النص المفهرس
صفحات 21-40
الدفع
بَلْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَ هُمْ وَلَا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَكَّ وَمَّا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾
[هود: ٩١].
تَعْنَوْاْ فِ اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿ يَقِيَّتُ اللَّهِ
خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينٌّ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ
بِحَفِيظٍ ﴾ قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ
تَأْمُرُكَ أَن تَتْرُكَ مَا يَعْبُّدُ ءَابَاؤُنَّ أَوْ أَنْ نَفْعَلَ
فِىّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَتؤََّإِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِنكُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن
٨٧
زَّبِّ وَرَزَقَنِ مِنْهُ رِزْقًا حَسَنَاً وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ
إِلَى مَآ أَنْهَنِكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ
مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ
أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٤-٨٨].
فقد أمرهم بترك الإفساد في الأرض
بنقص المكيال والميزان، وبخس الناس
أشياءهم، ونهاهم أن يعيثوا في الأرض
مفسدين، وبين لهم أنه ما يريد بذلك إلا
الإصلاح بفعل ما فيه نفعهم وصلاح
أمرهم، لكنهم أبوا إلا شقاقه ومدافعته عن
دعوته، وتبليغ رسالة ربه؛ فحذرهم مغبة
ذلك الشقاق بقوله: ﴿وَيَقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ
شِقَافِىَ أَن يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوجِ أَوْ
قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحْ وَمَا قَوْمُ نُوٍ مِّنكُمْ
بِبَعِيدٍ ٦ وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْه
إِنَّ رَبِّ رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٨٩-٩٠].
ولكن ما زادهم ذلك إلا شقاقًا وتعتًا
ومدافعة لشعيب عن تبليغ رسالة ربه،
مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَا تَقُولُ وَإِنَّا لَغَرَينِكَ فِينَا ضَعِيفًا
فذكرهم شعيب بالله، وقد نسوه
واتخذوه وراءهم ظهريًا، وبين لهم أنه ثابت
على دعوته غير آبه بتهديدهم، متوكل على
ربه: ﴿قَالَ بَقَوْمِ أَرَهْطِىَّ أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِّنَ
اللَّهِ وَأَمَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَ كُمْ ظِهْرِتَّ إِثَ رَبِّ
وَيَقَوْمِ أَعْمَلُواْ
بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ )
عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِّ عَمِلُ سَوْفَ تَعْلَمُونَ
مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ
وَارْتَقِبُوا إِ مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴾ [هود: ٩٢-
٩٣].
وقد فصل الله تعالى فسادهم وإفسادهم
في الأرض وصدهم من آمن عن سبيل الله
في سورة الأعراف فقال: ﴿وَ إِلَى مَدْيَنَ
أَخَاهُمْ شُعَيْبَاً قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ
مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتَكُم
بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِكُمْ فَأَوْقُواْ الْكَبْلَ
وَالْمِيزَانَ وَلَا نَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ
وَلَا تُفْسِدُواْ فِ اَلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
) وَلَا نَفْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَّطٍ تُوعِدُونَ
وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ
بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجَاً وَأَذْكُرُوّا إِذْ
كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَتَّرَكُمْ وَأَنْظُرُواْ كَيْفَ
وتهديده بالرجم لولا رهطه: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥-
٨٦].
www. modoee.com
٢٧
حرف الدال
ومن أعظم الناس فسادًا المنافقون، وقد فجاء الأمر بمدافعتهم بقتالهم وجهادهم
جهادًا كبيرًا بكل وسائل الدفع والمجاهدة،
وجعل ذلك سنة ماضية إلى يوم القيامة.
أطال القرآن في بيان أحوالهم وفسادهم في
عديد من سوره، فقال سبحانه في سورة
البقرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ
اْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ) يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
فِي قُلُوبِهِم قَرَضٌّ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضٌّاً وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيُّهُ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ
لَا نُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ
٢ أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَّا يَشْعُونَ﴾
[البقرة: ٨- ١٢].
قال تعالى: ﴿لَّيْنِ لَّوْ يَنْتَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ
فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِ الْمَدِينَةِ
لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا
قَلِيلًا ( مُّلْعُونِينَ أَيْنَمَا نُقِفُواْ أُخِذُواْ
وَقُتِّلُواْ تَفْتِيلًا ) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ
خَلَوْاْ مِن قَبْلٌ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اَللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾
[الأحزاب: ٦٠- ٦٢].
﴿بَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدٍ
وقال تعالى:
الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَنَّهُمْ
جَهَنَّةٌ وَرِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩].
وأمر الله نبيه والمؤمنین بدفعهم بما
يناسب حال الدولة الإسلامية، وواقع
المسلمين من القوة والضعف وغير ذلك،
ففي بداية العهد المدني أمر الله تعالى
رسوله بدفع أذاهم بالإعراض عنهم تارة، أو
بالإعراض عنهم مع الموعظة لهم.
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا
بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ أَلَّذِى
تَقُولٌ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١].
وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ
اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظُهُمْ
وَقُل لَّهُمْ فِىَ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا ﴾
[النساء: ٦٣].
وقد اختلف الحال بعد استقرار دولة
المسلمين وظهورها في المدينة آخر الأمر؛
٢٨
جَوَسُو
القرآن الكريم
الدفع
وسائل الدفع
تختلف صور الدفع ووسائله بين
المؤمنين والكافرين والمنافقين؛ فيعتمد
الكافرون والمنافقون كل وسيلة من
الوسائل غير متقيدين لله بطاعة ولا شريعة؛
فيستبيحون إثارة الفتن والقلاقل، وإثارة
الشهوات، وإشاعة الفواحش، ورذيل
الأخلاق، واستباحة القتل والدماء وصنوف
التعذيب بغير جريرة من المؤمنين مما فصله
القرآن في مواضع كثيرة.
أما المؤمنون فمتقيدون بشرع ربهم،
منطلقون في كل أعمالهم من قاعدة إيمانهم،
فلا فحش ولا غدر ولا رذيلة، ولا يأتون إلا
ما شرع الله وشرع رسوله صلى الله عليه
وسلم.
أولًا: وسائل الدفع لدى الكافرين
والمنافقين:
١. الدفع بإثارة اللغط والتشويش.
إثارة اللغط والتشويش على الدعوة
الإسلامية هي دأب الكافرين والمنافقين
في كل زمان ومكان، إما بالتشويش باللغو
الساذج المتعمد قديمًا، وإما بالتشويش
باللغو الذي تفنن فيه أعداء الإسلام في
تقديمه في صور عديدة حديثًا للتشويش
على صوت الحق، إما في صورة الفن الهابط
الرخيص الذي يؤجج الشهوات، أو البرامج
المشككة في الدين التي تثير الشبهات في
صور ووسائل عديدة، يتفنن أعداء الإسلام
في اختراعها يومًا بعد يوم.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ
◌ِذَا الْقُرْءَانِ وَالْفَوْاْفِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:
٢٦].
وهم في ذلك يحاولون عبئًا ﴿أَنْ يُطْفِئُواْ
نُورَ اَللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَيَأَبِىَ اللهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ
هُوَ الَّذِىّ
وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ )
أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ
عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ﴾
[التوبة: ٣٢ - ٣٣].
