النص المفهرس

صفحات 61-72

الذكر
المعنیین أولى.
٤. من الليل وأطراف النهار.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَأَسْجُدْ لَهُ.
وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦].
وقال: ﴿وَ مِنْ ءَانَآٍ اَلَّيْلِ فَسَيِّحْ وَأَطْرَافَ
النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠].
وقال: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [ق: ٤٠].
[الطور: ٤٩].
وخص طرفي النهار؛ لشرفهما، وقيل:
داوم على صلاة الفجر والظهر والعصر، فإن
الأصيل يتناولهما.
﴿وَمِنَ أَلَيْلِ﴾ بعض الليل ﴿فَأَسْجُدْ لَهُ﴾
فإنه وقت الاقتراب إليه؛ لدنو رحمته، وخلو
الوقت للمناجاة، وقيل: صلاتي المغرب
والعشاء، ويؤيده: ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾
أي: نزهه، أو صل له تطوعًا.
والوجه في الاهتمام بـ﴿ءَنَآَيٍ اَلَيْلِ﴾
وزلفه أن الليل وقت تميل فيه النفوس
إلى الدعة، فيخشى أن يتساهل في أداء
الصلاة فيه، وعلل له الفخر الرازي بقوله:
((لأن الجمعية -أي جمع القلب والهمة-
فيه أكثر؛ وذلك لسكون الناس وهدوء
حركاتهم، وتعطيل الحواس عن الحركات
وعن الأعمال؛ ولذلك قال سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الَلِ هِىَ أَشَدُّ وَحْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:
٦].
وَقَآَيِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:
٩].
ولأن الليل وقت السكون والراحة، فإذا
صرف إلى العبادة كانت على الأنفس أشق،
وللبدن أتعب، فكانت أدخل في استحقاق
الأجر والفضل)) (١).
ولعل النكتة البلاغية لجمع (طرف)
في قوله جل شأنه: ﴿وَمِنْ ءَانَآٍ اُلَتْلِ فَسَبِحْ
وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠].
على الرغم من أن للنهار طرفان، ورد
ذكرهما في قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفِي
النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤].
وقوعه في حال الجمع معمولًا لـ (سبح)،
ووقوعه في حال التثنية معمولًا لـ (أقم
الصلاة)، وفي هذا ما يشير إلى أن الصلاة
وإن كان الأمر فيها قاصرًا على طرفي النهار
أوله وآخره، وهما على ما ترجح (الفجر
والعصر)، فإنه لا يعني أن يخلو سائر يوم
المسلم من تسبيح لله، وشغل للسان بذكره،
وأنه إذا كان للنهار طرفان يتم شغلهما بتأدية
الصلاة التي لا تشغل حيزًا كبيرًا من الوقت،
فإن ثمة طرفين آخرين يستغرقان سائر
ساعات النهار، ينبغي ملؤهما مع سابقیهما،
بالتقديس والتنزيه لصاحب العظمة
والكبرياء جل جلاله.
أولهما: عند انتهاء النصف الأول من
وقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُّ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢/ ١١٤.
www. modoee.com
١٤١

حرف الذال
الطرف الأول من النهار، وهو طرف سير
الشمس في قوس الأفق، وبلوغ سيرها
وسطه، والمعبر عنه بالزوال.
والثاني: عند ابتداء النصف الثاني من
القوس، والذي يوافق الشطر الأول من
النصف الثاني من النهار.
فيكون للنهار أربعة أطراف أوله وآخره،
وآخر نصفه الأول وأول نصفه الثاني، والکل
مستغرق بالتسبيح؛ ولذا نزع الخافض، وإن
کان لا يوجد بأسًا في الاستئناس في ذلك
من إمكانية أن يكون السر في جمع طرف
حاصلًا من كون الطرف يتكرر في كل
نهار ويعود، فتكون (أل) في النهار للجنس
الشامل لكل نهار، ويكون الجمع باعتبار
تعدد النهار، وأن لکلٍ طرفین، أو یکون من
باب إطلاق الجمع على المثنى، وهو متسع
فیه في العربية عند أمن اللبس؛ والذي حسن
جمعه هنا وقوعه مشاكلة لجمع آخر هو
قوله: ﴿وَمِنْ ءَانَآٍ آَلَّيْلِ﴾ [طه: ١٣٠](١).
٥. أدبار السجود.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ أَلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَرَ
السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠].
﴿وَأَدْبَرَ السُّجُودِ﴾ قال ابن أبي نجيحٍ عن
مجاهدٍ عن ابن عباس رضي الله عنهما: «هو
التسبيح بعد الصلاة)).
