النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْ قُوبَرُ النفسية الموضوعى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
م
الدُّد
عناصر الموضوع
مفهوم الذكر
٨٢
الذكر في الاستعمال القرآني
٨٤
الألفاظ ذات الصلة
٨٦
كيفية الذكر
٨٧
أوقات الذكر
١٣٧
فوائد الذكر
١٤٤
المُجَلَّدُ الخَامِسْ عَشَر

حرف الذال
مفهوم الذكر
أولًا: المعنى اللغوي:
(ذك ر) الذال والكاف والراء أصلان، عنهما يتفرع كلم الباب.
فالأصل الأول: الذكر (بالفتح): خلاف الأنثى، والأصل الآخر: الذكر (بالكسر): الحفظ
للشيء، تذكره، والذكر: جري الشيء على اللسان، وذكرت الشيء: خلاف نسيته، ثم حمل
عليه الذكر باللسان، ويقولون: اجعله منك على ذكرٍ، بضم الذال، أي: لا تنسه. والذكر:
العلاء والشرف، وهو قياس الأصل.
فعلى الأصل الثاني (الذكر) بالكسر له معنيان: أحدهما: التلفظ بالشيء، والثاني: إحضاره
في الذهن، بحيث لا يغيب عنه، وهو ضد النسيان، و(الذكر) بالضم للمعنى الثاني لا غير.
أي: أن الذکر بالکسر ما یکون باللسان، وبالضم ما يكون بالجنان.
وإذا أريد بالذكر الحاصل بالمصدر جمع على (أذكار) وهو الإتيان بألفاظٍ ورد الترغيب
فيها، ويطلق ويراد به المواظبة على العمل بما أوجب أو ندب إليه، كالتلاوة، وقراءة
الأحاديث، ودرس العلم، والنفل بالصلاة(١).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال ابن علان: «أصل وضع الذكر هو ما تعبدنا الشارع بلفظه، مما يتعلق بتعظيم الحق،
والثناء عليه))(٢).
ونجد أن الذكر عند ابن تيمية واسع الدلالة؛ إذ هو عنده: «كل ما تكلم به اللسان، وتصوره
القلب، مما یقرب إلى الله من تعلم علم، وتعلیمه، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر فهو من
ذكر الله؛ ولهذا من اشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض، أو جلس مجلسًا يتفقه، أو
يفقه فيه الفقه الذي سماه الله ورسوله فقهًا، فهذا أيضًا من أفضل ذكر الله))(٣).
وعرفه ابن القيم في الوابل الصيب بقوله: ((الذكر ثناء على الله عز وجل بجميل أوصافه
(١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٩٤/١٠، مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٥٨/٢، تاج العروس، الزبيدي
٣٨٧/١١.
(٢) الفتوحات الربانية شرح الأذكار النووية ٣٩٦/١.
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/ ٦٦١.
٨٢
جوسين
الْقُرآن الكَرِيمِ

الذكر
وآلائه وأسمائه»(١).
والمقصود: أن الذكر في الاصطلاح يستعمل بمعنى ذكر العبد لربه عز وجل، سواء
بالإخبار المجرد عن ذاته أو صفاته أو أفعاله أو أحكامه، أو بتلاوة كتابه، أو بمسألته ودعائه،
أو بإنشاء الثناء عليه بتقديسه، وتمجيده وتوحيده وحمده وشكره، وتعظيمه، ويستعمل الذكر
اصطلاحًا بمعنى أخص من ذلك، فيكون بمعنى إنشاء الثناء بما تقدم دون سائر المعاني
الأخرى المذكورة، ويشير إلى الاستعمال بهذا المعنى الأخص قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ
إِنَ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَّرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
فبعد أن ذكر الصلاة وهي ذكر بالمعنى العام، قال بعدها: ﴿وَلَّذِكْرُ اُللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي:
بالمعنى الأخص.
ويلحظ أن الذكر اصطلاحًا مخصوص بذكر العبد ربه عز وجل، بالثناء عليه.
(١) الوابل الصيب من الكلم الطيب ص ٨٩.
www. modoee.com
٨٣

حرف الذال
الذكر في الاستعمال القرآني
وردت مادة (ذكر) في القرآن الكريم (٢٤٢) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٢٧
١٥) ﴾ [الأعلى: ١٥]
﴿وَذَكَرَ أَسْمَ رَيْهِ، فَصَلَّ
الفعل المضارع
٧١
﴿أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَنَّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]
فعل الأمر
٥٦
﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ٤١]
﴿وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ
اسم فاعل
١٠
[الأحزاب: ٣٥]
﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا
اسم مفعول
١
١) [الإنسان: ١]
مصدر
[البقرة: ٢٠٠]
وجاء الذكر في القرآن على ثمانية أوجه(٢):
الأول: الطاعة والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، يعني:
اذکروني بالطاعة وأطيعوني، أذكر كم بخير.
الثاني: الحفظ، قال تعالى: ﴿وَإِذْأَ خَذْنَا مِثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الْقُلُوَرَ خُذُّواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ
بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٦٣]، يعني: احفظوا ما في التوراة.
الثالث: التوحيد، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ, مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: ١٢٤]،
يعني: عن توحیده سبحانه.
الرابع: الشرف، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠]، يعني:
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٢٧٠ - ٢٧٥.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر في القرآن، مقاتل بن سليمان، ص٥١ - ٥٥، الوجوه والنظائر، الدامغاني،
ص٢١٧ - ٢٢٠، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص٣٠١ - ٣٠٥.
جَوْنُوحَرَ النَّقْتَّ
القرآن الكريم
٨٤
﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهُ كَذِّكْرِكُمْءَابَآءَ كُمْ أَوْ أَشْدَّ ذِكْرًا﴾
٧٧

الذكر
شرفکم.
الخامس: الوعظ، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَاذُكِرُوا بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٤]، يعني: ما وعظوا
به.
السادس: الخبر، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِّ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا
٨٣
)[الكهف: ٨٣]، يعني: خبرًا.
السابع: الوحي، قال تعالى: ﴿أَهُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨]، يعني: الوحي.
الثامن: البيان، قال تعالى: ﴿صَّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ ﴾[ص: ١]، يعني: ذي البيان.
www. modoee.com
٨٥

