النص المفهرس

صفحات 1-20

جَوْمُهُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
رجولة
عناصر الموضوع
مفهوم الرجولة
٤٠
الرجولة في الاستعمال القرآني
٤١
الألفاظ ذات الصلة
٤٢
منزلة الرجولة
٤٤
صفات الرجولة
٤٨
الرجولة والمسؤولية
٥٩
الرجولة في الشدائد
٦٤
عوامل ضياع الرجولة
٧٠
المُجَلَّدَ السّادسْ عَشِر

حرف الراء
مفهوم الرجولة
أولًا: المعنى اللغوي:
الرجولة اسم مأخوذ من الرّجل، وهو لغة: الذّكر من نوع الإنسان، وتصغيره رجيل،
ورویجل، والجمع رجال.
وقيل: إنّما يكون الرجل رجلًا، إذا كان فوق الغلام، وذلك إذا احتلم وشبّ، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: ذكرين بالغين.
ويقال: امرأة رجلة، إذا كانت متشبّهة بالرّجل في بعض أحوالها، وفي الحديث: (لعن الله
الرّجلة من النّساء)(١)، بمعنى المترجّلة، يعني اللآّتي يتشّهن بالرّجال في زيّهم وهيآتهم، فأمّا
في العلم والرّأي فمحمود(٢).
وقد تكون الرجولة صفةً بمعنى الشدة والقوة، والكرم، ومكارم الأخلاق، والرجولية:
كمال الرجل، يقال: أرجل الرجلين: أقواهما، وفرس رجيل: قوي على المشي، وارتجل
الكلام: قوي عليه من غير حاجة فيه إلى فكرة وروية، وترجل النهار: قوي ضياؤه، فأصل
كلمة الرجل مأخوذة من الرجولية بمعنى القوة (٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الرجل في الاصطلاح هو: الذّكر من الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا
أَجَعَلْتَهُ رَجُلًا ﴾ [الأنعام: ٩].
ومن هنا يمكن تعريف الرّجولة في الاصطلاح القرآني بأنّها: اتّصاف المرء بما يتّصف
به الرّجل عادة من الإيمان والقوة والشدة والسعي والجلادة ومكارم الأخلاق والنجدة
والشهامة وغيرها من الصفات المشابهة (٤).
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب لباس النساء، رقم ٤٠٩٩، ٦٠/٤.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٥٠٥٩، ٢/ ٩٠٧.
(٢) انظر: فيض القدير، المناوي ٢٦٩/٥.
(٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص١٨٩، مختار الصحاح، الرازي ص ١١٩، تاج العروس،
الزبيدي ٢٩/ ٣٤.
(٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٤٤، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٤١/٣، البحر
المحيط، أبو حيان ٤٣٨/٢.
٤٠
مُؤَ الَرُ النَّسِيّة
جوببيو
الْقُرآن الكَرِيْمِ

الرجولة
الرجولة في الاستعمال القرآني
وردت لفظة (رجل) في القرآن الكريم (٥٥) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الإفراد
٢٤
﴿أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴾﴾ [هود: ٧٨]
﴿فَوَجَدَ فِهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَدُوِّهِ
التثنية
٥
[القصص: ١٥]
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَّا أَحَدٍ مِّن رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ.
الجمع
٢٦
[الأحزاب: ٤٠]
الرجال: اسم يجمع ذكور بني آدم دون إناثهم، وقد استعمله القرآن الكريم بمعناه اللغوي،
على الصحيح (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٢٣٨-٢٤١، المعجم
المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص٤٧٩ -٤٨٢.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٢ /٤٦٠.
www. modoee.com
٤١

حرف الراء
الألفاظ ذات الصلة
الذكورة:
١
الذّكر لغة:
﴾ [الليل:
﴿وَمَا خَلَقَ الذّكر والأنثى
خلاف الأنثى، وجمعه ذكور وذكران، ومنه قوله تعالى:
٣].
ويطلق على عضو التناسل منه. وقد يأتي الذكر صفة؛ كقولهم: رجل ذكر: شهم من
الرجال، قوي شجاع أبي، ماض في أموره. ويقال: سيف ذكر: ماض في ضريبته، ومن
الحديد أيبسه وأشده وأجوده (١).
الذكورة اصطلاحًا:
فلا يخرج معنى الذكورة في اصطلاح القرآن عن معناها اللغوي، سواء من حيث إنه يقابل
لفظ الأنوثة، أو من حيث المعاني الزائدة على وصف الذكورة.
الصلة بين الرجولة والذكورة:
الذي يظهر أن الذكورة تأتي للجنس غالبًا وللوصف على قلة، بينما الرجولة تأتي للجنس،
وتأتي للصفة على حد سواء كما سبق.
الفتوة:
٢
الفتى لغة هو:
الشاب الطريّ الحديث السّنّ، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَّى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُهُ إِنْزَهِيمُ
﴾ [الأنبياء: ٦٠]، وأصل الفتّة مشتقة من الفتى(٢).
الفتوّة اصطلاحًا:
الإحسان وكفّ الأذى عن الغير، واحتمال الأذى منهم، واستعمال الأخلاق الكريمة مع
الخلق (٣).
(١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٢٩، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ١٥/٣، لسان
العرب، ابن منظور ٣٠٩/٤، تاج العروس، الزبيدي ٣٨١/١١.
(٢) انظر: الكليات، الكفوي ص ٦٩٦، تاج العروس، الزبيدي ٢٠٨/٣٩.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٤٣/٣، الكشف والبيان، الثعلبي ١٥٨/٦، بصائر ذوي التمييز،
الفيروزآبادي ٤/ ١٧٠، تاج العروس، الزبيدي ٢٠٨/٣٩، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية
٦٧٣/٢.
جَوْسُورَةُ التَّقَتَّـ
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٤٢

الرجولة
الصلة بين الرجولة والفتوة:
الرّجولة في أظهر معانيها تعني اتّصاف الإنسان بما يوصف به الرّجال عادة من الإيمان
والتقوى والكرم والشهامة والأخلاق الحسنة والمواقف البطولية، أمّا الفتوّة فإنّها تعني
اتّصاف المرء بما يوصف به الفتى من النّجدة والنّشاط وتوقّد الذّكاء (١).
المروءة:
٣
المروءة لغة:
الاتصاف بمحاسن الأخلاق وجميل العادات(٢).
المروءة اصطلاحًا:
الأفعال الجميلة المستتبعة للمدح شرعًا وعقلًا وعادةً (٣).
الصلة بين الرجولة والمروءة:
إن الرجولة تفيد القوة على الأعمال، ولهذا يقال في مدح الإنسان إنه رجل، والمروءة
تفيد أدب النفس، ولهذا يقال المروءة أدب مخصوص(٤).
الأنثى:
٤
الأنثى لغة:
خلاف الذكر من كل شيء (٥).
الأنثى اصطلاحًا:
الأنثى: خلاف الذكر، ويطلق على الشيء الذي فيه ضعف: أنثى، فيقال لما يضعف عمله:
أنثى(٦).
الصلة بين الرجولة والأنثى:
قال الزبيدي: ((ويقال: هذه امرأة أنثى إذا مدحت بأنها كاملة من النساء، كما يقال: رجل
ذكر، إذا وصف بالكمال من صفات الرجال، وهو مجاز))(٧).
(١) انظر: نضرة النعيم، مجموعة مؤلفين ٢٠٤٢/٥.
(٢) انظر: الصحاح، الجوهري ٧٢/١، لسان العرب، ابن منظور ١٥٤/١، تاج العروس، الزبيدي
١/ ٤٢٧.
(٣) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٢١٠، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٣٠٣.
(٤) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٧٧.
(٥) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٠٦/١٥، مجمل اللغة، ابن فارس ص ١٠٤.
(٦) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٩٣.
(٧) تاج العروس ١٥٩/٥.
www. modoee.com
٤٣

