النص المفهرس
صفحات 21-33
الرجولة والخلاصة في هذا المبحث هي: أن الرجولة ليست كما يظن البعض مال وثروة وجاه وشهرة، وليست منصبًا أو وظيفةً، وليست أفلامًا أو مسلسلات، وليست الرجولة بناء الأجسام، ومتابعة كرة القدم، ولا امتلاك السيارات، ولا العمارات، وليست الأزياء ولا هي الموضات، إنها القيم والأخلاق والمبادئ، والعبادة والعمل، والصدق والوفاء، رسم ملامحها القرآن الكريم، إيمان يزن الجبال، والحفاظ على الصلاة، والذكر في بيوت الله، والدفاع عن الأوطان، والوقوف في وجه البطل، وكلمة حق يراد بها وجه الله، فأمتنا اليوم في أمس الحجة إلى هؤلاء الرجال، رجولة في كل المجالات وفي شتى المیادین، رجال كأبي بکر، وعمر، وعثمان، وعلي، وصهيب، وعمار، ویاسر، وخالد، وصلاح الدين. الرجولة والمسؤولية لقد فضل الله تعالى الرجال على النساء بالولاية العامة والإمامة، وبيان ذلك في النقاط الآتية: أولًا: القوامة: ذكر القرآن الكريم أن الرجال قوامون على النساء. قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَامُونَ عَلَى اُلْنِسَآءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنَفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمَّ فَالصََّلِحَتُ قَنِنَتُّ حَفِظَتُ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاَلَِّيِ تَّخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَ وَأَهْجُرُ وهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ [النساء: ٣٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضَِّ لِلْرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا أَكْتَسَبُواْ وَلِلنِسَآءِ نَصِيبٌ مِمَّ اكْفَسَبْنَّ وَسْشَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا ﴾ [النساء: ٣٢]. وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ وقال تعالى: بِأَنفُسِهِنَّ ثَثَةً قُرُوٍَ وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْ حَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْأَثِّ وَيُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَوَّهِنَ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَحًا وَلَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَ لِلِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ()﴾ [البقرة: ٢٢٨]. www. modoee.com ٥٩ حرف الراء والقوامة هي: القيام على الأمر أو المال مسئول عنها، يتحمل الأعباء، ويستعد لتحمل المغارم والخسارات، ويدير أمر هذه المؤسسة بما يوصلها إلى شاطئ الأمن والسعادة والاستقرار، في داخل المنزل وخارجه، تعليمًا وتعلمًا، وتمكينًا من ممارسة الخبرات والمهارات التي تفيد الزوجة والفتاة في حاضر الزمان ومستقبله(٢). وإذا كان اضطلاع الرجل غالبًا بالمهام الملقاة على عاتقه خارج المنزل، لتوفير الموارد المالية والمكاسب المطلوبة لحياة الأسرة، فإن المرأة تضطلع غالبًا بمسؤوليات جسام تكمل مهمة الرجل، في رحاب البيت، فهي الملكة التي تربي الأولاد على الأخلاق والفضائل، وهي التي تعين الرجل على توفير متطلبات الحياة (٣). من خلال الآيات يتبين أن الرجال قوامون على النساء لأمرين: الأول: تفضيل جنس الرجال على جنس النساء، وذلك بما خصّ الله تعالى به الرّجل من الفضيلة الذّاتيّة له، والفضل الذي أعطيه من العقل والمال والجاه والقوّة والقوامة، (١) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ١٤٨/٣، معالم التنزيل، البغوي ٦١١/١، الكشاف، الزمخشري ٥٠٥/١، أحكام القرآن، ابن العربي ٥٣٠/١، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٨/٥، روائع البيان، الصابوني ٤٦٦/١، تفسير الشعراوي ٢١٩٢/٤. (٢) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ١٤٨/٣، معالم التنزيل، البغوي ٦١١/١، الكشاف، الزمخشري ٥٠٥/١، أحكام القرآن، ابن العربي ٥٣٠/١، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٨/٥. (٣) انظر: المصادر السابقة. ٦٠ لِلْقُرآن الكَرِيمِ ورعاية المصالح، وتسيير شئون الأسرة والقيام على مصالحها بقيادة الرجل، وذلك لما فضل الله الرجل على المرأة بسعة العقل والخبرة، والحكمة والاتزان دون التأثر السريع بالعواطف العابرة؛ ولأنه هو الذي ينفق ماله وكسبه من بداية تكوين الزواج بدفع المهر، إلى نهايته بالنفقة الدائمة على شؤون الحياة بتوفير المسكن والملبس والطعام، وهذا هو سبب القوامة ومنشأها، كما قال الله تعالى: ﴿الرّجَالَ قَوَمُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. وقد ذكر العلماء في فضل الرجال أمورًا منها: العقل، والحزم، والعزم، والقوة، وأن منهم الأنبياء، وفيهم الإمامة الكبرى، والصغرى، والجهاد، والأذان، والخطبة، والشهادة في الحدود، والقصاص، والزيادة في الميراث، والولاية في النكاح، وإليهم الانتساب، وغير ذلك(١). وجعل القوامة للرجل؛ لأن كل شركة، أو حياة اجتماعية تتطلب وجود رئيس لمجولة وهذا التفضيل الذي جعله الله تعالى في حق الرجال إنما هو من أجل تنظيم الأسرة وإصلاحها ورعايتها والحفاظ عليها والدفاع عنها بما يتناسب مع جنس الرجال، وما فطرهم الله عليه ليكونوا قوامين لهذه المسؤولية الملقاة عليهم (١). الثاني: قيام الرجال بالإنفاق على النساء بما يدفعونه من المهور وغيرها من النفقات، وقوله تعالى: ﴿وَبِمَآ أَنَفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾، منتظم للمهر والنفقة؛ لأنهما جميعًا مما يلزم الزوج لها، وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى المؤَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وقوله تعالى: ﴿لِيُّفِقْ ذُوسَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ،﴾ [الطلاق: ٧]. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف)(٢). ووجه التفضيل أن الرجل له الكدح، وله الضرب في الأرض، وله السعي على المعاش، وذلك حتى يكفل للمرأة سبل الحياة اللائقة عندما يقوم برعايتها (٣). (١) انظر: المصادر السابقة، روائع البيان، الصابوني ٤٦٦/١، تفسير الشعراوي ٢١٩٢/٤. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم ٨٩٠/٢،١٢١٨. (٣) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٥٣١/١، معالم التنزيل، البغوي ٦١١/١، الكشاف، وكون القوامة الدنيوية بيد الرجال لا يعني أن جنس الرجال أفضل من جنس النساء عند الله، فأساس التفضیل عند الله لیس الجنس أو اللون، إنما هو الإيمان والتقوى، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَّكُمْ [الحجرات: ١٣]. فإذا كانت المرأة صالحة تقية كانت أفضل عند الله من زوجها غير التقي، أو الأدنى منها في التقوى (٤). كما لا تعني القوامة للرجل على المرأة أن ذلك يعارض حريتها، بل على العكس القوامة تحافظ على حرية المرأة وشرفها، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، أي: شأنهم القيام عليهن قيام الولاة على الرعية بالأمر والنهي ونحو ذلك، واختيار الجملة الاسمية مع صيغة المبالغة للإيذان بعراقتهم ورسوخهم في الاتصاف بما أسند إليهم، وفي الكلام إشارة إلى سبب استحقاق الرجال الزيادة في الميراث (٥). وفي قوله تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اُللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنَفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾، إشارة إلى أن القوامة محصورة الزمخشري ١/ ٥٠٥، مفاتيح الغيب، الرازي ١٠/ ٧٠، روح المعاني، الألوسي ٢٣/٣، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٧/٥. (٤) انظر: القرآن ونقض مطاعن الرهبان، صلاح الخالدي ٤٠٨/١. (٥) انظر: روح المعاني، الألوسي ٢٣/٣. www. modoee.com ٦١ حرف الراء قال الشنقيطي: ((فمحاولة استواء المرأة في الرجال، فقد جعل القرآن سبب القوامة معلومًا للناس من فضل الرجال ومن مع الرجل في جميع نواحي الحياة لا إنفاقهم ليصلح الخطاب للفریقین: عالمهم وجاهلهم، وكذا لم يصرح سبحانه