النص المفهرس
صفحات 21-28
الدين بعضًا، وذلك لحكمة أن الرجال لا يحضرون معهم في لعبهم، ولو لم تقبل شهادتهم وشهادة النساء منفردات لضاعت الحقوق، وتعطلت وأهملت مع غلبة الظن، أو القطع بصدقهم، ولا سيما إذا جاءوا مجتمعين قبل تفرقهم ورجوعهم إلى بيوتهم، وتواطئوا على خبر واحد، واتفقت كلمتهم، فإن الظن الحاصل حينئذ من شهادتهم أقوی بکثیر من الظن الحاصل من شهادة رجلين، وهذا مما لا یمکن دفعه وجحده، فلا نظن أن الشريعة الكاملة الحريصة على مصالح العباد في معاشهم ومعادهم وحياتهم، أنها تهمل مثل هذه الحكم والفوائد في الشهادة على الحقوق والمعاملات والحوادث وعدم تضيعها (١). ويستفاد من الآيات السابق ذكرها -آیتا سورة البقرة- أن الله جعل شهودًا على وثيقة الدين لما لها من أهمية في حفظ الحقوق للدائن والمدين، وبين صفات الشهود، مثل: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والخلو من صفة الفسق وخوارم المروءة، وكذلك الحرية. (١) انظر: المصدر السابق. تحريم الإضرار في الكتابة والإشهاد شرع الله لكتابة العقود المتعلقة بالديون وغيرها، والشهادة عليها ضوابط تضبطها، مع المحافظة على حقوق أخرى متعلقة بالكتابة والشهادة بحيث ألا تؤثر عليها، وهي مبينة فيما يأتي: أولًا: تحريم الإضرار بالكتاب والشهود: إن كتابة عقد الدين شرع شرعه الله تعالى، و کذلك الشهادة عليه شرع، وحماية الكاتب والشاهد والمتداينين كذلك شرع شرعه الله تعالى أوجب على عباده أن يحافظوا عليه. قال تعالى: ﴿وَلَا يُضَارُّ كَاِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ، فُسُوقًا بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فالكاتب والشاهد في العقود المبرمة بین المتعاقدين يؤديان عملًا إنسانيًا، حسبة لوجه الله تعالى، فمن الظلم أن يقوما بعمل يبتغیان به وجه الله تعالى، وبعد ذلك يمسهما سوء، أو ينالهما أذى من أجل هذا العمل الذي يقومان به، فإذا لم يتيسر سبل کتابة العقد، والشهادة علیه، ولم يمط عنهما كل أذى، فهذا يؤدي لزهد الناس في هذا العمل الخير والابتعاد عنه. لهذا جاء قول الله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارُ كَاتِبٌ www. modoee.com ٧٣ حرف الدال وَلَا شَهِيدٌ﴾ حماية للإحسان وللمحسنين من أن يكدر صفو الإحسان، وأن یساء إلى أهله بأي لون من ألوان الأذى المادي أو الأدبي(١). إن الله تعالى يعلم أن كل إنسان له مصالحه في الحياة، ويجب ألا تتعطل أو تتعطل هذه المصالح أمام قضاء مصالح غيره، فالشاهد أو الكاتب حينما يستدعى الواحد منهم ليشهد أو ليكتب لمصلحة غيره، يجب ألا تتعطل مصالحه؛ لذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارٌّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. والله تعالى قد حذر الدائن والمدين من أن ينال كلاهما أو أحدهما الكاتب أو الشاهد أذى منهم، فإن فعلوا كان ذلك فسقًا منهم، وخروجًا على سنة العدل والإحسان، وتعدیًا على حدود الله، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقُ) بِكُمْ﴾(٢). ثانيًا: إضرار الكتاب والشهود بالمتداينين: وكما أن الله تعالى قد حذر من مغبة الضرر بالكاتب والشهید وتضيع مصالحهما، بسبب استغلال عدالتهما، نجد أن الله تعالى قد حذر أيضًا