ونستطيع القول: إن أعداء الإسلام
قد كشروا عن أنيابهم بكل صور العداوة
للإسلام وأهله منذ اللحظة الأولى التي
انطلقت فيها دعوة النبي صلى الله عليه
وسلم.
«قال أبو عبيدة، عن عبد الله بن مسعود:
ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيًا،
حتى نزلت: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر:
٩٤]. فخرج هو وأصحابه))(١).
كانت هذه الصيحة من النبي صلى الله
عليه وسلم بمثابة الإعلان عن هذه الدعوة،
فبدأ ضعفاء الناس يتسللون إليها، ومنذ ذلك
اليوم أعلنت العداوة السافرة بين حزب
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ١٤/ ٤٧.
www. modoee.com
٢٩
حرف الدال
الموحدين وحزب المشركين، فعملت
قريش على مجابهة هذه الدعوة بأساليب
شتى، منها:
السخرية والتحقير، والاستهزاء
والتكذيب للنبي صلى الله عليه وسلم
والمؤمنين.
إثارة الشبهات والدعايات الكاذبة.
الحيلولة بين الناس وبين سماعهم
القرآن.
اضطهاد المؤمنين وتعذيبهم.
● الاعتداءات على النبي صلى الله عليه
وسلم.
مساومة النبي صلى الله عليه وسلم
علی ترك دعوته.
شعب أبي طالب(١).
٢. الدفع بإثارة الفتن والشبهات.
وهذا هو لون من ألوان الدفع بالمكر
والخديعة، وهو ما يهدف إليه الكافرون
ومنافقو أهل الكتاب الذين دخلوا في
الإسلام نفاقًا وابتغاء الفتنة للمؤمنين.
قال تعالى: ﴿وَقَالَت ◌َطَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ
الْكِتَبِ ءَامِنُواْبِالَّذِىَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ
أ وَلَا
٧٢
النَّهَارِ وَأَكْفُرُوَاْ ءَآَخِرَهُ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
تُؤْمِنُواْإِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّالْهُدَىْ هُدَى اللَّهِ
أَنْ يُؤْنَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ بُمَاْجُوٌ عِنْدَ رَبِّكُمْ
(١) انظر: الرحيق المختوم ص ١٠٠ - ١٤٠.
قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَسِعُ
ا يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَآَةُ وَاللَّهُ ذُو
٧٣
عَلِيمٌ
اٌلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٢-٧٤].
((ومعنى الآية أن اليهود قال بعضهم
لبعض: أظهروا الإيمان بمحمد في أول
النهار، ثم اكفروا به آخره؛ فإنكم إذا فعلتم
ذلك ظهر لمن يتبعه ارتیاب في دينه،
فیرجعون عن دینہ إلی دینکم، ويقولون: إن
أهل الكتاب أعلم به منا))(٢).
وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ
مَا وَلَُّهُمْ عَنْ قِبْلَئِمُ الَّتِ كَانُوا عَلَيْهَاً قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ
وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[البقرة: ١٤٢].
فهذه الآية وما بعدها من الآيات إنما
مقاطعتهم للمسلمين ثلاثة أعوام في نزلت لتعليم المؤمنين، كيف يحاورون
الطاعنين على الدين، وكيف يردون
شبهاتهم، حينما استغلوا حادث تحويل
القبلة لتشكيك المسلمين في عقيدتهم.
قال الإمام ابن كثير: ((قيل: المراد
بالسفهاء هاهنا مشركو العرب، قاله الزجاج،
وقيل: أحبار يهود، قاله مجاهد، وقيل:
المنافقون، قاله السدي، والآية عامة في
هؤلاء كلهم، والله أعلم)) (٣).
٣. الدفع بإثارة الشهوات وإشاعة
الفواحش.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤ /١٠٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٥٣/١.
٣٠
مَ شِاَرُ النَّفْسِيدْ
القرآن الكريم
الدفع
من أخبث صور الدفع لدى الكافرين وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَتْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا
أَذَى كَثِيرَاً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ
ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦].
الدفع بإفساد المؤمنين بإشاعة الفواحش
فیھم ودعوتهم للمیل عن دينهم الحق الذي
يأمرهم بزكاة نفوسهم واستقامة أخلاقهم
إلى سبيل الفواحش والشهوات.
فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ
عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ
تَميلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧].
ومن ثم توعدهم الله تعالى على ذلك
بعذاب أليم، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَمْ
حَذَابٌ أَلِيُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا
تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩].
٤. الدفع بإسماع المؤمنين الأذى
والطعن فيهم.
وهذه أيضًا صورة من صور الدفع التي
حكاها القرآن عن المشركين مما مر به النبي
صلی الله عليه وسلم وأصحابه، وقد كانت
سنة النبي صلى الله عليه وسلم خير تطبيق
لحكمة الدعوة في دفع هذا الأمر؛ امتثالًا
لتوجيهات القرآن الكريم في ذلك، فقد كان
النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ينالهم
الأذى من المشركين في بادئ الأمر، وكانت
التوجيهات القرآنية تأمرهم بدفع ذلك بالعفو
والصفح بما يناسب تلك المرحلة ﴿فَأَعْفُواْ
وَأَصْفَحُواْ حَتَّ يَأْتِىَ اَللَّهُ بِأَمْيِهِ﴾﴾ [البقرة: ١٠٩].
قال تعالى: ﴿لَتُبْلُوُنَ فِى أَمْوَلِكُمْ
ومن ذلك الأذى اللفظي الذي أسمعه
الكافرون والمنافقون للمؤمنين فيما لقيه
أتباع الرسل من أقوامهم في كل زمان
ومكان، نعتهم إياهم بالسفهاء أو الأراذل.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَّهُمْ ءَامِنُواْكَمَآ ءَامَنَ
النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ اَلْتُّمَهَآءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ
١) وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ
السُّفَهَلَهُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ
ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا
مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [البقرة: ١٣ - ١٤].
ففي هذه الآيات يحكي لنا القرآن
الكريم ما يدور بين المؤمنين والمنافقين
من حوارات حول الإيمان الحقيقي المبني
على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم
ولزوم منهجه، وهو ما عليه المؤمنون
الصادقون، كما يحكي لنا كذلك جواب
هؤلاء المنافقين للمؤمنين، وما يشتمل عليه
من سخرية واستهزاء وأنفة من اتباع ما عليه
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولزوم
سبيل المؤمنين.
((وإنما عنى المنافقون بقيلهم: أنؤمن كما
آمن السفهاء - إذ دعوا إلى التصديق بمحمد
صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من عند
الله، والإقرار بالبعث، فقيل لهم: آمنوا كما
www. modoee.com
٣١
حرف الدال
آمن الناس- أصحاب محمدٍ وأتباعه من
المؤمنين المصدقين به، من أهل الإيمان
واليقين، والتصديق بالله، وبما افترض
عليهم على لسان رسوله محمد صلى الله
عليه وسلم وفي كتابه، وباليوم الآخر؛ فقالوا
إجابة لقائل ذلك لهم: أنؤمن كما آمن أهل
الجهل، ونصدق بمحمد صلى الله عليه
وسلم، کما صدق به هؤلاء الذين لا عقول
لهم ولا أفهام؟)»(١).