بما به التفضيل رمزًا إلى أنه غني عن التفصيل، وقد ورد في الحديث: (أنهن ناقصات عقل ودین)(١)، والرجال بعكسهن كما لا یخفی(٢). (١) هذه العبارة جزء من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: (يا معشر النساء، تصدقن، فإني أريتكن أكثر أهل النار)، فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: (تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: (أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل)، قلن: بلى، قال: (فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم)، قلن: بلى، قال: (فذلك من نقصان دينها). أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، رقم ٦٨/١،٣٠٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله، ككفر النعمة والحقوق، رقم ٨٦/١،٧٩. (٢) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ١٤٨/٣، أحكام القرآن، ابن العربي ٥٣١/١، معالم التنزيل، البغوي ٦١١/١، الكشاف، الزمخشري ١/ ٥٠٥، مفاتيح الغيب، الرازي ١٠/ ٧٠، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٠٣٧/٥ يمكن أن تتحقق؛ لأن الفوارق بين النوعين كونّا وقدرًا أولًا، وشرعًا منزلًا ثانيًا تمنع من ذلك منعًا بأنًّا، ولقوة الفوارق الكونية والقدرية والشرعية بين الذكر والأنثى، صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لعن المتشبه من النوعين بالآخر، ولا شك أن سبب هذا اللعن هو محاولة من أراد التشبه منهم بالآخر، لتحطيم هذه الفوارق التي لا یمکن أن تتحطم، وقد ثبت في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال)(٣)، ولأجل تلك الفوارق العظيمة الكونية القدرية بين الذكر والأنثى، فرق الله جل وعلا بينهما في الطلاق، فجعله بيد الرجل دون المرأة، وفي الميراث، وفي نسبة الأولاد إليه)»(٤). (٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب في لباس النساء، رقم ٤٠٩٧، ٤ /٦٠، والترمذي في سننه، أبواب الأدب، باب ما جاء في المتشبهات بالرجال من النساء، رقم ٢٧٨٤، ٥/ ١٠٦، وابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، باب في المخنثين، رقم ١٩٠٤، ٦١٤/١. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢٢٨/٢. (٤) أضواء البيان ٤١٥/٧. ٦٢ مَشَةُ التَّقسيم جوسين القرآن الكريم الرجولة ثانيًا: الإمامة: ١. الإمامة العامة. لقد فضل الله تعالى الرجل على المرأة في الولاية؛ فإن الله سبحانه وتعالى جعل الرجل قوامًا على المرأة؛ فالرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض؛ ولهذا لا يحل أن تتولى المرأة ولايةً عامةً أبدًا؛ فالولاية العامة ليست من حقوق النساء أبدًا، والمرأة لا تصلح لهذا المنصب؛ لأن المرأة ناقصة في أمر نفسها، حتى لا تملك النكاح، فلا تجعل إليها الولاية على غيرها، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، فلو كانت لهن القدرة على القيام بشؤون أنفسهن لما وكل الله أمرهن إلى الرجال(١). ولحديث أبي بكرة رضي الله عنه، قال: (لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الجمل، بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس، قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)(٢). (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٧٠/١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر، رقم ٨/٦،٤٤٢٥. والفلاح: الفوز بالمطلوب، والتدبير يحتاج إلى كمال الرأي، ونقص المرأة مانع، وفي الحديث دليل على أن المرأة لا تلي الإمارة، ولا القضاء، ولا عقد النكاح (٣). قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى: ((أن الذين لهم درجة على النساء هم الرجال الذين هم جديرون بهذا الوصف؛ وأما من جعل نفسه بمنزلة النسوة فهذا یکون شرًا من المرأة؛ لأنه انتكس من الكمال إلى الدون؛ ومن ثم لعن رسول الله صلی الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء؛ والمتشبهات من النساء