(١) انظر: من بلاغة القرآن في التعبير بالغدو
والأصال، محمد دسوقي ص ٥٤.
والقول الثاني: أن المراد بقوله تعالى:
﴿وَأَدْبَرَ السُّجُودِ﴾ هما الركعتان بعد
المغرب(٢).
٦. أدبار النجوم.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَتْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِذْبَرٌ
النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩].
أي: آخر الليل، ويدخل فيه صلاة الفجر.
والله أعلم (٣).
وقت القيام:
قال تعالى: ﴿وَسَِّحْ بَحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ نَقُومُ﴾
[الطور: ٤٨].
فقوله: ﴿حِينَ نَقُومُ﴾ فسر بإرادة القيام إلى
الصلاة، وهو قول زيد بن أسلم والضحاك،
وفسر بالقيام من النوم، وهو قول أبي الجود،
وفسر بالقيام من المجالس (٤).
ومما جاء في الذکر المقید بزمن أو مكان
أو حال:
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ
عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ
اَلْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].
وقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾
[الكهف: ٢٤].
وقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِيَ أَيَّامٍ
مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة (٢٠٣].
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٨٣/٧.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨١٨.
(٤) تفسير ابن رجب الحنبلي ٦٣٤/١.
١٤٢
القرآن الكريمِ

الذكر
﴿فَإِذَا قَضَيْتُم
وقوله تعالى:
مَّنَسِكَكُمْ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِّكْرِكُ
ءَبَآءَ كُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة:
٢٠٠].
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فِجَالًا أَوْ
رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ﴾ [البقرة:
٢٣٩].
ثانيًا: ذكر مطلق:
أمر الله في القرآن بالذكر مطلقًا في
سائر الأوقات، والمراد بالمطلق: ما لم
يقيد بزمان، ولا مكان، ولا عدد، فأطلق في
العدد، فقال: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ اللّهَ
ذِكْرَاكَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١].
وقال تعالى في سياق صفات المؤمنين
والمؤمنات: ﴿وَلَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا
وَالذَّكِرَتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا
عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٣٥].
فقوله: ﴿كَثِيرًا﴾ أي: في أكثر الأوقات،
خصوصًا أوقات الأوراد المقيدة كالصباح
والمساء، وأدبار الصلوات المكتوبات(١).
قال مجاهد: «لا يكون العبد من الذاکرین
الله كثيرًا حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا
ومضطجعًا))، وروي أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (سبق المفردون)، قالوا:
وما المفردون؟ قال: (الذاكرون الله كثيرًا
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٦٥.
والذاكرات)(٢)(٣).
قال الفخر: ((﴿وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا
وَالذَّكِرَتِ﴾ يعني: هم في جميع هذه
الأحوال يذكرون الله، ويكون إسلامهم
وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصبرهم
وخشوعهم وصدقتهم وصومهم بنية صادقة
لله، واعلم أن الله تعالى في أكثر المواضع
حيث ذكر الذكر قرنه بالكثرة ها هنا، وفي
قوله بعد هذا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ اللّهَ
ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١].
وقال من قبل: ﴿لَّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ
[الأحزاب: ٢١]؛ لأن
أَخَرَ وَذَكَرِ اللَّهَ كَثِيرًا
الإكثار من الأفعال البدنية غير ممكن أو
عسر، فإن الإنسان أكله وشربه وتحصيل
مأکوله ومشروبه یمنعه من أن يشتغل دائمًا
بالصلاة، ولكن لا مانع له من أن يذكر الله
تعالى وهو آكل، ويذكره وهو شارب أو
ماشٍ أو بائع أو شارٍ.
وإلى هذا أشار بقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ
يَدْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل
عمران: ١٩١]. ولأن جميع الأعمال صحتها
بذكر الله تعالى، وهي النية)) (٤).
وأطلق في كل الأحوال، فقال: ﴿الَّذِينَ
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر
والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على
ذكر الله تعالى، ٢٠٦٢/٤، رقم ٢٦٧٦.
(٣) اللباب في علوم الكتاب ١٥/ ٥٥٠.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ١٦٩/٢٥.
www. modoee.com
١٤٣

حرف الذال
يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَئِمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل
عمران: ١٩١].
وقال تعالى: ﴿ وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِ نَفْسِكَ
تَضَرُّعًا وَخِيفَةٌ وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ
وَالْأَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْفَفِلِينَ﴾ [الأعراف:
٢٠٥].
