النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ مُوبَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
م
الدُّلْ
د
عناصر الموضوع
مفهوم الذل
١٥٤
الذل في الاستعمال القرآني
١٥٥
الألفاظ ذات الصلة
١٥٦
أنواع الذل
١٥٨
العقاب بالذل
١٦٣
أسباب الوقوع في الذل
١٦٨
أسباب رفع الذل
١٧٥
المُجَلَّدُ الخَامِسْ عَشَر
حرف الذال
مفهوم الذل
أولًا: المعنى اللغوي:
تدل مادة (ذلل) على الخضوع والاستكانة واللين (١).
والذُّل: نقيض العز، يقال: ذَل يَذِل ذُلًا وذِلة وذِلَالة ومَذَلَة، وتذلل له، أي: خضع، والذِل
بالكسر: اللين، وهو ضد الصعوبة (٢).
وقال الراغب: ((الذُل: ما كان عن قهر، والذِل بعد تصعب وشماس(٣) من غير قهر، ذلت
الدابة بعد شماس ذِلًا، وهي ذلولٌ، أي: ليست بصعبة)) (٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال ابن عاشور: ((الذلة: خضوع في النفس واستكانة من جراء العجز عن الدفع»(٥).
من خلال هذا التعريف، يلاحظ أن ابن عاشور اقتصر على تعريف الذل المذموم، وهو
المتبادر إلى الذهن.
وقال العسكري: ((الذلة: الضعف عن المقاومة، ونقيضها العزة، وهي القوة على الغلبة،
ومنه الذلول وهو المقود من غير صعوبة؛ لأنه ينقاد انقياد الضعيف عن المقاومة، وأما الذليل
فإنه ينقاد على مشقة))(٦).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٤٥/٢.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٥٧/١١.
(٣) شماس: شمست الدابة وهي شموس، أي: شردت وجمحت ومنعت ظهرها ولا تكاد تستقر.
انظر: أساس البلاغة، الزمخشري، ص ٤٠١.
(٤) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٣٣٠.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١١٩/٩.
(٦) الفروق اللغوية، العسكري ص٢٥١.
◌َ البَشَّـ
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ
١٥٤
الذل
الذل في الاستعمال القرآني
وردت مادة (ذلل) في القرآن الكريم (٢٤) مرة، يخص موضوع البحث منها (١٨) مرة(١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل المضارع
٢
﴿لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلًا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَتَّبِعَ ءَايَلِكَ مِن
١٢٤)﴾ [طه: ١٣٤]
قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى
المصدر
١٠
وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾ [الإسراء: ٢٤]
﴿يَقُولُونَ لَيْن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَ الْأَعَزُّمِنْهَا
اسم التفضيل
٢
الأَذَلَ ﴾ [المنافقون: ٨]
الاسم
٤
وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾ [آل عمران: ١٢٣]
وجاءت كلمة الذل في القرآن على وجهين (٢):
الأول: القلة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، أي:
قليلاً.
[المائدة: ٥٤]،
الثاني: التواضع، ومنه قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾
أي: متواضعين على المؤمنين.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص ٢٧٥-٢٧٦.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٢٢٠ -٢٢١، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٣٠٠-
٣٠١.
www. modoee.com
١٥٥
حرف الذال
الألفاظ ذات الصلة
الصغار:
١
الصغار لغة:
الصَغار، بالفتح: الذل والضيم، وكذلك الصغر، بالضم، والمصدر الصغر، بالتحريك،
يقال: قم على صغرك وصغرك، الليث: يقال صغر فلانٌ يصغر صغرًا وصغارًا، فهو صاغر،
إذا رضي بالضيم وأقر به، قال تعالى: ﴿حَّ يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة:
٢٩](١).
الصغار اصطلاحًا:
هو الاعتراف بالذل والإقرار به(٢).
الصلة بين الذل والصغار:
الصغار زيادة في الإذلال والهوان(٣).
الخزي:
٢
الخزي لغة:
خزي خزيًا ومخزاة: ذل، وأخزاه الله، وهو من أهل المخازي والمخزیات، ورجل خز،
وامرأة خزية. وخزوته: قهرته (٤)، وخزي الرجل لحقه انكسار، إما من نفسه وإما من غيره(٥).