حرف الذال
الألفاظ ذات الصلة
التسبيح:
١
التسبيح لغةً:
تدل مادة (سبح) على التنزيه والتبرئة من السوء.
ومعنى: (سبحان الله): تنزيه الله وبراءته من السوء(١).
التسبيح اصطلاحًا:
التنزيه والتعظيم لله تعالى (٢).
الصلة بين التسبيح والذكر:
إن الذكر أعم من التسبيح، والتسبيح أخص من الذكر، فكل تسبيح ذكر وليس العكس.
الدعاء:
٢
الدعاء لغة:
مأخوذ من مادة (دع و) التي تدل في الأصل على إمالة الشيء إليك بصوت وكلام يكون
منك، ومن هذا الأصل الدعاء في معنى الرغبة إلى الله عز وجل، وهو واحد الأدعية، والفعل
من ذلك دعا يدعو، والمصدر الدعاء والدعوى(٣).
الدعاء اصطلاحًا:
هو سؤال العبد ربه حاجته.
الصلة بين الدعاء والذكر:
بینهما عموم وخصوص، فکل دعاء ذکر لله، ولیس کل ذکر دعاء.
قال ابن القيم: ((إن الدعاء هو ذكر للمدعو سبحانه، متضمن للطلب منه والثناء عليه
بأسمائه وأوصافه، فهو ذكر وزيادة، كما أن الذكر سمي دعاء لتضمنه الطلب، كما قال النبي
صلى الله عليه وسلم: (أفضل الدعاء الحمد لله)، فسمى الحمد لله دعاء، وهو ثناء محض؛
لأن الحمد يتضمن الحب والثناء، والحب أعلى أنواع الطلب للمحبوب، فالحامد طالب
لمحبوبه، فهو أحق أن يسمى داعيًا من السائل الطالب من ربه حاجة ما (٤).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٢٥/٣، لسان العرب، ابن منظور ١٩١٤/٣.
(٢) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ٢٢٣، لسان العرب، ابن منظور ٢/ ٤٧٢.
(٣) انظر: الصحاح، الجوهري ٦/ ٢٣٣٧، مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٨٠/٢.
(٤) بدائع الفوائد ٩/٣.
٨٦
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الذكر
كيفية الذكر
أولًا: السر والجهر:
ذكر الله مشروع سرًا وجهرًا، إلا أن
الأفضل فیه أن یکون دون الجهر من القول،
أي: معتدلا، فقد ذكر الله تعالی من آداب
الذكر خفض الصوت، وعدم الجهر به،
قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا
وَحِيفَةُ وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ
وَلَا تَكُنْ مِّنَ الْفَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
ونظيره في الدعاء قوله تعالى:
﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَُّعًا وَخُفْيَةٌ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
فقوله: ﴿فِي نَفْسِكَ﴾ فيها استحباب
إمرار الذكر بالقلب، أو يكون المعنى: أن
يذكر الله بينه وبين نفسه بحيث لا يطلع عليه
أحد من شدة المخافتة. أو ﴿فِي نَفْسِكَ﴾
بأن تستحضر معنى أسمائه وصفاته وآلائه
وفضله عليك، وحاجتك إليه، متضرعًا له،
خائفًا منه، راجيًا نعمه(١).
الجصاص: ﴿وَآذگُر ◌َبَّكَ فِی
قال
نَفْسِكَ﴾ هو الفكر في دلائل الله وآياته(٢).
وهذا الذكر لا بد أن يكون ﴿تَضَرُّعًا
وَخُفْيَةً﴾ والتضرع: التذلل؛ ولما كان التذلل
يستلزم الخطاب بالصوت المرتفع في عادة
(١) تفسير المراغي ١٥٦/٩.
(٢) أحكام القرآن، الجصاص ٢٢٢/٤.
العرب كنى بالتضرع عن رفع الصوت مرادًا
به معناه الأصلي والكنائي؛ ولذلك قوبل
بالخفية في قوله: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَُّعًا
وَخُفْيَةً﴾ وقوبل التضرع هنا بالخيفة، وهي
اسم مصدر الخوف، فهو من المصادر التي
جاءت على صيغة الهيئة، وليس المراد بها
الهيئة مثل الشدة، ولما كانت الخيفة انفعالًا
نفسيًا يجده الإنسان في خاصة نفسه كانت
مستلزمة للتخافت بالكلام خشية أن يشعر
بالمرء من يخافه؛ فلذلك كني بها هنا
عن الإسرار بالقول مع الخوف من الله،
فمقابلتها بالتضرع طباق في معنيي اللفظين
الصريحين، ومعنييهما الكناءين، فكأنه قيل:
تضرعًا وإعلانًا، وخيفة وإسرارًا.
وبين ابن القيم الفرق بين الخيفة
والخفية بقوله: ((وتأمل كيف قال في آية
الذكر: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا
وَخِيفَةً﴾، وفي آية الدعاء: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ
تَضَُّعًا وَخُفْيَةً﴾ فذكر التضرع فيهما معًا،
وهو التذلل والتمسكن والانكسار، وهو
روح الذكر والدعاء، وخص الدعاء بالخفية
لما ذكرنا من الحكم وغيرها، وخص
الذكر بالخيفة لحاجة الذاكر إلى الخوف،
فإن الذكر يستلزم المحبة ويثمرها ولا بد،
فمن أکثر من ذكر الله أثمر له ذلك محبته،
والمحبة ما لم تقرن بالخوف فإنها لا تنفع
صاحبها بل قد تضره؛ لأنها توجب الإدلال
www. modoee.com
٨٧

