النص المفهرس

صفحات 41-60

الذكر
إِسْرَّويلَ﴾ ففرعون سمع أنه يوجد إله لموسى
بيده كل شيء، فلما شرع في الغرق شعر أن
إله موسى هو الذي أغرقه، فقال: ﴿مَامَنْتُ
أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ إِهِ بَنُواْ إِسْرَوِيلَ﴾ فذكر
ضمير الغائب دليل على أنه غير متحقق؛ فهو
لم يعرفه في الرخاء حتى يعرفه في الشدة،
والمقصود أنها قبلت (لا إله إلا الله) من
سيدنا يونس؛ لأنه كان من المسبحين، ولم
تقبل من فرعون لأنه لم یکن من المسبحین.
فلا بد من توفر شروط هذا الذكر (لا إله
إلا الله) وقد ذكر العلماء من شروط (لا إله
إلا الله) ما يلي:
١. العلم بمعناها.
وذلك بأن يعلم الناطق بها معنى هذه
الكلمة، وما تضمنته من نفي الألوهية عن
غير الله، وإثباتها له سبحانه، قال تعالى:
﴿فَأَعْلَ أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾﴾ [محمد: ١٩].
٢. اليقين.
بمعنى ألا يقع في قلب قائلها شك فيها أو
فيما تضمنته؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ﴾
[الحجرات: ١٥].
٣. القبول لما اقتضته هذه الكلمة
بقلبه ولسانه.
والمراد بالقبول هنا هو المعنى المضاد
للرد والاستكبار، ذلك أن الله أخبرنا عن
أقوام رفضوا قول لا إله إلا الله، فكان ذلك
سبب عذابهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ
٦ إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٤-٣٥].
٤. الانقياد لما دلت عليه.
بمعنى: أن يكون العبد عاملًا بما أمره الله
به، منتهيًا عما نهاه الله عنه.
قال تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ: إِلَى اَللَّهِ
وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىِّ وَإِلَى
اللَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [لقمان: ٢٢].
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
((العروة الوثقى هي لا إله إلا الله))(١).
٥. الصدق.
ومعناه أن یقولها صادقًا من قلبه، یوافق
قلبه لسانه، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ
ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ
٨
يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ
أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُونَ﴾ [البقرة: ٨-٩].
٦. الإخلاص.
وهو إرادة وجه الله تعالى بهذه الكلمة،
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُ وَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ لَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ
اُلِينَ حُنَفَاءُ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةٌ وَذَلِكَ
دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
٧. المحبة لهذه الكلمة.
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ٤٢١/٥.
www. modoee.com
١٢١

حرف الذال
ولأهلها العاملين بها الملتزمين
بشروطها، وبغض ما ناقضها، قال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا
يُحِبُونَهُمْ كَحُبٍ اَللّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّحُبَّاً
﴾ [البقرة: ١٦٥].
فهذا هو معنى هذه الكلمة، وهذه هي
شروطها التي بها تكون سبب النجاة عند
الله سبحانه، وقد قيل للحسن: ((إن أناسًا
يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة،
فقال: من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها
وفرضها دخل الجنة))(١).
والمقصود: أن هذا الذكر (التهليل)
فضله عظيم، وقد ورد الأمر به في القرآن،
قال تعالى: ﴿فَقُلْ حَسْبِىَ اللَّهُلَآ إِلَهَ إِلََّ هُوَ﴾
[التوبة: ١٢٩].
وقد ورد في فضل هذا الذكر قول النبي
صلی الله عليه وسلم: (إن الله قد حرم على
النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه
الله)(٢).
وقال: (أفضل الذكر لا إله إلا الله)(٣).
(١) ترتيب الأمالي الخميسية، الشجري ١/ ١٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب المساجد في البيوت، ٩٢/١، رقم
٤٢٥، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد
ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف
عن الجماعة بعذر، ٤٥٥/١، رقم ٣٣.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات،
باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة،
٤٦٢/٥، رقم ٣٣٨٣، وابن ماجه في
سننه، كتاب الأدب، باب فضل الحامدين،
قال المباركفوري رحمه الله: «لأنها كلمة
التوحيد، والتوحيد لا يماثله شيء، وهي
الفارقة بين الكفر والإيمان؛ ولأنها أجمع
للقلب مع الله، وأنفى للغير، وأشد تزكية
للنفس، وتصفية للباطن، وتنقية للخاطر من
خبث النفس، وأطرد للشيطان)» (٤).
خامسًا: الصلاة على النبي صلى الله
علیه وسلم:
ومن صور الذكر في القرآن: الصلاة
على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد
أمر الله تعالى بها في القرآن، فقال: ﴿إِنَّ
اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ: يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيَّ يََّأَيُّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسَلِيمًا﴾
[الأحزاب: ٥٦].
وهذا فيه تنبيه على كمال الرسول صلى
الله عليه وسلم، ورفعة درجته، وعلو منزلته
عند الله وعند خلقه، ورفع ذكره.
قال القرطبي: «وهذه الآية شرف الله بها
رسوله عليه السلام حياته وموته، وذكر منزلته
منه، وطهر بها سوء فعل من استصحب في
جهته فكرة سوء، أو في أمر زوجاته ونحو
ذلك، والصلاة من الله رحمته ورضوانه،
١٢٤٩/٢، رقم ٣٨٠٠.
قال الترمذي: ((هذا حديث حسن غريب لا
نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم)).
وحسنه الألباني في صحيح الجامع ٢٤٨/١،
رقم ١١٠٤.
(٤) تحفة الأحوذي ٩/ ٣٢٥.
١٢٢
جوبيه
القرآن الكريمِ

الذكر
ومن الملائكة الدعاء والاستغفار، ومن وجل لأنه طلب، وهو يتضمن طالبًا ومطلوبًا
الأمة الدعاء والتعظيم لأمره)» (١).
وقال ابن كثير: ((والمقصود من هذه
الآية: أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة عبده
ونبيه عنده في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه
عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي
عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي
بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء
عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي
جميعًا»(٢)
فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ, يُصَلُونَ﴾
أي: يثني الله عليه بين الملائكة، وفي الملأ
الأعلى لمحبته تعالى له، وتثني عليه الملائكة
المقربون، ويدعون له ويتضرعون(٣).
وصلاة الله عليه هنا لا يصلح حملها
على معناها اللغوي، وهو الدعاء؛ لأن
المعنی غیر معقول في حق الله تعالى؛ فإنه
لا یدعو له؛ لأن الدعاء للغیر طلب نفعه من
ثالث (٤).
قال الألوسي: ((والجملة صيغة خبر،
ومعناها الدعاء بالسلامة، وطلبها منه تعالی
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢٣٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٤٥٧.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٧١.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٨١/٢٥.
ومطلوبًا منه، وهي أمور متغايرة، فإن كان
طلبه سبحانه السلامة لنبيه عليه الصلاة
والسلام من غيره تعالى فمحاليته من أجلى
البديهيات، وإن كان من ذاته عز وجل لزم
أن يغاير ذاته، والشيء لا يغاير ذاته ضرورة،
وهذا منشأ قول بعضهم: إن في السلام منه
تعالى إشكالًا له شأن، فينبغي الاعتناء به،
وعدم إهمال أمره، فقل من يدرك سره)»(٥).
فإن قيل: إذا صلى الله وملائكته عليه
فأي حاجة إلى صلاتنا؟
وقد أجاب الرازي بقوله: ((نقول: الصلاة
عليه ليس لحاجته إليها، وإلا فلا حاجة إلى
صلاة الملائكة مع صلاة الله علیه، وإنما هو
لإظهار تعظيمه، كما أن الله تعالى أوجب
علينا ذكر نفسه ولا حاجة له إليه، وإنما هو
لإظهار تعظيمه منا شفقة علينا ليثيينا عليه؛
ولهذا قال عليه السلام: (من صلى علي مرة
صلی الله علیه عشرًا)»(٦).
ونلحظ من هذه الآية أنه أضاف الصلاة
إلى الله دون السلام، وأمر المؤمنين بهما
لنبيه صلى الله عليه وسلم، واستشكل ذلك معًا، والحكمة كما قال الحافظ ابن حجر
فيما إذا قال الله تعالى: السلام عليك أيها في (الفتح): ((وقد سئلت عن إضافة الصلاة
إلى الله دون السلام، وأمر المؤمنین بها
النبي أو نحوه بأن الدعاء لا يتصور منه عز
وبالسلام، فقلت: يحتمل أن يكون السلام له
(٥) روح المعاني، الألوسي ١١/ ٢٥٥.
(٦) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/ ١٨٢.
www. modoee.com
١٢٣