بل زادوا علی ذلك بنعت الرسول صلى
الله عليه وسلم نفسه بالسحر والجنون
والضلالة والسفاهة وغير ذلك، والآيات في
ذلك كثيرة معلومة.
بل أعظم من ذلك تطاولوا على عرض
النبي صلى الله عليه وسلم إنگًا وزورًا، کل
ذلك لإضعاف المؤمنين، وتوهين عزائمهم.
٥. الدفع بالسخرية من المؤمنین.
من وسائل الدفع لدى الكافرين التي
يريدون بها إضعاف عزائم المؤمنين
السخرية الدائمة من المؤمنين، ومما هم
عليه من الحق والهدى؛ بل السخرية من
رموزهم وقادتهم، فلا يزال الكافرون قديمًا
وحديثًا يسخرون من الأنبياء والصالحين،
ويصورونهم في صورة قبيحة منكرة مخالفة
لحقیقتهم الناصعة؛ حتى صار ذلك سنة ثابتة
مع جميع المرسلين.
(١) جامع البيان، الطبري ١/ ٢٩٣.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ أُسْنُهْزِئَّ بِرُسُلٍ
مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم
مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴿ قُلّ سِيرُوا فِىِ
اُلْأَرْضِ ثُمَّ أَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١٠ -١١].
وقد كان هذا دأب المنافقين كذلك.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ
الْمُطَّوْعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى
الصَّدَقَتِ وَأَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهْ
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
[التوبة: ٧٩].
وقديمًا سخر الكافرون من نوح عليه
السلام، وحكى القرآن سخريتهم هذه فقال:
﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأَ مِّن
قَوْمِهِ، سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرٌ
مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن
يَأَنِيِهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَحِلُ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمُ﴾
[هود: ٣٨-٣٩].
ومن ذلك استهزاء بني إسرائيل بنبيهم
موسى عليه السلام فيما حكاه الله تعالى
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ
عنهم:
يَأْمُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ قَالُواْ أَتَّخِذُنَا هُزُواْ قَالَ
أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾ [البقرة:
٦٧].
فالحقيقة أنهم هم الذين يستهزئون بنبي
الله عليه السلام؛ إذ ينسبون إليه الاستهزاء
بهم فیما یبلغ من كلام ربه.
٣٢
جَوَُّور
الْقُرآن الكَرِيمِ
الدفع
ومن حوار الاستخفاف: استخفاف
فرعون بقومه في حواره إياهم وتعنته فيما
اشترطه في نبي الله موسى عليه السلام من
التحلي بمظاهر الزخرف والزينة الفارغة.
قال تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِ قَوْمِهِ.
قَالَ يَقَّوْمِ أَلَيْسَ لِىِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ
تَّرِى مِن تَحِْى أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿ أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ
هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ بُبِينُ فَلَوْلَا أَلْفِىَ
عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَةَ مَعَهُ اُلْمَلِكَةُ
مُقْتَرِنِينَ ﴿﴿ فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ كَذِبًا﴾، أضربوا عنه إلى ما هو أبلغ منه ترقيًا،
إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ﴾ [الزخرف: ٥١- من الأهون إلى الأغلظ من نسبة الجنون
إليه، وحاشاه صلى الله عليه وسلم، فكأنهم
قالوا: دعوا حديث الافتراء؛ فإن ههنا ما هو
أطم منه؛ لأن العاقل كيف يحدث بإنشاء
خلق جديد بعد الرفات والتراب))(١).
٥٤].
وقد سخر المشركون من النبي صلى الله
علیه وسلم.
قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ()
وَإِذَا ذُكِرُواْ لَا يَتَّكُرُونَ () وَإِذَا رَأَوْاْ ءَايَةٌ يَسْتَسْخُرُونَ
وَقَالُواْ إِنْ هَذَا إِلََّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ) أَهِذَا مِنْنَا وَكُنَاً
أَوَءَابَاؤُنَا الْأَوْلُونَ
١٦
نُرَبًا وَعِظَمًّا أَبِنَا لَمَبْعُونُونَ
[الصافات: ١٢- ١٧].
وأمثلته كثيرة في القرآن، منها ما حكاه
القرآن من حوار المشركين للنبي صلى الله
عليه وسلم: ﴿وَإِذَا رَأَوْلَكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا
هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى بَعَنَ اللَّهُ رَسُولًا ( إِن
كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلاً أَنْ صَبَّرْنَا
عَلَيْهَاْ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ
أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤١-٤٢].
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
هَلْ نَدُكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِقْتُمْ كُلَّ مُعَزَّقٍ
إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا
أَمَ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِفِ الْعَذَابِ
وَالضَّلَلِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ: ٧-٨].
قال الألوسي: ((أخرجوا قولهم: ﴿هَلْ
نَدُكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ﴾ [سبأ:٧] مخرج الظن
والسخرية متجاهلين برسول الله صلى الله
عليه وسلم، وبكلامه من إثبات الحشر
والنشر، وعقبوه بقولهم: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اُللَّهِ
ولا تزال محاولات الاستهزاء والسخرية
بالأنبياء والرسل ورموز الدين الحق مستمرة
إلى يومنا هذا، وسوف تستمر إلى قيام
الساعة؛ لأنها من صور تلك السنة الماضية
سنة التدافع بين الحق والباطل.
٦. الدفع بالمبالغة في العدة المادية.
يعتمد الكافرون والمنافقون في دفعهم
للمؤمنين على الأسباب المادية البحتة؛
وذلك أمر بدهي؛ حيث إنهم لا يؤمنون بالله
ولا باليوم الآخر؛ ولأنهم لا ينتظرون عونًا
ولا مددًا من الله تعالى؛ تراهم يبالغون في
(١) روح المعاني، الألوسي ٢٦٠/١٦.
www. modoee.com
٣٣
حرف الدال
إعداد العدة المادية إلى أبعد الحدود؛ وقد
أخبر الله عن المنافقين الذين يبطنون الکفر
بقوله: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوِجَ لَأَعَدُوا لَهُ عُدَّةً
وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ الْعَائَهُمْ فَشَبَّطَهُمْ وَقِيلَ
أَقْعُدُواْ مَعَ الْقَعِدِينَ ﴿ لَوْ خَرَجُوا
فِيَكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَ وْضَعُواْ خِلَلَكُمْ
يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيَكُتْ سَمَّعُونَ لَهُمُّ وَاللَّهُ
عَلِيمٌ بِلَِّمِينَ ﴿ لَقَدِ أَبْتَغَوْ أَلْفِتْنَةَ مِن
قَبْلُ وَقَلَبُوا لَكَ الْأُورَ حَتَّى جَآءَ الْحَقُّ
وَظَهَرَ أَمُْ اَللَّهِ وَهُمْ كَرِهُونَ ﴾ [التوبة:
٤٦-٤٨].
٧. الدفع بالمبالغة في العدة البشرية.
ويتفرع مما سبق من عدم الإيمان
والتعويل على الأسباب المادية: المبالغة في
الحشد، وإعداد العدة البشرية - مهما كانت
قوتهم وسلطانهم-؛ لما يسيطر عليهم من
ملح وفزع وحذر شديد.
