتقدمة، وإن كانا داخلين في هذا (٢) العموم(٢). فيكون الإحسان إلى الأولاد بجميع أنواع الإحسان المادية والمعنوية، ومن ذلك: تربيتهم تربيةً حسنةً، وتعليمهم، والتلطف بهم، ورحمتهم، والإنفاق عليهم، والعدل بينهم في العطايا والهبات؛ لما رواه النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشهده على صدقتي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفعلت هذا بولدك كلهم؟) قال: لا، قال: (اتقوا الله، واعدلوا أولادكم)، فرجع في أبي، فرد تلك الصدقة(٣). وقد أمر الله بالإحسان إلى ذوي القربى بعد الوالدين، ويشمل ذلك جمیع الأقارب، قربوا أو بعدوا، بأن يحسن إليهم بالقول والفعل. قال تعالى: ﴿﴿ وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ، شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَمُبِ وَأَبْنِ (٢) انظر: تفسير ابن باديس ص ٧٩. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة، رقم ٣،١٦٢٣/ ١٢٤٢. جَوَسُولَة التي الْقُرْآن الكَرِيْمِ ٩٢