حرف الراء
منزلة الرجولة
تظهر منزلة الرجولة من خلال النقاط
الآتية:
أولًا: الرجولة نعمة:
إن الرجولة نعمة من نعم الله تعالى،
يمتن بها الله عز وجل على من يشاء من
عباده، ويدل على ذلك قول الرجل المؤمن
الذي يعلّم صاحبه الكافر، موبخًّا ومقرعًا،
ومذكرًا له بنعم الله عز وجل عليه، وأن
الرجولة نعمة من الله تستحق الشكر يقول
له: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن
تُطَّفَةٍ ثُمّ سَوَِّكَ رَجُلًا﴾﴾ [الكهف: ٣٧].
أي: قال له صاحبه المسلم وهو يحاوره:
أكفرت بالذي خلقك يعني خلق أباك،
وأصلك من تراب، ثم خلقك من نطفة،
يعني ماء الرجل والمرأة، ثم سواك رجلًا،
أي: عدلك بشرًا سويًّا ذكرًا، ﴿لَّكِنَّا هُوَ اللهُ
رَبِّ﴾ [الكهف: ٣٨]، يقول: أما أنا فلا أكفر
بربي، ولكنا هو الله ربي، فقد اعتبرت الآية
أن الرجولة من نعمة الله تعالی یجب شکرها
على الإنسان (١).
كما أن الرجولة نعمة من نعم الله تعالى
(١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ١٧١/٦،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٥١٦/٣، مفاتيح
الغيب، الرازي ٤٤١/٦، التفسير القرآني
للقرآن، عبد الكريم يونس ٣/ ١٠٧٠، تفسير
الشعراوي ٥/ ٣٠٦١.
وهي صفة كمال يتميز بها الرجال عن
النساء، ويتمثل ذلك من عدة أمور: العقل،
والدية، والمواريث، والقوامة، والإمامة،
والقضاء، والشهادة، والجهاد، والغنيمة،
والطلاق، والرجعة، وقد أوضح هذا المعنى
في آيات في كتابه العزيز منها: قوله تعالى:
﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمٌّ فَإِنِ
لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:
٢٨٢].
وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَِّى
خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسِ وَبِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا
رِجَالاً كَثِيرًا وَسَآءُ ﴾ [النساء: ١].
وقوله تعالى: ﴿لَلِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَّرَكَ
اَلْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنَّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ
أَلْوَالِدَانِ وَالْأَقْرِبُونَ﴾ [النساء: ٧].
ثانيًا: النبوة والرجولة:
ذكر القرآن الكريم أن رسل الله تعالى
كلهم رجال، ويدل على ذلك قوله تعالى:
﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّ رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِم
مِنْ أَهْلِ اَلْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩].
وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا
رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِمَّ فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُتُوْلًا
تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: ٤٣].
وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا
رِجَالًا نُوحِىّ إِلَتْهِمْ فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنِ كُمْلَا
تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنبياء: ٧].
٤٤
جوية
الْقُرْآن الكَرِيمِ

الرجولة
﴿وَمَآ أَزْسَلْنَا مِنْ
وقوله سبحانه:
قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَهُ لَآ إِلَهَإِلَّ أَنْ
فَاعْبُدُونِ (٢٥)
﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وقوله جل شأنه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ
مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبٍِّ إِلَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ
فيّ أُمِْيَّتِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ﴾
[الحج: ٥٢].
وكلمة رجال في حق الأنبياء عليهم
السلام لها معنيان:
أحدهما: أن النبوءة لا تنافي البشرية،
وأن جميع الأنبياء عليهم السلام من
جنس الرجال، بمعنی لم یکونوا نساءً، ولا
ملائكةٌ، ولا من الجن، ولا خلقًا آخر، وإنما
كانوا بشرًا، يأكلون الطعام، ويمشون في
الأسواق، ويتزوجون، ويولد لهم، ونحو
ذلك من صفات البشر، إلا أن الله تعالى
فضلهم بوحيه ورسالته وشرفهم على خلقه.
ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ
مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِي
اْأَسْوَاقِّ لَوْلًا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكُ فَيَكُونَ مَعَهُ.
أَوْ يُلْقَىَ إِلَيْهِ كَنْزُّ أَوْ تَكُونُ لَهُ.
٧
نَذِیرًا
جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَاً وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن
تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًّا مَسْحُورًا ﴾ [الفرقان:
٧-٨].
وكذلك قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ
الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُونَ الَّعَامَ
وَيَسْشُونَ فِىِ الْأَسْوَاقِ وَحَعَلْنَا بَعْضَكُمْ
لِبَعْضٍ فِتْنَةُ أَتَصْبِرُونَُ وَكَانَ رَبُّكَ
بَصِيرًا ﴾ [الفرقان: ٢٠].
فرد الله تعالى على المشركين الذين
تعجبوا أن يكون الرسول من البشر، أي: إن
جميع من سبقك من الرسل كانوا يأكلون
الطعام للتغذي به، ويمشون في الأسواق
للتکسب والتجارة، ولم يقل أحد إن ذلك
نقص لهم يغض من كرامتهم ويزري
بهم، ولم يكن لهم امتياز عن سواهم في
هذا، وإنما امتازوا بصفاتهم الفاضلة،
وخصائصهم السامية، وآدابهم العالية،
وبما ظهر على أيديهم من خوارق العادات،
وباهر المعجزات، مما يستدل به كل ذي لب
سليم وبصيرة نافذة على صدق ما جاءوا به
من عند ربهم، فمحمد صلى الله عليه وسلم
ليس بدعًا من الرسل، إذ يأكل ويمشي في
الأسواق، وليس هذا بذم له، ولا مطعن في
صدق رسالته كما تزعمون(١).
كما يشير القرآن على أن النبوة مقصورة
في الرجال وأن الله تعالى لو أرسل للبشر
ملگا لجعله رجلًا، وأنه لو کانت في الأرض
ملائکة یمشون مطمئنین، لنزل عليهم ملكًا
رسولًا، وإليه أشار قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْتَهُ
مَلَكًا لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَا
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٤٢٣/٧،
ملاك التأويل، الغرناطي ٢٦٨/٢، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٨/٢، تفسير
المراغي ١٦١/١٨.
www. modoee.com
٤٥