قال تعالى عن فرعون وحشده السحرة
لمواجهة موسى عليه السلام: ﴿فَأَرْسَلَ
فِرْعَوْنُ فِ الْمَدَّيِنِ خَشِرِينَ { إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْدِمَّةٌ
قَلِيلُونَ
وَإِنَّا لَجَبِيعُ
وَإِنَهُمْ لَنَا لَغَايِظُونَ
حَذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٣ - ٥٦].
((يقول تعالى ذكره: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِی
المنآپنِ ﴾ من یحشر له جنده و قومه))(١).
ولأن أعداء الحق يعتمدون في دفعهم
على الأسباب المادية وقوة العدد؛ ونظرًا
(١) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٣٥٠.
لكثرة الباطل وأهله؛ فهم يغترون بتلك
الكثرة، ويعولون عليها، ولكن: ﴿كَتَبَ
اللَّهُ لَأَغْلِيَنَّ أَنَا وَرُسُلِيَّ إِنَّ اللَّهُ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾
[المجادلة: ٢١].
قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعُ مُنْنَصِرٌ
سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبْرَ﴾ [القمر: ٤٤-
٤٤
٤٥].
ومع هذا الحشد والجمع من الكافرين،
لا يسع المؤمنين إلا الاعتصام بالله،
والاحتماء به، واللجوء إليه.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ
النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا
وَقَالُواْ حَسْبُنَا اُللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾
[آل
عمران: ١٧٣].
٨. الدفع بالتحالفات السياسية.
ويتفرع مما سبق من عدم الإيمان
والتعويل على المبالغة في الحشد، وإعداد
العدة البشرية: عقد التحالفات السياسية
لمدافعة الإسلام وأهله؛ فيجمعون لذلك
أحزابهم وحلفاءهم.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُواْ
نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتَكُمْ جُدٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
رِيحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَّرَوَّهَاْ وَكَانَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرًا ) إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقَكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ
مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ
الْحَنَاجِرَ وَتَظْتُّونَ بِاللَّهِ الْقُلُونَ هُنَالِكَ أَبْتُلِىَ
اَلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالََّ شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:
٣٤
جوسين
الْقُرآن الكَرِيْمِ
الدفع
٩-١١].
(عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن
رومان، في قول الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَذَكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتَكُمْ جُدٌ فَأَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ رِيحًا وَهُدًّا لَّمْ تَرَوَّهَا﴾، والجنود:
قريش وغطفان وبنو قريظة، وكانت
الجنود التي أرسل الله عليهم مع الريح:
الملائكة»(١).
٩. الدفع بالمقاطعة الاقتصادية.
من وسائل الدفع لدى الكافرين
للمؤمنين ما حكته كتب السيرة من المقاطعة
الاقتصادية والاجتماعية للنبي صلى الله
عليه وسلم وأصحابه، وحصارهم في شعب
أبي طالب؛ وذلك أنه: «حین بعث رسول
الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة آذاه قومه
وهموا به، فقامت بنو هاشم وبنو المطلب؛
مسلمهم وكافرهم، دونه، واُبوا أن يسلموه،
فلما عرفت قریش أن لا سبيل إلى محمدٍ
صلى الله عليه وسلم معهم اجتمعوا على
أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني
المطلب أن لا ینکحوهم ولا ینکحوا إليهم،
ولا يبايعوهم ولا يبتاعوا منهم.
وعمد أبو طالبٍ فأدخلهم الشعب شعب
أبي طالبٍ في ناحيةٍ من مكة، وأقامت قریشُ
على ذلك من أمرهم في بني هاشم وبني
المطلب سنتين أو ثلاثًا، حتى جهدواً جهدًا
(١) المصدر السابق ٢١٧/٢٠.
شدیدًا، ثم إن الله تعالى برحمته أرسل على
صحيفة قريشِ الأرضة فلم تدع فيها اسمًا
لله إلا أكلته، وبقي فيها الظلم والقطيعة
والبهتان، وأخبر بذلك رسوله، وأخبر به
رسول الله صلی الله علیه وسلم أبا طالبٍ،
واستنصر به أبو طالبٍ على قومه))(٢).
وواضح من هذه المقاطعة أن هدفها
هو إرغام المسلمين على التراجع عن
دينهم وعقيدتهم، أو على الأقل إضعافهم،
ومحاصرتهم؛ لئلا ينتشر دينهم؛ لما رأوا
من تأثير الدعوة الإسلامية على القلوب
والعقول والفطر السليمة.
وهذا هو ما يقوم به أعداء الإسلام في
كل زمان ومكان؛ لتحقيق تلك الأهداف
الخبيثة.
١٠. الدفع بالمقاطعة الاجتماعية.
لم تكن مقاطعة الكافرين للمسلمين في
شعب أبي طالب مجرد مقاطعة اقتصادية
فقط، بل كانت مقاطعة اجتماعية شاملة
شملت کذلك ألا ینکحوهم أو ینكحوا منهم
کذلك؛ وذلك لما یعلمون من تأثير ذلك في
زيادة عزلة المسلمين وحصارهم.
بل أعظم من ذلك وقعت المقاطعة
الاجتماعية، التي تخطت مجرد المقاطعة
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٥٩٤،
وأصله في صحيح البخاري رقم ١٥١٣،
وصحيح مسلم رقم ١٣١٤، عن أبي هريرة.
www. modoee.com
٣٥
حرف الدال
إلى الإيذاء والاضطهاد الديني في محيط
الأسرة؛ حيث يشير القرآن إلى مجاهدة
الآباء أبناءهم الذين أسلموا لردهم عن
دینهم.
قال تعالى: ﴿وَوَضَيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنَاً
وَإِن جَهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ
فَلَ تُطِعْهُمَاْ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُبْتُكُم بِمَا كُتُمْ
تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٨].
قال تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ
حَلَتْهُ أُمُّهُ، وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ فِ عَامَيْنِ أَنِ
أَشْكُرْ لِي وَلِوَلِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ ( وَإِن
جَهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَّكَ بِهِ، عِلَّمٌ.
فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا
وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ
فَأَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٤ -
١٥].
١١. الدفع بقتال المؤمنين
وإهلاكهم والقضاء عليهم.
من أعظم وسائل الدفع لدى الكافرين
للمؤمنين هو القتال، والحق أن قتال
الکافرین للمؤمنين ليس مجرد وسيلة، بل
هو وسيلة وغاية في الوقت نفسه؛ فهو وسيلة
من أعظم وسائلهم لرد المؤمنین عن دينهم،
وفتنتهم في عقيدتهم.
قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ حَّى
يَرُدُكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ أَسْتَطَعُواْ وَمَنْ
يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرْ
فَأُوْلَكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ
وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
[البقرة: ٢١٧].
وهم لا يكتفون في ذلك بمجرد القتال
والقتل؛ بل يتفننون في التعذيب بالمؤمنين،
وإهلاكهم والقضاء عليهم بشتى الصور،
والتاريخ قديمًا وحديثًا خير شاهد على
ذلك، وقد سجل القرآن والسنة فتنة الكافرين
للمؤمنين بالإحراق في الأخاديد في سورة
عظيمة باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن
عليها، هي سورة الأخدود (البروج).
وقد سجلت كتب التاريخ جرائم ومجازر
التتار والصليبيين واليهود للمسلمين على
مر التاريخ إلى يومنا هذا، ولیس ما يحدث
للمسلمين في بورما ببعید.
