النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ سُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقِْرَآن الْكِرِيْمِ ٧٠ الدّفْعُ عناصر الموضوع مفهوم الدفع ٨ الدفع في الاستعمال القرآني ١١ الألفاظ ذات الصلة ١٣ أسباب الدفع ١٨ مجالات الدفع ٢٩ وسائل الدفع ٤٧ عواقب ترك الدفع ٤٩ نتائج الدفع ١٠ المُجَلَّدُ الخَامِسْ عَشَر حرف الدال مفهوم الدفع أولًا: المعنى اللغوي: دفع: الدال والفاء والعين أصل واحد مشهور، يدل على تنحية الشيء. يقال: دفعت الشيء أدفعه دفعًا، ودافع الله عنه السوء دفاعًا (١). والدفع: الإزالة بقوة (٢). ومنه يتبين لنا: أن الدفع معناه: الإزالة بقوة لكل ما يعرض من ضرٍ وأذى، كدفع بلية، أو دفع صائل ونحوه، وهي تدل على عموم الإزالة والإزاحة، والدفع لكل ما يدفع أو يندفع، حتى إنهم يقولون: تدفع السيل واندفع، أي: دفع بعضه بعضًا(٣). والدفع إما أن يكون من الشخص لصالح نفسه، أي: يدفع الأذى عن نفسه، أو لصالح غيره، أي: يدفع الأذى عن غيره، كقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَيْتِلُواْ فِي سَبِيلِ اُللَّهِ أَوِ أَدْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّأَ تَّبَعْنَكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنَّ يَقُولُونَ يَأَقْوَهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ( الَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ قُلْ فَأَدَّرَهُواْ عَنْ أَنفُسِكُمُ اَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٧ -١٦٨]. فإنه شمل أمرهم دفع أذى الكافرين عن أنفسهم، وعن إخوانهم من المسلمين بحسب الظاهر، والآية الأخيرة أمرتهم على سبيل التعجيز - إن هم خافوا الموت بامتثال الأمر بالدفع - أن يدفعوا عن أنفسهم الموت إن كانوا صادقين. وقديكون الدفع متبادلًا من شخصين أو فریقین؛ فیسمى حينئذ (دفاعًا)، و(تدافعًا)؛ لدلالة الدفاع والتدافع على الاشتراك في الفعل، فالأول فعله (دافع)، والثاني فعله (تدافع) مثل: (قاتل) و(تقاتل)، كلاهما يدل على المشاركة، ففي معنى التشارك ذكروا أن الصيغ (فاعل)، كخاصم، و(افتعل)، كاختصم، و(تفاعل) كتخاصم - تشترك كلها في هذا المعنى (٤). ومنه تدافعوا الشيء: دفعه كل واحد منهم عن صاحبه. وتدافع القوم: دفع بعضهم بعضًا (٥). ومن خلال ما سبق عرضه من كلام أهل اللغة يتبين لنا أن كلامهم في معنى الدفع ومشتقاته يدور حول إزالة الشيء بقوة أو إزاحته بقوة. (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٨٨/٢. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٢٧٤/٥. (٣) انظر: المصدر السابق. (٤) نزهة الطرف في علم الصرف، الميداني ص١١١- ١١٢. (٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٧٤/٥. ٨ جوبيبو القرآن الكريمِ الدفع ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: الدفع إذا عدي بإلى اقتضى معنى الإنالة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْفَعُواْإِلَتِهِمْ أَمْوَهُمْ﴾ [النساء: ٦]. وإذا عدي بعن؛ اقتضى معنى الحماية، نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُّدَفِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الحج: ٣٨]. وقال: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ [الحج: ٤٠]. وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ , دَافِعُ ) مِنَ الَّهِ ذِى الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: ٢-٣]. أي: حام(١). تبين لنا مما سبق أن الدلالة اللغوية للدفع تدل على عموم الدفع لکل ما يدفع أو یندفع، أما الدلالة الاصطلاحية للدفع فسوف نقتصر فيها على بعض تلك الدلالة العامة فتكون: (دفع ما يلحق من الغير مما يعوق المسلم عن العمل للغاية التي خلق لأجلها، من كفر، وطغيان، وفساد، وشر، وإيذاء). ويمكن أن يسمى ذلك (دفعًا)، كما يمكن تسميته كذلك (دفاعًا، ومدافعةً، وتدافعًا)، باعتبار أن كلا من فريقي الحق والباطل يدفع الآخر. وفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ اَلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِعْضٍٍ لَّدِّمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُُّ: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] قرأ نافع بألف وكسر الدال (دِفَاع)(٢)، على اعتبار أن كلاً من أهل الحق المصلحين، وأهل الباطل المفسدين يقاوم الآخر ويقاتله ويدافعه (٣). (١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣١٦. (٢) الكشف عن وجوه القراءات السبع، مكي بن أبي طالب ٣٠٤/١. (٣) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٢ / ٤٩١. www. modoee.com ٩ حرف الدال الدفع في الاستعمال القرآني وردت مادة (دفع) في القرآن الكريم (١٢) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١ ﴾ [النساء: ٦] إِنَّ اللَّهَ يُّدُفِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الحج:٣٨] ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ أَدْفَعُواْ﴾ [آل عمران : ١٦٧] ٤ ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَتْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ اَلْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ المصدر ٤ (٥)﴾ [ البقرة: ٢٥١] اسم الفاعل ٢ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَيِّكَ لَوَيِّعْ ن مَّا لَهُ مِن دَافِعِ [الطور:٧-٨] ٨ وجاء الدفع في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: تنحية الشيء(٢)، ومما يجب التنبه له أن الدفع إذا عدي بـ (إلى) اقتضى معنى الإنالة، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَادَفَعْتُمْ إِلَّهِمْ أَمْوَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [النساء: ٦]. وإذا عدي بـ(عن) اقتضى معنى الحماية، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَفِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ﴾ [الحج: ٣٨](٣). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص ٢٦٠. (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٨٨/٢. (٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٦٠، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي ١٨/٢- ١٩. جوبيه القرآن الكريمِ ١٠ ١ ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَتْهِمْ أَمْوَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا الفعل المضارع فعل الأمر الدفع الألفاظ ذات الصلة الجهاد: ١ الجهاد لغة: الجهاد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب أو اللسان، أو ما أطاق من شيء، والاجتهاد والتجاهد: بذل الوسع والمجهود (١). الجهاد اصطلاحًا: بذل الجهد واستفراغه في مدافعة العدو (٢). الصلة بين الجهاد والدفع: جهاد الدفع نوع من أنواع الجهاد، والجهاد أعم صورًا. قال الراغب: ((والجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس. وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى: ﴿وَجَهِدُواْ فِ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِهِ﴾ [الحج: ٧٨]. وقوله تعالى: ﴿وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْفِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ [الأنفال: ٧٢]. والمجاهدة تكون باليد واللسان (٣). ٢ المحاجة: المحاجة لغة: والتحاج لغة: التخاصم، يقال: ((حاجه محاجةً وحجاجًا: نازعه الحجة، وحجه یحجه حجًا: غلبه على حجته. وفي الحديث (فحج آدم موسى) (٤)، واحتج بالشيء: اتخذه حجةً))(٥). (١) لسان العرب، ابن منظور ١٣٤/٣. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٠٨. (٣) المصدر السابق ص ٢٠٨. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب القدر، باب تحاج آدم وموسى عند الله، رقم ٦١٢٤، ومسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام، رقم ٤٧٩٣. (٥) المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٢/ ٤٨٢. www. modoee.com حرف الدال المحاجة اصطلاحًا: المحاجة إذا هي: مبادلة الخصم الحجة بالحجة، فهي مفاعلة من: حجه يحجه محاجة، والمفاعلة تكون من طرفين، كالمباراة والمباهاة والمباهلة والملاعنة ونحوها، فهي مبادلة الحجج بين خصمين، كل منهما متمسك بما معه، منافح عنه، ويحاول إقناع خصمه بما معه. الصلة بين المحاجة والدفع: المحاجة صورة من صور الدفع، كذلك للباطل وأهله، وهي من نوع التدافع؛ لأن كلّا من الفريقين يحاول أن يدفع حجة الآخر ويبطلها. ١٢ جوي القرآن الكريم قَضوري الدفع أسباب الدفع تحدث القرآن الكريم عن أسباب الدفع عند المؤمنين وعند الكافرين، وسوف نتناول في النقاط الآتية: أولًا: أسباب الدفع عند المؤمنين: لما كانت غاية المؤمنين هي عبادة الله تعالى، وامتثال أوامره كانت تلك الغاية هي المحرك الأول لهم في جميع أمور حياتهم؛ ومن ثم فإن أهم أسباب الدفع لدیھم مي: ١. تعبيد الناس لرب العالمين وحده. وقد كانت هذه الرسالة واضحة في جهاد الصحابة وفتوحاتهم المجيدة، فهذا ربعي بن عامر یحمل دعوة الإسلام للفرس، ويدخل على ملكهم، غير هياب، ولا وجل، ((فقال له رستم: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا، وجاء بنا؛ لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام؛ فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه))(١). ٢. نصرة الدين، وأن يكون الدين کله لله. (١) الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم والثلاثة الخلفاء، الحميري، ٤٥٨/٢. فالمؤمنون أمرهم الله تعالى أن يدفعوا الكفر وأهله؛ لئلا يكون لهم العلو في الأرض؛ فيعبدوا الخلق لغير خالقهم؛ فأمر المؤمنين أن يجاهدوا الكافرين والمشركين؛ ليكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا؛ وكلمة الكافرين هي السفلى. قال تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِثْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ أَننَهَوْاْ فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الَّلِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]. وقال تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَقَّ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ أَنْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]. وإذا صار الدين كله لله؛ ترتب على تحقيق ذلك كل الخير للعباد؛ مما سنكشف عنه في نتائج الدفع من حرية المعتقد، وحرية العبادة وأمكنتها، وإحقاق الحق، ورفع الظلم، وتمكين الحق وأهله، وخذلان الباطل وأهله. ثانيًا: أسباب الدفع عند الكافرين: إذا كانت أسباب الدفع عند المؤمنين تنطلق من منطلق إيمانهم وطاعتهم لله رب العالمين، وتحقيق عبوديته؛ فإن أسباب الدفع عند الكافرين تنطلق من منطلق كفرهم بالله، وسخطهم، وعداوتهم للمؤمنين به، ومحاولة ردتهم، وصدهم عن سبيل الله، www. modoee.com ١٣ حرف الدال وإفسادهم، وإشاعة الفاحشة بينهم. ومن أهم تلك الأسباب: ١. محاولة إطفاء نور الله ذلك، وأن عداوتهم للمؤمنين ما هي إلا بغي تعالى بإشاعة الكفر، وإفساد عقيدة المسلمین. لعل هذا يعد من أعظم أسباب دفع الکافرین المؤمنین، وقد يبدو ذلك مستغربًا؛ إذ قد يظن البعض أنه لا فائدة من ورائه لهؤلاء الكافرين، ولكنه الحقد -أولًا وقبل كل شيء- هو الذي يحرك أعداء المسلمين في قتالهم، ودفعهم، ورغبتهم في القضاء عليهم، ومحاولة إطفاء نور الله، ومحو كل مظاهر الإيمان وسلوكيات الطهر التي تذكرهم بجرائمهم، وتنكبهم عن سواء الصراط؛ ثم تأتي بعد ذلك بقية الأسباب من الاستحواذ على ثرواتهم ومقدراتهم وغير ذلك. وقد أخبر سبحانه عن مدى عداوة هؤلاء الكافرين للمؤمنين، كاشفًا عن أسباب قتالهم إياهم، مبينًا أن أعظم تلك الأسباب هو إفساد المؤمنين بدفعهم عن الإيمان إلى الكفر، وأن يردوهم عن دينهم حسدًا وبغيًا. فقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ حَقَّ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ أَسْتَطَهُواْ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُوْلَيْكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وأخبر تعالى عن مكنون صدورهم في وحسد فقال: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيَمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا ◌َبَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَقَّى يَأْتِىَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩]. كما بين سبحانه أنهم ما كفروا إلا بعد معرفتهم بالحق واستيقانهم به، وأنهم ما فعلوا ذلك إلا بغيًا على أنبياء الله تعالى وأتباعهم من المؤمنين. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ هُمْ كِنَبٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْمِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِئِّهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ ﴾ بِشْسَمَا أَشْتَرَوْاْ بِهِة أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ بَغْيَّا أَنْ يُنَزِّلَ اللّهُ مِن فَضْلِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآءُ و بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ [البقرة: ٨٩- وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِيبٌ﴾ ٩٠]. وهم في ذلك کله يحاولون جاهدين أن يطفئوا نور الله بأفواههم؛ حتى لا يكون ثم إیمان، ولا مؤمنون. وهذا واضح بينٌ كشف الله تعالى عنه في كتابه، ووضحه للمؤمنين؛ حتى يعرفوا ١٤ لِلْقُرآن الكَرِيمِ الدفع أعداءهم، فقال سبحانه: ﴿قَائِلُوا الَّذِينَ لَا صلى الله عليه وسلم إلا لدفع الكفر وأهله؛ ليظهر دين الحق على الدين كله، ولو كره المشركون. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحُرِّمُونَ مَا حَتَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ وجاء نحو ذلك في سورة الصف كذلك، فقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُّطْفِقُوا نُورَ اَللَّهِ أَفْوَهِهِمْ وَاللَّهُ ◌ُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِّةَ الْكَفِرُونَ ﴿ هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْمُدَى وَدِينِ الِّْ ◌ِيَظْهِرَهُ، عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرَ الْمُشْرِكُونَ ل ◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدْلُكُمْ عَلَى تِجَزَقْ ٣٠ ثُجِيكُ مِنْ عَذَابٍ أَلِمِ ن تُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَ رَسُولِهِ وَتَُّهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِأَوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَرٌ لَّكُمْ إِنَ كُ فَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ٨-١١]. الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حَتَّ يُعْعُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ أَبْنُ اَللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِزٌ يُضَهُونَ قَوَّلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلٌ قَانَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اَخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَآَ حيث أخبر سبحانه عن أسباب وغايات الدفع عند هؤلاء الكافرين، ثم أتبعها بتهييج المؤمنين على دفع منكرهم وباطلهم؛ جهادًا في سبيل الله. أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُوَأْ إِلَهَا وَحِدًّاً لَّاً إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٦ يُرِيِدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ، وَلَوْ كَرِهَ ٢. إفساد أخلاق المؤمنين. اَلْكَفِرُونَ ﴿ هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ. بِلَهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٢٩-٣٣]. فأمر سبحانه بقتالهم؛ لدفع فسادهم وكفرهم وعقائدهم الباطلة في عبادة غير الله تعالى، كعزير والمسيح عليه السلام حيث يريدون إطفاء نور الإيمان الواضح المبين الذي أرسل الله به رسله أجمعین، ودعوة الناس للكفر الواضح المبين من عبادة غير رب العالمين. من الثابت لدى أهل الإسلام ارتباط الأخلاق بالعقيدة الصحيحة؛ فالإيمان بالله ورسوله هو القاعدة والأساس الذي تنطلق منه جميع الأعمال الصالحة عند المسلم؛ وذلك أن الدين كله عقيدة وشريعة وأخلاقًا وآدابًا تنتظمه منظومة واحدة، هي منظومة العبودية والخضوع لله رب العالمين. وهذا هو ما يؤكده النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا یؤذ جاره، ومن كان يؤمن وبين في مقابل ذلك أنه ما بعث رسوله بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان www. modoee.com ١٥ حرف الدال يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو والجزاء، وإكرام اليتيم، والحض على طعام ليصمت)(١). فنراه صلى الله عليه وسلم يربط ربطًا وثيقًا بين الأخلاق والإيمان بالله واليوم الآخر، ومن ثم إذا ما انهارت العقيدة -وهي الحصن الحصين للإسلام، وهي واسطة عقد نظامه-؛ لا شك ينهار هذا البناء، وينفرط عقد هذا النظام، ومن ثم جهد أعداء الإسلام على إحداث خلل كبير في أمر العقيدة عند کثیر من الناس، في کثیر من المجتمعات الإسلامية؛ مما يؤدي تلقائيًا إلى تردي أخلاق هؤلاء الذين أصابهم الخلل في عقیدتھم، ومن ثم ینهار بنیان المجتمع بكامله. وليس عجبًا أن يربط الله تعالى في سورة والغلظة والقساوة وسوء الأخلاق، وصار من قصار السور بين الوصف بالتكذيب بالدين، وبين القسوة على الیتیم والمسکین، ليلفتنا إلى أثر العقيدة في سلامة الخلق. قال تعالى: ﴿أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِأَلِدِينِ ﴿ فَذَلِكَ الَّذِى يَدُغُ الْبَنِيِمَ ٢ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ، فَوَيْلٌ لِلْمُصَلَّيْنَ ا الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ ١) وَيَمْنَعُونَ اُلْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٦ -٧]. إذن فالإيمان بالدين، وهو الحساب (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ١١/٨، رقم ٥٧٨٥. المسكين، والمحافظة على الصلاة في أوقاتها، وتقدیم الماعون لأهله .. کل ذلك تشمله منظومة واحدة متكاملة، ويرجع إلى أصل واحد، وهو الإيمان بالله تعالی واليوم الآخر. ولذلك تجد أغلب الأوامر والنواهي التي تدعو إلی جمیل الخصال، وتنھی عن رذيل الأحوال، تصدر كلها بنداء الإيمان ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾، وذلك كما في سورة الحجرات على سبيل المثال. وقد أصبحت أغلب المجتمعات اليوم -بفعل دفع أعداء الإسلام بكثير من صور الإفساد الأخلاقي- تعج بمظاهر الفظاظة من الأمور المألوفة في شوارع المسلمين وسككهم، ما يؤذي الآذان من السب والقذف والصخب والفحش، وما يؤذي الأعين من مظاهر التبرج والسفور والسكر والعهر والاختلاط المحرم، وكثرة الأذى في سبيل الناس وطرقهم، ورؤية المدمنين من متعاطي الخمور والمخدرات، وما يزكم الأنوف من دخان التبغ وغيره، وما يؤذي الضمائر والأنفس من فساد المعاملات وانتشار الرشوة والربا والميسر، وأكل أموال الناس بالباطل، وما يدمي القلوب من العقوق وقطع الأرحام وتفشي التدابر والتقاطع بين ١٦ جَوَُّور القرآن الكريمِ الدفع الأهل والجيران وسائر الإخوان. كل ذلك يستدعي ضرورة المسارعة للدفع المقابل؛ لإنقاذ مجتمعات المسلمين من براثن ذلك الفساد الخلقي، المؤذن بخراب تلك المجتمعات وانهيارها مما أشاعه أعداؤهم في مجتمعات المسلمین، لا يألونهم خبالًا؛ لأنهم دائمًا يودون ما يعنتهم، ويوقعهم في الموبقات والمهالك. ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا قال تعالى: تَنَّخِذُواْ بِطَانَةٌ مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُواْ مَاعَنْتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرٌ قَدْ بَيِّنَا لَكُمُ الْآَيَتِّ إِن كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١٨) مَأَنتُمْ أُوْلَاءِ تُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَبِ كُلِّهِ، وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْفَيْظَّ قُلْ مُوقُواْ بِغَيْظِكُمُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةُ تَّسُؤَّهُمْ وَإِن تُصِبِّكُمْ سَيْتَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١١٨ - ١٢٠]. كما أخبر أن أعظم تلك الأسباب أيضًا هو إفساد المؤمنين بإشاعة الفواحش فيهم، ودعوتهم للميل عن دينهم الحق الذي يأمرهم بزكاة نفوسهم، واستقامة أخلاقهم إلى سبيل الفواحش والشهوات. فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَتِ أَنْ ◌َميلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]. ومن ثم توعدهم الله تعالى على ذلك بعذاب أليم، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اُلْفَحِشَةُ فِىِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَّ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النور: ١٩]. ٣. الحرص على التحكم في العباد ومقدرات الشعوب واستحواذ ملذات الحياة الدنيا. الكافر لا يؤمن بالآخرة؛ ومن ثم فهو لا یطلب إلا الحياة الدنیا، ولا یرید سواها، وفي سبيل ذلك يدافع ويقاتل؛ فقد زينت له بشهواتها وأعراضها الزائلة؛ فتكالب عليها، وقاتل لأجلها، ولم ير لأحد حق فيها سواه. قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواُ وَالَّذِينَ اتَّقَوْاْ فَوْقَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ وَاللَّهُ يَّرْزُقُّ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢]. وقال سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَاَلْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ وَالْحَرْثُ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيّاً وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَشَابِ﴾ [آل عمران: ١٤]. وفي سبيل تحقيق تلك الشهوات والمارب الدنيئة يطغى ويستكبر، ويعيث في الأرض فسادًا، والله لا يحب الفساد. www. modoee.com ١٧ حرف الدال قال سبحانه في المنافقين الذين أظهروا الإيمان، ويبطنون الكفر والعداوة للمؤمنين، ويمالئون عليهم أعداءهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ قَلْوَهُوَ أَلَُّّ الْخِصَامِ ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ وَاللّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِّ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمٌ وَلَبِئْسَ اَلْمِهَادُ ﴾ [البقرة: ٢٠٤ -٢٠٦]. وقال تعالى مبينًا سبب إفساد الكافرين في الأرض، وأنه يرجع إلى طغيانهم واستكبارهم: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍأ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ) الَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى الْبِلَدِ ٥ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ ١) وَفِرْعَوْنَ ذِى الْأَوْنَادِ ) الَّذِينَ طَغَوْاْ فِ اَلْبِلَدِ ) فَأَكْثَرُواْ فِيَهَا الْفَسَادَ ا فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ٦-١٤]. وهؤلاء الکافرون یرون أنه ليس لأحد حق في هذه الحياة الدنيا وطيباتها سواهم، ومن ثم فهم يزاحمون المؤمنين فيها ويدفعونهم عنها، والله تعالى ما أحل هذه الطيبات إلا للمؤمنين؛ ولذا يجعلها خالصة لهم يوم القيامة. قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىّ أَخْرَجَ لِبَادِهِ، وَالَِّبَتِ مِنَ الْرِّزْقَّ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَمَةُ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢]. مجالات الدفع أولًا: الكفر والإيمان: لا يزال الصراع والتدافع بين الكفر والإيمان منذ بدء الخليقة مستمرًا حتى يرث الله الأرض ومن عليها؛ وذلك منذ نشأت العداوة بین إبليس وآدم، وقد حذر الله آدم وزوجه، ومن ثم ذريتهما من بعدهما من لَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى عداوة إبليس؛ فقال سبحانه: ءَدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١٥) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لِأَدَمَ فَسَجَدُوّا إِلَّ إِبْلِسَ أَبَ ) فَقُلْنَا يَفَادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُاَ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَمَ ﴿ إِذَّلَكَ أَلَّا تَّجُعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ®) وَأَنَّكَ لَا فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ١٨٩ تَظْمَؤُاْ فِهَا وَلَا تَضْحَى الشَّيْطَانُ قَالَ يَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ اْخُلّدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى ﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ اَلْجَنَّةِ وَعَصَىّ ءَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١) ثُمَّ أَجْنَبَلَهُ ٠١٠٠٠٠٠ برماء (٢) قَالَ أَهْبِطَا مِنْهَا رَبُّهُ غَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ فَإِمَّا يَأْنِنَّكُم