حرف الذال
معنيان: التحية والانقياد، فأمر به المؤمنون
لصحتهما منهم، والله وملائكته لا يجوز
منهم الانقیاد، فلم یضف إليهم دفعًا للإيهام،
والعلم عند الله))(١).
قال الشهاب الخفاجي علیه الرحمة: «قد
لاح لي في ترك تأكيد السلام وتخصيصه
بالمؤمنين نكتة سرية، وهي أن السلام عليه
-عليه الصلاة والسلام- تسلیمه عما يؤذيه،
فلما جاءت هذه الآية عقيب ذكر ما يؤذي
النبي صلى الله عليه وسلم والأذية إنما
هي من البشر، وقد صدرت منهم، فناسب
التخصيص بهم والتأكيد))(٢).
وقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْعَلَيْهِ
وَسَلِمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اقتداء
بالله وملائکته، وجزاء له علی بعض حقوقه
عليكم، وتكميلًا لإيمانكم، وتعظيمًا له
صلى الله عليه وسلم، ومحبة وإكرامًا،
وزيادة في حسناتكم، وتکفیرًا من سيئاتكم،
وأفضل هيئات الصلاة عليه -عليه الصلاة
والسلام- ما علم به أصحابه: (اللهم صل
على محمد وعلى آل محمد، كما صليت
على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك
على محمد وعلى آل محمد، كما باركت
على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)(٣).
(١) فتح الباري، ابن حجر ٥٣٣/٨.
(٢) حاشية الشهاب على أنوار التنزيل، البيضاوي
١٨٣/٧.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
جوببية
القرآن الكريم
وهذا الأمر بالصلاة والسلام عليه
مشروع في جميع الأوقات، وأوجبه کثیر من
العلماء في الصلاة (٤).
والآية جمعت بين الصلاة والسلام عليه
صلى الله عليه وسلم فالأولى أن يقال:
صلی الله عليه وسلم.
قال النووي: ((إذا صلى على النبي
صلى الله عليه وسلم فليجمع بين الصلاة
والتسليم، ولا يقتصر على أحدهما، فلا
يقل: صلى الله عليه فقط، ولا عليه السلام
فقط)» (٥).
قال ابن كثير: ((وهذا الذي قاله منتزع
من هذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ
تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. فالأولى أن يقال:
صلى الله عليه وسلم تسليمًا))(٦).
والتعبير بالجملة الاسمية في صدر الآية؛
للإشعار بوجوب المداومة، والاستمرار
على ذلك(٧).
و﴿يُصَلُّونَ﴾ فعل مضارع يدل على
الدعوات، باب الصلاة على النبي صلى الله
عليه وسلم، ٨/ ٧٧، رقم ٦٣٥٧، ومسلم
في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الصلاة
على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد،
١/ ٣٠٥، رقم ٤٠٦.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٧١.
(٥) الأذكار، النووي ص ١١٧.
(٦) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٤٧٩.
(٧) التفسير الوسيط، طنطاوي ١١/ ٢٤٣.
١٢٤

الذكر
لحال والاستقبال، أي: أن الله -جل
جلاله- وملائکته منذ کان رسول الله صلی
الله عليه وسلم رسولا يصلون علیه حال
نزول الآية، ومستقبلًا وإلى يوم القيامة.
و﴿تَسْلِيمًا﴾: مفعول مطلق، أي: نسلم
عليه كثيرًا ودوامًا عند زيارته في المسجد
النبوي، وفي البعد، وحیث کنا من أرض
الله تعالی (١). فهو تسلیم علیه، وتسلیم له،
تسليم عليه بالدعاء له بالأمن والسلام من
الله (السلام عليك أيها النبي) والتسليم له
من المؤمنين بالطاعة والولاء، فهذه الصلاة
وهذا التسليم من المؤمنين هو بعض ما
يجزي به المؤمنون النبي من إحسان في
مقابل الإحسان العظيم الذي أحسن به
إليهم؛ إذ هداهم إلى الإيمان، وأخرجهم
من الظلمات إلى النور، وسلك بهم الطريق
إلى رضوان الله، وإلى جنات لهم فيها نعيم
مقيم، فما أقل ما يجزي به المؤمن هذا
الإحسان الذي لرسول الله في عنقه(٢).
والضمير في ﴿يُصَلُونَ﴾ لله تعالى
ولملائكته، وهذا قول من الله شرف به
ملائكته، أو في الكلام حذف، والتقدير: إن
الله يصلي، وملائكته يصلون.
قال القرطبي: ((واختلف العلماء في
الضمير في قوله: ﴿يُصَلُّونَ﴾ فقالت فرقة:
(١) تفسير المنتصر الكتاني ٣/٢١٠.
(٢) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٧٤٨/١١.
الضمير فيه لله والملائكة، وهذا قول من
الله تعالى شرف به ملائكته، فلا يصحبه
الاعتراض الذي جاء في قول الخطيب: ((من
يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما
فقد غوی» فقال له رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (بئس الخطيب أنت، قل: ومن
يعصي الله ورسوله)(٣).
قالوا: لأنه ليس لأحد أن يجمع ذكر الله
تعالى مع غيره في ضمير، ولله أن يفعل
في ذلك ما يشاء، وقالت فرقة: في الكلام
حذف، تقديره: إن الله يصلي وملائكته
يصلون، وليس في الآية اجتماع في ضمير؛
وذلك جائز للبشر فعله)» (٤).
وظاهر صيغة الأمر مع قرينة السياق
تقتضي وجوب أن يصلي المؤمن على
النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه مجملٌ
في العدد، فمحمله محمل الأمر المجمل
أن يفيد المرة؛ لأنها ضرورية لإيقاع الفعل
ولمقتضى الأمر؛ ولهذا ذكر الفقهاء أن
الصلاة على النبي (خارج الصلاة) واجبة
على كل مؤمن مرة في العمر، فجعلوا وقتها
العمر كالحج، وقد اختلفوا فيما زاد على
ذلك في حكمه ومقداره، ولا خلاف في
استحباب الإكثار من الصلاة عليه، وخاصة
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة،
باب تخفيف الصلاة والخطبة، ٢ / ٥٩٤، رقم
٨٧٠.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/ ٢٣٢.
www. modoee.com
١٢٥