ثانيًا: وسائل الدفع لدى المؤمنين:
١. لزوم الإيمان والتقوى.
٢. الاعتصام بكتاب الله وسنة
رسوله صلی الله علیه وسلم.
٣. الاجتماع ونبذ الفرقة.
٤. الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر.
وثمة آیات عظيمة في سورة آل عمران قد
جمعت تلك الوسائل كلها؛ وذلك في قوله
تعالى: ﴿يَتُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَائِهِ.
مَوسُو ◌َةُ النَّصَيْ
القرآن الكريم
٣٦
الدفع
وَأَعْتَصِمُواْ
١٠٢
وَلَا تَوْتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ
بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءُ قَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم
بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ
فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اَللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ
نَهْتَدُونَ ﴿ وَلَتَكُن مِّنَكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ
وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠) وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَغَرَّقُواْ
وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَإِنَتُّ وَأُوْلَكَ لَمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٥].
والمتأمل في هذه الآيات يجد أن الله
تعالی قد بین فیها أهم سبل الدفع ووسائله
وأسسه العظيمة التي ينبغي أن يقوم عليها،
وهي:
١. لزوم الإيمان والتقوى والمحافظة على
الإسلام والتمسك به والموت علیه.
٢. الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله
صلى الله عليه وسلم؛ وذلك بالتمسك
بهما وعدم الحيدة عنهما إلى ما سواهما
من سبل البدعة والضلالة.
٣. الاجتماع ونبذ الفرقة؛ وذلك بالاجتماع
حول أصول الدين وثوابته، التي أسسها
الكتاب والسنة؛ ولذا جعل الله تعالى
التمسك بكتابه، وسنة نبيه هما مناط
الاجتماع والاعتصام.
٤. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
والتمسك بالكتاب والسنة، ولا ينجع
ولا يأتي بأثره ويكون له قوة في الدفع،
ونكاية في العدو، إلا باجتماع الكلمة؛
لذا تأخر بعد الوصية بها.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَقْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا
◌َّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا
تَشَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللّهَ
مَعَ الصَّبِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٥-٤٦].
ومن المعلوم أن تغيير الفساد والمنكر
أصل عظيم من أصول هذا الدين له أثره
الماضي في صلاح المجتمع، ودفع
صور الفساد التي يبثها أعداء الإسلام في
مجتمعاتنا؛ ولذا فهو أحد أربعة أسس يقوم
عليها بناء المجتمع المسلم.
ونستطيع أن نتبين ذلك إذا تأملنا سورة
قصيرة من سور القرآن كسورة العصر؛
حيث تبين أن معالم الفلاح والنجاح للفرد
والمجتمع المسلم إنما ترجع إلى أربعة
أركان أساسية، هي: الإيمان بالله، والعمل
الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي
بالصبر.
والتواصي بالحق إنما هو لزوم الأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر الذي هو
عماد التغيير والإصلاح، وهو قرين الإيمان
بالله تعالى، ودليل عليه؛ ولذا جعله النبي
وهو أعظم برهان على صدق الاعتصام صلى الله عليه وسلم في علاقة مطردة مع
www. modoee.com
٣٧
حرف الدال
الإيمان بالله تعالى قوة وضعفًا؛ فجعل الدفع والإصلاح بوسيلة الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر خطاب موجه لكل
قوته من قوة الإيمان وضعفه من ضعف
الإيمان.(١)
مسلم بالشروط الواجب مراعاتها في الأمر
والنهي، بحسب ما يملك كل امرئ من
ولعظم هذا الأمر ولأهميته وخطورته؛
قدمه الله تعالى في وصف هذه الأمة على
وصفهم بالإيمان بالله تعالى؛ وذلك لما
ناط الله تعالى بهذه الأمة من مهمة التغيير
والإصلاح ودفع الفساد والمنكر في العالم
كافة، وأعظم المنكر كفر بالله تعالى.
العلم والحكمة، وعلى قدر ما يستطيع،
وليس مقتصرًا على العلماء والمحتسبين
المنتصبين لذلك؛ ففي مسائل الدين
كالصلاة والصيام ما هو معلوم بالضرورة
لكل مسلم، ويستطيع أن يأمر بذلك من ولي
عليه من أهله، أو رعيته بالحكمة والموعظة
الحسنة؛ فإن لم يستطع ذلك لعي أو عجز
أو ضعف أو جهل؛ حث غيره من القادرين
على ذلك وأعانهم عليه.
قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ
أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ
اَلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْتَرُهُمُ الْفَسِقُونَ﴾
[آل
عمران: ١١٠].
فجعل الله تعالى خيرية الأمة منوطة
بالقيام بهذا الواجب العظیم، الذي هو أساس
دفع كل فساد وظلم، ولعل هذه الآية توضح
أن المراد بمن في قوله: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ ﴾
في الآية الأخرى ليس هو التبعيض، كما
ذهب إليه أحد الفريقين في تفسير الآية.
ولذا فإن البحث يرجح أن تكون مهمة
(١) وذلك في حديث أبي سعيد عن النبي صلى
الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره
بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع
فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).
أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان،
٦٩/١، رقم ٤٩.
وذلك على أرجح القولين في قوله
تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ
وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
ولذا نجد النبي صلى الله عليه وسلم
يؤكد على خطورة إهمال تغيير المنكر فيقول
صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود
وغيره بإسناده: ((عن إسماعيل، عن قيسٍ،
قال: قال أبو بكرٍ: بعد أن حمد الله، وأثنى
عليه: يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية،
وتضعونها على غير مواضعها: ﴿عَلَيْكُمْ
أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾
[المائدة: ١٠٥].
قال: عن خالدٍ، وإنا سمعنا النبي صلى
مَشَ الَرُ النَّفْسِيْ
جوسين
الْقُرآن الكَرِيْمِ
٣٨
الدفع
الله علیه وسلم يقول: (إن الناس إذا رأوا
الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن
یعمهم الله بعقاب)، وقال عمرو: عن
هشيم، وإني سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: (ما من قومٍ يعمل فيهم
بالمعاصي، ثم يقدرون علىّ أن يغيروا،
ثم لا یغیروا، إلا یوشك أن یعمهم الله منه
بعقاب)، قال أبو داود: ورواه كما قال خالدٌ
أبو أسامة: وجماعةٌ، وقال شعبة فیه: (ما من
قومٍ يعمل فيهم بالمعاصي هم أكثر ممن
يعمله)))(١).
٥. الدفع بالتي هي أحسن.
لعل من أجمل ما يتميز به أهل الإيمان
في دفعهم للباطل وأهله أنهم يدفعون بالتي
هي أحسن ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا؛
فما أمكن دفعه من الفساد بأخف الوسائل؛
لم يجز تعد هذه الوسيلة إلى ما هو أعظم
منها فتگّا وإهلاكًا، کما هو مشاهد من فعل
أهل الباطل من إسرافهم في استعمال القوة
المفرطة والميل إلى الإبادة العامة للإسلام
وأهله.
قال تعالى: ﴿أَدْفَعْ بِلَّى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةُ
نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦].