بالرجال؛ حتى لا يعتدي أحد على حق؛ أو على اختصاصات أحد)) (٤). ٢. الإمامة في الصلاة. إن الإمامة موضع شرف ورفعة وعلو منزلة وتقدم على الناس في أهم أمر الدين، وأجل عبادة المسلمين، وهي مما يلزمه الخلفاء، ويقوم به الأمراء، فلا يجوز أن تكون المرأة إمامًا للرجال لنقصها (٥). (٣) انظر: فتح الباري، ابن حجر ٥٦/١٣، عمدة القاري، العیني ٢٤/ ٢٠٤. (٤) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الفاتحة والبقرة ٣/ ١٠٧. (٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٥٦/١، المنتقى شرح الموطإ، الباجي ٢٣٥/١، كشف المشكل من حديث الصحيحين، ابن الجوزي ٢٠٢/٣، فتح الباري، ابن رجب ١٧٦/٦، سبل السلام، الصنعاني ٣٧٣/١. www. modoee.com ٦٣ حرف الراء قال ابن قدامة: ((وأما المرأة فلا يصح أن يأتم بها الرجل بحال، في فرض ولا نافلة في قول عامة الفقهاء))(١). ولحديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن جدته ملیکة دعت رسول الله صلی الله عليه وسلم لطعام صنعته فأكل منه، ثم قال: (قوموا فلأصلي لكم)، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا فصلى لنا ركعتين، ثم انصرف صلی الله عليه وسلم(٢). فقد نبه الحديث على أن إمامة المرأة للرجال لا تجوز، لأنه لما لم يجز أن تساويهم في الصف كانت من أن تتقدمهم أبعد (٣). (١) انظر: المغني ١٤٦/٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الصلاة على الحصير، رقم ٣٨٠، ٨٦/١، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب جواز الجماعة في النافلة، والصلاة على حصير وخمرة وثوب، وغيرها من الطاهرات، رقم ١،٦٥٨ / ٤٥٧. (٣) انظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين، ابن الجوزي ٢٠٢/٣، فتح الباري، ابن رجب ١٧٦/٦، سبل السلام، الصنعاني ٣٧٣/١، نيل الأوطار، الشوكاني ١٩٦/٣. الرجولة في الشدائد تظهر الرجولة في الشدائد من خلال النقاط الآتية: أولًا: الجهاد: إن الجهاد سنة ماضية في سبيل الله، لا يقوم به إلا الرجال الأقوياء الصادقون، الذين نذروا أنفسهم وأموالهم لله تعالى، وقد ذكر القرآن الكريم نموذجًا فريدًا من المؤمنين بالله، المصدقین برسوله الذين صدقوا بما عاهدوا الله عليه، من حسن البلاء والتفاني في الجهاد، والثبات على العهد مع الله تعالى، والصبر في اللأواء وحين البأساء، فاستشهد بعضهم يوم بدر، وبعضهم يوم أحد، وبعضهم في غير هذه المواطن، ومنهم كذلك من ينتظر قضاءه والفراغ منه، كما قضى من مضى منهم نحبه على الوفاء لله بعهده، وما غيروه وما بدلوه ومنهم من ينتظر الشهادة، ویتوقعها باشتیاق للفوز بما عند الله من الكرامة للشهداء والدرجات التي أعدها الله لهم. قال الله عز وجل: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْةٍ فَيِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَدُ وَمِنْهُمْ مَن يَنْتَظِرٌ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا ٢٣ لِيَجْزِئَ اللَّهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْفِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٣ -٢٤]. جَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم ٦٤ الرجولة ما بدلوا ولا غيروا ولا انحرفوا، بل هم زيد، ومصعب بن عمير، فأما أنس بن النضر وحمزة ومصعب بن عمير، فقد استشهدوا مستقيمون على هذا المنهاج، ينتظرون أمر الله تعالى أن يتوفاهم وهم سائرون على هذا يوم أحد، وأما طلحة فقد قطعت يده يومئذ، وهو يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما بقيتهم فقد قاتلوا ونجوا(٢). الدرب مستقیمون علیه، لا یلوون على شيء إلا مرضاة ربهم عز وجل، بخلاف المنافقين فإنهم قالوا لا نولي الأدبار، فبدلوا قولهم، وولوا أدبارهم، ونقضوا عهدهم، وذمهم الله تعالى. وقال سبحانه: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِيِءٍ إِلَّا الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ الْفَسِقِينَ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُؤْصَّلَ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضَِّ أُوْلَبِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾ [البقرة: ٢٦-٢٧]. وقال تعالى: ﴿لِيَجْزِىَ اللهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٤]. أي: بصدق ما وعدهم في الدنيا والآخرة، كما صدقوا مواعيدهم، ويعذب المنافقين الذين كذبوا وأخلفوا(١). والإخبار عنهم برجال زيادة في الثناء؛ لأن الرجل مشتق من الرجل وهي قوة اعتماد الإنسان كما اشتق الأيد من اليد، رجال من المؤمنین ثبتوا في وجه العدو يوم أحد وهم: عثمان بن عفان، وأنس بن النضر، وطلحة بن عبيد الله، وحمزة، وسعيد بن (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/ ١٦٣، بيان المعاني، عبد القادر ملا ٥/ ٤٦٣، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠٧/٢١، تفسير المراغي ٢١/ ١٤٧. فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه قوله: غاب عمي أنس بن النضر عن بدر، فشق عليه، وقال: أول مشهد شهده رسول الله صلی الله علیه وسلم غبت عنه، لئن أراني الله تعالى مشهدًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد ليرين الله تعالى ما أصنع، فشهد يوم أحد، فاستقبله سعد ابن معاذ رضي الله عنه، فقال: يا أبا عمرو إلى أين؟ قال: واها لريح الجنة أجدها دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية، ونزلت هذه الآية: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] .. إلخ)(٣). وهذه الصورة الوضيئة لهذا النموذج من المؤمنين الصادقين المخلصين تذكر هنا تكملة لصورة الإيمان، في مقابل صورة النفاق والضعف ونقض العهد من ذلك (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠٧/٢١. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب قول الله تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)، رقم ٢٨٠٥، ١٩/٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، رقم ٠١٥١٢/٣،١٩٠٣ www. modoee.com ٦٥ حرف الراء الفريق، لتتم المقابلة في معرض التربية بالأحداث وبالقرآن، وتذكر المسلمين بإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان، لتكتمل التربية، وتثبت القلوب وتستمسك بالعروة الوثقى، وتنهض من كبوتها، وتسترد الثقة والطمأنينة، فتسير في طريق السابقين أصحاب الوفاء وأهل الإخلاص (١). وذكر القرآن الكريم نموذجًا آخر من الرجال المؤمنين الصادقين المجاهدين الذين يقفون في وقت الشدائد، وينصرون الله ورسوله في أصعب المواقف الحرجة التي تواجه الدعوة. قال تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا أَدْخُلُواْ عَلَّهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَلِبُونَ وَعَلَى اَللَّهِ فَتَوَّكَلُواْ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: ٢٣]. وهذان الرجلان من بني إسرائيل من الذين يخافون مقت الله وعقابه، والذين أنعم الله عليهما بالثبات على الإيمان والوفاء بالعهد، نصحوا قومهم بالجهاد والتوكل على الله تعالى في الدفاع عن أنفسهم وعن وطنهم، ولم يمنعهم الخوف من أن يقولوا الحق فأثنى الله تعالی علیھما بذلك، فدل على فضيلة قول الحق عند الخوف وشرف منزلته، وقالا مخاطبين قومهم: ﴿أَدْخُلُواْ (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد ٢٨٤٤/٥. عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ عَلِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، أي: باب قرية الجبارين، فنحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم، فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم، ومتی تو کلتم على الله واتبعتم أمره، ووافقتم رسوله، نصركم الله على أعدائكم وأيدكم وظفرکم بهم، ودخلتم البلدة التي كتبها الله لكم، ولكن بني إسرائيل لم ينفع ذاك فيهم شيئًا، ولجوا في عصيانهم، وسمعوا من العشرة النقباء الجواسيس الذين خوفوهم