حرف الراء
يَلْبِسُونَ ﴾ [الأنعام: ٩](١).
فقد جعل الله تعالى الرسل من الرجال
من جنس البشر، ولو كانوا من الملائكة
لوقع النفار والشرود، لافتراق الجنسية، أي:
لیکون أقرب إليهم لئلا یقع تنافر، فکونھم
من البشر أقرب وأقوم للحجة؛ لأن الجنس
إلی جنسه أمیل، وأكثرهم تفهمًا وإدراكًا لما
يلقى عليه من أبناء جنسه، وليكونوا قدوةً لهم
في تطبيق ما يدعوهم إليه، فالرسول عندما
يبلغ منهج الله عليه أن يطبق هذا المنهج في
نفسه أولًا، فلا یأمرهم أمرًا، وهو عنه بعید،
بل هو إمامهم في القول والعمل (٢).
وقد أوضح القرآن هذا المعنى في آيات
عديدة منها: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى
اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولَا مِّنْ أَنفُسِمْ﴾ [آل
عمران: ١٦٤].
أي: من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته
وسؤاله ومجالسته والانتفاع به، وقال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ﴾ [الكهف:
١١٠].
(١) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ٢١٣/٢،
النكت والعيون، الماوردي ٨٨/٣، التفسير
الوسيط، الواحدي ٦٣/٣، معالم التنزيل،
البغوي ٢٨٣/٣، مفاتيح الغيب، الرازي
٢٠/ ٢١٠، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٧٤/٩،، التحرير والتنوير، ابن عاشور
٢٧٢/٢٣.
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٨٨/٣،
التفسير الوسيط، الواحدي ٦٣/٣، معالم
التنزيل، البغوي ٢٨٣/٣.
وقال تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَإِلَّا
رِجَالًا تُوجِىّ إِلَيْهِم مِنْ أَهْلِ اَلْقُرَى﴾ [يوسف:
١٠٩].
فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسل
إليهم منهم، بحيث يمكنهم مخاطبته
ومراجعته في فهم الكلام عنه(٣).
وقوله تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ الجِنْ وَالْإِنسِ أَلَمْـ
يَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠].
في هذه الآية سؤال لهم يوم القيامة ولیس
من الجن رسل، وقال بعض الفقهاء: إن في
الجن رسل، واحتجوا بهذه الآية الكريمة،
وقال بعض العلماء: المراد بالرسل من
الجن نذرهم الذين يسمعون كلام الرسل،
فيبلغونه إلی قومهم.
ويشهد لهذا أن الله ذكر أنهم منذرون
لقومهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ
نَفَرََّ مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ
قَالُواْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ
﴾ [الأحقاف: ٢٩].
وقال بعض العلماء: ﴿رُسُلٌ مِّنَكُمْ﴾،
أي: من مجموعكم الصادق بخصوص
الإنس؛ لأنه لا رسل من الجن.
قال الشنقيطي: ((ويستأنس لهذا القول
بأن القرآن ربما أطلق فيه المجموع مرادًا
بعضه، كقوله سبحانه: ﴿وَجَعَلَ اَلْقَمْرَ
فِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، وقوله جل وعلا:
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٨/٢.
جوسين
القرآن الكريم
٤٦

لمجولة
﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَّرُوهَا﴾ [الشمس: ١٤]،
مع أن العاقر واحد منهم، كما بينه بقوله
جل وعلا: ﴿فَادَوْ صَاحَعٌ فَعَاطَى فَعَقَرَ )
[القمر: ٢٩]))(١).
وجعل الله تعالى الرسل من الرجال ولم
يرسل رسلًا من النساء؛ لأن طبيعة الرسول
قائمة على المخالطة والمعاشرة لقومه،
لأنه يظهر للجميع، ويتحدث إلى الجميع
ويبلغ الدعوة ليلا ونهارًا وفي كل الظروف
والأحوال، أما المرأة فالأصل فيها أنها مبنية
على التستر والحشمة، ولا تستطيع أن تقوم
بدور الأسوة للناس، ولو نظرنا لطبيعة المرأة
لوجدنا في طبيعتها أمورًا كثيرةً لا تناسب
دور النبوة، ولا تتمشى مع مهمة النبي، مثل
انقطاعها عن الصلاة والتعبد؛ لأنها حائض
أو نفساء (٢).
والثاني: أن صفات الرجولة التي تحلى
بها الأنبياء هي أعلى وأرقى صفات الرجولة
الكاملة التي لا يمكن أن يصل إليها غيرهم
من البشر، وذلك من الإيمان والتقوى
والصلاح والمروءة وخشية الله تعالى،
وتبليغ رسالته، والصبر على تحمل الشدائد،
والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر،
ومكارم الأخلاق التي تحلى بها الأنبياء
عليهم السلام.
(١) أضواء البيان ١/ ٤٩٣.
انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٤٠/٣.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦٧/١٣.
وقد ذهب جمهور الفقهاء والمفسرين
إلى أنه لم تكن النبوة في غير الرجال، قال
الإمام ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَمَاً
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَيْهِم مِّنْ
أَهْلِ الْقُرَىُّ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمُ وَلَدَارُ
اَلْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
١٠٩
[يوسف: ١٠٩]: ((يخبر تعالى أنه إنما أرسل
رسله من الرجال لا من النساء، وهذا قول
جمهور العلماء، کما دل عليه سياق هذه
الآية الكريمة أن الله تعالى لم يوح إلى امرأة
من بنات بني آدم وحي تشريع.
وزعم بعضهم أن سارة امرأة الخليل
وأم موسى ومريم بنت عمران أم عيسى
نبيات، واحتجوا بأن الملائكة بشرت سارة
بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله
تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾
[القصص: ٧].
ويأن الملك جاء إلى مريم فبشرها بعيسى
عليه السلام، وبقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ
اٌلْمَلَكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَتَكِ وَطَهَّرَكِ
وَأَصْطَفَكِ عَلَى نِسَةِ الْعَلَمِينَ (١) يَمَرْيَمُ
أَقْنُِّى لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرَّكَعِى مَعَ الرَّكِمِينَ
(٣)﴾ [آل عمران: ٤٢ -٤٣].
وهذا القدر حاصل لهن، ولكن لا يلزم
من هذا أن یکن نبیات بذلك، فإن أراد القائل
بنبوتهن هذا القدر من التشريف، فهذا لا
www. modoee.com
٤٧