وفي لسان العرب: ((المخزى في اللغة، المذل المحقور بأمرٍ قد لزمه بحجة، وكذلك
أخزیته ألزمته حجةً إذا أذللته بها)»(٦).
الخزي اصطلاحًا:
جميع الآيات التي ورد فيها مادة (خزي) تدور حول معنى الذل والهوان والفضيحة.
الصلة بين الذل والخزي:
الخزي ذلٌ مع افتضاح، وقيل: هو الانقماع لقبح الفعل، والخزاية الاستحياء؛ لأنه انقماع
(١) لسان العرب، ابن منظور، ٤/ ٤٥٩.
(٢) انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ص ٢٤٩.
(٣) انظر: المصدر السابق.
(٤) انظر: أساس البلاغة، الزمخشري، ١/ ٢٤٥، لسان العرب، ابن منظور ٢٢٦/١٤.
(٥) انظر: غريب القرآن، الأصفهاني، ١/ ١٤٧.
(٦) لسان العرب، ابن منظور ١٤/ ٢٢٦.
١٥٦
جوية
القرآن الكريم
الذل
عن الشيء لما فيه من العيب، قال ابن درستويه: الخزي الإقامة على السوء، خزي يخزى
خزيًا، وإذا استحيا من سوء فعله أو فعل به قيل: خزي يخزى خزاية؛ لأنهما في معنى واحد،
وليس ذلك بشيء؛ لأن الإقامة على السوء والاستحياء من السوء ليسا بمعنى واحد(١).
الخضوع:
٣
الخضوع لغة:
الانقياد والمطاوعة (٢).
.
جاء في كتاب جمهرة اللغة مادة (خ ضع) ((خضع الرجل، يخضع خضوعًا إذا ذل، و کل
ذلیل خاضع»(٣).
الخضوع اصطلاحًا:
إظهار الانقياد والطاعة لذي سلطان.
الصلة بين الذل والخضوع:
الذل: الانقياد كرهًا، ونقيضه العز، وهو الإباء والامتناع، والانقياد على كره، وفاعله
ذليل، والذل والانقياد طوعًا، وفاعله ذلول (٤).
أما الخضوع: فهو التطامن، والتطأطؤ، والخاضع المطأطئ رأسه وعنقه(٥).
(١) الفروق اللغوية، العسكري، ص٢٤٨.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ٧٣/٨.
(٣) جمهرة اللغة، ابن دريد ١ / ٦٠٦.
(٤) الفروق اللغوية، العسكري، ص ٢٥٠.
(٥) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ١٩/٣.
www. modoee.com
١٥٧
حرف الذال
أنواع الذل
ينقسم الذل إلى نوعين من جهة أنه
محمود ومذموم، ولقد ذكر القرآن الكريم
كلا القسمين، فمن أشرف أنواع الذل
المحمود الذي يكون مع الخالق عز وجل ثم
مع الوالدين ثم مع المؤمنين، وفي المقابل
الذل المذموم الذي يكون مع ما يعبد من
دونه عز وجل، أو مع الحكام المستبدين، أو
مع الشيطان.
أولًا: ذل محمود:
١. الذل مع الله.
من أشرف أنواع الذل المحمود هذا
الذي يكون مع الخالق عز وجل، وهذا
الذل عنوان العز والشرف والنصر في الدنيا
والآخرة.
إن الحكمة من خلق الإنسان هي: عبادة
الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ لَلْنَّ وَالْإِنسَ إِلَّاّ لِيَعْبُدُونِ﴾
[الذاريات: ٥٦].
يقول ابن عطية في تفسير هذه الآية: ((ما
خلقت الإنس والجن إلا معدين ليعبدوني،
وكأن الآية تعديد نعمه، أي: خلقت لهم
حواسًا وعقولًا وأجسامًا منقادة نحو العبادة،
وهذا كما تقول: البقر مخلوقة للحرث،
والخيل للحرب، وقد يكون منها ما لا
يحارب به أصلًا، فالمعنى أن الإعداد في
خلق هؤلاء إنما هو للعبادة، لكن بعضهم
تكسب وصرف نفسه عن ذلك»(١).