أمر الجبارين، ووصفوا لهم قوة الجبارين وعظم خلقهم، فصمموا على خلاف أمر الله تعالى، ﴿قَالُواْ يَمُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ [المائدة: ٢٤]. وهذا نكول منهم عن الجهاد، ومخالفة لرسولهم وتخلف عن مقاتلة الأعداء، ومن هنا تبرز قيمة الإيمان بالله والخوف منه، فهذان رجلان من الذين يخافون الله، ينشئ لهما الخوف من الله استهانة بالجبارين! ويرزقهما شجاعة في وجه الخطر الموهوم! وهذان هما يشهدان بقولتهما هذه بقيمة الإيمان في ساعة الشدة، وقيمة الخوف من الله في مواطن الخوف من الناس، فالله سبحانه لا يجمع في قلب واحد ٦٦ جَوْسُورٌ القرآن الكريمِ الرجولة بين مخافتين، مخافته جل جلاله ومخافة الناس(١). والرجولة في الجهاد تكون بكل صوره وأشكاله، سواءً أكان ذلك بالنفس أو المال أُو بقول كلمة حق عند سلطان جائر، لما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر، أو أمیر جائر)(٢). ثانيًا: نصرة الحق وأهله: إن من صفات الرجولة الوقوف في الشدائد ونصرة الحق والدفاع عنه والتضحية في سبيله مهما يكن الثمن، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَىَ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوَ فَأَخْرُجْ إِ لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ ن ◌َفَرَجَ مِنْهَا (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١٧٥/٢، أحكام القرآن، الجصاص ٢/ ٥٠٠، بيان المعاني، عبد القادر ملا ٣١٣/٦. (٢) أخرجه أبو داود كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، رقم ٤٣٤٤، ١٢٤/٤، والترمذي في سننه، أبواب الفتن، باب ما جاء أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر، رقم ٢١٧٤، ٤٧١/٤، والنسائي في سننه، كتاب البيعة، فضل من تكلم بالحق عند إمام جائر، رقم ٤٢٠٩، ٧/ ١٦١، وابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رقم ٤٠١١، ١٣٢٩/٢. وصححه الألباني في صحيح الجامع ٢٤٨/١. ◌َِّفًا يَتَرَقَّبِّ قَالَ رَبِّ نَجِ مِنَ الْقَوْمِ الَِّمِينَ ١)) [القصص: ٢٠-٢١]. وقال سبحانه: ﴿وَجَةَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَقَوْمِ أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [يس: ٢٠]. فقد ذكر القرآن الكريم في هذه الآيات هذا النموذج الفريد في إيمانه وصدقه وإخلاصه وشجاعته في نصرة الحق، رجال المواقف في ميدان الرجولة النادرة التي تخلى عنها الكثيرون، أن يقف مثل هذا الموقف الخالد الذي سجله القرآن وأثنى الله تعالى عليهم. قال تعالى: ﴿وَجَلَّ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَىَ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِّرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوَكَ فَأَخْرُجْ إِ لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠]. هذا الرجل من بني إسرائيل الذي استشعر المسؤولية الواجبة عليه في هذا الموقف العصيب، وهي إبلاغ موسى عليه السلام بمؤامرة خبيثة تحاك ضده، تناسى كل الأخطار والمصائب واختصر الطريق ليؤدي واجبه الإنساني تجاه رجل بريء لينقذه من الموت، في جد واهتمام ومسارعة، مصحوبًا بعقيدة حية في ضمير مؤمن يقظ واثق مطمئن، وقال: إن القوم يريدون قتلك، وأنا واقف على تدبيرهم وقد أرادوا إعلام فرعون، فاخرج من هذا البلد، www. modoee.com ٦٧ حرف الراء إني لك من الناصحين. فهذا الرجل الناصح الأمين المحب لموسى عليه السلام الذي يريد أن ينقذ موسى عليه السلام من القتل، تجده يسعى من أقصى المدينة، والتعبير بـ﴿أَقْصَا﴾ يدل على المحبة الخالصة الطيبة، ثم كلمة يسعى تدل على أنه جاء عدوًا لا قرار عنده ولا اطمئنان، ووصفه بالرجولية لأنه خالف الطريق، فسلك طريقًا أقرب من طريق الذين بعثوا وراءه، فسبق إلى موسى عليه السلام، وقوله: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ﴾، وهو كبار القوم يدبرون الأمر ليقتلوك (١). وكذلك الحال في قصة مؤمن آل ياسين