فكأنه قيل: تضرعًا وإعلانًا وخيفة
وإسرارًا، وفي ذلك من الشمول والاستيعاب
لجميع أحوال الإنسان، ومن التحذير من
الغفلة ما لا يخفى.
فوائد الذكر
الذكر عبادة عظيمة، وله منزلة رفيعة،
ودرجة سامية، وأهمية عظيمة، وفوائد
جليلة، شاملة للدين والدنيا والآخرة،
أوصلها ابن القيم في كتابه الوابل الصيب
إلی أکثر من سبعين فائدة، والذي يهمنا هنا
ذكر فوائده المذكورة في القرآن:
أولًا: ذكر الله عز وجل لعبده الذاكر:
من أعظم فوائد الذكر ذكر الله تعالى
للذاكر. قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِ أَذْكُرَّكُمْ ﴾
[البقرة: ١٥٢].
فقوله: ﴿فَذَكَرُونِ﴾ الفاء هنا هي فاء
السببية، وهي ما یکون قبلها سببًا لما بعدها،
وهي للتفريع، عاطفة جملة الأمر بذكر الله
وشكره على جمل النعم المتقدمة، أي:
إذ قد أنعمت عليكم بهاته النعم فأنا آمركم
بذکري.
وهذا الأمر ﴿فَأَذْكُرُونِىِ﴾ جوابه
﴿أَذْكُرَكُمْ﴾ وفيه: معنى المجازاة (١) والجزاء
من جنس العمل في الخير والشر.
قال أبو عثمان النهدي: ((إني لأعلم
حين يذكرني ربي عز وجل، قيل: كيف
ذلك؟ قال: إن الله عز وجل قال: ﴿فَاذْكُرُونِيّ
أَذْكُرَكُمْ﴾ وإذا ذكرت الله تعالى ذكرني))(٢).
(١) فتح القدير، الشوكاني ١/ ١٨٢.
(٢) الكشف والبيان، الثعلبي ٢١/٢.
١٤٤
قَضوري
جوبيع
القرآن الكريمِ
◌َالنَّسَبـ

الذكر
وقال الحكماء: إنما كان الذكر أفضل
الأشياء؛ لأن ثواب الذكر الذكر، قال الله
تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِ أَذْ كُرَّكُمْ﴾(١).
والذكر هنا يحمل على العموم، فيشمل
الذكر باللسان، وهو: الحمد والتسبيح
والتمجيد وقراءة كتب الله، وبالقلب، وهو:
الفكر في الدلائل الدالة على التكاليف
والأحكام، والأمر والنهي والوعد والوعيد،
والفكر في الصفات الإلهية، والفكر في
أسرار مخلوقات الله تعالی حتى تصير
كل ذرة كالمرآة المجلوة المحاذية لعالم
التقديس، فإذا نظر العبد إليها انعكس شعاع
بصره منها إلى عالم الجلال، وبالجوارح
بأن تكون مستغرقة في الأعمال المأمور بها،
خالية عن الأعمال المنهي عنها، وعلى هذا
الوجه سمى الله الصلاة ذكرًا بقوله: ﴿إِذَا
تُودِىَ لِلصَّلَوْءِ مِن يَّوْمِ الْجُمُعَةِفَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ
اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩](٢).
وسمي الثواب المترتب على ذلك ذكرًا
على سبيل المقابلة لما كان نتيجة الذكر
وناشئا عنه سماه ذكرًا(٣). هذا ذکر العبد ربه.
أما ذكر الله لعبده: فهو ثناؤه عليه في
الملإ الأعلى بين الملائكة، ومباهاتهم به،
وتنویهه بذكره(٤).
(١) المصدر السابق ٢٨٣/٧.
(٢) البحر المحيط ٤٩/٢.
(٣) المصدر السابق ٢ / ٥٠.
(٤) تفسير ابن رجب الحنبلي ١/ ١٢٨.
قال أبو جعفر: «أذکر کم برحمتي إیاکم،
ومغفرتی لکم»(٥).
وعن السدي قال: «لیس من عبد یذکر
الله إلا ذكره الله، لا يذكره مؤمن إلا ذكره
برحمة))(٦).
فليس العجب من ذكر العبد الفقير
المحتاج الضعيف لربه، إنما العجب والشأن
في ذكر الرب الملك العظيم لعبده.