حرف الذال
عند وجود أسبابها، ومن أسباب الصلاة ونحوه، مما ليس فيه مشتق من الصلاة،
كصل وصلى، فإنا لم نسمع أحدًا عد قائل
علیه: أن يصلي علیه من جری ذکره عنده،
وعند الدعاء، وعند سماع الأذان، وعند
انتهاء المؤذن، وعند دخول المسجد.
ذلك مصليًا عليه صلى الله عليه وسلم؛
وذلك في غاية الظهور، إذا كان (قولوا:
اللهم صل على محمد) تفسيرًا لقوله تعالى:
وذكر الفعل المضارع في (يصلون)
إشارة إلى الترغيب في الإكثار من الصلاة
على النبي صلى الله عليه وسلم تأسيًا بصلاة والسلام عليك أيها النبي ونحوه، وهذا ما
الله وملائكته(١).
﴿صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ أي: وقولوا:
عليه أكثر العلماء الأجلة)) (٤).
قال القاسمي: ((تدل الآية على وجوب
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
مطلقًا؛ لأن الأصل في الأمر للوجوب،
فذهب قوم إلى وجوبها في المجلس مرة،
ثم لا تجب في بقية ذلك المجلس، وآخرون
إلى وجوبها في العمر مرة واحدة، ثم هي
مستحبة في كل حال، وآخرون إلى وجوبها
كلما ذكر، وبعضهم إلى أن محل الآية على
الندب))(٢).
قال ابن كثير: ((وهذا قول غريب، فإنه قد
ورد الأمر بالصلاة عليه في أوقات كثيرة،
فمنها واجب، ومنها مستحب))(٣).
والظاهر أيضًا أنه لا يحصل الامتثال بأي
ثناء ودعاء للنبى صلى الله عليه وسلم بغير
هذه الصيغة التي تحتوي على لفظ الصلاة،
قال الألوسي: ((والظاهر أنه لا يحصل
الامتثال باللهم عظم محمدًا التعظيم اللائق
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩٨/٢٢.
(٢) محاسن التأويل ٨/ ١٠٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٤٦٩.
والمقصود: أن من الأذكار العظيمة
الواردة في القرآن الصلاة على النبي صلى
الله عليه وسلم، وقد جاء الأمر بها في
القرآن، إلا أنه لم يبين لنا عز وجل كيفية تلك
الصلاة في كتابه، وبينها لنا رسوله صلى الله
عليه وسلم، ورغب فيها، وحث عليها، وبين
أن أجرها مضاعف، فقال صلى الله عليه
وسلم: (فإنه من صلى علي صلاة، صلى
الله عليه بها عشرا)(٥)، وقد شرعت عند ذكر
اسمه، وبعد التشهد في الصلاة، وفي خطبة
الجمعة والنكاح ونحوها.
وهي مما يدل على دوام أجره دون
انقطاع؛ لأن صلوات الله تعالى عليه،
وصلوات الملائكة والمؤمنين لا تنقطع ليلًا
ولا نهارًا، وهي من الله تعالى رحمة، ومن
(٤) روح المعاني، الألوسي ٢٥٥/١١.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه،
٢٨٨/١، رقم ٣٨٤.
١٢٦
◌َرُ النَّسِّيـ
جوسين
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الذكر
الملائكة والمؤمنين دعاء (١).
فيا لها من مرتبة سنیة حیث تردد جنبات
الوجود، ثناء الله علی نبیه، ویشرق به الكون
کله، وتتجاوب به أرجاؤه، ويثبت في کیان
الوجود ذلك الثناء الأزلي القديم الأبدي
الباقي، وما من نعمة ولا تكريم بعد هذه
النعمة وهذا التكريم، وأين تذهب صلاة
البشر وتسليمهم بعد صلاة الله العلي
وتسليمه، وصلاة الملائكة في الملأ الأعلى
وتسليمهم، إنما يشاء الله تشريف المؤمنين
بأن یقرن صلاتهم إلى صلاته، وتسليمهم
إلى تسليمه، وأن يصلهم عن هذا الطريق
بالأفق العلوي الكريم الأزلي القديم (٢).
ففي الصلاة والسلام عليه اعتناء بإظهار
شرفه ورفع شأنه، ومن هنا قال بعضهم:
تشریف الله محمدًا صلی الله عليه وسلم
بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَكَتَهُ, يُصَلُّونَ عَلَى
النَّبيِ﴾ أبلغ من تشريف آدم بالسجود له.
سادسًا: قراءة القرآن:
ومن صور الذكر الوارد الأمر بها في
القرآن: قراءة القرآن، والمتتبع لآي القرآن
الكريم يجد الأمر واضحًا بتلاوته وتدبره،
ويجد ما يترتب على ذلك من الأجر العظيم.
قال تعالى: ﴿فَقْرَهُواْ مَا تَبَشَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ
عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٌّ وَمَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى
(١) انظر: أضواء البيان ٢٤٧/٨.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٨٧٩/٥.
اُلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَلِلُونَ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَهُ واْ مَا تَنَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].
والمعنى: فاقرءوا من الليل ما تيسر لكم
من القرآن في صلاتكم؛ وهذا تخفيف من
الله عز وجل عن عباده فرضه الذي كان
﴿قُّ أَلَّيْلَ إِلََّ قِيلًا ))
فرض عليهم بقوله:
نَّصْفَهُ أَوِأَنْقُصْ مِنْهُ قَلِلً أَوْزِدْ عَلَيْهِ وَرَقَّلِ الْقُرْمَانَ
تَِّيلًا﴾ [المزمل: ٢-٤](٣).
فالأمر بقراءة القرآن هنا فيه قولان:
الأول: أن المراد من هذه القراءة الصلاة؛
لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة، فأطلق
اسم الجزء على الكل، أي: فصلوا ما تيسر
علیکم.
والقول الثاني: أن المراد قراءة القرآن
بعينها، والغرض منه دراسة القرآن؛ ليحصل
الأمن من النسيان (٤). وليقف المؤمن بقراءته
على إعجازه، وما فيه من دلائل التوحيد،
وبعث الرسل.
فعلى القول الثاني يكون الأمر بقراءة
مستقلة، ويؤيد هذا أن الله قد أمر بترتيل
القرآن، فقال: ﴿وَرَقِّلِ اَلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ أي: اقرأه
على تؤدة وتمهل وتبين حروف، بحيث
یتمکن السامع من استيعابه، وتدبر معانيه.
والأمر في قوله: ﴿فَقْرَهُواْ﴾ للندب،
وقال قوم منهم الحسن وابن سيرين: ((هو
(٣) جامع البيان، الطبري ٣٩٥/٢٣.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٠/ ٦٩٤،
واللباب في علوم الكتاب ١٩/ ٤٨٧.
www. modoee.com
١٢٧

حرف الذال
فرض لا بد منه، ولو أقل ما يمكن))، حتى وَعَلَانِيَةٌ يَرْجُونَ نْحَرَةٌ لَّنْ تَبُورَ﴾
[فاطر: ٢٩].
قال بعضهم: من صلى الوتر فقد امتثل هذا
الأمر، وقيل: كان فرضًا ثم نسخ بالصلوات
الخمس، وقيل: هو فرض على أهل القرآن
دون غيرهم.
وذكر الله في هذه الآية الأعذار التي
تكون لبني آدم تمنعهم من قيام الليل،
فمنها: المرض، ومنها: السفر للتجارة، وهي
الضرب في الأرض؛ لابتغاء فضل الله،
ومنها: الجهاد، ثم كرر الأمر بقراءة ما تيسر؛
تأکیدًا للأمر به، أو تأكيدًا للتخفيف، وهذا
أظهر؛ لأنه ذكره بأثر الأعذار(١).
والحاصل: أن تلاوة القرآن سنة من
سنن الإسلام، والإكثار منها مستحب؛
لأنها وسيلة إلى فهم كتاب الله، والعمل
به، وفضلها ثابت في القرآن الكريم والسنة
الشريفة، وأمر الله تعالى نبيه صلى الله
عليه وسلم بتلاوة القرآن، کما دل عليه قوله
تعالى: ﴿وَأَمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١) وَأَنْ
أَتْلُواْ الْقُرْءَانَ﴾ [النمل: ٩١-٩٢].
ومدح المشتغلين بتلاوته، فقال: ﴿الَّذِينَ
ءَاتَّيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَتْلُونَهُ، حَقَّ تِلَاوَتِ= أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ
بِهِ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْخَبِرُونَ﴾ [البقرة:
١٢١].
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ اللَّهِ
وقال:
وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا
(١) التسهيل، ابن جزي ٢ / ٤٢٦.
وكان مطرف إذا مر بهذه الآية: ﴿إِنَّ
اُلَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ اللَّهِ﴾ يقول: ((هذه آية
القراء)»(٢)، يعني: أثنى الله عليهم بقراءة
القرآن.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ﴾ يعني:
فقوله:
يقرءون القرآن، وقيل: معناه: يتبعون كتاب
الله تعالى، يقال: تلا يتلو إذا تبعه، كقوله
تعالى: ﴿وَالْقَمْرِ إِذَا فَلَهَا﴾ [الشمس: ٢](٣).
ولعل الجمع بين القولين أولى، فهم
يقرءونه ويتبعونه، لا مجرد قراءة باللسان
فقط.
قال السعدي: ((أي: يتبعونه في أوامره
فيمتثلونها، وفي نواهيه فيتركونها، وفي
أخباره، فيصدقونها ويعتقدونها، ولا
يقدمون عليه ما خالفه من الأقوال، ويتلون
أيضًا ألفاظه، بدراسته، ومعانيه، بتتبعها
واستخراجها)) (٤).
فتلاوة كتاب الله تعني شيئًا آخر غير
المرور بكلماته بصوت أو بغير صوت، تعني
تلاوته عن تدبر، ينتهي إلى إدراك وتأثر،
وإلی عمل بعد ذلك وسلوك، ومن ثم يتبعها
بإقامة الصلاة، وبالإنفاق سرًا وعلانية من
رزق الله، ثم رجاؤهم بكل هذا ﴿فْجَرَةً لَّن
(٢) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٣٦٦.
(٣) تفسير السمر قندي ١٠٦/٣.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٨٩.
١٢٨
مَوْسُو ◌َرُ التفسير
القرآن الكريمِ