وقال تعالى: ﴿وَلَّاَ سْتَوِى لَلْحَسَنَّةُ وَلَا
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الملاحم،
باب الأمر والنهي، ١٢٢/٤، رقم ٤٣٣٨.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم
١٩٧٣.
السَّيِّئَةُ أَدَفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَ الَّذِى بَيْنَكَ
وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَإِىُّ حَمِيمٌ ﴿ وَمَا يُلَقَّنهَا
إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّنَهَا إِلَّا ذُوحَظٍ عَظِيمٍ﴾
[فصلت: ٣٤ - ٣٥].
وذلك في حال السلم، أما في حال
الحرب؛ فقد نهى رسولنا الكريم عن قتل
الطفل أو المرأة أو الشيخ الكبير أو من لا
يقاتلنا:
عن سلیمان بن بریدة، عن أبيه، قال: کان
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرًا
على جيشٍ، أو سريةٍ، أوصاه في خاصته
بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا،
ثم قال: (اغزوا باسم الله في سبيل الله،
قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا
تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا
لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى
ثلاث خصالٍ - أو خلالٍ - فأيتهن ما أجابوك
فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى
الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف
عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم
إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن
فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما
على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها،
فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين،
یجري علیهم حکم الله الذي يجري على
المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء
شيءٌ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم
www. modoee.com
٣٩
حرف الدال
أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُرَّمْنَا بَنِيّ ءَادَمَ وَحَلْنَهُمْ
فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ اُلَّيْبَتِ
منهم، و کف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله
وقاتلهم)(١).
وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾
[الإسراء: ٧٠].
عن ابن عباسٍ، قال: كان رسول الله
صلی الله علیه وسلم إذا بعث جيوشه قال:
(اخرجوا بسم الله، تقاتلون في سبيل الله
من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا
تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب
الصوامع) (٢).
فنری کیف ینھی النبي صلی الله علیه
وسلم عن الغدر، والتشفي بالأعداء،
والتمثيل بجثثهم، وعن قتال من لا يقاتل من
الضعفاء كالنساء والأطفال والعجزة، وانظر
کیف یجعل النبي صلی الله عليه وسلم
الدفع بالقتال آخر الدواء، وكأنه لا يقدم عليه
إلا مضطرًا؛ فأين ذلك مما يشوه به أعداء
الإسلام صورة النبي صلی الله عليه وسلم
وصورة الإسلام والمسلمين.
بل حث على دفع باطلهم العقدي
والفكري بالجدال بالتي هي أحسن كذلك،
حيث ينبني منهج الحوار في الإسلام على
أسس أخلاقية قويمة، تلتزم الصدق والعدل
والإنصاف، وتحترم الآخر، وتعطيه حقوقه
في الحوار كاملة، وتعترف بإنسانيته،
وتجعله هو والطرف الآخر على حد سواء،
ولا تبيح سبه، أو إهانته أو السخرية منه
-إلا أن يبدأ هو بذلك-، وترغب في العفو
عن إساءته، وعدم مقابلة السيئة بمثلها؛ بل
ترغب في دفعها بالتي هي أحسن، مع التزام
كل ما هو متقرر من آداب الحديث والحوار
والمجادلة.
وجماع ذلك في قوله تعالى: ﴿آدْعُ
فإن لم يكن بد من القتال والقتل؛ فقد إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ
وَحَدِ لْهُم بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ
بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِةٍ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾
[النحل: ١٢٥].
نھی رسولنا الكريم عن التعذیب والتمثیل،
وأمر بإحسان القتل حتى في الحيوان، فما
بالنا بالإنسان الذي كرمه الله على العموم
قال ابن جرير رحمه الله: «﴿وَحَدِلْهُم
◌ِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ يقول: وخاصمهم
بالخصومة التي هي أحسن من غيرها، أن
تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى، ولا
تعصه في القيام بالواجب عليك من تبليغهم
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب تأمير الأمراء على البعوث، رقم
١٣٥٧/٣،١٧٣١.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٦١/٤، رقم
٢٧٢٨.
وحسنه المحقق.
٤٠
جوبيه
القرآن الكريم
الدفع
رسالة ربك)» (١).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُّحَدِلُواْأَهْلَ الْكِتَبِ
إِلَّا بِأَلَِّى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمِّ وَقُولُواْ
ءَامَنَا بِالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا
وَإِلَهُكُمْ وَحِدٌ وَغَخْنُ لَهُ, مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:
٤٦].
((قال قتادة وغير واحد: هذه الآية منسوخة
بآية السيف، ولم يبق معهم مجادلة، وإنما هو
الإسلام أو الجزية أو السيف، وقال آخرون:
بل هي باقية أو محكمة لمن أراد الاستبصار
منهم في الدين، فيجادل بالتي هي أحسن؛
ليكون أنجع فيه، كما قال تعالى: ﴿آدْعُ
إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ
وَحَدِلْهُم بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنٌّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ
بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِةِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ﴾
[النحل: ١٢٥].
وقال تعالى لموسى وهارون حين بعثهما
فمقتضى قوله تعالى: ﴿يَأَلَّتِى هِىَ
إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ، قَوْلَا لَّيْنَا لَّعَلَّهُ يَنَذَكَّرُ أَوْ أَحْسَنٌ﴾ التزام كل خلق حسن جميل مع
المحاور، واجتناب كل خلق رذيل، وهذا
يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤].
مع كل محاور -وقيد أهل الكتاب هنا
وهذا القول اختاره ابن جرير، وحكاه عن
ابن زید.
لا مفهوم له- بعموم دلالة الآية الأولى؛
فالمسلم أولى بلا خلاف من الكتابي
وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمَّ﴾ أي:
حادوا عن وجه الحق، وعموا عن واضح
المحجة، وعاندوا وكابروا، فحينئذ ينتقل
من الجدال إلى الجلاد، ويقاتلون بما
يردعهم ويمنعهم، قال مجاهد: ﴿إِلََّالَّذِينَ
بإحسان معاملته، وخصوصية الكتابي في
إحسان محاورته لا تنفي أحقية غيره من
الكفار والمشركين والملحدين في إحسان
حوارهم ومجادلتهم.
(١) جامع البيان، الطبري ٣٢١/١٧.
ظَلَمُواْ مِنْهُمَّ﴾ يعني: أهل الحرب، ومن
امتنع منهم عن أداء الجزية.
قوله: ﴿وَقُولُواْ ءَامَنَّا بِأَلَّذِىّ أُنزِلَ إِلَيْنَا
وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾، يعني: إذا أخبروا بما
لا يعلم صدقه ولا كذبه، فهذا لا نقدم
على تكذيبه؛ لأنه قد يكون حقًا، ولا على
تصديقه، فلعله أن يكون باطلًا))(٢).
فالصواب أن جدال أهل الكتاب وغيرهم
بالتي هي أحسن ثابت ومحكم غير منسوخ،
وهو يقتضي حسن معاملتهم؛ بل والعفو
عن أذاهم، وحسن الأدب في حوارهم،
وعدم تكذیبھم فیما لم يرد في شرعنا ما
يشهد لاعتباره أو إلغائه، وإن كنا لا نعتقد
بالضرورة صدقه، ولكن الإنصاف يقتضي
عدم تكذيبهم فيه كذلك، وهذا غاية الأدب
والإنصاف في المحاورة.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨٣/٦.
www. modoee.com
٤١
حرف الدال
قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ
أَسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَتْلِغْهُ
مَأْمَنَّهُ, ذَلِكَ يِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦].