عليه السلام فقد جاء الرجل من أقصا المدينة إلى أقصاها لا يمنعه مانع، ليضرب لمجتمع المؤمنين المثل في كيفية الحرص على دعوة ربهم، والحرص على الدفاع عن الدعاة والقائمين على أمور الدعوة، والحرص على مناصرة الحق وأهله مهما كان الثمن، ومهما بلغ التعب في سبيل ذلك، فقد جاء ناصحًا ينصح لهم ويحثهم على اتباع الرسل، المرسلین إليهم، وأن يقبلوا ما يأتون به من عند مرسلهم، فهذا الرجل الناصح الأمين تجده يسعى من أقصى المدينة، والتعبير بأقصى يدل على المحبة الخالصة الطيبة، (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٦/٦، المعجزة الكبرى القرآن، أبو زهرة ص ٩١. القرآن الكريمِ کما یدل على أنه جاء من أبعد مواضعها فهي مترامية الأطراف والتعبير بالمدينة يدل على كبرها فهي ليست قرية محدودة! ثم كلمة يسعى تدل على أنه جاء عدوًا، لا قرار عنده ولا اطمئنان (٢). وهذا المشهد القرآني يوضح عظمة الحق في قلوب الرجال ومحبته، وفيه عنایة الله بمن اصطفاه لذلك، واختاره للقيام بهذه المهمة ووعده بالنصر والنجاة مما يحاك له من المكائد. كما أن في هذه الآيات عظة وعبرة لكل مؤمن بأن يكون يقظًا في كل ما يمس دينه وعقيدته ووطنه، ورجال دولته ورجال الدعوة الخيرين المخلصين، وفيها أن الرجولة في القرآن الكريم صفات رفيعة، وأخلاق فاضلة، وشجاعة نادرة، ورأي سديد في الأوقات العصيبة، وأن الرجل يقوم بواجب النصيحة ولا يتأخر بها عن وقتها، كما فعل هذا الرجل الإسرائيلي الذي أتى لنصح موسى عليه السلام حيث إنه لم يأت للتحذير فقط من مكيدة فرعون وقومه، بل إنه أتى بالحل والمخرج من هذه المحنة العصيبة، وهذا التآمر الخبيث بقوله، ﴿فَأَخْرُجْ إِّ لَكَ مِنَ الْتَّصِحِينَ﴾ (٣). (٢) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٤/ ١٣٠، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٦/٦، المعجزة الكبرى القرآن، أبو زهرة ص ٩١. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩٧/٢٠. ٦٨ الرجولة يأتي: وجاء تقديم قوله: ﴿مِّنْ أَقْصَا اٌلْمَدِينَةِ﴾ على: ﴿رَجُلٌّ﴾ بيانًا لفضله، إذ هداه الله تعالی مع بعده عنهم، وأن بعده لم يمنعه من الانطلاق لمناصرة الرسل من أقصا المدينة إلى أقصاها، وربما يكون التقديم اهتمامًا بشأن المقدم، وقيل: أن تقديم الجار والمجرور في آية يس، لأن ما قبل هذه الآية دال على سوء معاملة أهل المدينة للرسل، فكان ذلك مظنة أن يسأل سائل: أكانت هذه المدينة كلها بهذه الصفة أم أن فيها موطنًا هو منبت خير؟ لذلك قدم ما يشتمل على المدينة لأنها أهم عند المخاطب(١). وجاء التعبير عن الرجل بالنكرة ﴿رَجُلٌ﴾، ليفيد التعظيم لهذا الرجل، ومعلوم أن التنكير فيه معاني شاملة عميقة وكلها صالحة للتعبير عن المعنى المقصود، ثم إنه رجل مجهول منکور، لا يعرفه أحد. كما أن الرجل يسرع في القيام بواجب النصيحة، وإن كان محله بعيدًا لما في ذلك من الحرص والتوجه والقصد إلى الله تعالى، فيحس بواجبه ومن ثم يقوم بمناصرة الحق، ومقاومة الباطل وأهله، ويكف عن الدعاة (١) انظر: كشف المعاني، الكناني ص ٢٨٤، المعجزة الكبرى القرآن، أبو زهرة ص ٩١، خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، عبد العظيم المطعني ٢/ ١٨٧. ومن خلال النظر في الآيتين نلمس ما بغي الباغين، فقد جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من مشى مع مظلوم لیعینه علی مظلمته، ثبت الله قدميه على الصراط يوم القيامة، يوم تزل الأقدام)(٢). ثالثًا: إنكار المنكرات: ومن صفات الرجولة التي ذكرها القرآن الكريم الوقوف في وجه المنكر ومحاربته بكل صوره وأشكاله. قال تعالى: ﴿وَجَآءُ، قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاقِ هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِ ضَيْفِىّ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴾ [هود: ٧٨]. فقد ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن نبيه لوطًا عليه السلام وعظ قومه