حرف الذال
والانبساط، وربما آلت بكثير من الجهال
المغرورين إلى أنهم استغنوا بها عن
الواجبات، وقالوا: المقصود من العبادات
إنما هو عبادة القلب وإقباله على الله ومحبته
له وتألهه له، فإذا حصل المقصود فالاشتغال
بالوسيلة باطل))(١).
فذكر الله -الذي حثت عليه هذه الآية
وغيرها- ليس مجرد الذكر بالشفة واللسان؛
ولكنه الذكر بالقلب والجنان، فذكر الله إن لم
پرتعش له الوجدان، وإن لم يخفق له القلب،
وإن لم تعش به النفس، إن لم یکن مصحوبًا
بالتضرع والتذلل والخشية والخوف لن
یکون ذكرًا، بل قد یکون سوء أدب في حق
الله سبحانه، إنما هو التوجه إلى الله بالتذلل
والضراعة، وبالخشية والتقوى، إنما هو
استحضار جلال الله وعظمته، واستحضار
المخافة لغضبه وعقابه، واستحضار الرجاء
فيه، والالتجاء إليه، حتى يصفو الجوهر
الروحي في الإنسان، ويتصل بمصدره
اللدني الشفيف المنير، فإذا تحرك اللسان
مع القلب وإذا نبست الشفاه مع الروح؛
فليكن ذلك في صورة لا تخدش الخشوع،
ولا تناقض الضراعة؛ ليكن ذلك في صوت
خفيض، لا مكاء وتصدية، ولا صراخًا
وضجة، ولا غناء وتطرية!(٢).
وقوله: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ اَلْقَوْلِ﴾ هو
مقابل لكل من التضرع والخيفة، وهو الذكر
المتوسط بين الجهر والإسرار، والمقصود
من ذلك استيعاب أحوال الذکر باللسان؛
لأن بعضها قد تكون النفس أنشط إليه منها
إلى البعض الآخر(٣).
فيستفاد من ﴿وَدُونَ آلْجَهْرِ﴾ أي: دون
الرفع في القول، أي: أسمع نفسك، كما
قال: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَأَبْتَغْ
بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠].
أي: بين الجهر والمخافتة، ودل هذا
علی أن رفع الصوت بالذكر -رفعًا فاحشًا-
ممنوع (٤)، فيكون في هذا التعبير استحباب
ألا یکون الذکر نداء وجهرًا بلیغًا.
والظاهر أن قوله: ﴿وَدُونَ أُلْجَهْرِ مِنَ
اٌلْقَوْلِ﴾ حالة مغايرة لقوله: ﴿فِي نَفْسِكَ﴾
لعطفها عليها، والعطف يقتضي التغاير،
فكأن الأولى معناها: أن یذکر الله بينه وبين
نفسه بحيث لا يطلع عليه أحد، والثانية:
إمرار الذكر بالقلب دون نطق.
لكن الجمهور على أنهما حالة واحدة،
والمعنى: اذكر ربك بحيث تسمع نفسك
لكن دون الجهر من القول، أي: مخافتة.
قال ابن عطية: «والجمهور على أن الذكر
لا يكون في النفس، ولا يراعى إلا بحركة
(١) التفسير القيم ص ٢٥٩.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٢/٩.
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٤٢٦/٣. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٥٥/٧.
٨٨
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الذكر
اللسان، قال: ويدل عليه من هذه الآية قوله
تعالى: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ فهذه مرتبة
السر والمخافتة باللفظ))(١).
قال في البحر: ((ولا دلالة في ذلك لما المرتبتين مرتبة أعلى منهما، وهي أن يواطئ
زعم، بل الظاهر المغايرة بين الحالتين،
وأنهما ذكران نفساني ولساني))(٢).
وهذه الآية قد اشتملت على الجمع بين
ولذلك قال الزمخشري: ((ومتكلمًا الأمر بذكر الله والنهي عن ضده وهو الغفلة،
كلامًا دون الجهر؛ لأن الإخفاء أدخل في وهذه الآية إضافة إلى دلالتها على ذلك،
فقد اشتملت على جملة طيبة من الآداب
الإخلاص، وأقرب إلى التفكر))(٣).
الكريمة التي ينبغي أن يتحلى بها الذاكر،
ومن هذه الآداب:
والحاصل: أن في الآية خطابًا للنبي
الكريم ينضوي تحته المؤمنون جميعًا،
ومطلوب هذا الخطاب هو ذكر الله دون
الجهر من القول، وشغل القلب به في صمت
وخشوع، وفي ضراعة لكبرياء الله، وخوف
ورهب لسطوته وجبروته.
وهذا الذكر يشمل: ذكر القلب، حيث
تسكن كل جارحة، وحيث يكون الإنسان
كله مشاعر خاشعة، تلين بها الجلود،
وتفيض منها العيون، وهذا ما يشير إليه قوله
تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ لْحَدِيثِ كِنَبًا مُّتَشَبِهَا
مَثَانِيَ نَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَهُمْ
◌ُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾
[الزمر: ٢٣](٤).
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢ / ٤٩٤.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ٥/ ٢٦٣.
(٣) الكشاف، الزمخشري ٢/ ١٩٢.
(٤) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب
٥/ ٠٥٥٣
ويشمل ذكر اللسان، وهو في درجة بعد
هذه الدرجة، ومنزلة دون تلك المنزلة التي
هي من شأن القلب وحده، ويلي هاتين
القلب اللسان في الذكر.
١. أن یکون الذکر سرًا.
فالإخفاء أدخل في الإخلاص، وأقرب
إلى الإجابة، وأبعد من الرياء.
فإن قيل: فما وجه الفرق بين الذكر وقراءة
القرآن؟ فلماذا طلب في الذكر أن يكون خفية
ودون الجهر من القول، ولم يطلب ذلك في
القرآن مع أن القراءة أيضًا ذكر؟ والجواب:
أن القرآن مشتمل على الوعظ والقصص
الموجبة للعبرة والأحكام، ونظمه معجز
جاذب للقلوب السقيمة إلى الإسلام.
ولذا قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ
الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ
اللَّهِ ﴾ [التوبة: ٦].
وقراءته باللسان عبادة زائدة على الذكر
الذي هو عبادة عن طرد الغفلة عن الجنان،
وإسماعه غيره عبادة أخرى مرغوبة عند
www. modoee.com
٨٩

حرف الذال
الرحمن بخلاف الذكر والدعاء، فإن
المقصود من الدعاء الإجابة، ومن الذكر الأشعري رضي الله عنه قال: (كنا مع
النسيان عما يشغله من العزیز المنان حتى
يسقط عن بصيرته نفس الذكر، بل الذاکر
أيضًا، ولا يبقى في بصيرته إلا الواحد
القهار (١).
٢. أن يكون مصحوبًا بالتضرع.
وهو التذلل والخضوع والاعتراف
بالتقصير ليتحقق فيه ذلة العبودية، والانكسار
لعظمة الربوبية.
٣. أن یکون مصحوبًا بخوف.
أي: الخوف من المؤاخذة على التقصير
في العمل، والخشية من الرد، وعدم القبول،
قال الله تعالى في صفة المؤمنين المسارعين
في الخيرات، السابقين لأرفع الدرجات:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةُ أَنَهُمْ إِلَى رَِّمْ
رَجِعُونَ ﴿ أُوْلَيْكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيَّرَتِ وَهُمْ لَمَا
سَبِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠، ٦١].
٤. أن يكون دون الجهر؛ لأنه أقرب
إلى حسن التفكر.
قال ابن كثير رحمه الله: ((ولهذا قال:
﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ وهكذا يستحب
أن یکون الذکر لا یکون نداءً ولا جھرًا
بليغًا))(٢).
(١) التفسير المظهري ٣/ ٤٥٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٣٩/٣.
وفي الصحيحين عن أبي موسى
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنا
إذا أشرفنا على وادٍ هللنا وكبرنا، ارتفعت
أصواتنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
(يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا
تدعون أصم ولا غائبًا، إنه معكم، إنه سميع
قريب)(٣).
٥. أن يكون باللسان لا بالقلب
وحده.
وهو مستفادٌ من قوله: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾؛
لأن معناه: ومتكلمًا كلامًا دون الجهر،
ويكون المراد بالآية الأمر بالجمع في الذكر
بين اللسان والقلب، وقد يقال: هو ذكره في
قلبه بلا لسانه بقوله بعد ذلك: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ
مِنَ الْقَوْلِ﴾ إلا أن الأول هو الأصح، كما
حقق ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من
أهل العلم.
وقد نظر له رحمه الله بقوله صلى الله
علیه وسلم فيما روى عن ربه أنه قال: (من
ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن
ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) (٤).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب ما يكره من رفع الصوت في
التکبیر ٥٧/٤، رقم ٢٩٩٢.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب
قول الله تعالى: ﴿وُيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾،
٩/ ١٢١، رقم ٧٤٠٥.
٩٠
مَقَ الَةُ الْتَفَيد
جوية
القرآن الكريم