والعبادة هي: إظهار الخضوع والذل
للمعبود عز وجل(٢).
قال ابن القيم في النونية(٣):
وعبادة الرحمن غاية حبه
مع ذل عابده هما قطبان
وعليهما فلك العبادة دائر
ما دار حتى قامت القطبان
وقال ابن القيم أيضًا: ((والعبادة تجمع
أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع،
والعرب تقول: طريق معبد، أي: مذلل،
والتعبد: التذلل والخضوع، فمن أحببته
ولم تكن خاضعًا له، لم تکن عابدًا له، ومن
خضعت له بلا محبة لم تکن عابدًا له حتى
تکون محبًا خاضعًا))(٤).
فتحقيق الذل إذًا يكون بتحقيق العبودية
لله تعالی وحده.
قال الذهبي: ((من خصائص الإلهية
العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها
بدونهما: غاية الحب مع غاية الذل، هذا
تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها
بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين، فمن
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية، ١٨٢/٥.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٦/٢٧.
(٣) شرح نونية ابن القيم، محمد هراس ص٩٩.
(٤) مدارج السالكين، ابن القيم، ١ / ٩٥.
١٥٨
جوي
القرآن الكريم
الذل
أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال:
(الصلاة على وقتها. قال: ثم أيّ؟ قال: بر
شبهه في خالص حقه))(١).
الوالدين. قال: ثم أيِّ؟ قال: الجهاد في سبيل
الله)(٥).
يحكى عن بعض العارفين، أنه قال:
دخلت على الله من أبواب الطاعات کلها،
فما دخلت من باب إلا رأيت علیه الزحام،
فلم أتمکن من الدخول، حتی جئت باب
الذل والافتقار، فإذا هو أقرب باب إليه
وأوسعه، ولا مزاحم فيه ولا معوق، فما
هو إلا أن وضعت قدمي في عتبته، فإذا هو
سبحانه قد أخذ بيدي وأدخلني علیه(٢).
٢. الذل مع الوالدين.
قال تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ
مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَّا رَبََّانِ صَغِيرًا﴾
الإسراء: ٢٤].
قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: وكن
لهما ذليلًا رحمة منك بهما، تطيعهما
فيما أمراك به مما لم يكن لله معصية، ولا
تخالفهما فيما أحبا)) (٣).
وقال السعدي: ((تواضع لهما ذلًا لهما
ورحمة واحتسابًا للأجر؛ لا لأجل الخوف
منهما أو الرجاء لما لهما، ونحو ذلك من
المقاصد التي لا يؤجر عليها العبد)» (٤).
جاء في الحديث الذي يرويه عبدالله
ابن مسعودٍ قال: (سألت النبي صلى الله
(١) العرش، الذهبي ص ١٢١.
(٢) مدارج السالكين، ابن القيم، ١/ ٤٢٩.
(٣) جامع البيان ٤١٨/١٧.
(٤) تيسير الكريم الرحمن ص ٤٥٦.
فقرن الله بر الوالدين بعبادته وحده لا
شريك له، وجعله في المنزلة الثانية من
أحب الأعمال إلیه بعد الصلاة لأکبر دلیل
على عظم هذا الأمر.
ولا نعمة تصل إلى الإنسان أعظم وأجل
من نعمة الخالق عليه، ثم نعمة الوالدين،
فمن أعظم الحقوق علينا بعد حق الله عز
وجل حق الوالدين، وقد ذكر الله عز وجل
بهذا الحق في جملة من آياته، وجعله مقرونًا
بعبادته.
قال تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ،
شَيْئاً وَبِالْوَلِدَ يْنِإِحْسَنًا﴾ [النساء: ٣٦].
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ
وقال تعالى:
بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ وَ بِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣].
وذكر الله بر الوالدين مقرونًا بتوحيده،
وإخلاص العبادة له، يدل على شدة تأكد
وجوب بر الوالدين والإحسان إليهما إحسانًا
تامًا في المعاملة(٦).
[انظر التواضع: خفض الجناح للوالدين
وللمؤمنین]
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب البر والصلة، رقم ٥٩٧٠.
(٦) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، ٨٥/٣.
www. modoee.com
١٥٩
حرف الذال
٢. الذل مع المؤمنين.