«قال أبو جعفر: یقول تعالی ذکره لنبيه:
وإن استأمنك، يا محمد، من المشركين،
الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم بعد انسلاخ
الأشهر الحرم، أحدٌ؛ ليسمع كلام الله
منك -وهو القرآن الذي أنزله الله عليه-
﴿فَجِرُهُ ﴾، يقول: فأمنه حتى يسمع كلام
الله وتتلوه عليه ﴿ثُمَّ أَتلِغْهُ مَامَنهُ﴾، يقول:
ثم رده بعد سماعه كلام الله - إن هو أبى
أن يسلم، ولم يتعظ لما تلوته عليه من كلام
الله فيؤمن- إلى مأمنه، يقول: إلى حيث
یأمن منك وممن في طاعتك، حتى يلحق
بداره وقومه من المشركين ﴿ذَلِكَ يِأَنَّهُمْ
قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾، يقول: تفعل ذلك بهم،
من إعطائك إياهم الأمان ليسمعوا القرآن،
وردك إياهم إذا أبوا الإسلام إلى مأمنهم،
من أجل أنهم قوم جهلة، لا يفقهون عن الله
حجة، ولا يعلمون ما لهم بالإيمان بالله لو
آمنوا، وما عليهم من الوزر والإثم بتركهم
الإيمان بالله))(١).
فأوجب إجارته ممن یتعرض له بسوء،
وتأمينه حتى يستطيع أن يسمع ويعقل كلام
الله بأمان تام، بل أو جب تأمینه - بعد إسماعه
ومحاورته- إلی المکان الذي یأمن فیه علی
(١) جامع البيان، الطبري ١٤ / ١٣٨.
صَوَنُوبَةُ المفتيـ
القرآن الكريمِ
نفسه، ويلحق بديار أهله من المشركين.
٦. الدفع عن طريق رد الشبه وكشف
حقيقة الباطل عن طريق وسائل
الإعلام المختلفة والحوار والمحاجة
والمناظرة.
معرفة سبيل المجرمين بهدف الحذر
منها، وكشفها وبيانها وإبطالها من أوجب
الواجبات لمن انتصب للدفع عن الإسلام
وأهله.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ اَلَيَتِ
وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥].
(قال: لتعرفها)»(٢).
وإذا كانت استبانة سبيل المجرمين
من واجبات الدين، ومن مهمات الدفع؛
وجب على المسلمين الإفادة من كل
وسيلة صالحة لذلك، سواء عن طريق
الكلمة المكتوبة، أو المسموعة، أو
المرئية، سواء بكتاب أو جريدة أو مجلة
أو إذاعات وفضائيات ومواقع الإنترنت
ومواقع التواصل الاجتماعي، وغير ذلك
من الوسائل الإعلامية العديدة التي يعج
بها العصر الحديث، وبرع أعداء الإسلام
في استخدامها والإفادة منها؛ لمدافعة الدین
الحق وأهله.
وقد بينا فيما سبق في التعريف بمصطلح
الدفع والمصطلحات القريبة، ما هو قريب
(٢) جامع البيان، الطبري ١١/ ٣٨١.
٤٢
الدفع
من مصطلح الدفع، كالحوار والمجادلة
والمحاجة والمناظرة، وذكرنا الفروق بينها،
وبعض ما يستدل به على ذلك من كتاب الله
تعالی.
والمقصود هنا بيان أن هذه الوسائل هي
من وسائل الدفع المهمة، بل لعلها تكون
هي وسيلة الدفع الوحيدة المتاحة حينما
تعجز الآلة العسكرية؛ لضعف الإمكانات،
أو لعدم تھیؤ الظروف لها.
وقد امتدح القرآن الشعراء الذين
ينتصرون بشعرهم لدين الله تعالى؛ حيث
استثناهم من الذم الذي ألحقه بالشعراء،
حيث نعتهم بالغواية والضلال والإضلال،
﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَذَكَرُواْ
اَللَّهَ كَثِيرًا وَأَنْتَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾، أي:
انتصروا لدينهم وعقيدتهم وأعراض
المسلمين بشعرهم.
قال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ
أَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِ كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ
٢٢٤
٢٢٥)
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ
مَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ وَذَكَرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا
وَأَنْنَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
أَنَّ مُنقَلَبٍ يَنَقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤-٢٢٦].
وعن كعب بن مالك رضي الله عنه أنه
قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله
تعالى قد أنزل في الشعر ما أنزل، فقال النبي
صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن يجاهد
بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما
ترمونه به نضح النبل)(١).
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع
لحسان منبرا في المسجد یقوم علیه قائمًا،
یفاخر عن رسول الله صلی الله علیه وسلم،
أو ينافح، ويقول رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (إن الله یؤید حسان بروح القدس ما
نافح أو فاخر عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم)(٢).
٧. الأخذ بما أمكن من أسباب
القوة البشرية والسياسية والاقتصادية
والعسكرية.
مما لا شك فيه أن الأخذ بأسباب القوة
المختلفة، لا سيما القوة العسكرية من أهم
آلات الدفع في معركة الإسلام مع قوى
الشر المختلفة، ولا نكون مغالين إذا قلنا: إن
کثیرًا من صور الانحراف الفكري لدی کثیر
من مفكري المسلمين إنما يرجع سببه إلى
ـهزيمة النفسية، التي ترجع إلى انبهارهم
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٤٥ / ١٤٧، رقم
٢٧١٧٤.
وصححه الشيخ الألباني في السلسلة
الصحيحة، رقم ١٦٣١.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الأدب، باب
ما جاء في إنشاد الشعر رقم ٢٨٤٦.
قال الترمذي: ((حديث حسن صحيح غريب)).
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
١٨٦٥.
www. modoee.com
٤٣
حرف الدال
بالقوة المادية والعسكرية التي عليها أعداء وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُواْ أُوْلَكَ
الإسلام.
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَّهُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢].
وقد أمرنا الله تعالی أن نأخذ بکل ما
نستطيعه، ويمكن أن تصل إليه أيدينا من
وسائل القوة.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم
مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ
عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا
نَعَلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ﴾
[الأنفال: ٦٠].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من
المؤمن الضعيف)(١).
والقوة تشمل القوة المادية، والقوة
العسكرية، وسائر أنواع القوة؛ لعدم الدليل
على التقييد بنوع دون آخر.
٨. التحالفات السياسية.
لا يستطيع المسلمون مدافعة أعدائهم
على قوتهم واجتماعهم إلا بتحالفهم
واجتماعهم، وموالاة بعضهم بعضًا؛ فقد
أوجب الله على أهل الإيمان الموالاة في
الدين والاجتماع والتآلف والتحالف علیه،
ونهاهم عن التفرق والتخالف.
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
قال تعالی:
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب
في الأمر بالقوة وترك العجز، رقم ٢٦٦٤.