الذكر
قال: ((وهذا يدخل فيه ذكره باللسان من الذين يغفلون عن ذكر الله، ويلهون
عنه، وفيه إشعارٌ بطلب دوام ذكره تعالى،
والاستمرار عليه، وأحب العمل إلى الله
أدومه وإن قل.
في نفسه، فإنه جعله قسيم الذکر في الملأ،
وهو نظير قوله: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾
والدليل على ذلك أنه قال: ﴿بِالْغُدُوِّ
وَاْأَصَالِ﴾ ومعلوم أن ذكر الله المشروع
بالغدو والآصال في الصلاة وخارج الصلاة
هو باللسان مع القلب، مثل صلاتي الفجر
والعصر، والذكر المشروع عقب الصلاتين،
وما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وعلمه
وفعله من الأذكار والأدعية المأثورة من
عمل اليوم والليلة المشروعة طرفي النهار
بالغدو والآصال))(١).
٦. أن يكون بالغدو والآصال.
أي: في البكرة والعشي، فتدل الآية على
مزية هذين الوقتين؛ لأنهما وقت سكون
ودعة وتعبد واجتهاد، وما بينهما الغالب فيه
الانقطاع إلى أمر المعاش، وقد ورد أن عمل
العبد یصعد أول النهار وآخره، فطلب الذكر
فيهما ليكون ابتداء عمله واختتامه بالذكر (٢).
٧. النهي عن الغفلة عن ذكره.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِّنَ اَلْفَفِلِينَ﴾ أي:
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٥/١٥.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة،
باب فضل صلاة العصر ١١٥/١، رقم
٥٥٥، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد
ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح
والعصر، والمحافظة عليهما ٤٣٩/١، رقم
٦٣٢.
فهذه سبعة آداب عظيمة اشتملت عليها
هذه الآية الكريمة، لخصناها من كلام
القاسمي في كتاب محاسن التأويل (٣).
ومع ما تقدم يمكن القول: إن حكم
الجهر والإسرار في الذكر يختلف باختلاف
الأشخاص والأحوال، فالإسرار أفضل
حيث خيف الرياء، أو تأذي المصلين أو
النیام، والجهر أفضل حیث خلا مما ذكر (٤).
ويستثنى من هذا الأصل مواضع ينبغي فيها
الجهر بالذكر، ورفع الصوت به؛ لما في
ذلك من المصالح التي قدرها الشرع في
ذلك، ومنها:
ما قصد به الإسماع والتبليغ، كالأذان
والإقامة وتكبيرات الإمام وقراءته في
الجهرية، وتكبيرات المبلغ، وإلقاء
السلام وجوابه، ونحو ذلك، فيجهر في
ذلك بالقدر الذي يحصل به المقصود.
بعض أنواع أذكار الصلاة، وردت
السنة فيها بالجهر كالبسملة والتأمين
والقنوت والتكبير والتسبيح والتحميد
بعد الصلاة، وتكبيرات العيد، والتلبية
(٣) محاسن التأويل، القاسمي ٢٤٨/٥.
(٤) الدر المختار، وحاشية ابن عابدين: رد
المحتار ٦/ ٣٩٨.
www. modoee.com
٩١

حرف الذال
في الحج، وفي بعض ذلك خلاف فرادى الجهر الجهير، والمبالغة في رفع
يرجع إليه في مواضعه.
بعض الأذكار التي يراد بها التنبيه أو
التعلیم، أو فائدة أخری کان يرفع صوته
بالتسمية على الطعام حتى ينبه غيره، أو
بالقراءة في صلاة الليل ليسمع أهله (١).
فالطريقة المثلى في هذا الباب أن يجهر
في الموضع الذي ورد فيه الجهر، ويسر في
الموضع الذي ورد فيه الإسرار، والموضع
الذي لم يرد فيه الدليل على الجهر أو السر
فالذاكر فيه بالخيار، ولكن لا بد للذاكر فيه
من ملاحظة الآية السابقة: ﴿فِي نَفْسِكَ
تَضَرُّعًا وَخِيفَةٌ وَدُونَ أَلْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾
[الأعراف: ٢٠٥].
قال الشيخ بكر أبو زيد: ((مما تقدم يتبين
أن الأصل في الذكر والدعاء هو الإسرار،
وحده: التلفظ بتحرك اللسان بالحروف
من مخارجها بصوت أقله أن يسمع نفسه،
والجهر: هو التلفظ بتحريك اللسان
بالحروف من مخارجها بصوت يسمعه غيره
ممن يليه، ولا حد لأعلاه، والجهر في الذكر
والدعاء استثناء لا يكون إلا بما ورد به الشرع،
وهو دائر بين الوجوب والاستحباب، وأكثره
في الذكر، أو في الذكر المشوب بالدعاء، ثم
ذكر ما يجب فيه الجهر، وما يستحب.
ثم قال: ثم أحدث الناس جماعة أو
(١) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية ٢١/ ٢٢٦.
جوية
فَضْو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
الصوت والصياح والصيحة، والذكر
والدعاء بالجوقة ويمكبر الصوت، وما
يتبع ذلك من الترنيم والتلحين والتطريب
والترجيع واللحن بالتحزين)»(٢).
ثانيًا: القلبي واللساني:
الذكر يكون باللسان، ويكون بالقلب،
ويكون بهما معًا، والأفضل منه ما كان
بالقلب واللسان جميعًا، فإن اقتصر على
أحدهما فالقلب أفضل (٣). وقلنا: إن
الأفضل منه الذكر بالقلب مع اللسان؛ لأن
الذاكر هنا يعمل آلتين في الذكر وليست آلة
واحدة.
١. الذكر اللساني.
المراد بالذكر باللسان: أن يتحرك به
اللسان، ويسمع نفسه على الأقل، إن كان
ذا سمع، ولم يكن هناك لغط يمنع السماع،
وذكر اللسان على الوجه المبين يتأدى به
الذكر المكلف به في الصلاة ونحوها، ولا
يجزئ في ذلك مجرد إمرار الذكر المطلوب
على القلب (٤).
والذكر اللساني هو المراد في إطلاق
القرآن، فإذا أطلق الذكر حمل على القول
اللساني؛ ولهذا قال الله في شأن التسبيح
(٢) تصحیح الدعاء ص ٩٠- ٩٢.
(٣) الأذكار، النووي ص ٩.
(٤) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية ٢١ / ٢٢٦.
٩٢