الذكر
تَبُّورَ ﴾ فهم يعرفون أن ما عند الله خير مما بحسب الكثرة، وبحسب الاستمرار، فبدأ
بالأكثر والأكثر استمرارًا، ثم بما دونها كثرة
(الصلاة)، ثم الأقل (الإنفاق)(٣).
ينفقون، ويتاجرون تجارة كاسبة مضمونة
الربح، یعاملون فیها الله وحده، وهي أربح
معاملة، ويتاجرون بها في الآخرة، وهي
أربح تجارة، تجارة مؤدية إلى توفيتهم
أجورهم، وزیادتهم من فضل الله (١).
القراءة وتجددها.
قال الألوسي: «أي: إنهم يداومون على
قراءته حتى صارت سمة لهم وعنوانًا، كما
يشعر به صيغة المضارع، ووقوعه صلة،
واختلاف الفعلین)»(٢).
فعطف الماضيين (أقاموا، وأنفقوا) على
المضارع (يتلون)؛ لأن أوقات التلاوة أعم
من أوقات الصلاة والزكاة، ويجوز أن يكون
الماضيان سابقين على التلاوة، ويجوز أن
تكون التلاوة في الصلاة.
فـ(يتلون) فعل مضارع و(أقاموا) فعل
ماضي، والفعل المضارع يدل على الحال
والتجدد والاستقبال والماضي مضى؛ وفي
الآية ذكر تعالى أكثر ما يتجدد أولًا؛ لأن
تلاوة القرآن أكثر من الصلاة، وإقامة الصلاة
لا تكون إلا بقراءة القرآن، وقراءة القرآن
تکون في كل وقت، وإقامة الصلاة هي أكثر
من الإنفاق، إذن فالأفعال مرتبة في الآية
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٩٤٣/٥.
(٢) روح المعاني، الألوسي ١١/ ٣٦٥.
والمراد بكتاب الله: القرآن (٤)، ولا وجه
لما قیل: إن المراد به جنس کتب الله.
قال أبو السعود: ((والمراد بكتاب الله
ومجيء الجملة فعلية يدل على مداومة تعالى: القرآن، وقيل: جنس كتب الله، فیکون
ثناء على المصدقین من الأمم بعد اقتصاص
حال المكذبين منهم، وليس بذاك، فإن صيغة
المضارع منادية باستمرار مشروعية تلاوته،
والعمل بما فيه واستتباعهما لما سيأتي من
توفية الأجور، وزيادة الفضل، وحملها
على حكاية الحال الماضية مع كونه تعسفًا
ظاهرًا مما لا سبيل إليه، كيف لا، والمقصود
الترغيب في دين الإسلام، والعمل بالقرآن
الناسخ لما بين يديه من الكتب! فالتعرض
لبيان حقيقتها قبل انتساخها والإشباع في
ذكر استتباعها لما ذكر من الفوائد العظيمة
مما يورث الرغبة في تلاوتها، والإقبال على
العمل بها، وتخصيص التلاوة بما لم ينسخ
منها باطل قطعًا؛ لما أن الباقي مشروعًا ليس
إلا حکمها؛ لكن لا من حيث أنه حکمها،
بل من حيث إنه حكم القرآن، وأما تلاوتها
فبمعزل من المشروعية، واستتباع الأجر
(٣) لمسات بيانية في نصوص من التنزيل، فاضل
السامرائي ص ٧٤١.
(٤) غرائب التفسير، النيسابوري ٢/ ٩٤٦، روح
المعاني، الألوسي ٣٦٥/١١.
www. modoee.com
١٢٩

حرف الذال
بالمرة، فتدبر!»(١).
فهؤلاء قالوا هذه الكلمة العظیمة (حسبنا
والمقصود: أن من صور الذكر وأعظمها الله ونعم الوكيل) أي: قالوا معبرين عن
قراءة القرآن، فقد جاء الترغيب في تلاوة صادق إيمانهم بالله: الله يكفينا ما يهمنا
القرآن، ولو في غیر صلاة، ومن غير وضوء،
ويؤجر المسلم على مجرد تردید لفظه، ولو
من غير فهمه، إلا أنه إذا ضم إلى التلاوة
فهمًا زاد بذلك أجرًا على أجر، بل إن قراءة
القرآن أفضل من الذكر والدعاء، وقد سئل
ابن تيمية عمن يحفظ القرآن أيما أفضل له
تلاوة القرآن أم الذكر؟
فأجاب: ((جواب هذه المسألة ونحوها
مبني على أصلین: فالأصل الأول أن جنس
تلاوة القرآن أفضل من جنس الأذكار، كما
أن جنس الذکر أفضل من جنس الدعاء»(٢).
سابعًا: الحسبلة:
ومن صور الذكر الواردة في القرآن
قول: حسبنا الله ونعم الوكيل، وقد أثنى
الله سبحانه على أهل التوحيد والتوكل من
عباده، حیث أفردوه بالحسب، حيث قال:
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا
لَكُّ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا
اَللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (®) فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ
وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَأَتَّبَعُواْ رِضْوَنَ اَللَّهِ
وَاَللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣ -
١٧٤].
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٥٢/٧.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٥٦/٢٣ - ٦٠.
من أمر الذين جمعوا الجموع لنا، فهو لا
يعجزه أن ينصرنا على قلتنا وكثرتهم، أو
يلقى في قلوبهم الرعب، فيكفينا شر بغيهم
وكيدهم، وقد كان الأمر كما ظنوا، فألقى
الله الرعب في قلب أبي سفيان وجيشه
علی کثرة عددهم، وتوافر عددهم، فولوا
مدبرين، وكان في ذلك عزة لله ولرسوله
وللمؤمنين (٣).
فـ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ يعني: نعيم
بن مسعود، وإنما أراد به جنس الناس، وكان
رجلاً واحدًا ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾
يعني: أبا سفيان وأصحابه ﴿فَأَخْشَوْهُمْ﴾
ولا تخرجوا إليهم ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ أي:
تصديقًا ويقينًا، وجرأة على القتال ﴿وَقَالُواْ
حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ أي: ثقتنا بالله،
وأيقنوا أن الله لا يخذل محمدًا صلى الله
عليه وسلم ﴿وَنِعْمَ اَلْوَكِيلُ﴾ أي: نعم
الثقة لنا ﴿فَنْقَلَبُواْ﴾ انصرفوا ﴿بِنِعْمَةٍ مِّنَ
اللَّهِ﴾ أي: بأجر من الله ﴿وَفَضْلٍ﴾ يعني: ما
تسوقوا به من السوق، واشتروا الأشياء بسعر
رخيص ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ﴾ يعني: قتال
﴿وَأَّبَعُواْ رِضْوَنَ اَللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾
(٣) تفسير المراغي ٤/ ١٣٥.
١٣٠
القرآن الكريمِ