حرف الراء
شك فيه، ویبقی الكلام معه في أن هذا هل
يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمجرده
أم لا؟ والذي عليه أهل السنة والجماعة، أنه
ليس في النساء نبية، وإنما فيهن صديقات،
كما قال تعالى مخبرًا عن أشرفهن مريم
بنت عمران حيث قال تعالى: ﴿مَّا الْمَسِيحُ
أَبْتُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ
الرُّسُلُ وَأُتُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ
اُلْطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥].
فوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقية،
فلو كانت نبية لذكر ذلك في مقام التشريف
والإعظام، فهي صديقة بنص القرآن))(١).
وبهذا يتبين أن النبوة والرسالة مقصورة
على الرجال فقط، ويدل على ذلك أداة
الحصر والقصر في قوله تعالى: ﴿ وَمَّاً
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِم مِّنْ
أَهْلِ اَلْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩].
وقوله سبحانه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ
إِلَّا رِجَالًا تُوجِىّ إِلَيْهِمَّ فَسَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنكُنتُمْ
لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: ٤٣].
وقوله جل وعلا: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا
رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَيْهِمْ فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُتُمْلَا
تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنبياء: ٧].
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦٢/٤.
وانظر فتح الباري، ابن حجر ٦/ ٤٧١، عمدة
القاري، العيني ٣٠٩/١٥.
صفات الرجولة
تظهر صفات الرجولة من خلال النقاط
الآتية:
أولًا: صفات إيمانية:
من صفات الرجولة الإيمانية التى ذكرها
القرآن ما يأتي:
١. أنهم يخافون يوم الحساب.
ذكر الله تعالى أن من صفات الرجولة
الحقة الخوف من الله تعالى، لأن من أعلى
صفات الرجولة الإيمان بالله، والخوف من
عذاب الله، قال تعالى: ﴿فِ بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ
تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيَهَا أَسْمُهُ يُسَمِعُ لَهُفِيهَا بِالْغُدُوِّ
رِجَالٌ لَّا تُلْهِمْ تَجَرَةٌ وَلَا بَيْعُ
وَالْأَصَالِ
عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوِ وَ إِنَِّالزَّكَوَةٌ يَخَافُونَ يَوْمًا
تَتَقَّلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ ﴾ [النور:
٣٦-٣٧].
وهذا النوع الفريد من الرجال موصوفون
بالوجل والخوف، قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا
نَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾ [النور: ٣٧].
إذ يخافون ذلك اليوم؛ لأنه یوم مجهول،
وذلك الیوم عظيم جداً، ومهول ومخوف،
قال تعالى: ﴿يُؤُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوَمَا كَانَ شَرُ.
مُسْتَطِيرًا ﴾ [الإنسان: ٧].
فقد قال الله تعالى عن الكفار بأنهم
يتركون العمل من أجل هذا اليوم: ﴿إِنَّ
هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًّا تَقِيلًاً
٤٨
الْقُرآن الكَرِيمِ

لمجولة
* [الإنسان: ٢٧].
٢٧
وقال تعالى منبهًا عن حال وأهوال هذا
اليوم: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل:
١٧].
فلا تجد صفات أعظم من هذه الصفات
في ذلك اليوم؛ حيث يتحول الطفل إلى شيخ
كبير السن شعره أبيض من شدة المخاوف،
وتذهل فيه المرضعة عما أرضعت، ولذلك
فإن هؤلاء لا يلامون أن يخافوا؛ لأنه يوم
يرجف فيه القلب رجفًا شديدًا، ومن شدة
الارتجاف يصعد هذا القلب حتى يسد
الحنجرة، يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار،
تتقلب فيه القلوب؛ لأن القلوب ترى أشياء لم
تكن تراها في الدنيا، وتتيقن منها، والأبصار
تشاهد أشياء لم تكن تشاهدها في الدنيا،
إنما کانت توصف لها وصفًا، وهذه قلوب
الملاحدة وأهل الشك، وكذلك الأبصار
تشاهد أشياء ما كانت تراها في الدنیا، بل
كانت تسمع عنها، فانقلب القلب إلى إدراك
أشياء ما كان يدركها من قبل، وانقلب البصر
إلی رؤية أشیاء لم یکن یراها من قبل(١).
ومن هنا على المسلم أن يأخذ درسًا
من هؤلاء، فمهما بلغ الإنسان من الصلاح
والتقى والإيمان والخشية لله عز وجل
وتطبيق أوامر الله، فيجب عليه أن يكون
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٢٠/١٦،
المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٠٣،
بصائر ذوي التمییز، الفيروزآبادي ٥٧٨/٢.
خائفًا دائمًا؛ لأنه لا يأمن يوم القيامة إلا من
خاف وحذر فى الدنيا (٢).
وإن الخوف الذي مدح الله تعالى به
المؤمنين، وحثهم عليه، هو الخوف الذي
یراد به فعل الخيرات المأمور بها، فإن مخافة
الله تكون بإقامة عباداته، واتباع أوامره
واجتناب نواهيه، والكف عن المعاصي،
ونهي النفس عن الهوى، المذكور في قوله
تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ
عَنِ المُوئ (ن)
٤١
فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى (
[النازعات: ٤٠-٤١].
وهو الخوف الذي يحمل صاحبه على
المسارعة في الخيرات، والمذكور في
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ
الْخَيْرَتِ وَ يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَا﴾ [الأنبياء:
٩٠].
وهذا الخوف هو المذكور في قوله
تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا
يُؤْمَرُونَ ﴾ [النحل: ٥٠].
وقوله تعالى: ﴿وَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ
سُوَءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١].
وقوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ, وَيَخَافُونَ
عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧].
ومدحهم بها في الدنيا وحثهم عليها
وأمنهم منها في الآخرة، وعلى ذلك حكى
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٩٨/٢٤، لباب
التأويل، الخازن ٢٩٩/٣.
www. modoee.com
٤٩