يا للتفضل الجليل الودود! الله جل جلاله
یجعل ذكره لهؤلاء العبيد مكافئًا لذکرهم له
في عالمهم الصغیر، إن العبيد حین یذکرون
ربهم يذكرونه في هذه الأرض الصغيرة،
وهم أصغر من أرضهم الصغيرة! والله حين
یذکر هم یذکرهم في هذا الكون الکبیر، وهو
الله العلي الكبير، أي تفضل! وأي کرم! وأي
فيض في السماحة والجود؟! ﴿فَاذْكُرُونِيّ
أَذَكُرَكُمْ﴾ إنه الفضل الذي لا يفيضه إلا الله
الذي لا خازن لخزائنه، ولا حاسب لعطاياه،
الفضل الفائض من ذاته تعالى بلا سبب
ولا موجب إلا أنه هكذا هو سبحانه فياض
العطاء.
إنه ذلك الفضل الذي لا يصفه لفظ، ولا
يعبر عن شكره الحق إلا سجود القلب،
وذكر الله ليس لفظًا باللسان، إنما هو انفعال
القلب معه أو بدونه، والشعور بالله ووجوده
(٥) جامع البيان ٢١١/٣.
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره ٢/ ٦٩٦.
www. modoee.com
١٤٥

حرف الذال
والتأثر بهذا الشعور تأثرًا ينتهي إلى الطاعة ذكر العارفين بالله معرفة يطلعون منها على
في حده الأدنى، وإلى رؤية الله وحده ولا ما يملأ قلوبهم جلالًا وخشية لله، حيث
شيء غيره لمن يهبه الله الوصول، ويذيقه
حلاوة اللقاء (١).
فالله سبحانه وتعالی لا ینسی حتی یذکر
فیذکر، بل هو -جل شأنه- یذکرنا دائمًا
ذكرناه أو لم نذكره! ولعل المراد بذكره
لنا هنا إذا ذكرناه هو أننا إذا ذكرناه وجدناه
سبحانه حاضرًا في قلوبنا وعقولنا، وأننا إذا
لم نذكره فهو سبحانه حاضر کذلك، ولکن
هذا الحضور لا نحس به، ولا نتأثر له.
فإذا ذكر المؤمن ربه وجد ربه تجاهه،
و کأنه بتفلته عن ذكر ربه قد بعد عن الله،
فإذا ذكر ربه، وأشرق عليه بنوره السني
البهي، وفي الحديث القدسي: (من تقرب
إلي شبرا تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي
ذراعًا تقربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته
هرولة)(٢).
فذكر الله وامتلاء القلب بهذا الذكر
يفيض على الذاكر أنوارًا من جلال الله
وبهائه، وإذا هو في حمی عزيز لا ینال، وفي
ضمان وثيق من أن يهون، أو يذل لغير الله
الواحد القهار، وأسمى الذكر وأكمله هو
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٣٩/١ - ١٤٠.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر
والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الذكر
والدعاء والتقرب إلى الله تعالى، ٢٠٦٧/٤،
رقم ٢٦٧٥.
يشهدون من كمالات الله ما لا يشهده إلا
المقربون، الذي رضي الله عنهم، ورضوا
عنه(٣).
فذكر الله لك أيها العبد أعظم من ذكرك
له، وأكبر من ذكرك له، وأشرف من ذكرك
له، وذكر الله تعالى امتلاء النفس بعظمته
وقدرته وجلالته، والإحساس بنعمه الظاهرة
والباطنة، وليس ذكره جلت قدرته بترديد
اللسان فقط، بل إن الذكر طاعة لله، فمن
أطاع الله فقد ذكر الله، ومن لم يطعه فليس
بذاكر، وإن أكثر التسبيح وتلاوة الكتاب،
قال أبو جعفر: ((يعني : - تعالى ذكره- بذلك:
فاذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي
فیما آمركم به، وفيما أنهاکم عنه، أذكركم
برحمتي إیاکم ومغفرتی لکم،(٤).
ثانيًا: الحصول على المغفرة والأجر
العظيم:
ومن فوائد الذكر: المغفرة، ودخول
الجنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ
وَالْمُسْلِمَتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالذَّكِرِينَ
اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَغْفِرَةَ
وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥].
(٣) انظر: التفسير القرآني للقرآن، الخطيب
١١٥/٧.
(٤) جامع البيان ٢١١/٣.
١٤٦
جوببيو
لِلْعُرْآن الكَرِيْمِ

الذكر
فالذاكرون الله بقلوبهم وألسنتهم
وجوارحهم والذاكرات كذلك أعد الله
لهم مغفرة الذنوبهم، و﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾
يعني: ثوابًا في الآخرة على ذلك من
أعمالهم عظيمًا؛ وذلك الجنة(١). وعطف
﴿وَالذَّكِرَتِ﴾ أي: كذلك في الحكم،
فليس هذا الحكم خاص بالرجل فقط، ففي
الآية الكريمة تسوية بين الرجل والمرأة في
مقام التكليف والجزاء.
﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم﴾ أي: لهؤلاء الموصوفين
بتلك الصفات الجميلة، والمناقب الجليلة،
التي هي ما بين اعتقادات وأعمال قلوب،
وأعمال جوارح، وأقوال لسان، ونفع متعدٍ
وقاصر، وما بين أفعال الخير وترك الشر
الذي من قام بهن فقد قام بالدین کله، ظاهره
وباطنه، بالإسلام والإيمان والإحسان،
فجازاهم على عملهم بالمغفرة لذنوبهم؛
لأن الحسنات يذهبن السيئات ﴿وَأَجْرًّا
عَظِيمًا ﴾ لا يقدر قدره إلا الذي أعطاه، مما
لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على
قلب بشر، نسأل الله أن يجعلنا منهم(٢).
وهذه الصفات الكثيرة التي جمعت في
هذه الآية تتعاون في تكوين النفس المسلمة،
فهي الإسلام والإيمان والقنوت والصدق
والصبر والخشوع والتصدق والصوم وحفظ
(١) المصدر السابق ٢٦٩/٢٠.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٦٥.
الفروج، وذكر الله كثيرًا، ولكل منها قيمته
في بناء الشخصية المسلمة. وبقية ألفاظ
الآية في غاية البيان والوضوح.
ثالثًا: الفلاح:
ومن فوائد الذكر: الحصول على
الفلاح، وهو الفوز بالمطلوب، والنجاة من
المرهوب.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ
فَأَنْتَشِرُواْ فِي الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ
وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:
١٠].
وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ
فِئَةً فَاقْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].
وقد علم الله عباده هنا في هذه الآية
الثانية إذا التقوا بالفئة - وهي الجماعة من
المحاربين- نوعين من الأدب: الأول:
الثبات، وهو أن يوطنوا أنفسهم على اللقاء
ولا يحدثوها بالتولي، والثاني: أن يذكروا
الله كثيرًا، وفي تفسير هذا الذكر قولان:
القول الأول: أن يكونوا بقلوبهم ذاكرين
الله، وبألسنتهم ذاکرین الله، قال ابن عباس
رضي الله عنهما: «أمر الله أولياءه بذكره في
أشد أحوالهم تنبيهًا على أن الإنسان لا يجوز
أن يخلي قلبه ولسانه عن ذكر الله، ولو أن
رجلًا أقبل من المغرب إلى المشرق ينفق
www. modoee.com
١٤٧

حرف الذال
الأموال سخاء، والآخر من المشرق إلى الله تعالى، وهذا هو أعظم مقامات العبودية،
فإن غلب الخصم فاز بالثواب والغنيمة، وإن
المغرب يضرب بسيفه في سبيل الله كان
الذاكر لله أعظم أجرًا».
صار مغلوبًا فاز بالشهادة والدرجات العالية،
أما إن كانت المقاتلة لا لله، بل لأجل الثناء
والقول الثاني: أن المراد من هذا الذكر
الدعاء بالنصر والظفر؛ لأن ذلك لا يحصل
إلا بمعونة الله تعالى (١).
في الدنيا، وطلب المال لم يكن ذلك وسيلة
إلى الفلاح والنجاح (٤).
والآية محتملة للمعنيين.
وهنا أيضًا قال: ﴿كَثِيرًا﴾ أي: ذكرًا
كثيرًا. وعن ابن عباس رضي الله عنهما في
قوله: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قال: ((لا
يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها
حدًا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال عذرٍ،
غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًا ينتهي
إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على
عقله، فقال: ﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا
وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣].
بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي
السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم
والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل
حالٍ))(٢).
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ يقول: كيما فاز بما كان يطلب، وهذا معنّى معروف في
تنجحوا فتظفروا بعدوكم، ويرزقكم الله
الإطلاق الثاني: هو إطلاق العرب الفلاح
على البقاء السرمدي في النعيم، فالعرب
تقول: أفلح هذا: إذا كان باقيًا خالدًا في نعيم
النصر والظفر عليهم(٣)؛ لأن مقاتلة الكافر
إن كانت لأجل طاعة الله تعالى كان ذلك
جاريًا مجرى بذل الروح في طلب مرضاة
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤٨٩/١٥.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٩/ ١٦٤.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١٣/١١.