الذكر
أي: ذو من عظيم (١).
والحاصل: أنه يستحب قول هذا الذكر
وهذه الكلمة عند الغم، والأمور العظيمة(٢).
وهي الكلمة التي قالها المؤمنون هنا،
كما في هذه الآية، وهي التي قالها إبراهيم
عليه السلام حينما ألقي في النار، فقد جاء
عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((حسبنا الله
ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام حين
ألقي في النار))(٣).
وقالها محمد صلی الله عليه وسلم حين
قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ﴾
[آل عمران: ١٧٣] (٤).
فالحسبلة مقتضى التوكل، وإنما يكون
التوكل على الله وحده، كما قال لنبيه: ﴿قُلّ
حَسِىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوَكَّلُ الْمُتَوَكِلُونَ﴾ [الزمر:
٣٨].
أي: عليه وحده، بدلالة تقديم الظرف،
ومثله في هذا الحصر آيات كثيرة.
وقال في المنافقين: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُّواْ
مَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ
سَيُؤْتِينَا اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّ إِلَى اللَّهِ
رَعِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩].
(١) تفسير السمر قندي ١/ ٢٦٦.
(٢) انظر: الإكليل في استنباط التنزيل، السيوطي
ص ٧٤.
(٣) تفسير القرآن الكريم، المقدم ٢٨/ ٨.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قوله تعالى: (إن الناس قد جمعوا
لكم)، ٣٩/٦، رقم ٤٥٦٣.
أي: لكان خيرا لهم، علمهم الله تعالى أن
يسندوا الإعطاء من الصدقات إلى الله؛ لأنه
المعطي الذي فرض الصدقات وأوجبها،
وإلى رسوله؛ لأنه هو الذي يقسمها، وأن
يسندوا كفاية الإحساب إلى الله وحده،
وتكون رغبتهم إلی الله وحده، ولم يأمرهم
أن يقولوا: حسبنا الله ورسوله؛ إذ لا يكفي
العباد إلا ربهم وخالقهم، كما قال تعالى:
أَلَتِسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦].
ولا سيما الكفاية الکاملة التي يعبر عنها
بحسبك، أي: التي يقول فيها المكفى:
حسبي حسبي، وهي المرادة هنا - كما تقدم-
، وإذا كان دأب آحاد المؤمنين وهجيراهم
(حسبنا الله ونعم الوكيل) فأنبياء الله ورسله
أولی بهذا؛ لأنهم أكمل توحیدًا وتوکلا من
غيرهم، وناهیك بخاتمهم وأفضلهم صلى
الله علیه وسلم، ثم ناهیك بوعد الله تعالی
إياه بهذه الكفاية (٥).
فإذا وفق الله عبدا توكل بحفظه وكلاءته،
وهدايته وإرشاده، وتوفيقه وتسديده، وإذا
خذله وكله إلى نفسه أو إلى غيره؛ ولهذا
كانت هذه الكلمة: ((حسبنا الله ونعم
الوكيل» كلمةً عظيمةً، قال من سبق ذكرهم
من الأنبياء والصالحين، وممن قالها أيضًا
عائشة رضي الله عنها حين ركبت الناقة لما
انقطعت عن الجيش، وهي كلمة المؤمنین،
(٥) تفسير المنار ١٠/ ٦٤.
www. modoee.com
١٣١

حرف الذال
فمن حقق التوكل على الله لم يكله إلى غيره، كلها فلا يقدر عليها إلا الله، وذاك الذي
وتولاه بنفسه، وحقيقة التوكل: تكلة الأمور يوكله لا يفعل شيئًا إلا بمشيئة الله وقدرته،
فليس له أن يتوكل عليه وإن وكله، بل يعتمد
على الله في تيسير ما وكله فيه، فلو كان
الذي يحصل للمتوكل على الله يحصل
وإن توكل على غيره، ويحصل بلا توكل
لكان اتخاذ بعض المخلوقين وكيلًا أنفع من
اتخاذ الخالق وكيلًا، وهذا من أقبح لوازم
هذا القول الفاسد؛ لأن التوكل على الخلق
یشهد نفعه(٢).
کلها إلى من هي بيده، فمن توكل على الله
في هدايته وحراسته وتوفيقه وتأییده ورزقه،
وغير ذلك من مصالح دينه ودنياه تولى اللّه
مصالحه كلها، فإنه تعالى ولي الذين آمنوا،
وهذا هو حقيقة الوثوق برحمة الله، فمن
وثق برحمة ربه ولم يثق بغير رحمته، فقد
حقق التوكل على ربه في توفيقه وتسديده،
فهو جدیرٌ بأن یتكفل الله بحفظه، ولا يكله
إلى نفسه (١).
فمدحوه سبحانه بأنه نعم الوكيل،
والوكيل لا يستحق المدح إذا لم يجلب لمن
توكل عليه منفعة، ولم يدفع عنه مضرة، والله
خير من توكل العباد عليه، فهو نعم الوكيل
یجلب لهم کل خیر، ويدفع عنهم کل شر.
وقال تعالى: ﴿لَاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ نَاتَّهِذْهُ وَكِيلًا﴾
[المزمل: ٩].
وقال: ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَجَعَلْنَهُ
هُدَى لِّبَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِ
وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢].
فأمر أن يتخذ وکیلا، ونھی أن يتخذ
من دونه وكيلًا؛ لأن المخلوق لا يستقل
بجميع حاجات العبد، والوكالة الجائزة أن
یتوکل الإنسان في فعل یقدر علیه، فیحصل
للموكل بذلك بعض مطلوبه، فأما مطالبه
(١) انظر: تفسير ابن رجب الحنبلي ١/ ٢٧٢.
فالحسيب: هو الكافي، والوكيل: فعيل
من التوكل، أي: متوكلا عليه، تفوضون إليه
أمورکم، فیوصل إليكم النفع، ويكف عنكم
الضر، أي: ربًا تکلون إلیه أموركم.
قال ابن الجوزي: ((قيل للرب: وكيل؛
لكفايته وقيامه بشئون عباده، لا على
معنى ارتفاع منزلة الموكل وانحطاط أمر
الوكيل))(٣).
وقال القرطبي: ((وكيلًا، أي: شريكًا)) (٤).
والمعاني متقاربة، ومرجعها إلى شيء
واحد، وهو أن الوكيل: من يتوكل عليه،
فتفوض الأمور إليه، ليأتي بالخير، ويدفع
الشر، وهذا لا یصح إلا لله وحده جل وعلا؛
ولهذا حذر من اتخاذ و کیل دونه؛ لأنه لا نافع
ولا ضار، ولا کاف إلا هو وحده جل وعلا،
(٢) محاسن التأويل، القاسمي ٤ /٨٢.
(٣) زاد المسير ٩/٣.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢١٣/١٠.
١٣٢
مَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريمِ

الذكر
عليه تو كلنا، وهو حسبنا ونعم الو کیل.
فَإِن
ونظير الآية السابقة قوله تعالى:
تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ
تَوَكَّلْتٌّ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ﴾ [التوبة:
١٢٩].
وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآءَاتَنهُمُ اللّهُ
وَرَسُولُهُ، وَقَالُواْ حَسْبُنَا اَللَّهُ سَيُّؤْتِيْنَا اللَّهُ
مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ﴾
[التوبة: ٥٩].
﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَنْ يَخْدَعُوكَ
وقوله:
فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِىّ أَيَدَّكَ بِنَصْرِهِم
وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢].
وقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ أَتَّبَعَكَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤].
ثامنًا: التكبير:
ومن صور الذكر القرآني: التكبير، وقد
أمر الله به في قوله: ﴿وَقُّلِ الْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِى لَوْ
يَّخِذْ وَلَّا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِكٌ فِ الْمُلْكِ وَلَوْ يَكُنْ لَّهُ.
وَإِىٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].
ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكِرْ﴾
[المدثر: ٣].
والتكبير: التعظيم، وهو مصدر كبر
بمعنی: عظم، وهو قول: الله أكبر.
والتكبير أبلغ لفظة للعرب في معنى
التعظيم والإجلال، وفي الأمر بذلك بعد ما
تقدم مؤكدًا بالمصدر المنكر من غير تعيين
لما يعظم به تعالى إشارة إلى أنه مما لا تسعه
العبارة، ولا تفي به القوة البشرية، وإن بالغ
العبد في التنزيه والتمجيد واجتهد في العبادة
والتحميد فلم يبق إلا الوقوف بإقدام المذلة
في حضيض القصور، والاعتراف بالعجز
عن القيام بحقه جل وعلا(١).
والأمر هنا ﴿وَكَيْرَهُ﴾ وإن كان للرسول
صلی الله عليه وسلم فهو أمر للناس جميعًا
على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم؛ لأن
أمر القدوة أمر لأتباعه. ومعنى: ﴿وَكَيْرُهُ
تکبیًا ﴾ أي: قل: الله أكبر، الله أكبر، تكبيرًا
مطلقًا، من غير مقايسة أو مفاضلة، الكبير في
كل مقام، فهو سبحانه الكبير المتعال، ليس
كمثله شيء وهو السميع البصير.
وقد يحمل المعنى على ما هو أشمل،
أي: عظمه تعظيمًا (٢).
قال الرازي في هذا التكبير: ((يحتمل
أنواعًا من المعاني:
أولها: تكبيره في ذاته، وهو أن يعتقد أنه
واجب الوجود لذاته، وأنه غني عن كل ما
سواه.
وثانيها: تكبيره في صفاته؛ وذلك من
ثلاثة أوجه:
أولها: أن يعتقد أن کل ما کان صفة له فهو
من صفات الجلال والعز والعظمة والكمال،
(١) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٨٤/٨.
(٢) تفسير يحيى بن سلام ١/ ١٦٩.
www. modoee.com
١٣٣

حرف الذال
وهو منزه عن كل صفات النقائص.
وثانيها: أن يعتقد أن كل واحد من
تلك الصفات متعلق بما لا نهاية له من
المعلومات، وقدرته متعلقة بما لا نهاية له
من المقدورات والممكنات.
وثالثها: أن يعتقد أنه كما تقدست ذاته
عن الحدوث، وتنزهت عن التغير والزوال
والتحول والانتقال، فكذلك صفاته أزلية
قديمة سرمدية منزهة عن التغير والزوال
والتحول والانتقال.
النوع الثالث: من تكبير الله تكبيره في
أفعاله.
النوع الرابع: تکبیر الله في أحكامه، وهو
أن يعتقد أنه ملك مطاع، وله الأمر والنهي،
والرفع والخفض، وأنه لا اعتراض لأحد
عليه في شيء من أحكامه يعز من يشاء،
ویذل من يشاء.
النوع الخامس: تکبیر الله في أسمائه،
وهو أن لا یذکر إلا بأسمائه الحسنى، ولا
يوصف إلا بصفاته المقدسة العالية المنزهة.
النوع السادس: من التكبير هو أن الإنسان
بعد أن يبلغ في التكبير والتعظيم والتنزيه
والتقديس مقدار عقله وفهمه وخاطره
یعترف أن عقله وفهمه لا یفي بمعرفة جلال
الله، ولسانه لا يفي بشكره، وجوارحه
وأعضاؤه لا تفي بخدمته، فكبر الله عن أن
یکون تكبيره وافيًا بکنه مجده وعزته، وهذا
أقصى ما يقدر عليه العبد الضعيف من
التكبير والتعظيم)»(١).
والحاصل: أن هذه آية عظيمة ختمت
بها سورة الإسراء، وقد احتوت على الأمر
بحمد الله والتكبير.
وروى غير واحد أنه صلى الله عليه
وسلم كان يعلم الغلام من بني عبد المطلب
إذا أفصح ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلى آخر الآية سبع
مرات، وسماها عليه الصلاة والسلام آية
العز (٢).
وقال ابن كثير: ((عن قتادة أنه قال: ذكر لنا
أن النبي صلی الله عليه وسلم كان يعلم أهله
كبيرهم وصغيرهم هذه الآية ﴿اَلْحَمْدُ لِلَِّالَّذِى
لَوَْنَّخِذُ وَلَا﴾))(٣).
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«قول العبد: الله أكبر خير من الدنيا وما
فيها))(٤).
والمقصود أن التكبير هنا ورد ذكرًا
مطلقًا، ولم يحدد بوقت معين، ولفظه: الله
أکبر، ومعناه: أي: عظمه وأجله عما يقول
الظالمون المعتدون تعظيمًا كبيرًا، فذلك
التعظيم الذي يتناسب مع جلاله وعظمته
وقدسيته، فهو الكبير المتعال في ذاته
باعتقاد أنه واجب الوجود لذاته، وأنه غني
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٤٢٠/٢١.
(٢) روح المعاني، الألوسي ١٨٤/٨.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٢٩/٥.
(٤) الكشف والبيان، الثعلبي ٦/ ١٤٢.
١٣٤
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ

الذكر
عن كل الوجود وفي صفاته، فله صفات
الكمال، المنزه عن كل صفات النقصان،
وفي أفعاله: فلا يحدث شيء في ملكه إلا
بمقتضى حكمته ومشيئته، وفي أحكامه: فله
مطلق الأمر والنهي والعز والذل، لا معقب
لحكمه، ولا اعتراض لأحد على شيء من
أحکامه، وفي أسمائه: فلا یذکر إلا بأسمائه
الحسنى، ولا يوصف إلا بصفاته المقدسة
العالية.
بعد انتهاء بعض العبادات، قال تعالى:
﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهُ عَلَى
مَا هَدَنَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:
١٨٥].
وقال: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِرُواْ اللّهَ
عَلَى مَا هَدَنَكُمْ وَبَشْرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج:
٣٧].
ففي الآية الأولى التكبير عند إكمال شهر
رمضان، يوم الفطر (١)، والآية الثانية في
الأضاحي (٢).
تاسعًا: الاسترجاع:
ومن صور الذكر الوارد في القرآن:
الاسترجاع، وهو قول العبد: إنا لله وإنا إليه
راجعون.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ
(١) جامع البيان، الطبري ٤٧٩/٣.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٢٩/٥.
قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنََّ إلَيْهِ رَجِعُونَ (٦) أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ
صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَتِكَ هُمُ
الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦ -١٥٧].
ففي هذه الآية أخبر الله أن المؤمن إذا
سلم الأمر إلی الله، ورجع واسترجع عند
المصيبة كتب له ثلاث خصال من الخير:
الصلاة من الله، والرحمة، وتحقيق سبيل
الهدى.
ومعنى: ﴿قَالُواْ﴾ أي: نطقوا بهذا الذكر
وقد جاء التكبير في القرآن ذكرًا مقيدًا العظيم، ولم يرد به القول اللساني فقط،
بل لا بد أن یکون معه اعتقاد وعمل، فمن
شرط اللفظ: العمل بمقتضاه، وهو أنه يصبر
ويحتسب، فإن قاله قولًا فقط فلا فائدة فيه،
وإن صبر ولم يقله فقد قاله بلسان الحال،
ويحصل له (الأجر) وإن فعل الأمرين أخلفه
الله الخير في الدنيا، وأعظم له الأجر في
الآخرة.
قال أبو السعود: ((وليس الصبر هو
الاسترجاع باللسان بل بالقلب، بأن يتصور
ما خلق له، وأنه راجع إلى ربه، ويتذكر
نعم الله تعالی علیه، ویری أن ما أبقى عليه
أضعاف ما استرده منه، فيهون ذلك على
نفسه، ويستسلم))(٣).
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ يعني يقولون:
نحن عبيد الله وفي ملكه، إن عشنا فعليه
أرزاقنا، وإن متنا فإليه مردنا، وإليه راجعون
(٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١ / ١٨٠.
www. modoee.com
١٣٥