ونهاهم أن يفضحوه في ضيفه، وعرض عليهم النساء، وترك الرجال، فلم يلتفتوا إلى قوله، وتمادوا فيما هم فيه من إرادة الفاحشة، وتلطف لوط عليه السلام وبالغ في التلطف إلى قومه، عله يدفع هذا الخزي عن ضيوفه، ولکنه لما رأى إصرارهم على فجورهم وبخهم بقوله: ﴿ألتس مِنگُم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ يهدي إلى الرشد والفضيلة. وفيه إشارة إلى أن الرجل هو الذي يقوم (٢) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء، ٦/ ٣٤٨. وحسنه الألباني في: صحيح الترغيب والترهيب ٣٥٨/٢. www. modoee.com ٦٩ حرف الراء بإنكار المنكر، فإن ظهور الرجل الرشيد في الفئة الضالة يفتح باب الرشاد لهم، وبالعكس تمالؤهم على الباطل يزيدهم ضراوةً به(١). ومن خلال هذه الآية يتضح بأن المجتمعات البشرية بحاجة إلى الرجال الأقوياء الأشداء الذين يقفون في وجه المنكر ويحاربونه، وإذا خلي المجتمع من هؤلاء الرجال، استفحل فيهم المنكر، وصار المنكر عملًا يتباهى به السفلة دون أن يردعهم عن ذلك رادع من أنفسهم ولا من غيرهم، ومن علامة الرجل الرشيد أنه هو المسدد في أقواله وأفعاله، وأنه صحيح الرأي، يفعل الجميل ويكف عن القبيح، وينصر المظلومين، ويفرج الكرب عن المکروبین، ویأمر بالخير، وینھی عن الشر، هذا هو الرشيد حقيقة، فلهذا قال لوط: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨]؟ أي: فیأمر بمعروف، وینھی عن منكر، ويدفع أهل الشر والبغي (٢). (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٩/١٢، أضواء البيان، الشنقيطي ٢/ ١٩٠، التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٤٩/٧، بيان المعاني، عبد القادر ملا ٣/ ١٤٢. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧٧/٩، تيسير اللطيف المنان، السعدي ص٢١٧. عوامل ضياع الرجولة يوجد عدة عوامل تؤدي إلى ضياع الرجولة وأهم هذه العوامل ما يأتي: ١ . ضعف الإيمان. لأن الإيمان من أعلى صفات الرجولة، قال تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. ٢. البعد عن المسجد. فالمساجد موطن من مواطن صناعة الرجولة، قال تعالى: ﴿فِ يُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيَهَا أُسْمُهُ يُسَبِحُ لَهُ فِهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ ﴾ [النور: ٣٦]. ٣. البعد عن القرآن الكريم الذي يصنع الرجال. قال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين) (٣). ٤. انقلاب المعاییر. كما أخبرنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل من يقوم بالقرآن، ويعلمه، وفضل من تعلم حكمة من فقه، أو غيره فعمل بها وعلمها، رقم ٨١٧، ٥٥٩/١. ٧٠ جوسين القرآن الكريم الرجولة الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة)، قيل: وما الرويبضة؟ قال: (الرجل التافه في أمر العامة)(١). ٥. البعد عن القدوة الصالحة، واتخاذ القدوة السيئة. كما في حديث أبي موسى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كمثل صاحب المسك و کیر الحداد، لا یعدمك من صاحب المسك إما تشتريه، أو تجد ريحه، و کیر الحداد یحرق بدنك، أو ثوبك، أو تجد منه ريحًا خبيثةٌ)(٢). ٦. إتيان المنكرات. مثلما كان يفعل قوم لوط، قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ أَلْرِجَالَ شَهْوَةٌ مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ [الأعراف: ٨١]. (١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٧٩١٢، ١٣/ ٢٩١، وابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب الصبر، رقم ١٣٣٩/٢،٤٠٣٦. وصححه الألباني في صحيح الجامع ١/ ٦٨١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب في العطار وبيع المسك، رقم ٢١٠١، ٦٣/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب استحباب مجالسة الصالحين، ومجانبة قرناء السوء، رقم ٢٦٢٨، ٤ /٢٠٢٦. موضوعات ذات صلة: الأبوة، البنوة، النبوة، النساء، النكاح www. modoee.com ٧١