جوسي
القرآن الكريم
فالفلاح في هذه الآية له أوجه:
أحدها: على رجاء الفلاح.
والثاني: أي: لكي تفلحوا.
والثالث: على قطع وجوب الفلاح إذا
فعل ذلك؛ بما قالوا: إن (لعل) و(عسى) من
الله تعالى واجبة (٥).
والحاصل: أن ﴿ثُفْلِحُونَ﴾ مضارع
(أفلح الرجل يفلح فهو مفلح): إذا نال
الفلاح، والفلاح يطلق في لغة العرب
إطلاقين معروفين مشهورين:
أحدهما: تطلق العرب الفلاح بمعنى
الفوز بالمطلوب الأكبر، فكل من فاز
بالمطلوب الذي کان یهتم به جدا، وهو من
أكبر مطالبه، تقول العرب: أفلح هذا، أي:
كلام العرب.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٤٨٩/١٥.
(٥) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ١٤/١٠.
١٤٨

الذكر
سرمدي، وهذا المعنى معروف مشهور في
كلام العرب أيضًا.
والمقصود: أن من أطاع الله جل وعلا
وذكره كثيرًا نال الفلاح بمعنييه، ففاز أنه قد أمر الناس بالذكر عند القتال؟ فقال:
﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَقْبُتُواْ
بمطلوبه الأکبر، وهو الجنة ورضا الله، ونال
البقاء السرمدي الأبدي في نعيم الجنات.
وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[الأنفال: ٤٥])) (٣).
وهذه الآية الكريمة تدل على أن الذين
إذا لقوا فئة من فئات الكفار في ميدان القتال
ولم يثبتوا أو لم يذكروا الله كثيرًا أنهم لا
يفلحون، وهو كذلك؛ لأن النصر من الله،
كما قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندٍ
اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٠].
قال في بدر: ﴿وَمَالنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾
[آل عمران: ١٢٦].
مع أنه أنزل ملائكة السماء ناصرين،
يعني: لا تظنوا أن الملائكة ينصرونكم،
الناصر هو الله وحده جل وعلا؛ ولذا قال:
﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[الأنفال: ٤٥] (١).
والخلاصة: إننا أمرنا بالذكر على كل
حال نکون علیها في الحرب، کما يدل على
ذلك السیاق، فأجدر بأن نؤمر به في حال
السلم، إلى أن المؤمنین في جهاد مستمر،
وحروب دائمة، فهم تارة يجاهدون الأعداء،
وأخرى يجاهدون الأهواء، ومن ثم أمرهم
الله بالذكر في كثير من الآي (٢).
(١) انظر: العذب النمير ٧٩/٥.
(٢) تفسير المراغي ٥/ ١٤٣.
وعن كعب الأحبار قال: ((ما من شيء
أحب إلى الله من قراءة القرآن والذكر؛ ولولا
ذلك ما أمر الناس بالصلاة والقتال، ألا ترون
رابعًا: النجاة من البلاء:
ومن فوائد الذكر: النجاة من البلاء،
قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ، كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ
١٣ لَكِثَ فِى بَطْنِهِ: إِلَى يَوْمِ يُّبْعَثُونَ﴾ [الصافات:
١٤٣-١٤٤].
يقول تعالى ذكره: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ﴾ يعني:
يونس عليه السلام ﴿كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ﴾
من الذاكرين الله قبل ذلك، وكان عليه
السلام کثیر الذکر، وقال ابن عباس رضي
الله عنهما: ((من المصلين))، وقال وهب:
((من العابدين))، وقال الحسن: ((ما كانت له
صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملا
صالحًا)»، وقال الضحاك: ((شكر الله تعالى
له طاعته القديمة))، وقيل: فلولا أنه كان
من المسبحين في بطن الحوت، قال سعيد
ابن جبير: ((يعني: قوله: ﴿لََّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ
سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنْتُ مِنَ النََّالِمِينَ﴾
[الأنبياء: ٨٧]))(٤). وكل الأقوال صحيحة.
(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ١٧١١/٥.
(٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤ / ٤٧.
www. modoee.com
١٤٩

حرف الذال
قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: «إن
العبد إذا كان له دعاء فى السر، فإذا نزل به
البلاء قالت الملائكة: عبدك نزل به البلاء،
فيشفعون له فینجیه الله، فإذا لم یکن له دعاء
قالوا: الآن فلا تشفعون له»، بيانه: لفظة
فرعون: ﴿ءَالْتَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس:
٩١](١).