مِّنِى هُدَّى فَمَنِ أَتَّبَعَ هُدَائَ فَلاَ يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١١٥ - ١٢٣]. فمن ثم تأسست العداوة في الأرض بين إبليس وذريته، ومن أعانه من شياطين الإنس والجن من جهة، وبين آدم وذريته ممن أطاع الله تعالى، واتبع سبيل المرسلين من جهة مَوَسُو ◌َرُ النَّفِيد لِلْقُرْآنِ الْكَرِيْمِ ١٨ الدفع أخرى. لا جرم من أن یعین إبليس وجنده أهل الكفر والضلال من بني آدم المفسدين في الأرض، من الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله، من نعتهم الله بشياطين الإنس فقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَبَطِینَ اُلْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوَةٌ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (٣) وَلِنَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم [الأنعام: ١١٢ - ١١٣]. مُقْتَرِفُونَ ومن ثم صار الناس حزبين لا ثالث لهما: حزب الله، وحزب الشيطان، وقد وصف الله حال الفريقين بقوله: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَنُهُمْ ذِكِّرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطِنِّ أَّ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْقَدِرُونَ(١) إِنَّ الَّذِينَ يُحَآَدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَئِكَ فِ آلْأَذَلِّينَ كَتَبَ اَللَّهُ لَّأَغْلِيَنَّ أَنَا وَرُسُلٍّ إِنَّ اللَّهُ قَوِىُّ عَزِيزٌ ﴿ لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَاذَّ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُواْ ءَبَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَاءَ هُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوجِ مِنْهٌ وَيُدْسِلُهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَاَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِرْبُ الَهِ أَلَّ إِنَّ حِزْبَ اَللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ١٩-٢٢]. ودارت رحى الحرب بين الفريقين؛ فاقتلوا حيث تدافع الفريقان و﴿أَخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَن كَفَرَ﴾ [البقر ٢٥٣]. قال تعالى: ﴿يَلَكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍُ مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اَللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَيْنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوح الْقُدُسُِّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا أَقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَتُ وَلَكِنِ أُخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَن كَفَرَّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وأخبر تعالى أن قتال هؤلاء الأعداء الكافرين لا يزال مستمرًا متجددًا إلى يوم القيامة، كما أخبر عن غاية هؤلاء من قتالهم المؤمنين فقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ حَّ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ أَسْتَلَمُواْ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةٌ وَأَوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيْهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. كما أيأس الله تعالى المؤمنين من أن يبلغوا رضا أعدائهم، أو أن يسالموهم؛ فیکفوا دفعھم وأذاهم الدائم لهم؛ فهم لا يرضون عن المؤمنين أبدًا حتى يتبعوا ملتهم الباطلة، ولا يزالون يقاتلونهم حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا. قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَّهُودُ وَلَا www. modoee.com ١٩ حرف الدال النَّصَرَى حَتَّى تَنَّعَ مِلَتْهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اَللَّهِ هُوَ الُْدَىُّ وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُم بَعْدَ الَّذِى جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اَللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]. ثانيًا: الخير والشر: لقد خلق الله الإنسان، وركب فيه نوازع الخير والشر، وخيره بين أتباع أي منها؛ ولكنه رتب الفلاح والنجاح على تزكية المرء لنفسه إذا عمل بالخير ودعا إليه، ورتب الخيبة والخسران على تدنيس النفس بالشر إذا عمل به ودعا إليه؛ فقال سبحانه: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا ، فَمَهَا تُرَهَا وَتَقْوَنُهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنَهَا ، وَقَدْ خَابَ مَن ٥ دَسَّهَا﴾ [الشمس: ٧-١٠]. وكما يتصارع ويتدافع أهل الإيمان وأهل الكفر منذ بداية الخليقة؛ يتصارع كذلك دعاة الخير ودعاة الشر كذلك، ودعاة الخير الحقيقيون هم المؤمنون، كما أن دعاة الشر هم الكافرون. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا ) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا )) إِلَّا الْمُصَلِينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَايِعُونَ وَالَّذِينَ فِ أَنَّوَهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلِسَّآيِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴿ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابٍ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيِّرُ مَأْمُونٍ ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ خَفِقُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ٣٠ فَنِّ ◌َغَى وَرَكَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُ الْعَادُونَ ﴿ وَالَّذِيْنَ هُمْ لِأَمْنَئِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ () وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَّيِمُونَ ٦ وَالَّذِنَ هُ عَلَى صَلَائِهِمْ يُحَافِظُونَ ( أُوْلَكَ فِ جَنَّتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ١٩ -٣٥]. فالمؤمنون المصلون هم أهل الخير ٥ ◌ِسَّآَيِلِ وَالْمَعْرُومِ﴾، ﴿ فِّ أَوَِّمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴿ِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾، وأنهم ﴿لِأَمْتَئِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ﴾، وأنهم ﴿يِشَهَدَتِهِمْ قَِّمُونَ﴾. والكافرون المكذبون بيوم الدین بعکس ذلك، هم أهل الشر ترى أحدهم ﴿مَلُوعًا ) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَرُوعًا ، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ ١٩ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩-٢١]، ﴿يَدُعُ اَلْيَنِيِمَ ٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٢-٣]. ومن ثم توعد الله أهل الخير المؤمنين المصلين أن يتصفوا ببعض صفات أهل ﴿فويل لِلمُصَلِينَ الشر المكذبين فقال: ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ ﴾ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٤ -٧]. ولما كان المؤمنون هم أهل الخير؛ دعاهم الله تعالى ليس إلى مجرد فعله؟ بل أمرهم مع ذلك بدعوة الناس إليه، فقال تعالى مخاطبًا المؤمنين: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ ـَ البَشِيَّة جوبي القرآن الكريمِ ٢٠ الدفع يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوّنَ عَنِ ربهم لهم في ذلك بدعوة الناس إلى الخير، اٌلْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: وحثهم عليه ونشره بينهم، والكافرون أهل ١٠٤]. فالمؤمنون هم دعاة الخير الحقيقيون، أو هم الجديرون بذلك؛ لأن الإيمان بالله تعالی یأخذ بيد العبد إلی الخیر کله، ولا يزال المرء على خصلة من الخير؛ حتى تأخذ بناصيته إلى البر كله، ولا يزال المرء على خصلة من الشر؛ حتى تأخذ بناصيته إلى الشر کله. وعن عبد الله، قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (علیکم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل یصدق وپتحری الصدق حتی یکتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل یکذب ویتحری الکذب حتی یکتب عند الله كذابًا)(١). ويتصارع الفريقان أهل الخير وأهل الشر في إرادة الخير أو الشر بالناس، ونشره بينهم؛ فالمؤمنون أهل الخير ممتثلون أمر (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب قوله تعالى: (يا أيها الذين أمون اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)، ٨/ ٢٥، رقم ٦٠٩٤، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله، ٤ / ٢٠١٣، رقم ٢٦٠٧. الشر عبيد الشهوات، همهم ورغبتهم أن يحولوا المجتمعات إلى مجتمعات تائهة، ينسلخ فيها الأفراد حتى من ثوب الإنسانية؛ لينحطوا إلى درك من البهيمية، مطلق من كل عقال ديني أو أخلاقي أو اجتماعي، متدثرین بشعارات خداعة من الحرية والتمدن والتحضر وغيرها من شعاراتهم الكاذبة، والتي هي في حقيقتها ليست سوى أسماء أخرى للشهوة المرادة في الآية (٢). قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ ◌َميلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]. وهم لا يريدون سوى إشاعة الفواحش والفجور في مجتمع المؤمنين بشتى الصور والوسائل؛ ومن ثم توعدهم الله تعالى على ذلك بعذاب أليم، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَّمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]. وانظر كيف صور سبحانه حال عباد الرحمن، وأثنى عليهم، ووعدهم على ذلك الجنة، بادئًا في الثناء عليهم بحسن أخلاقهم مع الخلق، وجميل أوصافهم في معاملاتهم وسلوكهم، مقارنًا بينهم وبين (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٦٣١/٢. www. modoee.com ٢١ حرف الدال أهل الشر الكافرين، الذين أبوا السجود لأرحم الراحمين، فقال سبحانه: ﴿الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَافِ سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِِّ الرَّحْمَنُ فَسَلْ بِهِ خَبِيرًا ٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَسْجُدُواْلِلَّمْنِ قَالُواْوَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ تُفُورًا أَ نَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِ السَّمَآءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَجًا وَقَمَرًا مُنِيرً ا وَهُوَ الَّذِى لَلَيْلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ ٦٢ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾ الآيات، إلى قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا خَلِينَ فِيهَا حَسُنَتْ تَحَنَّةُ وَسَلَمَا مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٠ - ٧٦]. فعباد الرحمن هم خير الناس للناس، هينون لينون، بعيدون عن كل لغو ولغط وجدال وشقاق، قال سبحانه: ﴿يَمْشُونَ عَلَى اَلْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا ﴾ [الفرقان: ٦٣]. ويتصارع الفريقان إلى يوم القيامة: فريق يحب الخير للناس ويدعو إليه، وهم الرسل وأتباع الرسل، وفريق يريد الشر للناس ويدعو إليه، وهم أولياء الشيطان وأعداء الرسل. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبٍِّ عَدُوًّا. شَيَئِینَ اُلْإِنِسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًاً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوٌَّ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١) وَلِتَصْغَيِ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم [الأنعام: ١١٢- ١١٣]. مُقْتَرِفُونَ ثالثًا: الحق والباطل: قضى الله بحكمته وعدله أن يخلق الناس فریقین: أهل حق، وأهل باطل، أهل هدى، وأصحاب ضلالة ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الصَّلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُواْ الشَّيَطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠]. والقضية محسومة، أهل الإيمان هم أهل الحق؛ ﴿مَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ لَلْحَقُّ مِنْ زَّبِّهِمْ﴾ [محمد: ٢]. والذين كفروا هم أهل الباطل، وقد كتب الله الفوز والسعادة وصلاح البال للمؤمنين أهل الحق، وكتب الخزي والضلال وحبوط الأعمال للباطل وأهله، وأوجب على المؤمنين مدافعتهم بكل ما أوتوا من قوة؛ حتى إذا لقوهم في الحرب فليس لهم إلا القتال وضرب الرقاب، ثم شد الوثاق. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ (اللَّهِ أَضَلَ أَعْمَلَهُمْ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ اُلْحَىُّ مِن تَّبِّهِمْ كُفَّرَ عَنْهُمْ سَيِئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَّ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَتَبَعُواْ الْبَطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّبَعُواْ الْحَقّ ٢٢ فَضْو صوتية القرآن الكريم الدفع مِن ◌َّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُّ الّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ ﴾ فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ أَلْقَابٍ حَّى إِذَاَ اَلْخَتُمُوهُ فَشُدُوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءُ حَّى تَضَعَ الْرَّبُ أَوْزَارَهَاْ ذَلِكَ وَلَّوْ يَشَاءُ اللّهُ لَأَنَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِتَبْلُوَّأَ بَعْضَكِكُمْ بِبَعْضِّ وَالَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَلَهُمْ ن سَيَّهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَمْ ﴾ وَيُدِِّلُهُمُ الْنَّةَ عَرَّفَهَا لَمْ ) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن نَنْصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرُّكُمْ وَيُنَّبِتْ أَقْدَامَكُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَمْسًا ◌َهُمْ وَأَضَلَ أَعْمَلَهُمْ ) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ﴾ [محمد: ١-٩]. والحق هو سلاح المؤمنين في دعوتهم إلى الله، كما أن الباطل هو حجة الكافرين الداحضة، يجادلون بها؛ ليدحضوا الحق. قال تعالى: ﴿مَا يُجَدِلُ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغْرُرُكَ تَقَلُُّهُمْ فِ اَلْبِلَدِ ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمٌ وَهَمَّتْ كُلُّ أُنَِّ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهٌ وَجَدَلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمّ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ﴾ [غافر: ٤-٥]. هكذا قضت سنته سبحانه أن يتصارع الحق والباطل، ويتدافعان إلى يوم القيامة، ولكنه كتب الغلبة والنصر والبقاء للحق وأهله، وضرب لكل مثلًا؛ فقال سبحانه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَأَحْتَمَلَ اَلسَّيْلُ زَبَدًا رَِّيَاً وَمِمَّا يُؤْفِدُونَ عَلَيْهِ فِى النَّارِ آَبْتِغَاءَ حِيَةٍ أَوْ مَتَحِ زَبَدٌ مِثْلُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَطِلُّ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاَهُ وَأَنَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَتْكُثُ فِى الْأَرْضِّ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ [الرعد: ١٧]. فالباطل لا یبقی ولا يدوم، بل الحق هو الذي يدفعه ویدمغه ويقضي علیه، فهو لا يثبت أمام الحق، وصدق سبحانه القائل: ﴿وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. وقال سبحانه: ﴿بَّ نَقْذِفُ يِلَلْنَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْ مَغُهُ، فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِنَّا نَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّرَبٍِ يَقْذِفُ ◌ِلْمِّعَلَّمُ اُلْغُيُوبِ ﴿ قُلْ جَّةَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِىُّ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدٌ﴾ [سبأ: ٤٨-٤٩]. سنة ثابتة إذًا أن تكون الغلبة للحق وأهله، وأن یندحر الباطل وأهله، ولم لا، و﴿ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج: ٦٢]. و﴿مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَطِلُ و﴿اللَّهَ هُوَ الْعَلِىّالْكَبِيرُ﴾؟! ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِ هُوَ الْبَطِلُ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ الْعَلِىُّالْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]. ومن ثم فلا بد من خسران الباطل وأهله، ولو كان ذلك في الجولة الأخيرة؟ فهم خاسرون لا محالة، بهذا قضت سنة الله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًاٌ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِلِ وَكَفَرُواْ بِاللَّهِ www. modoee.com ٢٣ حرف الدال أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢]. رابعًا: الظلم والعدل: صراع الظلم والعدل ليس مقصورًا على صراع الكافرين مع أهل الإيمان - وإن كانوا هم أكثر الناس ظلمًا-، وإنما قد يقع من بعض الفسقة والمبتدعة والعصاة من أهل الإيمان. قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: ((إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره، ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام؛ لم يجز الاستغفار لهم؛ فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع)) (١). والحق أن الظلم مذموم من جميع الخلق -مؤمنهم وكافرهم-، بل يلحق المؤمن بذلك أعظم الذم؛ لأن الإيمان ينافي الظلم ويناقضه؛ إذ مبناه على الحق والعدل، و((جماع الحسنات العدل، وجماع السيئات الظلم))(٢). وإذا دب الظلم في ملك؛ أفسده وأذهبه، قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: ((وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل، الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق -وإن لم تشترك في (١) الحيدة ، عبد العزيز الكناني ص ١٥. (٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٨٦/١. إثم-، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام، فالباغي يصرع في الدنيا - وإن كان مغفورًا له مرحومًا في الآخرة-، وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل؛ قامت - وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق-، ومتى لم تقم بعدل؛ لم تقم - وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة-، فالنفس فيها داعية الظلم لغيرها بالعلو عليه والحسد له، والتعدي عليه في حقه»(٣). وليس معنى ذلك أن يخرج الناس على حکامهم إذا ما أقاموا فيهم كتاب الله وسنة رسوله، أو دون نظر في العواقب، وما يتبع ذلك من المفاسد العظام، «وقد قيل: ستون سنةً بإمامٍ ظالمٍ، خيرٌ من ليلةٍ واحدةٍ بلا إمامِ)) (٤). ولما كان الظلم والبغي قد يقع من أهل الإيمان؛ حتى