الذكر
﴿فَسَيِحْ يِأَسْمِرَبِّكَ﴾ [الحاقة: ٥٢
فهناك اسم يذكر، وهذا يدل على وجود
قول، قال الرازي: ((ولو قال: فسبح ربك،
ما أفاد الذكر لهم، وكان ينبئ عن التسبيح
بالقلب، ولما قال: ﴿فَسَيِحْ يِسِمِ رَيَكَ﴾ والاسم
هو الذي یذکر لفظًا دل على أنه مأمور بالذكر
اللساني، وليس له أن يقتصر على الذكر
القلبي))(١).
وذكر الذكر باللسان في قوله: ﴿ وَتَقُولُوا
سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَاهَذَا﴾ [الزخرف: ١٣].
أي: تنزهوا الله بصريح القول، ومنه
فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ
قوله في سورة النساء: ﴿
فَاذْكُرُواْ اللّهَ ﴾ [النساء: ١٠٣].
يعني: اذکروه باللسان؛ ولهذا قال بعده:
﴿قِيَمًا وَقُعُودًا﴾ وقال في آل عمران مثل
ذلك، وقال في سورة البقرة: ﴿فَأَذْكُرُواْ
اللَّهُ ﴾
﴿كَذِّرُ
[البقرة: ٢٠٠] باللسان
ءَبَآءَ كُمْ﴾ بألسنتكم ﴿أَوْ أَشَدَّ
ذِكْرًا﴾ يعني: باللسان.
وقال في سورة الأحزاب: ﴿أَذَّكُرُواْ اللّهَ
ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] يعني: باللسان.
﴿وَالنَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًاً
وقال:
وَالذَّكِرَتِ ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. كذلك (٢).
ومنه قوله: ﴿وَأَذْكُرُواْ أَسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾
[المائدة: ٤]. أي: الذكر باللسان.
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٤٢٤/٢٩.
(٢) انظر: التصاريف لتفسير القرآن مما اشتبهت
أسمائه و تصرفت معانیه ص ١٥٨.
والذكر اللساني هو المأمور به في القرآن
والسنة، والمترتب عليه الأجور المحددة،
قال الفقهاء: وذلك معلوم من أقواله صلى
الله عليه وسلم أن من قال كذا فله من
الأجر کذا، فلا يحصل ذلك إلا بما يصدق
عليه القول، لكن إذا صحب الذكر باللسان
حضور القلب والتدبر والعمل بما تقتضيه
هذه الأذكار فهذا قدر زائد لا يعرف قدره
إلا الله جل وعلا؛ ولذا جاء في الحديث
أنه - أي: الذكر -: (أفضل من أن تلقوا
عدوكم)(٣).
والذكر اللساني مشروع في جميع
الأوقات، ويتأكد في بعضها، فمما يتأكد فيه
الذكر عقيب الصلوات المفروضات، قال
تعالى: ﴿وَ مِنَ أَلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَرَ السُّجُودِ؟
[ق: ٤٠].
ويستحب أيضًا الذكر بعد الصلاتين
اللتين لا تطوع بعدهما، وهما: الفجر
والعصر، وهذان الوقتان -أعني: وقت
الفجر ووقت العصر - هما أفضل أوقات
النهار للذكر؛ ولهذا أمر الله تعالى بذكره
فيهما في مواضع من القرآن (٤). كما سيأتي.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات،
٣٢٠/٥، رقم ٣٣٧٧، وابن ماجه في سننه،
كتاب الأدب، باب فضل الذكر، ١٢٤٥/٢،
رقم ٣٧٩٠.
وصححه الألباني في صحيح الجامع
٥١٣/١، رقم ٢٦٢٩.
(٤) جامع العلوم والحكم، ابن رجب ٥٢٥/٢.
www. modoee.com
٩٣