والمقصود: أن من فوائد الذكر النجاة من
الکروب، کما ذکر الله من حال يونس عليه
السلام أنه کان من الذاکرین الله قبل البلاء،
فذكره الله في حال البلاء، فأنقذه ونجاه.
خامسًا: اطمئنان القلوب:
ومن فوائد الذكر: حصول الطمأنينة،
وقد مدح الله قومًا اطمأنت قلوبهم بذكره،
وفي الذكر وجدوا سلوتهم، وبالذكر وصلوا
إلى صفوتهم.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَيْنُّ قُلُوبُهُم
بِذِكْرِ اللَّهُ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[الرعد: ٢٨].
قوله: ﴿تَطَّمَيْنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: تسكن
قلوبهم، وتستأنس بذكر الله(٢).
وفي هذا الذكر قولان:
أحدهما: أنه القرآن؛ لأنه یسمی ذکرًا،
كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكَ أَنزَلْنَهُ﴾
[الأنبياء: ٥٠].
(١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٢٠/٢.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٣ /٥١٨.
وقال سبحانه: ﴿إِنَّا تَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا
لَهُ لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. لأنه آية بينة تسكن
القلوب، وتثبت اليقين فيها.
والثاني: ذكر الله على الإطلاق.
وفي معنى هذه الطمأنينة قولان:
أحدهما: أنها الحب له والأنس به.
والثاني: السكون إليه من غير شك،
بخلاف الذين إذا ذكر الله اشمأزت قلوبهم،
والمعنى: تطمئن القلوب التي هي قلوب
المؤمنين؛ لأن الكافر غير مطمئن القلب (٣).
والمعنيان مرادان، ولا تعارض بينهما،
فذكر الله تسبيحه وتهلیله و تكبيره، ويحتمل
أن يكون المراد به القرآن.
قال السعدي: «ثم ذكر تعالى علامة
المؤمنين، فقال: ﴿اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَيْنُّ
قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: يزول قلقها
واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي:
حقیق بها وحريٌ أن لا تطمئن لشيء سوى
ذكره، فإنه لا شيء ألذ للقلوب، ولا أشهى
ولا أحلى من محبة خالقها، والأنس به
ومعرفته، وعلى قدر معرفتها بالله ومحبتها
له يكون ذكرها له، هذا على القول بأن
ذکر الله ذکر العبد لربه، من تسبيح و تھلیل
وتكبير وغير ذلك.
وقيل: إن المراد بذكر الله كتابه الذي
(٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ٤٩٤.
١٥٠
القرآن الكريمِ

الذكر
أنزله ذكرى للمؤمنين، فعلى هذا معنى
طمأنينة القلوب بذكر الله: أنها حين تعرف
معاني القرآن وأحكامه تطمئن لها، فإنها تدل
على الحق المبين المؤيد بالأدلة والبراهين؛
وبذلك تطمئن القلوب، فإنها لا تطمئن
القلوب إلا باليقين والعلم؛ وذلك في کتاب
الله، مضمون على أتم الوجوه وأكملها،
وأما ما سواه من الكتب التي لا ترجع إليه
فلا تطمئن بها، بل لا تزال قلقة من تعارض
الأدلة، وتضاد الأحكام))(١).
وعدل إلى صيغة المضارع؛ لإفادة
دوام الاطمئنان واستمراره ﴿ أَلا بِذِكْرِ
اُللَّهِ تَطْمَئِنُ الْقُلُوبُ ﴾ أي: بذکره دون غيره
تسكن القلوب أنسًا به، واعتمادًا عليه،
ورجاء منه، وقدر بعضهم مضافًا، أي: بذکر
رحمته ومغفرته، أو بذكر دلائله الدالة على
وحدانيته(٢).
واختير المضارع في ﴿تَطَّمَّيْنُّ﴾ مرتين
لدلالته على تجدد الاطمئنان واستمراره،
وأنه لا يتخلله شك ولا تردد.
وافتتحت جملة ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ﴾
بحرف التنبيه اهتمامًا بمضمونها، وإغراء
بوعيه، وهي بمنزلة التذييل لما في تعريف
القلوب من التعميم، وفيه إثارة الباقين على
الكفر على أن يتسموا بسمة المؤمنين من
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤١٧.
(٢) محاسن التأويل، القاسمي ٢٨٢/٦.
التدبير في القرآن؛ لتطمئن قلوبهم، كأنه
يقول: إذا علمتم راحة بال المؤمنين، فماذا
یمنعکم بأن تكونوا مثلهم؟! فإن تلك في
متناولكم؛ لأن ذكر الله بمسامعكم (٣).