جوبيبو
الْقُرْآن الكَرِيْمِ
وهيجهم على فعل هذه الولاية؛ بحرص
أعدائهم عليها فقال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ كَفَرُواْ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍَّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ
فِي الأَرْضِ وَفَسَادُ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣].
كذلك يجوز لهم بحسب المصلحة
عقد المعاهدات مع غيرهم، بحسب ما فيه
مصلحة الإسلام والمسلمين، كما عاهد
النبي صلى الله عليه وسلم يهود المدينة(٢).
٩. القتال.
القتال كما هو معلوم من أعظم وسائل
الدفع، وقد أخر الله تشريع القتال كوسيلة
للدفع من المسلمين لأعدائهم، وأمر قبل
ذلك بالعفو والصفح.
قال تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ
وَأَهْجُرْهُمْ هَجْرَّاجَمِيلًا ﴾ [المزمل: ١٠].
والآيات في ذلك كثيرة، ثم نسخت تلك
الآيات بآية السيف، والآيات المشابهة لها،
مثل قوله تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ
يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَفْتَدُوْاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠].
وقوله تعالى: ﴿أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقْتَلُونَ
بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾
(٢) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ٥١٣/١،
السيرة النبوية، ابن كثير ٣٤٢/٢.
٤٤
الدفع
[الحج: ٣٩].
وقوله تعالى: ﴿قَئِلُوا الَّذِينَ لَا وسلم بأسباب القوة؛ حماية للدعوة
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا
حَتَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُواالْكِتَبَ حَّ يُعْعُواْ الْجِزْيَةَ
عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
ورغم قوة النبي صلی الله عليه وسلم
في المدينة فكان يعمل قاعدة الحكمة
والموازنة بين المصالح والمفاسد في
التعامل مع المناوئين من اليهود والمنافقين
والعرب؛ حتى تستوي قوة الدولة في
المدينة، وذلك عملاً بتوجيهات القرآن
الكريم حيث أمره بالعفو عن المنافقين
في بادئ الأمر والإعراض عنهم:
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظُهُمْ وَقُل لَّهُمْ
فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا ﴾ [النساء: ٦٣].
أما بعد تمكن الدولة؛ فقد جاء الأمر
بتبعهم وقتالهم وقطع دابرهم والإغلاظ
لهم: ﴿َلَّيْنِ لَّمْ يَنْتَهِ الْمُنَفِقُونَ وَِّينَ فِ قُلُوبِهِم
قَرَضْ وَالْمُرْحِفُونَ فِ الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ
بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا
٦٠
مَّلْعُونِينٌ أَيْنَمَا تُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ
تَفْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠-٦١].
وهكذا كان أخذ النبي صلى الله عليه
الإسلامية، وتمكينًا لها، مع العمل بميزان
الحكمة في ذلك، وإعمال قاعدة الموازنة
بین المصالح والمفاسد.
وقد أنزل الله تعالى في سورة الحج
الإذن بالدفع بالوسيلة القتالية؛ فقال تعالى:
﴿أَذِّنَ لِلَّذِينَ يُقْتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ وَإِنَّ
اللّهَ عَلَ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) الَّذِينَ أُخْرِحُواْ مِنِ
دِيَدِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ
وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِعْضٍ لَّذِّمَتْ صَوَيِعُ
وَبِيَعٌ وَصَلَوَتُ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ
اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ:
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٣٩-٤٠].
فأذن تعالى للمظلومين في قتال الظالمين
ومدافعتهم بالقوة؛ لئلا يستشري الفساد في
الأرض، وتنتهك الحرمات، وتضيع معالم
الخير، بضراوة أهل الظلم والطغيان،
وتعديهم على مواضع العبادة وتخريبها،
وذلك عنوان على أقبح صور الإفساد في
الأرض؛ لأنه هتك لسياج الحرمات الفردية
والجماعية في أقدس مقدساتها(١).
هذا والدعوة الإسلامية مأمورة بإعداد
وصالح النبي صلى الله عليه وسلم القوة والأخذ بأسبابها في جميع المراحل
بحسب الاستطاعة، وهذا لا ينافي الأمر
اليهود، وعاهدهم في بادئ الأمر، ثم لما
نقضوا عهدهم؛ قاتلهم وأجلاهم عن
المدينة.
(١) انظر: القرآن العظيم هداية وإعجاز، محمد
صادق عرجون ص٣٠٨.
www. modoee.com
٤٥
حرف الدال
بالصبر، واحتمال الأذى من أعداء الدعوة
في مرحلة البيان؛ حتى تكسب تعاطف
الناس، وحتى تتمحص رسالتها للكشف عن
الحقيقة والدعوة إلى الحق، وحتى لا يظن
بها الظنون بابتغاء نوع من المنافع الدنيوية
المادية العاجلة، ومع ذلك فهي مأمورة
بالأخذ بأسباب القوة في جميع الأحوال
لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن
[الأنفال: ٦٠].
قُوَّةِ
ولكن في مرحلة البیان لا یزید الأمر عن
إعداد القوة دون استخدامها، أو إظهارها،
بخلاف مرحلة التمكن، واستقرار الدولة
الإسلامية؛ فإنها يشرع لها استخدام القوة
للدفاع عن الدعوة الإسلامية في وجه
أعدائها والتمكين لها، وصد ودحر كل من
يقف في سبيل إيصالها إلى الناس، كل ذلك
بما لا يتناقض مع قواعد الحكمة، والنظر في
ميزان المصالح والمفاسد، وعدم التعجل
لكسب أي مكاسب سياسية أو مادية، بل
المقياس الأول هو هداية الناس، وتبليغ هذا
الدين.
١٠ . المقاطعة الاقتصادية.
يتخذ المؤمنون المقاطعة الاقتصادية
سلاحًا ووسيلة من أهم وسائل الدفع
لأعدائهم، بحسب ما تقتضيه الحاجة
والمصلحة؛ فمعلوم أن المال قوام الحياة،
كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَكُمُ الَّتِى
جَعَلَ اللَّهُ لَكُرْقِيَمًا﴾ [النساء: ٥].
فهذا ثمامة بن أثال - ذلك الصحابي
الجليل- بعدما أسلم مع النبي صلى الله
عليه وسلم بمكة؛ ها هو يسن للمسلمين
بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم له سنة
المقاطعة الاقتصادية للمشركين والكافرين
المحاربين للإسلام؛ وذلك أنه: (لما قدم
مكة قال له قائلٌ: صبوت، قال: لا، ولكن
أسلمت مع محمد رسول الله صلی الله علیه
وسلم، ولا والله، لا يأتيكم من اليمامة حبة
حنطةٍ، حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه
وسلم)(١).
١١ . المقاطعة الاجتماعية.
من أهم الأسس التي يقوم الدفع عليها
عند المؤمنین، براءتهم من الكافرين، ومما
هم عليه من اعتقاد فاسد ينبني على الكفر
بالله واليوم الآخر.
قال تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَاذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُوْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ
أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ
فِي قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِنْةٌ
وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّتِ نَجْرِىٍ مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ
خَلِدِينَ فِيهَا رَضِىَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب وفد بني حنيفة، ١٧٠/٥، رقم
٤١١٤.
مَوَسُولَهُ النَّفِي
القرآن الكريمِ
٤٦