وهو بمعنى التراحم والتواضع والعطف،
وليس بمعنى التذلل والانكسار على وجه
الضعف والخور.
قال تعالى: ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ
مِنْكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمِ يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُو
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِنَ ◌ُهِدُونَ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآَ بِرٍّ ذَلِكَ فَضْلُ اُللَّهِ يُؤْتِيهِ
مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴾ [المائدة : ٥٤]
قال الطبري: ((﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، أرقاء
عليهم، رحماء بهم، ويعني بقوله: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى
اَلْكَفِرِينَ﴾، أشداء عليهم، غلظاء بهم))(١).
وقال ابن كثير: ((قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةِ
هذه
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ ﴾
صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم
متواضعًا لأخيه ووليه، متعززًا على خصمه
وعدوه)) (٢)
وقال سيد قطب: ((قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى
اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾ هي الصفة مأخوذة من الطواعية
واليسر واللين، فالمؤمن ذلول للمؤمن،
غير عصي عليه ولا صعب، هين لين، ميسر
مستجيب، سمح ودود وهذه هي الذلة
للمؤمنين)»(٣).
[انظر: التواضع: تواضع مع الخلق]
(١) جامع البيان ١٠/ ٤٢١.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٣/ ١٣٦.
(٣) في ظلال القرآن ٢/ ٩١٩.
ثانيًا: ذل مذموم:
١. مع ما یعبد من دون الله.
ما یعبد من دون الله أشياء كثيرة منها:
* الهوى.
قال تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنُ
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِيٍ وَخَتَمَ عَلَى سَّمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ
عَلَى بَصَرِهِ، غِشَوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِّ أَفَلَا
تَذَكَّرُونَ﴾
[الجاثية: ٢٣].
أفرأيت من اتخذ دينه بهواه، فلا يهوى
شيئًا إلا ركبه، لأنه لا يؤمن بالله، ولا يحرم
ما حرم، ولا يحلل ما حلل، إنما دينه ما
هویته نفسه يعمل به، فأصبح هواه إله یعبد
من دون عز وجل (٤).
قال ابن القيم: (لكل عبد بداية ونهاية
فمن كانت بدايته اتباع الهوى كانت نهايته
الذل والصغار والحرمان والبلاء المتبوع
بحسب ما اتبع من هواه، بل يصير له ذلك
في نهايته عذابًا يعذب به في قلبه)(٥).
الآلهة من دون الله.
قال تعالى: ﴿وَأَخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةً
لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا بَيْلِكُونَ
لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْقًا وَلَا
حَيَوَةٌ وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣].
في هذه الآية تقريع للمشركين بعبادتهم
ما دون الله والتنبيه لهم على موضع خطأ
(٤) جامع البيان، الطبري، ٢٢/ ٧٥.
(٥) روضة المحبين ص ٤٨٣.
١٦٠
مُوسُو ◌َةُ النَّصـ
القرآن الكريم
الذل
فعلهم ببيان أن آلهتهم التي يعبدونها لا
تخلق شيئًا، بل هي مخلوقة ومع ذلك فهي
لا تملك دفع ضر عن نفسها ولا جلب منفعة
إليها، ولا تملك إماتة ولا إحياء ولا بعثًا،
والعجيب أنك تراهم يتذللون لهذه الآلهة
حتى تجلب لهم النفع (١).
وقد ذكر الله تعالى هذه الآيات بعد قوله:
تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ
لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].
قال ابن جرير: ((يقول تعالى ذكره:
فأفردوا أيها الناس لربكم الذي نزل الفرقان
على عبده محمد نبيه صلى الله عليه وسلم
الألوهية، وأخلصوا له العبادة دون كل
ما تعبدون من دونه من الآلهة والأصنام
والملائكة والجن والإنس، فإن كل ذلك
خلقه وفي ملكه، فلا تصلح العبادة إلا لله
الذي هو ملك جمیع ذلك»(٢).
٢. مع الحكام المستبدين.
لربما لم تعرف البشریة ذلًا أكثر من ذل
الناس لفرعون وجنوده آنذاك، لدرجة أن
فرعون قال للناس: أنا ربكم الأعلى.