حرف الذال
بعد الموت، ونحن راضون بحكمه.
﴿وَرَحْمَةٌ﴾ أي: عليهم رحمات كثيرة
إنا لله كلنا، كل ما فينا، كل كياننا وذاتيتنا متعددة، ورحمة أخرى أعظم من الجميع،
فلذلك أفردها بالذکر، وعطفھا علیھا، ولیس
فيه تكرار بوجه (٦).
لله، وإليه المرجع والمآب في کل أمر، وفي
كل مصير، التسليم المطلق، تسليم الالتجاء
الأخير المنبثق من الالتقاء وجهًا لوجه
بالحقيقة الوحيدة، وبالتصور الصحيح (١).
فإذا علم العبد أنه وجميع أهله وماله ملك
لله طابت نفسه، وهانت عليه مصيبته.
ثم قال: ﴿أُوْلَكَ﴾ يعني: أهل هذه
الصفة، إشارة إلى الصابرين باعتبار اتصافهم
بما ذكر من النعوت، ومعنى البعد فيه للإيذان
(٢)
بعلو رتبتهم(٢).
﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَّبِّهِمْ﴾ الصلاة اسم
مشترك المعنى، فهي من الله تعالى الرحمة،
ومن الملائكة الاستغفار، ومن الناس
الدعاء(٣). والصلاة هنا المراد بها الرحمة،
(٤)
وجمعها؛ لإرادة التكرار عليهم.
٠
و قد تحمل الصلاة من الله تعالی هنا على
ثلاثة أشياء: توفيق الطاعة، والعصمة عن
المعصية، ومغفرة الذنوب جميعًا، فبالصلاة
الواحدة تتكون لهم هذه الأشياء الثلاثة، فقد
وعد لهم الصلوات الكثيرة، ومقدار ذلك لا
يعلمه إلا الله(٥).
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٤٥/١.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١/ ١٨٠.
(٣) النكت والعيون، الماوردي ١/ ٢١٠.
(٤) تفسير ابن عرفة ٢/ ٤٧٠.
(٥) تفسير السمر قندي ١/ ١٠٦.
ثم قال: ﴿وَأُوْلَتَبِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ أي:
الموفقون للاسترجاع، وروي عن سعید بن
جبير أنه قال: لم يكن الاسترجاع إلا لهذه
الأمة، ألا ترى أن يعقوب عليه السلام قال:
﴿يَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤].
فلو كان له الاسترجاع لقال ذلك (٧).
فـ﴿اَلْمُهْتَدُونَ﴾ أي: الذين اهتدوا إلى
طريق الحق؛ فإن هذا الكلام الذي يقولونه
مع الصبر هو الهداية.
والمقصود: أن هذه كلمة عظيمة يستحق
عليها الإنسان المؤمن الثواب العظيم، وهو
من أعظم الذكر الوارد في القرآن.
وقد جعل سبحانه هذه الكلمات ملجأ
لذوي المصائب؛ لما جمعت من المعاني
المباركة، من توحيد الله سبحانه، والإقرار
له بالعبودية، والبعث من القبور، واليقين بأن
رجوع الأمر کله إلیه، کما هو له، قال الفخر:
«قال أبو بکر الوراق: ﴿إِنَّاللّهِ﴾ إقرار منا له
بالملك ﴿وَإِنّآ إلیهِ رَچِعُونَ﴾ إقرار على أنفسنا
بالهلاك».
وفى هذا التركيب العجيب من لطائف
(٦) تفسير ابن عرفة ٢/ ٤٧٠.
(٧) تفسير السمر قندي ١٠٦/١.
١٣٦
جوية
القرآن الكريمِ

الذكر
اللطائف وعوارف المعارف ما یدق ویرق،
وما هو بهذا النظام أليق وأخلق، وحسب
الإنسان أن یذکر في محتته أن لله بدأه، ولله
نهايته؛ ليكون لله فيما بينهما ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ
كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
أما البشرى فقد أشارت إلى مضمونها
الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿أُوْلَبَكَ
عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ
اَلْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧].
سمعها عمر رضي الله عنه فقال: «نعم
العدلان، ونعمت العلاوة))(١).
فما أروعها من جملة، وما أطيبها من
كلمة، جامعة مانعة، تجمع بين السهولة
والقوة؛ سهولة اللفظ، وقوة المعنى، وبين
العبودية والعزة، عبودية المخلوق للخالق؛
وعزة المخلوق بخالقه.
وجرت العادة أن هذه الكلمة إذا سمعت
فإنها توحي بمصيبة، وهذا ما جاءت في
القرآن لأجله؛ ولذلك ينطقها اللسان
بنبرات حزينة، وربما برأس مخفوض،
ووجه عبوس، وقلب مكلوم، نعم هي ترافق
المصيبة، وتأتي معها؛ لكن لا لتزيدها أو
تعمق جراحها، بل لتخففها، وتقوي الصبر
عليها؛ وهل التعزية إلا التقوية؟! يقولها أهل
المصائب مؤمنون بها، مستسلمون لحكمها.
(١) معالم التنزيل، البغوي ١/ ١٨٧.
أوقات الذكر
أمر الله تعالى في القرآن بالإكثار من
الذكر في جميع الأحوال والأوقات دون
تقیید بوقت محدد أو عدد محدد، وجاء
الأمر بالذكر في أوقات معينة، ويمكن
تقسيم الذكر الوارد في القرآن إلى الذكر
المطلق من التقييد بوقت أو حال أو عدد،
والذكر المقيد بأوقات معينة:
أولًا: ذكر مقيد:
أمر الله تعالى في القرآن بالذکر عمومًا،
والتسبيح خصوصًا، مقيدًا في الأوقات
التالية:
١. البكور والعشي.
أمر الله تعالى في القرآن بالذكر بكرة
وعشيًا، مقيدًا بهذين الزمانين، قال تعالى:
﴿وَأَذْكُرُ أَسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةٌ وَأَصِيلًا﴾ [الإنسان:
٢٥].
وخص من الذكر التسبيح، فقال:
﴿وَسَبِّحُوُ بَّكْرَةُ وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢].
وقال: ﴿لِّتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُوهُ
وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾
[الفتح: ٩].
ف﴿بُكْرَةَ﴾ أول النهار ﴿وَاصِيلًا ﴾ آخر
النهار، وخصا بالذكر؛ لأن ملائكة الليل
www. modoee.com
١٣٧

حرف الذال
وملائكة النهار يجتمعون فيهما(١).
أو هو إشارة إلى المداومة؛ وذلك لأن
مريد العموم قد يذكر الطرفين، ويفهم منهما
الوسط، كقوله عليه السلام: (لو أن أولكم
وآخركم)(٢) ولم يذكر وسطكم، ففهم منه
المبالغة في العموم (٣).
فإذا أمر العبد بالذکر في هذين الوقتین،
وهما وقتا شغل ابتداء أو انتهاء، فوجوب
الذکر في غیرهما من باب الأولى.
وقيل: إن ذلك إشارة إلى صلاة الصبح
والعصر، وقال ابن عطية: ((أراد في كل
الأوقات، فحد النهار بطرفیه»(٤).
وخص التسبيح بالذكر من جملة الذكر ما وقع لها من خلل أثناء رحلتها مع الحياة
لفضله على سائر الأذكار، فقيه تنزیه عما لا
يجوز علیه(٥).
والحاصل: أنه خص البكرة والأصيل
في قوله: ﴿ وَسَبِّحُوهُ بُّكْراً وَأَصِيلًا﴾ بالذكر؛
لإظهار فضلهما، والتنويه بهما؛ لأن العبادة
فيهما آكد على الإنسان، كما خص التسبيح
وهو من أنواع الذكر؛ لیبین فضله على سائر
الأذكار.
وقد يكون السر أيضًا في اختيار هذين
(١) مدارك التأويل، النسفي ٣٥/٣.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب تحريم الظلم ٤ / ١٩٩٤، رقم
٢٥٧٧.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/ ١٧٢.
(٤) التسهيل، ابن جزي ٢ / ١٥٤.
(٥) غرائب القرآن، النيسابوري ٤٦٨/٥.
جوبيه
القرآن الكريم
الوقتين لأنهما أصلح الأوقات وأنسبها لذكر
الله، واستحضار جلاله وعظمته.
ففي أول النهار يتزود الإنسان بهذا الزاد
الطيب الذي يغذي به مشاعره وأحاسيسه،
ويشحن به عواطفه ونوازعه، ثم يخرج إلى
الحياة ومعه هذا الرصيد العظيم من أمداد
الله ورحماته، فیواجه الحیاة بقلب سلیم،
وعزم موثق، ولسان عف، ويد نقية، فیکون
من هذا كله في حراسة أمينة يقظة، فلا يزل
ولا ينحرف!
فإذا كان آخر النهار كان له إلى نفسه
عودة ومراجعة، فيعرضها على الله، ويصلح
طوال اليوم، وبهذا يظل المؤمن -المتصل
بالله هذا الاتصال- على الصحة والسلامة
أبدًا (٦).
وأمر الله تعالى بالذكر بالعشي والإبكار،
مقيدًا بهذين الزمانين، فقال: ﴿وَاذْكُرُ رَبَّكَ
كَثِيرًا وَسَبْحْ بِالْعَشِّ وَاَلْإِبْكَرِ﴾ [آل
عمران: ٤١].
و(العشي): هو من الزوال إلى الغروب،
قاله مجاهد، وقيل: من العصر إلى ذهاب
صدر الليل (والإبكار) أي: وقته وهو من
الفجر إلى الضحى، وإنما قدر المضاف؛
لأن الإبكار بكسر الهمزة مصدر لا وقت،
فلا تحسن المقابلة كذا قيل، وهو مبني
(٦) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٥٥٣/٥.
١٣٨