حرف الراء
عنهم بقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ
أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤](١) .
وهذا الخوف لا يجوز تعلقه بغير الله
تعالى؛ لأنه من لوازم الألوهية، ونهى الله
تعالى عن مخافة الشيطان، والمبالاة بتخويفه
فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُحَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ.
[آل
فَلَ تَّخَافُوهُمْ وَخَافُونٍ إِنْ كُمْ مُؤْمِينَ ()﴾
عمران: ١٧٥].
أي: فلا تأتمروا لشيطان وائتمروا لله(٢).
وقد جاء هذا الوصف في آيات أخرى
كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ
◌ِّ أَنْ يُؤْصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوْءَ الْحِسَابِ
[الرعد: ٢١].
وقوله تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ
رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَهُْ إِنَّ عَذَابَ رَيْكَ كَانَ
﴾ [الإسراء: ٥٧].
تَحْذُورًا (
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَقُلُوبُهُمْ
وَجِلَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
وقوله تعالى: ﴿ نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ
عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾
[السجدة: ١٦].
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦ /٤٢٠، تفسير
الراغب الأصفهاني ١٦٥/١، بصائر ذوي
التمييز، الفيروزآبادي ٥٧٨/٢.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص
٣٠٣، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي
٥٧٨/٢.
ولما سمعت عائشة رضي الله عنها هذه
الآية من رسول الله صلى الله عليه وسلم
قالت: (يا رسول الله! ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ
وَقُلُوبُهُمْ وَچِلَةً﴾، أهم الذین یسرقون ویزنون
ويفعلون الفواحش فيخافون؟ قال: لا، بل
هم قوم يصومون ويصلون ويتصدقون،
ويخشون ألا يتقبل الله ذلك منهم)(٣).
٢. أنهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن
ذکر الله.
ومن صفات الرجولة التي ذكرها الله
تعالى في كتابه العزيز: المحافظة على ذكر
الله والصلاة، قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِهِمْ
تَجِدَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ الَّهِ وَإِقَاءِ الصَّلَوَةِ وَإِنَِّ
الزَّكَوْءِ﴾ [النور: ٣٧].
فقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز رجال
أعمال، وتجار بيع وشراء، وأهل غنى وسعة
في هذه الحياة الدنيا، ليس لديهم وقت
للفراغ، لكن ومع ذلك الترف كله كانت
تجارتهم مع الله تعالى أغلى وأعز وأثمن
وأربح تجارة إلى نفوسهم، فكان ذكر الله
تعالى عندهم أربح تجارة، وكانت الصلاة
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٥٢٦٣،
١٥٦/٤٢، والترمذي في سننه، أبواب تفسير
القرآن، باب ومن سورة المؤمنون، رقم
٣١٧٥، ٣٢٧/٥، وابن ماجه في سننه، كتاب
الزهد، باب التوقي على العمل، رقم ٤١٩٨،
١٤٠٤/٢.
وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة
٣٠٥/١.
جوية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الرجولة
بالنسبة لهم أغلى وأثمن بيع يتاجرون فيه، عمر، قال سالم: مر عبد الله بن عمر بالسوق
وقد أغلقوا حوانيتهم وقاموا ليصلوا في
جماعة، فقال: فيهم نزلت: ﴿رِجَالٌّ لَّا نُلْهِيهِمْ
تَجَرَةُ وَلَا بَيْعُ عَنْ ذِكْرِ اَلَّهِ﴾.
فلم یکن یشغلهم شيء عن ذكر الله وعن
الصلاة، وهذه هي الرجولة الحقة التي
يستحق أهلها أن يوصفوا بالرجولة، فالرجل
الحقيقي هو الذي يحرص دائمًا على أن
يحقق أعلى المكاسب، وهؤلاء هم الذين
عناهم الله عز وجل بقوله تعالى: ﴿رِجَالٌلَا
نُّهِمْ بِحَرَةٌ وَلَا بِيعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَاءِ الصَّلَوَةِ وَإِنَِّ
الزَّكَوَةِ ﴾ [النور: ٣٧].
وهذه كلها تدل على تعظيم ورفع
مستوى هؤلاء الرجال، أي: ليسوا ذكورًا
فحسب ولكنهم رجال، ولذلك جاءت لفظة
﴿رِجَالٌ﴾ بلفظ التنكير، والتنکیر دائمًا يدل
إما على التحقير أو على التعظيم، والمراد
به هنا: التعظيم، وخص التجارة بالذكر؛
لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الصلاة
والطاعات، وأراد بالتجارة الشراء، وإن كان
اسم التجارة يقع على البيع والشراء جميعًا؛
لأنه ذکر البيع بعد هذا، كما في قوله تعالى:
﴿ وَ إِذَا رَأَوْأَنْجَرَةً﴾ [الجمعة: ١١](١).
ويأتي قوله تعالى: ﴿لَّا نُلْهِمْ تَجْرَةٌ وَلَا
بَعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾، تعريضًا بالمنافقين أصحاب
الحجج الواهية، المنشغلين عن الاتصال
بالله بالتجارة وبغيرها من الأعمال.
والآية نزلت في أهل الأسواق، قاله ابن
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٥١/٦، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٢٧٩/١٢،
الکشاف، الزمخشري ٥٣٦/٤.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم: (هم الذين يضربون
في الأرض يبتغون من فضل الله)، وقيل:
إن رجلين كانا في عهد النبي صلى الله
عليه وسلم، أحدهما بياعًا فإذا سمع النداء
بالصلاة، فإن كان الميزان بيده طرحه ولا
یضعه وضعًا، وإن کان بالأرض لم یرفعه،
وكان الآخر قينًا يعمل السيوف للتجارة،
فكان إذا كانت مطرقته على السندان أبقاها
موضوعة، وإن كان قد رفعها ألقاها من وراء
ظهره إذا سمع الأذان، فأنزل الله تعالى هذا
ثناء عليهما وعلى كل من اقتدى بهما(٢).
كما تشير الآية إلى أن الرجال لا تلهيهم
المناصب والأعمال والمشاغل بمختلف
أنواعها عن الصلاة والذكر وغيرها من
الواجبات.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٧٩/١٢.
www. modoee.com

حرف الراء
ثانيًا: صفات عبادية:
ومن صفات الرجولة العبادية التي ذكرها
القرآن ما يأتي:
١. الطهارة.
ذكر الله تعالى أن من صفات الرجال:
الطهارة، وأن الله يحب هؤلاء الرجال الذين
هذه صفتهم.
قال تعالى: ﴿لَمَسْجِدُّ أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ
أَوَلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيَةٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ
أَنْ يَنَطَهَّرُواْ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُعَلَّهِرِينَ﴾ [التوبة:
١٠٨].
وهؤلاء الرجال الذين تميزوا بأعلى
صفات الرجولة، وامتازوا عن غيرهم، هم
رجال يحبون أن يتطهروا من الأحداث
والجنابات والنجاسات المذمومة؛ طلبًا
لمرضاة الله سبحانه وتعالى، وأطلقت
المحبة في قوله: يحبون كناية عن عمل
الشيء المحبوب؛ لأن الذي يحب شيئًا
ممكنًا يعمله لا محالة، فقصد التنويه بهم
بأنهم يتطهرون تقربًا إلى الله بالطهارة،
وإرضاءً لمحبة نفوسهم إياها، بحيث
صارت الطهارة خلقًا لهم، فلو لم تجب
عليهم لفعلوها من تلقاء أنفسهم، ومجيء:
رجال، نكرة يشعر بعظمتهم عند الله،
وبخفاء صفاتهم على غيرهم لأنهم لا
يراءون بأعمالهم، وإنما يتوجهون بها إلى
خالقهم سبحانه وتعالى، والمراد بالرجال
الذين يحبّون أن يتطهروا، هم الذين يلقون
الله في الصلاة في المسجد، فهي صلاة
مقبولة، في مكان طاهر تؤدى فيه عبادة
خالصة لله، من شأنها أن تطهّر أهلها، الذين
يداومون عليها، ويقيمونها بقلوب مؤمنة،
خالية من الرياء والنفاق (١).
﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن
وجملة:
يَنَطَهَّرُوا﴾ ثناء على مؤمني الأنصار الذين
يصلون بمسجد رسول الله صلى الله عليه
وسلم ويمسجد قباء، وتعريض بمن لم
يتطهروا واتخذوا من النفاق طريقًا لهم حين
لجأوا إلى مسجد الضرار قاصدين التفرقة
بين المسلمين، أما هؤلاء الرجال المؤمنون
فقد تطهروا وفازوا بحب الله تعالى،
ومن أراد أن يحبه الله فليتطهر؛ لأن الله
تعالى لا يحب إلا المطهرين، والمقصود
بالمحبتين هنا: محبتهم التطهر أنهم یؤثرونه
ويحرصون عليه حرص المحب للشيء
المشتهي له على إيثاره، ومحبة الله تعالى
إیاهم، أنه یرضی عنهم ویحسن إليهم كما
يفعل المحب بمحبوبه، وفيه إشارة إلى أن
نفوسهم وافقت خلقًا يحبه الله تعالى، و کفی
بذلك تنويها بزكاء أنفسهم (٢).
(١) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ٢/ ٦٢،
أنوار التنزيل، البيضاوي ٩٨/٣، معالم
التنزيل، البغوي ٣٨٩/٢.
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٣٨٩/٢، مفاتيح
الغيب، الرازي ١٦ / ١٤٨.
٥٢
جوبيبو
القرآن الكريمِ