حرف الذال
لكن الذكر باللسان فقط دون معرفة والحرابة، والإضرار بالناس في المعاملات،
القلب ودون العمل فائدته قليلة وقد لا يفيد، ومما يوضح شموله لهذه الشرائع كلها
تقییدہ بـ(کثیرًا)؛ لأن المرء إذا ذکر الله کثیرًا
فقد استغرق ذكره على المحملين جميع ما
یذکر الله عنده»(٣).
فينبغي للإنسان أن يتعرف على معاني ما
يقوله، ويعمل به، ألا ترى أن الفقهاء أجمعوا
على أن الرجل إذا قال: بعت واشتريت، مع
أنه لا يعرف معاني هذه الألفاظ، ولا يفهم
منها شيئًا فإنه لا ينعقد البيع والشراء، فكذا
ها هنا (١).
٢. الذكر القلبي.
ومن أنواع الذكر: الذكر القلبي، وهو
بمعنی تذکر عظمة الله عند أوامره ونواهيه،
وإرادة الفعل الذي فيه رضاه فيفعله، أو
الذي فيه سخطه فيتركه، والتفكير في عظمة
الله وجبروته وآياته في أرضه وسماواته
ومصنوعاته (٢).
قال ابن عاشور: ((الذكر القلبي وهو
ذكر الله عند أمره ونهيه، كما قال عمر بن
الخطاب رضي الله عنه: أفضل من ذكر
الله باللسان ذکر الله عند أمره ونهيه، وهو
الذي في قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ
فَاحِشَةَ أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ
لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
فدخل فيه التوبة، ودخل فيها الارتداع عن
المظالم كلها من القتل، وأخذ أموال الناس
(١) الجواهر الحسان، الثعالبي ١١٠/٣، مفاتيح
الغيب، الرازي ١٥/ ٤٤٢.
(٢) انظر: الفتوحات الربانية ١٠٦/١-١٠٨.
وقال الشنقيطي: ﴿وَاذْكُرُرَّبَّكَ﴾ ذكرين،
أما الذكر النفساني فهذا الذي يكون في
نفسك لا يعلمه منك إلا ربك، من أن تتفکر
في عظمته وسلطانه وجبروته وصفاته
وعقابه وثوابه متضرعًا خائفًا منه جل وعلا،
وهذا النوع من الذكر القلبي عظيم جدًا،
الثاني: ذکر لساني، وقد علمهم جل وعلا
آداب الذكر اللساني، وأنهم لا يرفعوا صوته
جدًا ولا يخافتوا به جدًا (٤).
وقد استنبط المفسرون إشارات في القرآن
يفهم منها الدلالة على هذا النوع من الذكر،
وهو الذکر القلبي، قال في اللباب: (ثم قال
تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَغِلِينَ﴾ والمراد منه:
أن العبد یجب أن یکون ذاکرًا لله تعالى في
كل الأوقات؛ لأنه حثه على الذكر الغدوات
وبالعشيات، ثم عمم بقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ مِّنَ
اٌلْفَفِلِينَ﴾ يعني: أن الذكر القلبي يجب أن
يكون دائمًا، وأن لا يغفل الإنسان عنه لحظةً
واحدةٌ بحسب الإمكان))(٥).
وقال ابن جزي: ((﴿ وَاذْكُر ◌َبَّكَ فِى
(٣) التحرير والتنوير ٢٤/٢٢.
(٤) العذب النمير ٤٦٣/٤.
(٥) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٤٤١/٩.
٩٤
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الذكر
نَفْسِكَ﴾ يحتمل أن يريد الذكر بالقلب
دون اللسان، أو الذکر باللسان سرًا، فعلی
الأول يكون قوله: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوّلِ﴾
عطف متغاير، أي: حالة أخرى، وعلى
الثاني: يكون بيانًا وتفسيرًا للأول))(١).
وقال الثعالبي: ((قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ
مِنَ الْفَغِلِينَ﴾ يدل على أن الذكر القلبي
يجب أن يكون دائمًا، وألا يغفل الإنسان
لحظةً عن استحضار جلال الله و کبریائه
بقدر الطاقة البشرية، وتحقيق القول في هذا
أن بين الروح والبدن علاقةً عجيبةً لأن کل
أثر يحصل في البدن يصعد منه نتائج إلى
الروح، ألا ترى أن الإنسان إذا تخيل الشيء
الحامض ضرس منه، وإذا تخيل حالةً
مکرومةً أو غضب سخن بدنه»(٢).
ويدخل في الذكر القلبي: الوقوف عند
الحدود: إن رأى واجبًا ذكر الله بقلبه ففعله،
وإن رأى محظورًا ذكر الله بقلبه فاجتنبه؛
ولهذا كان من دعاء العظماء: ((اللهم إني
أسألك أن لا ترانا حيث نهيتنا، ولا تفقدنا
من حیث أمرتنا»(٣).
ويدخل في الذكر القلبي التفكر في
مخلوقات الله وآياته، فالتفكر في الكون
أرضه وسمائه، حيوانه وجماده، أخضره
(١) التسهيل، ابن جزي ٣١٩/١.
(٢) الجواهر الحسان، الثعالبي ٣/ ١١٠.
(٣) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد
القيرواني ٣٢٩/٢.
ويابسه، ليله ونهاره، نجومه وكواكبه لمن
أجل الأعمال، وأعظم الطاعات، وأفضل
العبادات التي ترفع الإنسان في مدارج
السمو الروحي، وتنقل الإيمان من التقليد
إلى الأصالة، ومن الشك إلى اليقين.
قال الزمخشري: ((الفكرة -أي: التفكر-
تذهب الغفلة، وتحدث للقلب الخشية،
كما يحدث الماء للزرع النبات، وما جليت
القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل
الفكرة)» (٤).
والتفكر المقصود هو التفكر في خلق
الله، وما حواه كونه من آيات باهرات،
وشواهد ناطقات بوجوده ووحدانيته، لا
التفكر في ذاته العلية، فإن ذلك مظنة الزيغ
والهلاك؛ لهذا نهي عنه.
ويدخل في الذكر القلبي: أن تذكر نعم
الله وأفضاله وآلاءه، في قلبك، فيحملك
ذلك علی شکره والثناء عليه باللسان، قال
تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:
٢٣١].
وقال عز وجل: ﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم
بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وذكر القلب نوعان:
أحدهما: وهو أرفع الأذكار وأجلها:
الفكر في عظمة الله تعالى، وجلاله وجبروته
(٤) الكشاف، الزمخشري ١/ ٤٥٤.
www. modoee.com
٩٥

حرف الذال
وملكوته وآياته في سماواته وأرضه.
نقله النووي عن القاضي عياض رحمهم
الله، أنهما يذهبان إلى جواز الذكر بالقلب
والثاني: ذكره بالقلب عند الأمر والنهي،
فيمتثل ما أمر به، ويترك ما نهي عنه، ويقف
اللسان كان أعظم، وأما ذكر اللسان مجردًا
فهو أضعف الأذكار، ولکن فيه فضل.
تهليلًا وتسبيحًا وقراءة للقرآن وغير ذلك،
عما أشكل عليه، فإذا اجتمع هذا مع ذكر وهذا كله في الذكر القلبي بالمعنى المبين
الخاص، أما الذكر القلبي بمعنى تذكر عظمة
الله عند أوامره ونواهيه، وإرادة الفعل الذي
فيه رضاه فيفعله، أو الذي فيه سخطه فيتركه،
فإذا اجتمعت هذه الأنواع للذاکر فذكره
أفضل الذكر، وأجله وأعظمه(١).
والتفكر في عظمة الله وجبروته وآياته في
أرضه وسماواته ومصنوعاته، فقال عياض:
(«هذا النوع لا يقاربه ذكر اللسان فكيف
يفضله؟!))(٥)
٠
وقال شيخ الإسلام -وهو يتحدث
عن مراتب الناس في الذكر -: ((فإن الناس
في الذكر أربع طبقات ... وذكر منها:
الذكر بالقلب فقط، فإن كان مع عجز
اللسان فحسن، وإن كان مع قدرته فتركٌ
للأفضل»(٢).
((وقال القاضي(٣): واختلفوا هل تكتب
الملائكة ذكر القلب؟ فقيل: تكتبه، ويجعل
الله تعالى لهم علامة يعرفونه بها، وقيل:
لا یکتبونه؛ لأنه لا يطلع عليه غیر الله، قال
النووي: قلت: الصحیح أنھم یکتبونه، وأن
ذكر اللسان مع حضور القلب أفضل من
القلب وحده)» (٤).
(١) الوابل الصيب من الكلم الطيب، ابن القيم ص
٨٨.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠ / ٥٦٦.
(٣) إكمال المعلم، القاضي عياض ١٨٩/٨.
(٤) المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي
٠١٦/١٧
وقال فى البحر: ((ولا شك أن الذكر الذي
يصرف الشيطان عن القلب إنما هو الذكر
القلبي لا اللساني، فكم من ذاكر بلسانه
وقلبه مشغول بهواه))(٦).
وعليه فإن الذكر بالقلب جائز بجميع
اعتباراته التي ذكرت من العلماء، ولكن
اشتراط أهل العلم في الأذكار التعبدية أن
ينطق بها مثل الفاتحة، وتكبيرة الاحرام،
وأذكار الصلاة، فلا يكفي فيها الذكر القلبي،
بل لا بد من حر کة اللسان بها، کما قال خلیل
بحركة لسان»(٧). بل يشترط أن يسمع
القارئ نفسه.
ونفهم من قول ابن تيمية السابق، وما في مختصره في الفقه المالكي: ((وفاتحة
والمقصود أن الذكر نوعان: قلبي
(٥) المصدر السابق.
(٦) البحر المديد، ابن عجيبة ٢٥١/٥.
(٧) مختصر خليل ص ٣١.
مَقَ الَرَ النَّفْسَيْ
جوسى
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٩٦