الذكر
على أن بالعشي جمع عشية، الوقت
المخصوص، وإليه ذهب أبو البقاء، والذي
ذهب إليه المعظم أنه مصدر أيضًا على فعيل
لا جمع(١).
وخص سبحانه أوقات الغدو والآصال
وخص هذان الوقتان بالذكر؛ لأنهما بالذكر؛ لشرفها، وكونها أشهر ما تقع فيه
العبادات.
وقت سکون ودعة وتعبد واجتهاد، وما
بينهما من أوقات الغالب فيها الانقطاع لأمر
المعاش.
٢. الغدو والآصال.
وأمر الله تعالى بالذكر بالغدو والآصال،
مقیدا بهذین الزمانین، فقال تعالى: ﴿ وَآُذكُر
رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةٌ وَدُونَ الْجَهْرِ
مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْفَفِلِينَ﴾
[الأعراف: ٢٠٥].
وقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ
فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِحُ لَهُ فِيَهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾
[النور: ٣٦].
والغدو: أول النهار، مصدر غدا يغدو،
والمراد وقت الغدو، والآصال: جمع أصيل،
وهو آخر النهار، وهو الوقت بعد العصر إلى
المغرب، وقد يقال: اشتقاقه من الأصل،
واليوم بليلته إنما يبتدئ في الشرع من أول
الليل، فسمي آخر النهار أصيلًا؛ لكونه
ملاصقًا لما هو الأصل لليوم الثاني (٢).
وأفرد الغدو بالذكر: لأن فيه صلاة واحدة
(١) روح المعاني، الألوسي ١٤٦/٢.
(٢) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٣٦٩/٣.
هي صلاة الصبح، وجمع الأصیل؛ لأنه زمن
ممتد فيه صلاة الظهر والعصر والعشاءين
(المغرب والعشاء)(٣).
قال الرازي: ((خص الغدو والآصال بهذا
الذكر والحكمة فيه أن عند الغدوة انقلب
الإنسان من النوم الذي هو كالموت إلى
اليقظة التي هي كالحياة، والعالم انقلب من
الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور الذي
هو طبيعة وجودية، وأما عند الآصال فالأمر
بالضد؛ لأن الإنسان ينقلب فيه من الحياة
إلى الموت، والعالم ينقلب فيه من النور
الخالص إلى الظلمة الخالصة، وفي هذين
الوقتين يحصل هذان النوعان من التغيير
العجيب القوي القاهر، ولا يقدر على مثل
هذا التغيير إلا الإله الموصوف بالحكمة
الباهرة، والقدرة الغير المتناهية، فلهذه
الحكمة العجيبة خص الله تعالى هذين
الوقتین بالأمر بالذكر.
ومن الناس من قال: ذكر هذين الوقتين
والمراد: مداومة الذكر والمواظبة عليه بقدر
الإمكان، كما جاء عن ابن عباس رضي الله
عنهما أنه قال في قوله: ﴿أَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ
اَللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [الأعراف:
(٣) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٩/ ١٢٩١.
www. modoee.com
١٣٩

حرف الذال
١٩١].
لو حصل لابن آدم حالة رابعة سوى هذه
الأحوال لأمر الله بالذکر عندها، والمراد منه
أنه تعالى أمر بالذكر على الدوام)» (١).
وقال الشوكاني: ((وخص هذين الوقتين
لشرفهما)) (٢). وفي البحر المديد: ((وإنما
خص الوقتين؛ لأنهما محل الاشتغال فأولى
غيرهما))(٣).
والحاصل: أن من أعظم الأوقات لهذا
الذكر وقتان أول النهار وآخره؛ لأنهما طرفا
النهار، ومن افتتح نهاره بذكر الله واختتمه
به کان جدیرًا بأن یراقب الله ولا ينساه فيما
بينهما، وأهم الذكر فيهما صلاتا الفجر
والعصر اللتان تحضرهما ملائكة الليل
وملائكة النهار، ویشهدان عند الله تعالى بما
وجدا علیه العبد، کما ورد في الصحيح.
قال سيد: ((وذكر الله لا يقتصر على هذه
الآونة -في مطالع النهار وفي أواخره - فذكر
الله ينبغي أن یکون في القلب في کل آن،
ومراقبة الله يجب أن تكون في القلب في كل
لحظة؛ ولكن هذين الآنين إنما تطالع فيهما
النفس التغير الواضح في صفحة الكون من
لیل إلی نهار، ومن نهار إلى ليل، ويتصل
فيهما القلب بالوجود من حوله، وهو یری
يد الله تقلب الليل والنهار، وتغير الظواهر
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٥/ ٤٤٤.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٣٢٠/٢.
(٣) البحر المديد، ابن عجيبة ٢/ ٣٠٠.
والأحوال، وإن الله سبحانه ليعلم أن القلب
البشري يكون فى هذين الآنين أقرب ما يكون
إلى التأثر والاستجابة؛ ولقد كثر في القرآن
التوجيه إلى ذكر الله سبحانه، وتسبيحه في
الآونة التي كأنما يشارك الكون كله فيها في
التأثير على القلب البشري وترقيقه وإرهافه
وتشويقه للاتصال بالله))(٤).
٣. قبل طلوع الشمس وقبل غروبها.
قال تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ عَلَى مَايَقُولُونَ وَسَبِّحْ
مِحَمْدِ رَيْكَ قَبْلَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا﴾ [طه:
١٣٠].
وقال: ﴿فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَيِّحْ
بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ:
[ق: ٣٩].
قال ابن كثير: ((وكانت الصلاة المفروضة
قبل الإسراء ثنتين: قبل طلوع الشمس
في وقت الفجر، وقبل الغروب في وقت
العصر، وقيام الليل كان واجبًا على النبي
صلى الله عليه وسلم وعلى أمته حولًا، ثم
نسخ في حق الأمة وجوبه، ثم بعد ذلك نسخ
الله ذلك کلہ لیلة الإسراء بخمس صلوات،
ولكن منهن صلاة الصبح والعصر، فهما قبل
طلوع الشمس، وقبل الغروب»(٥).
فالتسبيح هنا إما أن يكون المراد به
الصلاة، وإما عموم الذکر، ولعل حمله على
(٤) في ظلال القرآن ١٤٢٦/٣.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧ /٤٠٩.
١٤٠
فَضْو
القرآن الكَرِيْمِ