الرجولة
ودل الاهتمام بالطهارة البدنية على متصفين بصفات الرجولية، أهل الإيمان
والتقوى الصادقين المخلصين الموحدين،
هؤلاء الرجال من صفتهم عمارة المساجد
وبناؤها ووضع أسسها، إخلاصًا وصدقًا لله
عز وجل.
الإخلاص والصفاء والاستعداد التام
لملاقاة الله تعالی على أكمل وجه، وفي
أحسن الأحوال، وأطيب الهيئات، فالله
طيب لا يقبل إلا طيبيًا، وإكمال الطهارة
يسهل القيام في العبادة، ويعين على إتمامها
وإكمالها، والقيام بمشروعاتها، والتطهر من
الذنوب والمعاصي هو المؤثر في القرب من
الله تعالی، واستحقاق ثوابه ومدحه(١).
٢. عمارة المساجد.
إن من صفات الرجولة التي ذكرها الله
تعالى في كتابه العزيز: عمارة المساجد.
قال تعالى: ﴿فِي بُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
وَيُذْكَرَ فِيَهَا أَسْمُهُ يُسَبْعُ لَهُ فِهَا بِالْغُدُوِّ
وَالْأَصَالِ
رِجَالٌ لَّا تُلْهِهِمْ فِجَرَةٌ وَلَا بَيْعُ
عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَ إِنَِّ الزَّكَوَةٌ يَخَافُونَ يَوْمًا
تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ ﴾ [النور:
٣٦-٣٧].
كما يشير إلى عمارة المساجد قوله
تعالى: ﴿لَّمَسْجِدُ أُسِسَ عَلَ التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ
يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيَةٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن
يَنَظَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ﴾ [التوبة:
١٠٨].
وتحصل عمارة المسجد بأحد أمرين:
الأول: بناؤها لقصد وجه الله عز وجل،
وقد ذكر الله تعالى في هذه الآيات رجالًا
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٥٠٧/٥.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ
ءَامَنَ بِاَللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ
وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَّمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَىّ
أُوْلَيْكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾
[التوبة: ١٨].
وقوله تعالى: ﴿لَّمَسْجِدُّ أُسِسَ عَلَى
اُلتَّقْوَى﴾، إنه مسجد قباء الذي أسسه
رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه
أصحابه رضي الله عنهم، وصلى فيه أيام
مقامه بقباء من الاثنين إلى الجمعة، وقصد
بيناته منذ وضع أساسه في أول يوم تقوى
الله بإخلاص العبادة له، وجمع المؤمنين
فيه على ما يرضيه من التعارف والتعاون
على البر والتقوى، وقوله تعالى: ﴿أُسِّسَ
عَلَى التَّقْوَى﴾، استعارة مكنية، حيث شبهت
التقوى والرضوان بأرض صلبة يقوم عليها
البناء، ثم حذف المشبه به وأشير إلى شيء
من لوازمه وهو التأسيس، والتأسيس إحكام
أسس البناء وهو أصله، وتأسيس البنيان
بمعنى إحكام أمور دينه، أو تمثيل لحال من
أخلص لله وعمل الأعمال الصالحة، وفيه
إشعار بأن زکاء نفس الباني، وصدق نيته،
www. modoee.com
٥٣

حرف الراء
مؤثر في البناء، وأن تبرّك المكان، وكونه هذا المسجد -مسجد الضرار- بأهله الذين
بنوه، وأنه إذا بنوه على ضلال ونفاق وزيف،
مبنيًّا على الخير، يقتضى أن يكون فيه أهل
الخير والصلاح، ممن یناسب حاله حال
بانیه(١).
فهو بناء على خواء، على شفا جرف هار،
وأنه إذ ينهار فسینهار بهم في نار جهنم، فهم
بهذا قد ظلموا أنفسهم: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ﴾(٢).
وهذه المساجد المؤسسة على التقوى
والإخلاص وابتغاء وجه الله تعالى، وجمع
المؤمنين على محبة رسول الله صلى الله
عليه وسلم، والعمل على وحدة الإسلام،
أولى وأحق من غيرها بالصلاة فيها، وهي
مؤسسة بإذن الله تعالى، قال تعالى: ﴿مِنْ آَوَِّ
يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومُ فِيهِ﴾.
من عمارة المساجد، وهي: صورة الكفر
والنفاق والضرار، ومسجد بني رياءً وسمعةً
وصدًا عن منهج الله، على قاعدة أضعف
القواعد وهو الباطل والنفاق، الذي مثله مثل
شفا جرف هار، في قلة الثبات والاستمساك،
ووضع شفا الجرف في مقابلة التقوى لأنه
جعل مجازًا عما ينافي التقوى، يعني: أن
بناء هذا المسجد الذي بني ضرارًا كبناء على
حرف جهنم یتهور بأهله فيها، وهو قوله:
﴿فَهَارَ بِهِ﴾ أي: بالباني ﴿فِي نَارٍ جَهَنَّمَ﴾
[التوبة: ١٠٩].
قال ابن عباس: ((يريد: صيرهم النفاق
إلى النار»، وفي قوله تعالى: ﴿فَانْهَارَ پهِ،فِی
نَارِ جَهَنَّم﴾، تصوير للعاقبة التي ينتمي إليها
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤/ ٤٧٤.
جَوَبُور
الْقُرْآن الكَرِيمِ
قال تعالى: ﴿لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًّا لَمَسِْدُ
أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِيَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ
فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ
الْمُطَّهِرِينَ (
(١٠٨) ﴾ [التوبة: ١٠٨].
للفرق بين مقاصد أهل مسجد التقوى
ثم ذكر القرآن الكريم صورة أخرى وهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأنصاره،
ومقاصد أهل مسجد الضرار الذي زادوا به
رجسًا إلى رجسهم.
وقد وردت أحاديث عديدة في فضل بناء
المساجد وآدابها منها:
ما رواه عثمان بن عفان رضي الله عنه
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: (من بنى مسجدًا يبتغي به وجه
الله بنى الله له مثله في الجنّة وفي رواية بيتًا
في الجنة)(٣).
(٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٧١١/١،
التفسير الوسيط، الواحدي ٥٢٥/٢،
التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
٦/ ٨٩٧.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب من بنى مسجدًا، رقم ٤٥٠، ١ / ٩٧،
ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب
فضل بناء المساجد والحث عليها، رقم ٥٣٣،
٥٤