من إضرار الكاتب أو الشهيد (١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب، ٣٨٥/٣. (٢) انظر: تفسير الشعراوي ١/ ٧٨٣. لأحد المتداينين، فنجده سبحانه وضع شروطًا على الكتاب والشهود، من أهمها عدم الإضرار بالدائن أو المدين، قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُهُّ وَلَا يُضَارُّ كَاِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ومن أصناف الضرر الواقع في كتابة الدين: إضرار الكاتب والشاهد بأحد المتداینین، وبيان ذلك فيما يلي: في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارُّ كَاِبٌ وَلَّا شَهِيدٌ﴾ هذا نهي عن المضارة لأحد الطرفين سواء الشاهد والكاتب أو أحد المتداينين، وقد تبين فيما سبق كيفية إضرار الدائن أو المدين أو كليهما بالشاهد أو الكاتب، أما إضرار الشاهد والكاتب بالمتداينين، فإن أصل لفظة ﴿يُضَآرَّ﴾ هو يضارر، بكسر الراء الأولى، ومعناه: لا یضار الکاتب بأن یکتب أو یشهد، فیکون منه بذلك الضرر، والضرر منهما على عدة وجوه، منها: الوجه الأول: بأن يدعى الكاتب للكتابة وهو أهل لها فیأبی أن یکتب، أو يدعى الشاهد للشهادة وهو أهل لها، فيأبى أن یشهد، فلا يجدان الرجل العدل الذي یکتب أو يشهد، فبذلك يضار المتداينان بكتابة أو شهادة غير عدل(٣). الوجه الثاني: حيث يضر الكاتب فيزيد (٣) انظر: لباب التأويل، الخازن، ٣٠٨/١. جَوَسُولَةُ البقية القرآن الكريمِ ٧٤ الدین فيما يملى عليه في نص العقد، أو ينقص منه کلام أملي علیه كتابته، أو يحرف الكلام الذي أملي علیه بكلام غير مفهوم، أو كلام فيه غش وخداع لأحد الطرفين، فيضر صاحب الحق أو من عليه الحق(١). و کذلك الشاهد إذا غیر وبدل بشهادته، أو أنكرها أو أنكر بعضها، أو كذب وحلف الأيمان الباطلة على شهادته، فهو بذلك قد أضر أحد الطرفين من المتداينين (٢). يقول الثعلبي: في قوله: ﴿وَلَا يُضَارَ گاِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ هو نهي الغائب، وأصله: يضارر، فأدغمت الراء في الراء، ونصبت؛ لحق التضعيف؛ لاجتماع الساكنين، والفتح أخف الحركات فحرکت إليه. وأما تفسير الآية: فأجراها بعضهم على الفعل المعروف، وقال: أصلہ یضار بکسر الراء وجعل الفاعل الكاتب والشهید، معناه: ولا يضار كاتب فيكتب ما لم يملل عليه، (یزید أو پنقص أو یحرف)، ولا شهید فیشهد مالم يشهد عليه، أو يمتنع من إقامة الشهادة. وهذا قول طاووس، والحسن، وقتادة، وابن زید. وأجراه آخرون على الفعل المجهول، وجعلوا الكاتب والشهيد مفعولين، وقالوا: أصله لا يضار. ومعنى الآية: أن الرجل یدعوا الکاتب أو (١) انظر: المصدر السابق. (٢) انظر: المصدر السابق. الشهید وهما علی حاجة مهمة، فیقولان: إنا مشغولان فاطلب غيرنا، فيقول الذي يدعوه: إن الله أمركما أن تجيبا في الكتابة والشهادة، ويلح عليهما ويشغلهما عن حاجتهما، فنھی الله عز وجل عن مضارتهما، وأمر أن يطالب غيرهما. وقال الربيع بن أنس: ((لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبُ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ﴾ وقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. كأن أحدهما يجيء إلى الكاتب فيقول له: أكتب، فيقول: إني مشغول، أو لي حاجة، فانطلق إلى غيري، فیلزمه ویقول: إنك قد أمرت بالكتابة، فلا يدعه فيضاره بذلك، وهو يجد غيره، وكذلك يفعل مع الشاهد، فأنزل الله تعالى: الآية، ودليل هذا التأويل قراءة ﴿وَلَا عمر وأبي وابن مسعود ومجاهد: يضارر كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ بإظهار التضعيف على وجه من لم يمنع. وقرأ أبو جعفر: ولا يضار، مجزومًا مخففًا براء واحدة أصلًا. وقرأ الحسن: (ولا يضار) بكسر الراء مشددًا(٣). ونستدل مما سبق أن الله تعالى كما حفظ حقوق المتداینین من أي ضياع يلحق بهما؛ فقد حفظ أيضًا الكاتب والشاهد من أي ضرر يلحق بهما من شهادته أو کتابته، (٣) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي، ٢٩٧/٢. www. modoee.com ٧٥ حرف الدال أو يلحق الکاتب أو الشهيد أي ضرر بأحد المتداینین من خلال کتابته أو شهادته، ثم توعد من فعل مثل ذلك بالعقاب الشدید. الرهن فى الدين لقد اقتضت حكمة الله تعالى ورحمته بعباده تیسیر أمور حیاتھم، فجعل لهم البدائل لبعض الأحكام التي أقرها عليهم حينما يتعسر عليهم تطبيقها، ومن هذه الأمور: الرهن، فحینما یتعسر کتابة الدین لأي ظرف طارئ كالسفر، وعدم وجود كاتب أو شهيد لكتابة عقد الدين، يتم البدل عنه بالرهن، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَلِبًا فَرِمَنٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. والرهن: حبس الشيء بحق يمكن أخذه منه؛ کالدین(١). وقيل: ((احتباس العين وثيقة بالحق؛ ليستوفي الحق من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم)» (٢). والله تعالى جعل للرمن أحكامًا أوجب على المسلمين الأخذ بها، بيانها فيما يأتي: ١. القبض. أي: قبض الشيء المرهون، قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾. يقول السعدي: ((أي: إن كنتم مسافرين ولم تجدوا كاتبًا يكتب بينكم ويحصل به التوثق، فحينها رهان مقبوضة، أي: يقبضها (١) انظر: التعريفات، الجرجاني، ص ١٥٠. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٤٠٩/٣. ٧٦ قَضوري جوبيـ القرآن الكريم الدين صاحب الحق، وتكون وثيقة عنده حتى يأتيه سلف الشعير(٢). حقه، ودل هذا على أن الرهن غير المقبوضة لا يحصل منها التوثق، ودل أيضًا على أن الراهن والمرتهن لو اختلفا في قدر ما رهنت به، کان القول قول المرتهن، ووجه ذلك أن الله جعل الرهن عوضًا عن الكتابة في توثق صاحب الحق، فلولا أن قول المرتهن مقبول في قدر الذي رهنت به لم يحصل المعنى المقصود، ولما كان المقصود بالرهن التوثق جاز حضرًا وسفرًا، وإنما نص الله على السفر؛ لأنه في مظنة الحاجة إليه؛ لعدم الكاتب فيه، هذا كله إذا كان صاحب الحق يحب أن يتوثق لحقه))(١). ٢. الرهن بالسفر والحضر. لما ذكر الله تعالى الندب إلى الإشهاد والكتابة لمصلحة حفظ الأموال، عقب ببيان حال الأعذار المانعة من الكتابة، وجعل لها بديلًا وهو الرهن، وجعل من أهم الأعذار، السفر الذي هو غالب على كل الأعذار، وليس معنى ذلك أن الرهن مرهون على السفر فقط، فرب وقت يتعذر فيه الكاتب في الحضر فیندب بذلك البدل، وهو الرهن، وأيضًا فالخوف علی خراب ذمة الغريم عذر يوجب طلب الرهن، وقد رهن النبي صلى الله علیه وسلم درعه عند یهودي طلب منه (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص١٩٠. عن