الذكر
ولساني، ولكل منهما شواهد من الكتاب نَادَىْ رَبَّهُ نِدَاءَ خَفِيًا﴾ [مريم: ٣].
والسنة، فالذكر اللساني باللفظ المركب من
الأصوات والحروف، لا یتیسر للذاکر في
جميع الأوقات؛ فإن البيع والشراء ونحوهما
يلهي الذاكر عنه ألبتة، بخلاف الذكر القلبي
فإنه بملاحظة مسمى ذلك اللفظ المجرد
عن الحروف والأصوات لا شيء يلهي
الذاکر عنه.
ثالثًا: المنفرد والجماعي:
الذكر عبادة من العبادات، بل هو
من أعظم العبادات، والعبادات مبناها
على النص والاتباع، لا على الإحداث
والاختراع؛ إذهي توقيفية، لا مجال للابتداع
فيها، أو الاستحسان.
١. الذكر المنفرد.
الأصل في الذكر أن يقوم به كل إنسان
بمفرده، ولعل هذا يفهم من قوله تعالى:
﴿وَأَذْكُرُ رََّّكَ فِ نَفْسِكَ﴾ [الأعراف:
٢٠٥].
فيحمل قوله: ﴿فِي نَفْسِكَ﴾ معنى:
الانفراد. قال السعدي: ((فأمر الله عبده
ورسوله محمدًا أصلًا، وغيره تبعًا بذكر ربه
في نفسه، أي: مخلصًا خاليًا))(١). فخاليًا أي:
منفردًا.
ومدح زكريا عليه السلام بقوله:
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣١٤.
ولا يكون نداء خفيًا إلا إذا كان منفردًا،
خاليًا لوحده. قال أبو جعفر: ((أي: سرًا))(٢).
وقال الواحدي: ((أي: خافيًا، يخفي ذلك
في نفسه، لا یرید ریاء، وهذا يدل على أن
المستحب في الدعاء الإخفاء))(٣).
فهذا الأصل في الذكر أن يؤدیه كل إنسان
بمفرده إلا ما استثناه الشارع، كالدعاء من
الإمام في الصلاة، والتأمين عليه، سواءً بعد
الفاتحة، أو في القنوت ونحو ذلك.
٢. الذكر الجماعي.
الذكر الجماعي: هو ما ينطق به
المجتمعون للذكر بصوت واحد، يوافق
فيه بعضهم بعضًا، كما يفعله بعض الناس
من الاجتماع أدبار الصلوات المكتوبة، أو
في غيرها من الأوقات والأحوال ليرددوا
بصوت جماعي أذكارًا وأدعية وأورادًا وراء
شخص معين، أو دون قائد، لكنهم يأتون
بهذه الأذكار في صيغة جماعية، ومن صوت
واحد.
ولم نجد في القرآن ما يدل على الذكر
الجماعي، أو يشير إليه.
وقد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في
هذه المسألة، بين مجوز لها ومانع منها،
وألفت فيها المؤلفات الكثيرة، ولا نستطيع
(٢) جامع البيان، الطبري ١٥/ ٤٥٣.
(٣) الوسيط، الواحدي ١٧٥/٣.
www. modoee.com
٩٧

حرف الذال
بسط المسألة ومناقشة أدلتها، وأقوال العلماء الجنة فارتعوا)، قالوا: وما رياض الجنة يا
رسول الله؟! قال: (حلق الذكر)(١).
هنا؛ لأن البحث في الذكر في القرآن.
فبالرجوع إلى القرآن الكريم وآيات
الذکر فیہ -کما قلنا- لا نجد نصًا يدل عليها،
وإنما الموجود الأمر بالذكر، والحث علیه،
وطلب الإكثار منه، ومدح أهله، ولم توجد
إشارة إلى الذكر الجماعي نفيًا أو إثباتًا، إلا
ما کان من استدلال بعضهم-وهو استدلال
ضعيف - بقوله تعالى: ﴿وَأَجْعَلِلِ وَزِيرًامِّنْ أَهْلِ
(٦) مَرُونَ آَخِى (٥) اشْدُدْ بِهِ- أَزْرِى(٦) وَأَشْرِكُفِ
امرئے)ک نُسحكَ كَثِيرًا﴾) وَنَذْكُرَ كَثِيرًا﴾ [طه:
٢٩-٣٤].
فموسى عليه السلام طلب من الله أن
يرسل معه أخاه هارون؛ وعلل ذلك بقوله:
﴿كَىْ نُسَبِحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرُكَ كَثِيرًا﴾ فقيل:
يستفاد من ذلك أن التسبيح والذكر الجماعي
أکثر تأثیرًا ونفعًا من التسبيح والذکر الفردي،
مثله كمثل الصلاة، فهي في الجماعة أفضل،
ومثله مثل الصيام عندما يصوم الناس
مجتمعين في شهر رمضان، يخفف على
الصائم مشاق الصوم عندما يشعر أنه ليس
صائمًا بمفرده، والتعاون - كما يقال- يهيج
الرغبات، ويؤدي إلى تكاثر الخير وتزايده.
أما بالنظر إلى السنة النبوية فإنه قد وردت
أحاديث كثيرة يفاد منها الذكر الجماعي
والذكر الفردي، والاحتمالان قائمان من
ذات الدلیل، کحديث: (إذا مررتم برياض
وهذا يحتمل أن يكون التسبيح والذكر
جماعيًا، كما يحتمل أن يكون فرديًا، ولا
حجة لأي الفريقين على الآخر؛ كما يحتمل
أن يكون المراد بحلق الذكر هنا سماع
الوعظ والقرآن.
ومن الأدلة المحتملة قوله صلى الله عليه
وسلم: (ما جلس قوم مجلسًا يذكرون الله
فیه إلا حفتهم الملائكة، وغشیتهم الرحمة،
وذکرهم الله فیمن عنده)(٢).
وفي تعليق الصنعاني على الحديث
يقول: ((وهذا من فضائل مجالس الذكر،
تحضرها الملائكة بعد التماسهم لها،
والمراد بالذكر هو التسبيح والتحميد وتلاوة
القرآن، ونحو ذلك»(٣).
وقال النووي في كتابه الأذكار: ((اعلم
أنه كما يستحب الذكر يستحب الجلوس
في حلق أهله، وقد تظاهرت الأدلة على
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات،
٥٣٢/٥، رقم ٣٥١٠.
قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب من
هذا الوجه من حديث ثابت عن أنس)).
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ص
١٠٠، رقم ٦٩٩.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر
والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل
الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر
٢٠٧٤/٤، رقم ٢٦٩٩.
(٣) سبل السلام ٢/ ٧٠٠.
٩٨
جوبيع
القرآن الكريم