إذن تطمئن القلوب بإحساسها بالصلة
بالله، والأنس بجواره، والأمن في جانبه
وفي حماه، تطمئن من قلق الوحدة، وحيرة
الطريق، بإدراك الحكمة في الخلق والمبدأ
والمصير، وتطمئن بالشعور بالحماية من كل
اعتداء، ومن کل ضر، ومن کل شر إلا بما
يشاء، مع الرضا بالابتلاء والصبر على البلاء،
وتطمئن برحمته في الهداية والرزق والستر
في الدنيا والآخرة ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيْنُّ
اٌلْقُلُوبُ﴾ ذلك الاطمئنان بذكر الله في
قلوب المؤمنين حقيقة عميقة يعرفها الذين
خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، فاتصلت
بالله، يعرفونها ولا يملكون بالكلمات أن
ينقلوها إلى الآخرين الذين لم يعرفوها؛
لأنها لا تنقل بالكلمات، إنما تسري في
القلب فيستروحها، ويهش لها، ويندى
بها ويستريح إليها، ويستشعر الطمأنينة
والسلام، ويحس أنه في هذا الوجود ليس
مفردًا بلا أنيس، فكل ما حوله صديق؛ إذ كل
ما حوله من صنع الله الذي هو في حماه.
ولیس أشقی علی وجه هذه الأرض ممن
یحرمون طمأنینة الأنس إلى الله، لیس أشقی
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣٨/١٣.
www. modoee.com
١٥١

حرف الذال
ممن ينطلق في هذه الأرض مبتوت الصلة
بما حوله في الكون؛ لأنه انفصم من العروة
الوثقى التي تربطه بما حوله في الله خالق
الکون، لیس أشقی ممن یعیش لا يدري لم
جاء؟ ولم يذهب؟ ولم يعاني ما يعاني في
الحياة؟ ليس أشقى ممن يسير في الأرض
یوجس من كل شيء خيفة؛ لأنه لا يستشعر
الصلة الخفية بينه وبين كل شيء في هذا
الوجود، ليس أشقى في الحياة ممن يشق
طريقه فريدًا وحيدًا شاردًا في فلاة، عليه أن
یکافح وحده بلا ناصر ولا هاد ولا معین،
وإن هناك للحظات في الحياة لا یصمد لها
بشر إلا أن يكون مرتكنًا إلى الله، مطمئنًا إلى
حماه، مهما أوتي من القوة والثبات والصلابة
والاعتداد، ففي الحياة لحظات تعصف بهذا
كله، فلا يصمد لها إلا المطمئنون بالله(١).
سادسًا: مغفرة الذنوب:
ومن فوائد الذكر: مغفرة الذنوب.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ
ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ
وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى
مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٥) أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُم
مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّيِّهِمْ وَجَنَّتٌ ◌َّجْرِى مِن تَحْتِهَا
اُلْأَنْهَُ خَلِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ اَلْعَمِينَ﴾
[آل عمران: ١٣٥ -١٣٦].
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ /٢٠٢٠.
جوسيق
الْقُرآن الكَرِيمِ
فهؤلاء إذا فعلوا فاحشة بادروا إلى التوبة
والاستغفار، وذكروا ربهم، وما توعد به
العاصين، ووعد به المتقين، فسألوه المغفرة
لذنوبهم، والستر لعيوبهم، مع إقلاعهم عنها
وندمهم عليها.
﴿أُوْلَئِكَ﴾ الموصوفون بتلك الصفات
﴿َآؤُهُم مَغْفِرٌ مِّن رَّتِهِمْ ﴾ تزيل عنهم كل
محذور ﴿وَجَنَّتٌّ ◌َّجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾
فيها من النعيم المقيم، والبهجة والسرور
والبهاء، والخير والسرور، والقصور
والمنازل الأنيقة العاليات، والأشجار
المثمرة البهية، والأنهار الجاريات فى تلك
· لا
ين
وَخَلِ
المساكن الطيبات
يحولون عنھا، ولا يبغون بها بدلًا، ولا یغیر
ما هم فيه من النعيم ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ
عملوا لله قليلًا، فأجروا كثيرًا، فـ ((عند
الصباح يحمد القوم السرى))، وعند الجزاء
يجد العامل أجره كاملًا موفرًا(٢).
والمقصود: أنهم حصلوا على هذه
المغفرة من الله، والجنات، والخلود فيها
بسبب الاستغفار، وهو ذكر من الأذكار.
موضوعات ذات صلة:
الاستغفار،
الاستعانة، الاستغاثة،
التسبيح، الحمد، الغفلة
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٤٩.
١٥٢