عائشة قالت: (توفي رسول الله صلى الله علیه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من الشعير)(٣). فهذا بيان أن النبى صلى الله عليه وسلم قد أعطى رهنًا في حضر، حيث الطعام لأهل بيته وليس للسفر (٤). ٣. الأمانة. إن حكم الأمانة لا تتوقف على المدين فقط، بل تطلب من الدائن بحفظ الرهن الذي بحوزته، وذلك من الضياع أو الخراب أو التلف، إذًا طلب الأمانة لا تتوقف على المدين فقط، فهناك دائن قابض لرهن بدلًا من ماله يطلب منه الأمانة في حفظ ما عنده من رهن. يقول الشعراوي: ((قد نفهم أن الذي اؤتمن هو المدين، وهنا نقول: لا، إن الأمر مختلف، فهناك رهان، وذلك معناه وجود مسألتين: المسألة الأولى: هي الدین. والمسألة الثانية: هي الرهان المقبوضة، (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٤٠٩/٣. (٣) أخرج البخاري في صحيحه، كتاب الرهن، باب ما قيل في درع النبي صلى الله عليه وسلم، ٤١/٤، رقم ٢٩١٦. (٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٣٨٦/٣. www. modoee.com ٧٧ حرف الدال وهي مقابل الدين. ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا الثانية: قوله تعالى: فواحد مأمون على الرهن في يده، قرأ الجمهور (کاتبًا) بمعنى: رجل یکتب، والآخر مأمون على الدين، ولهذا يكون وقرأ ابن عباس وأبي ومجاهد والضحاك وعكرمة وأبو العالية: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كتابًا﴾، القول الحکیم مقصودا به من بیده الرهن، ومن بيده الدين، ومعنى ذلك: أن يؤدي من معه الرهن أمانته، وأن يؤدي الآخر دينه. فسره مجاهد فقال: («معناه: فإن لم تجدوا مدادًا، يعني: في الأسفار)»، قال النحاس: «هذه القراءة شاذة، والعامة على خلافها، وقلما يخرج شيء عن قراءة العامة إلا وفيه مطعن، ونسق الكلام علی (کاتب)»، قال الله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وحين نرتقي إلى هذا المستوى في التعامل، فإن وازع الإنسان ليس في التوثيق الخارج عن ذات النفس، ولكنه التوثيق الإيماني بالنفس، ولکن أنضمن أن يوجد التوثيق الإيماني عند كل الناس؟ أنضمن الظروف؟ نحن لا نضمن الظروف، فقد توجد الأمانة الإيمانية وقت التحمل والأخذ، ولا نضمن أن توجد الأمانة الإيمانية وقت الأداء))(١). قال ابن عطية: «(کتابًا) یحسن من حیث لكل نازلة (كاتب)، فقيل: كتابًا للجماعة، أي: ولم تجدوا کتابًا». وأما قراءة أبي وابن عباس: (كتابًا)، فقال وقد وضع القرطبي في تفسيره عدة النحاس ومكي: هو جمع كاتب، والمعنى: وإن عدمت الدواة والقلم والصحيفة، ونفي مسائل تتعلق بالرهن من أهمها(٢): الأولى: قال جمهور من العلماء: الرهن وجود الكاتب، يكون بعدم وجود أي آلة، ونفي الكتاب أيضًا يقتضي نفي الكتاب، فالقراءتان حسنتان إلا من جهة خط المصحف. الثالثة: ولما كان الرهن بمعنى الثبوت والدوام، فمن ثم بطل الرهن عند الفقهاء إذا خرج من يد المرتهن إلى الراهن بوجه من الوجوه؛ لأنه فارق ما جعل باختيار المرتهن (١) تفسير الشعراوي ١/ ٧٨٩. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، له. ٤٠٨/٣-٤١٤. (٣) سبق تخريجه قريبًا. جوية القرآن الكريم ٧٨ في السفر بنص التنزيل، وفي الحضر ثابت بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، منها ما ورد في الصحيحين وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها: (توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير لأهله)(٣). الدين قال أبو حنيفة: ((إن رجع بعارية أو وديعة يضمنه، والموضوع في يد أمين، والأمين غیر ضامن. لم یبطل»، وقال الشافعي: «إن رجوعه إلى ید الراهن مطلقًا لا يبطل حكم القبض المتقدم ودليلنا: ﴿فَرِّمَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾، فإذا خرج عن يد القابض لم يصدق ذلك اللفظ عليه لغة، فلا یصدق علیه حكمًا، وهذا واضح)). الرابعة: إذا رهنه قولًا ولم يقبضه فعلًا لم يوجب ذلك حكمًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِمَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾. قال الشافعي: «لم یجعل الله الحكم إلا برهن موصوف بالقبض، فإذا عدمت الصفة، وجب أن یعدم الحکم وهذا ظاهر جدًا». الخامسة: قوله تعالى: ﴿مَّقْبُوضَةٌ﴾ يقتضي بينونة المرتهن بالرهن، وأجمع الناس على صحة قبض المرتهن، وكذلك علی قبض و کیله، واختلفوا في قبض عدل يوضع الرهن على يديه، فقال مالك وجميع أصحابه وجمهور العلماء: قبض العدل قبض، وقال قتادة وعطاء: لیس بقبض، ولا یکون مقبوضًا إلا إذا كان عند المرتهن، وقول الجمهور أصح من جهة المعنى؛ لأنه إذا صار عند العدل صار مقبوضًا لغة وحقيقة؛ لأن العدل نائب عن صاحب الحق وبمنزلة الو کیل، وهذا ظاهر. السادسة: ولو وضع الرهن على يدي عدل فضاع لم يضمن المرتهن ولا الموضوع على يده؛ لأن المرتهن لم يكن في يده شيء السابعة: انتفاع المرتهن من الرهن، روي من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الرهن يركب بنفقته، إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته، إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة)(١). قال الطحاوي: «کانذلك وقت کون الربا مباحًا، ولم ینه عن قرض جر منفعة ولا عن أخذ الشيء بالشيء، وإن کانا غير متساويين، ثم حرم الربا بعد ذلك، وقد أجمعت الأمة على أن الأمة المرهونة لا يجوز للراهن أن يطأها، فكذلك لا يجوز له خدمتها». وقال بعضهم: ولو شرط المرتهن الانتفاع بالرهن فلذلك حالتان: إن كان من قرض لم يجز، وإن كان من بيع أو إجارة جاز؛ لأنه يصير بائعًا للسلعة بالثمن المذكور، ومنافع الرهن مدة معلومة، فكأنه بيع وإجارة، وأما في القرض فلأنه يصير قرضًا جر منفعة؛ ولأن موضوع القرض أن يكون قربة، فإذا دخله نفع صار زيادة في الجنس وذلك ربًا. الثامنة: لا يجوز غلق الرهن، وهو أن یشترط المرتهن أنه له بحقه إن لم يأته به عند أجله، وكان هذا من فعل الجاهلية، فأبطله (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرهن، باب الرهن مرکوب ومحلوب، ١٤٣/٣، رقم ٢٥١٢. www. modoee.com ٧٩ حرف الدال النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه)، قال الشافعي رضي الله عنه: «غنمه: زيادته، وغرمه: هلاكه ونقصه))(١). التاسعة: ورهن من أحاط الدين بماله جائز ما لم يفلس، ويكون المرتهن أحق بالرهن من الغرماء، وروي عن مالك خلاف هذا فقال: ((إن الغرماء يدخلون معه في ذلك». موضوعات ذات صلة: الأجل، الشهادة، المال، الوراثة، الوصية (١) انظر: مسند الشافعي ص ١٤٨. المحضوي ٨٠ جوية القرآن الكريمِ