الرجولة
وما روته عائشة رضي الله عنها قالت:
(أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء
المساجد في الدور وأن تنظّف وتطيّب)(١).
الثاني: عمارتها بالتسبيح والتحميد
والتهليل والصلاة.
ذكر الله تعالى النوع الثاني من عمارة
المساجد، وهي عمارتها بالصلاة والتسبيح
والذكر، ويتلی فیها کتابه آناء الليل وأطراف
النهار، كما يشير إلى عمارة المساجد قوله
تعالى: ﴿فِ بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ
فِيَهَا أَسْمُهُ يُسَبْحُ لَهُ فِهَا بِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ
رِجَالٌ لَّا نُلْهِمِهِمْ تَجَةٌ وَلَا بَيْعُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَإِنَِّ الزَّكَوَةٌ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَّلَّبُ فِيهِ
اٌلْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ ﴾ [النور: ٣٦-٣٧].
فقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن
يَنطَمَرُوا﴾، أي فيه رجال يعمرونه بإقامة
الصلاة وذكر الله وتسبيحه فيه بالغدو
والآصال، ويحبون أن يتطهروا بذلك مما
يعلق بأنفسهم من أوضار الذنوب والآثام،
رجال معلقة قلوبهم بالمساجد، متصلة
قلوبهم بربهم، وأنهم لا تلهيهم تجارة ولا
٣٧٨/١.
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة،
باب اتخاذ المساجد في الدور، رقم ٤٥٥،
١٢٤/١، والترمذي في سننه، أبواب السفر،
باب ما ذكر في تطيب المساجد، رقم ٥٩٤،
٢/ ٤٩٠.
وصححه الألباني في صحيح أبي داود
٣٥٤/٢.
بيع عن الاتصال بالله (٢).
وهؤلاء الرجال مرتبطون بالمساجد
بالغدو والآصال، فعلاقتهم علاقة متينة
مع الله تعالى، لهذا لا يسبح له فيها بالغدو
والآصال إلا: ﴿رِجَالٌ﴾ التي جاءت نكرة،
ليكون في الوصف بعد ذلك اشتياق،
فغموض النكرة يجعل المتلقي يسأل: ومن
الرجال؟ وما صفاتهم؟ كما أن في تأخير
النكرة اعتناءً بالمؤخرة، وفي وصفه نوع
طول فيخل تقديمه بحسن الانتظام.
والتسبيح في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ.
فِهَا﴾، المقصود به الصلاة، وأطلق التسبيح
على الصلاة لأنه جزء منها، ويطلق الجزء
على الكل أحيانًا، وهؤلاء الكرام يديمون
هذا التسبيح ﴿يِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾، أوائل
النهار وأواخره، و کذلك الليل.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جُلََّ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ
خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا
[الفرقان: ٦٢].
وهؤلاء المديمون ذكره صباح مساء
ابتغاء خيره هم (رجال) عظام، وأي رجال
كبار فخام، ولذلك وصفهم بأنهم:
قُلْهِيهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ولا عن
﴿وَإِقَامِ الصَّلَوة﴾ بوقتها، فإنهم لا يؤخرون
شيئًا عن وقته، كما أمروا به، عدا ما هم عليه
(٢) انظر: تفسير المراغي ٢٦/١١، بيان المعاني،
عبد القادر العاني ١٤١/٦.
www. modoee.com