يحصل الاقتتال بين الطائفتين من المؤمنين أمر الله تعالى أهل العدل والإصلاح دفع هذا الظلم والبغي، بالعمل على الإصلاح بين الطائفتين، ﴿فَإِنَّ بَعَتْ إِحْدَ مُهُمَا عَلَى الْأَخْرَى﴾ [الحجرات: ٩]؛ فقد (٣) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ابن تيمية ص ٢٩. (٤) شرح الطحاوية، ابن أبي العز ٥١٨/٢. ٢٤ جوسين القرآن الكريم الدفع أمر بقتال ﴿الَِّ تَبْغِى حَّى تَفِىّءَ إِلَى أَمْرِ الَّهِ فَإِنِ فَآءَتْ﴾؛ وجب الإصلاح ﴿بَيْنَهُمَا بِالْعَدّلِ﴾ والقسط. قال تعالى: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَاً فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَثُهُمَا عَلَى الْأُخْرَىِّ فَقَائِلُواْ الَِّى تَبْغِى حَتَّى تَفِىَّ إِلَى أَمْرِ اللّهِ فَإِن فَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَفْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]. وقد تكلم العلماء في أحکام دفع البغي ومقاتلة البغاة تفصيلًا في كتب الأحكام -ولیس هذا مقامه-، وتكلموا في حکم دفع الصائل الباغي، قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: «وأما دفع الصائل على النفس الذي يريد قتل المعصوم بغير حق إذا لم يكن القتال في فتنة فهل يجب دفعه؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد: أن الممکن لیس بفاعل، بل ولو أراد مرید قتله؛ وجب عليه ذلك، كما يجب عليه الأكل من الميتة عند المخمصة، فكما يحرم عليه قتل نفسه؛ يجب عليه فعل ما لا تبقی النفس إلا به من طعام وشراب ودفع ضرر بلباس ونحو ذلك، فإذا أمكنه الهرب ونحوه؛ وجب عليه ذلك، وأما إذا كان دفع الصائل عن نفسه يحتاج إلى قتال الصائل فهنا فیه محذور آخر -وإن كان جائزًا- وهو قتل الآخر؛ فلهذا خرج الخلاف في وجوب دفعه عن نفسه»(١). (١) الاستقامة، ابن تيمية ٣٢٧/٢. وقد أمر الحق سبحانه بإقامة العدل والحق والقسط والميزان في كل شيء؛ فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ، وَرُسُلَهُ. بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِىّ أَنزَلَ الْكِنَبَ ◌ِالْحَقِّ وَالْمِيزَانُ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢]. وقال سبحانه: ﴿وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَّعَ اَلْمِيزَانَ ، أَلَّا نَطْفَوْا فِ الْمِيزَانِ وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْرُواْ الْمِيزَانَ [الرحمن: ٧-٩]. وقد أمر بذلك الرسل أقوامهم. قال سبحانه: ﴿وَ إِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَأُ قَالَ يَنقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، قَدْ جَاءَتَكُم بَيِّنَةٌ مِّنْ زَّبِّكُمْ فَأَوْقُواْ الْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ وَلَا نَبْخَسُواْالنَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ وَلَا تُفْسِدُواْ فِىِ الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيرٌ [الأعراف: لَّكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ ٨٥]. وقد توعد المطففين في الكيل والميزان www. modoee.com ٢٥ حرف الدال ظلمًا وبغيّا؛ ليأخذوا ما ليس له بحق، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ) الَّذِينَ إِذَا أَكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو ◌َزَنُهُمْ ٥ يُخْسِيرُونَ ) أَلَا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوتُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمِ ) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ، كَلّ إِنَّ كِتَبَ الْفُجَّارِ لَفِىِ سِّينِ ) وَمَا أَذْرَتِكَ مَا بِينٌ ) كِتَبٌ قَّرْقُومٌ ١) وَيِّلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿ الَّذِينَ يَكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المطففين: ١- ١١]. الظلم المبین، وأتبع ذلك ببیان جزاء الذین یکذبون بيوم الدین، لما کانوا هم أکثر الناس ظلمًا لغيرهم. خامسًا: الفساد والصلاح: أمر الله عباده بطاعته التي فيها صلاح دنياهم وآخرتهم، ونهاهم عن الإفساد في الأرض بالعمل بغير شريعته، فقال سبحانه: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ اَلْمُعْتَدِينَ ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاْ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥- ٥٦]. وقال تعالى: ﴿وَأَبْتَغْ فِيمَآ ءَاتَنْكَ اللَّهُ الَّارَ الْآَخِرَةٌ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكٌ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِ اْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧]. وامتدح الذين يصلحون، وينهون عن الفساد في الأرض فقال: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِ اْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَأَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتَّرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُّهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمِ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٦ - ١١٧]. التدافع والصراع بين الفساد والصلاح فتوعدهم ربهم بعذاب عظيم على ذلك صورة من صور سنة التدافع، وهو ليس مقصورًا على التدافع بين الكافرين والمؤمنين؛ إذ إن صدور الفساد ليس مقصورًا على الكافرين؛ بل قد يقع من بعض المسلمين وممن يندس فيهم من المنافقين كذلك، وإن كان أكثر ما يقع إنما يقع من الكافرين ومن تولاهم من المنافقين. وقضت سنة الله الكونية والشرعية أن يقع التدافع بين أنبياء الله ورسله وأتباعهم من جهة، وبين أقوامهم من الكافرين المعاندين المحادين الله ورسله من جهة أخرى، وهذا ما حكاه لنا القرآن عن سائر رسل الله وأنبيائه. قال تعالى عن التدافع بين شعيب وقومه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اَللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُواْ اَلْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَّ أَرَنِكُمْ بِخَيْرٍ وَإِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ وَيَقَوْمِ أَوْقُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ٨٤ ٢٦ جَوْيَة القرآن الكريمِ