الذكر
ذلك))(١). إلا أن الصواب: أن المراد بحلق
الذكر في هذه الأحاديث: تعلم العلم،
وقراءة القرآن، لا الذكر الجماعي من تسبيح
وتحميد وغيره.
لكن بالرجوع إلى سيرته وسنته الفعلية
عليه الصلاة والسلام يجد الحق من طلبه
وتحراه؛ إذ إننا نجد من هديه عليه الصلاة
والسلام في الذكر أنه لم يثبت أنه دعا إلى
الذكر الجماعي أو فعله مع أصحابه، وكذلك
أصحابه من بعده، وخير الهدي هدي محمد
صلى الله عليه وسلم، ولو كان خيرًا لفعله
صلى الله عليه وسلم، واتبعه صحابته رضي
الله عنهم، فكيف يمكن الزعم بعد هذا أن
الدعاء الجماعي خير، والرسول لم يعمل
به على الرغم من استطاعته على ذلك،
وقد سبق القول: إن الذكر من العبادات
التي يجب أخذها عن النبي صلى الله عليه
وسلم، أضف إلى ذلك أن الذكر الجماعي
فيه مفاسد، منها:
الخروج عن السمت والوقار، فإن
الذكر الجماعي قد يتسبب في التمايل
والرقص.
التشويش على المصلين والذاكرين
الآخرين.
تشبه بالنصارى الذين يجتمعون في
كنائسهم لترتيل الأناشيد الدينية جماعة
(١) الأذكار، النووي ص ٨.
بصوت واحد.
يؤدي ضعف الذكر المنفرد، حيث
یکتفي بذكر الجماعة.
تتبع طرق معينة، حيث نجد أن كل
واحد يتبع شيخه بطريقة معينة (٢).
وقد أنكر كثير من العلماء هذه البدعة،
فممن أنكرها الإمام الشافعي (٣)، وشيخ
الإسلام ابن تيمية (٤)، والشاطبي (٥)، وابن
الحاج(٦)، وابن باز (٧)، وابن العثيمين (٨)
والفوزان (٩) وغيرهم من العلماء قديمًا
وحديثا.
قال الإمام الشاطبي في بيان البدع:
((كالجهر والاجتماع في الذكر المشهور
بين متصوفة الزمان، فإن بينه وبين الذكر
المشروع بونًا بعيدًا؛ إذ هما كالمتضادين
عادة))(١٠).
وقال الشیخ بكر أبو زيد رحمه الله: ((في
الذكر الجماعي قاعدة هذه الهيئة التي يرد
إليها حكمها هي: أن الذكر الجماعي بصوت
واحدٍ سرًا أو جهرًا لتردید ذکر معین، وارد أو
(٢) انظر: الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع،
محمد الخمیس ص٥٢-٥٣.
(٣) الأم، الشافعي ١/ ١٥٠.
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٢ / ٥١٩.
(٥) الاعتصام، الشاطبي ١ / ٥٠٦.
(٦) المدخل، ابن الحاج ١ / ٩١.
(٧) مجموع فتاوى ابن باز ٣٠ / ٤٤.
(٨) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ١٦ / ٢٦٨.
(٩) مجموع فتاوى صالح الفوزان ١/ ٣٠٠.
(١٠) الاعتصام ٣١٨/٤.
www. modoee.com
٩٩

حرف الذال
غير وارد، سواءً كان من الكل أو يتلقونه من
أحدهم، مع رفع الايدي أو بلا رفع لها؛ کل
هذا وصف يحتاج إلى أصل شرعي يدل عليه
من الكتاب والسنة؛ لأنه داخل في عبادة،
والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع، لا
على الإحداث والاختراع؛ ولهذا نظرنا في
الأدلة في الكتاب والسنة فلم نجد دليلا يدل
علی هذه الهيئة المضافة، فتحقق أنه لا أصل
له في الشرع المطهر، وما لا أصل له في
الشرع فهو بدعة؛ إذًا فيكون الذكر والدعاء
الجماعي بدعة يجب على كل مسلم مقتدٍ
برسول الله صلى الله عليه وسلم تركها،
والحذر منها، وأن يلتزم بالمشروع))(١).
إلا أن ثمة فرقًا بين الجهر بالأذكار في
أدبار الصلوات وبين الذكر الجماعي،
فالأول يقول به عامة علمائنا المعاصرین،
وله أصل في السنة، ولا ينبغي أن يكون
رفعًا يشوش على المصلين المسبوقين في
صلاتهم، والثاني -أي: الذكر الجماعي-
مبتدع لا أصل له في السنة النبوية.
وقد جاء عن جمع من السلف من
الصحابة فمن بعدهم الإنكار على الذين
أو
يجتمعون فیدعون بصوت واحد،
يذكرون الله بتهليل أو تكبير أو تسبيح
بصوت واحد، فعن أبي عثمان النهدي قال:
(کتب عامل لعمر بن الخطاب إلیه: إن ههنا
قومًا يجتمعون فيدعون للمسلمين وللأمير،
فكتب إليه عمر: أقبل بهم معك، فأقبل،
وقال عمر للبواب: أعد سوطًا، فلما دخلوا
على عمر علا أميرهم ضربًا))(٢).
وفي قصة أبي موسى أنه قال لعبد الله بن
مسعودرضي اللهعنهما: «يا أبا عبد الرحمن:
إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرته، ولم
أر -والحمد لله- إلا خيرًا، قال: فما هو؟
فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في
المسجد قومًا حلقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة
في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى،
فيقول: کبروا مائة، فیکبرون مائة، فيقول:
هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا
مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟
قال: ما قلت لهم شيئًا انتظار رأيك أو انتظار
أمرك، إلى أن قال ابن مسعود رضي الله عنه
لما وقف علیھم: ويحكم يا أمة محمد! ما
أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم صلى
الله علیه وسلم متوافرون، وهذه ثيابه لم
تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده،
إنکم لعلى ملة هي أهدی من ملة محمد، أو
مفتتحو باب ضلالة؟ قالوا: والله يا أبا عبد
الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من
مريد للخير لن يصيبه))(٣).
فهذا أبو موسى الأشعري وابن مسعود
(٢) انظر: البدع، ابن وضاح ١ / ٤٧.
(٣) أخرجه الدارمي في سننه، ١/ ١٤٢، رقم ٢٢٢.
١٠٠
(١) تصحيح الدعاء ص ١٣٤.
جوسين
القرآن الكريمِ