حرف الراء
من الأعمال الصالحة المذكورة، لعلمهم
بشدة هول يوم القيامة، وتوغل معرفتهم
بالله، وخالص يقينهم بأنهم مهما عبدوه
لم يؤدوه حقه ولا بعض حقه، وأن أعمالهم
کلها لا تؤهلهم دخول الجنة، إذا لم یشملهم
برحمته، ولعلمهم أنه تعالى لا يتقيد بشيء
ولا يسأل عما يفعل، وقد وفقوا للخوف
والخشية منه بفضله(١).
٣. أنهم يؤتون الزكاة.
كما أن من صفات الرجولة التي ذكرها
القرآن الكريم هي: إيتاء الزكاة التي جعلها
الله حقًا في أموال الأغنياء للفقراء.
قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِمْ نَجَرَةٌ وَلَا بَيْعُ
عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِنَِّ الزَّكُوَةٌ يَخَافُونَ يَوْمًا
تَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ ﴾ [النور:
٣٧].
لأن الزكاة أخت الصلاة، وتأتي الزكاة
في القرآن عادةً مقرونةً بالصلاة، من غير
فصل، ولا شك أن تطهير النفس بأعمال
البر، وإيتاء الزكاة تطهير للنفوس والأبدان
من أدناس الآثام، ودفع زكاة المال من
صفات المؤمنين المفلحين الوارثين الجنة؛
إذا كان المال والتصرفات الدائرة حوله، هو
المحك الذي تظهر به أخلاق الناس، لما
للمال من سلطان على النفوس، في جمعه،
(١) انظر: تفسير المراغي ٢٦/١١، بيان المعاني،
عبد القادر العاني ١٤١/٦.
وفي إنفاقه، وإيتاء الزكاة يحقق استعلاء
النفس على شحها الفطري، وإقامة نظام
لحياة الجماعة يرتكن إلى التكافل والتعاون،
ويجد الواجدون فيه والمحرومون الثقة
والطمأنينة، ومودات القلوب التي لم
يفسدها الترف ولا الحرمان (٢).
ولأن هؤلاء الرجال صدقوا مع ربهم ومع
أنفسهم في إعطاء الزكاة جاء قوله تعالى:
﴿وَإِنَِّ الزَّكَوَةِ﴾ لتفخيم ذلك وتعظيمه، إذ
عبر عنه بما يفيد ذلك من خلال التعبير بلفظ
الإيتاء، فلا يستعمل إلا في الشيء العظيم،
قال تعالى: ﴿وَءَاتَنَهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة:
٢٥١].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا﴾
[سبأ: ١٠].
فدل على أن هذه الزكاة من أفعال
المؤمنين الصادقين المفلحين، والتعبير
بالإيتاء فيه معنى القبول أيضًا(٣).
ويلاحظ من خلال الآيات أن إقامة
الصلاة وإيتاء الزكاة مرتبطة بعمارة
المساجد؛ لأن الإنسان إذا عمر المسجد أقام
الصلاة وآتى الزكاة؛ لأن عمارة المسجد إنما
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣١٢/٣٢،
في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٧٨٣/٥،
تفسير الشعراوي ١٢/ ٧٥٣٠، أضواء البيان،
الشنقيطي ٣٠٧/٥.
(٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص
٦١، الإتقان في علوم القرآن، السيوطي
٣٦٨/٢، الكليات، الكفوي ص ٢١٢.
٥٦
جوسى
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الرجولة
تلزم لإقامة الصلاة فيه، ولا يشتغل بعمارة على هذا المنهج، استمروا عليه، تشبثوا به،
وساروا غير مضطربين ولا متحيرين، لا
المسجد إلا إذا كان مؤديًا للزكاة؛ لأن الزكاة
واجبة وعمارة المسجد نافلة، ولا يشتغل
الإنسان بالنافلة إلا بعد إكمال الفريضة
الواجبة عليه(١).
تعيقهم العوائق، ولا تقف أمامهم الصعوبات
ولا الشهوات، ولا الشبهات التي يثيرها
أعداء الإسلام، نموذج فريد عجيب في
صدر الإسلام أوفوا بما عاهدوا عليه من
الصبر على البأساء والضراء، وحين البأس،
والثبات مع الرسول صلى الله عليه وسلم
من صفات الرجولة الأخلاقية التي
ذكرها القرآن ما يأتي:
والمقاتلة للأعداء، والطاعات، وتعظيم
العهد الذي عظمه الله تعالى(٢).
١. الوفاء بالعهد.
ثالثًا: صفات أخلاقية:
ذكر الله تعالى في كتابه العزيز أن من
صفات الرجولة الحقة: الوفاء بالوعد.
قال تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا
عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣].
وقد أثنى الله تعالى على الذين يوفون
بالعهد، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَهَدُواْ
اَللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُونَ الْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اُللَّهِ
مَسْئُولًا ﴾ [الأحزاب: ١٥].
وذمّ الذين ينقضون العهد من المنافقين
وغيرهم، فقال تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِيِهِ
الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ
إِلَّا الْفَسِقِينَ (٢)
مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ
يُوصَّلَ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِّ أُوْلَئِكَ هُمُ
الْخَسِرُونَ ﴾ [البقرة: ٢٦-٢٧].
﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ﴾، أي: عاهدوا الله ثم
صدقوا في الوعد، وصدقوا ما عاهدوا الله
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢/ ٣٤٢، أضواء
البيان، الشنقيطي ٣٠٨/٥.
﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ
عَلَيْهِ﴾، من المؤمنين من أصحاب محمد
صلى الله عليه وسلم من السابقين الأولين،
من الثبات للقاء العدو عكس المنافقين إذ
زادهم اللقاء جبنًا وإنكارًا لما وعدهم الله
ورسوله وتکذیبًا وجحودًا، أما هؤلاء الکرام
﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى تَحْبَدُ﴾، فمات شهيدًا في
واقعة أحد وفاء بنذره وعهده وميثاقه على
الاستمرار في القتال حتى النهاية، ﴿وَمِنْهُم
مَّن يَنْتَظِرُ﴾ الشهادة، ويتوقعها باشتياق
للفوز بما عند الله من الكرامة للشهداء، قال
الله عز وجل: ﴿وَمَا بَدَّلُواْتَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:
٢٣]، ما بدلوا ولا غيروا ولا انحرفوا، بل هم
مستقيمون على هذا المنهاج، ينتظرون أمر
الله تعالى أن يتوفاهم وهم سائرون على هذا
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣٧/٢٠،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣١/٢٢.
www. modoee.com
٥٧

حرف الراء
الدرب مستقيمون عليه، لا يلوون على شيء البشرية في تاريخها كله، ولم تصل إليها إلا
على حداء الإسلام وهدي الإسلام(٢).
إلا مرضاة ربهم عز وجل (١).
والوفاء بالعهد خلق من أخلاق الإسلام،
وسمة من سماته التي يحرص عليها،
ویکررها القرآن کثیرًا، ويعدها آیة الإيمان،
وآية الآدمية وآية الإحسان.
قال تعالى: ﴿﴿ لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ
قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِالَّهِ
وَأَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّيْنَ
وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْفَ وَاَلْبَتَمَى
وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِلِينَ وَفِى الْرِقَّابِ
وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوقُّونَ
بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِ الْبَأْسَآءِ
وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ أَلْبَأْسِنُ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ
[البقرة: ١٧٧].
١٧٧
وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
(وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيمِ إِلَّا
وقوله تعالى:
يَتِ هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ
الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٤].
وهي ضرورية لإيجاد جو من الثقة
والطمأنينة في علاقات الأفراد، وعلاقات
الجماعات، وعلاقات الأمم والدول، تقوم
ابتداءً على الوفاء بالعهد مع الله، وبغير هذه
السمة یعیش کل فرد مفزعًا قلقًا لا یرکن إلى
وعد، ولا یطمئن إلى عهد، ولا يثق بإنسان،
ولقد بلغ الإسلام من الوفاء بالعهد لأصدقائه
وخصومه على السواء قمةً لم تصعد إليها
(١) انظر: بيان المعاني، عبد القادر ملا ٤٦٣/٥.
وقد جعل القرآن الكريم نقض العهد من
صفات الكافرين والمنافقين.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ
مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ
يُوصَّلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِّ أُوْلَكَ هُمُ
[البقرة: ٢٧].
الْخَسِرُونَ {
كما بين الله تعالى أن الكافرين ليس لهم
عهد: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن
[الأعراف:
١٠٢
وَجَدْنَا أَكْتَرَهُمْ لَفَسِقِينَ
١٠٢].
وقد لعن الله تعالى من ينقض العهد، قال
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اَللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِثَقِهِ
وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ=َ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى
اْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الَّعْنَةُ وَلَمْ سُوَّهُ الدَّارِ
[الرعد: ٢٥].
وهذا نص صريح أن الله تعالى جعل
نقض العهد من الكبائر، و کذلك قوله تعالى:
وَلَقَدْ كَانُواْ عَنَهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُونَ
الْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا ﴾ [الأحزاب:
١٥](٣).
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣٧/٢٠،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣١/٢٢، في
ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ١٦١.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣٧/٢٠،
النكت والعيون، الماوردي ٣٨٩/٤، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ١٣١/٢٢.
٥٨
عَرُ النَّهِيَّ
جوبيبو
القرآن الكريمِ