ففرعون يعتبر نفسه الإله والحقيقة
المؤكدة في الدين، ولذلك كان قلقًا من
رسالة موسى عليه السلام، وتتضح مخاوفه
في الآية القرآنية.
(١) جامع البيان، الطبري، ١٩/ ٢٣٧.
(٢) المصدر السابق ١٩/ ٢٣٦.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِ أَقْتُلٌ
مُوسَى وَلَيَدْعُ رَبَّهٌُ إِّْ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ
أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ اَلْفَسَادَ ﴾ [غافر: ٢٦].
فمن مظاهر الذل الذي تعرض له بنو
إسرائيل من فرعون يتضح من خلال قوله
تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ
أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِنْهُمْ يُذَيِّحُ
أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَآءَ هُمَّ إِنَّهُ، كَانَ مِنَ
الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤].
بعد أن جعل فرعون أهل مملكته شيعًا
وأحزابًا، اختص طائفة منهم بالإذلال والقهر
والظلم، فصار يذبح أبناءهم ويستحيى
نساءهم، أي: یذبح الذكور من بنى إسرائيل
بمجرد ولادتهم، ويترك الإناث أحياء(٣).
يقول سيد قطب: ((إنه حين كان بنو
إسرائيل يؤدون ضريبة الذل لفرعون وهو
يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم لم تتدخل
يد القدرة لإدارة المعركة، فهم لم يكونوا
يؤدون هذه الضريبة إلا ذلًا واستكانة
وخوفًا، فأما حين استعلن الإيمان، في
قلوب الذين آمنوا بموسى واستعدوا
لاحتمال التعذيب وهم مرفوعوا الرؤوس
يجهرون بكلمة الإيمان في وجه فرعون دون
تلجلج و دون تحرج، و دون اتقاء للتعذيب،
فأما عند ذلك فقد تدخلت يد القدرة لإدارة
المعركة، وإعلان النصر الذي تم قبل ذلك
(٣) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١٠/ ٣٧٥.
www. modoee.com
١٦١
حرف الذال
في الأرواح والقلوب))(١).
٣. مع الشيطان.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ
اُلْتَقَ الْجَمْعَانِ إِنَّمَا أَسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ
بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ◌َللَّهُ عَنْهُمُّ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥].
من أقبح أنواع الذل هذا الذي يكون
مع الشيطان، ففي الآية السابقة تجسيد
لمشهد من مشاهد غزوة أحد، حيث طاوع
بعض المسلمين الشيطان بعد أن وسوس
لهم معصية النبي صلی الله عليه وسلم،
فكانت مخالفتهم لرسولهم وقائدهم طاعة
للشيطان، فحرمهم الله تأييده وتقوية
قلوبهم.
نخلص مما سبق أن أشرف أنواع الذل
المحمود هذا الذي يكون مع الخالق عز
وجل، فهذا النوع من الذل يترتب عليه أجر
وثواب عظيم، بل إن عبادة الذل والافتقار
إليه عز وجل من العبادات النادرة، ولذلك
قال أحدهم: إنه دخل على الله من عبادة
الصيام فوجد خلقًا كثيرًا ودخل على الله
من عبادة الصلاة فوجد خلقًا کثیرًا، قال:
ثم دخلت عليه من عبادة الذل والافتقار
فلم أجد إلا القليل، في المقابل فإن من
أخطر أنواع الذل المذموم هو الذل يكون مع
الشيطان، فهذا النوع من الذل إن لم يحذر
منه الإنسان قطعًا سيورده المهالك.
والمراد بالزلة هنا: ما حدث منهم من
مخالفة الرسول صلی الله عليه وسلم وقد
ترتب عليها هزيمتهم (٢).
قال الراغب: ((استزله إذا تحرى زلته،
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَنُ
بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ أي: استجرهم الشيطان
حتى زلوا، فإن الخطيئة الصغيرة إذا ترخص
الإنسان فيها تصير مسهلة لسبيل الشيطان
على نفسه، والزلة في الأصل: استرسال
الرجل من غير قصد))(٣).
(١) في ظلال القرآن ٢٣٤٥/٤.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، لطنطاوي ٣٠٩/٢.
(٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢١٤.
١٦٢
جَوَسُوع
الْقُرْآن الكَرِيمِ
الذل
العقاب بالذل
العقاب بالذل في الدنيا والآخرة من
أبشع أنواع العقاب التي تلحق بالمشركين
والعصاة من المسلمين، فقد تعددت
وتنوعت صور إذلال الله لهم في الدنيا
والآخرة، هذا ما سنتعرف عليه من خلال
النقاط الآتية:
أولًا: العقاب بالذل في الدنيا:
تنوعت صور إذلال الله تعالى العصاة
في الدنيا، ومن تلك الصور:
١. ضنك الحياة والعيش.
قد يعاقب الله بعض عباده بضنك العيش
في الدنيا؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن
ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ، مَعِيشَةً ضَنكًا وَغَحْشُرُهُ يَوْمَ
اَلْقِيَمَةِأَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].
أي: فإن لهذا المعرض معيشة ضيقة
مليئة بالهم والغم والأحزان وسوء العاقبة،
حتى ولو ملك المال الوفير، والحطام
الكثير .. فإن المعيشة الطيبة لا تكون إلا مع
طاعة الله، وامتثال أمره، واجتناب نهيه(١).
٢. الأسر والخوف والرعب.
ومن العصاة من أذلهم الله عز وجل
بالرعب والقتل والأسر، وهم العصاة من
(١) انظر: تفسير السمر قندي، ٤١٦/٢، التفسير
الوسيط، طنطاوي ٩ / ١٦٤.
أهل الكتاب.
قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ اَلَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ
أَهْلِ الْكِتَبِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ
الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٦)
وَأَوْرَتَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ
تَطَقُّوهَاً وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِبْرًّا (٢)﴾
[الأحزاب ٢٦-٢٧].
قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ﴾ أي:
الخوف؛ وهو جندي من جنود الله تعالى،
وهذا الرعب الذي ألقاه الله عز وجل في
قلوب الكافرين هو الذي فرقهم، وأخرجهم
من حصونهم المنيعة، ولم يجعل لكثرة
عددهم قيمة، فألحق الله بهم الهزيمة
والذل على أيدي المؤمنين، قوله: ﴿فَرِيقًا
تَقْتُلُونَ﴾ وهم المقاتلون الذين يحملون
السلاح، وقوله ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ وهم
النساء والذراري، وغيرهم مما لا يحملون
السلاح، وأعطاهم أرضهم وديارهم
وأموالهم، بعد زوالهم وانهزامهم، ووعدهم
الله تعالی بأماکن جدیدة، لم یذهبوا إليها
إمعانًا في ذل اليهود، وهي خيبر (٢).
٣. الخسف.
ومما يلحق العصاة من ذلٍ في الدنيا:
الخسف.
قال تعالى: ﴿َسَفْنَا بِهِ، وَبِدَارِهِ اَلْأَرْضَ
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٤٦١/٣، تفسير الشعراوي، ١٩/ ١٢٠٠٣.
www. modoee.com
١٦٣
حرف الذال
فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِثَةٍ يَنصُرُونَهُ، مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا
كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١].
أمر الله تعالى أن تبتلع قارون وداره
وأمواله، انتقامًا منه لكفره ونفاقه، وبغيه
وکبریائه، فلم تمنع ثروته ولا جاهه ولا
أتباعه عذاب الله عنه، لما أراد الله خذلانه
بخسف الأرض به وبداره، ومن فيها من
أعوانه الظلمة المجرمين، ولا هو استطاع
بجهده وقدرته أن یمنع العذاب عن نفسه(١).
ثانيًا: العقاب بالذل في الآخرة:
إن ميزان العدل الإلهي في غاية الوضوح
والاعتدال، فأهل النار إنما يعاقبون في
الآخرة ويلحق بهم الذل والصغار بسبب
فسادهم وإشراكهم بالله وكفرهم بآياته
ولقائه واتخاذهم آيات الله هزوًا وسخرية،
وقد ذكر الحق عز وجل في غير موضع
في كتابه العزيز حال أهل النار من أهل
الكفر والعصيان، وما يسومهم من أصناف
الذل والهوان، لذا كان من دعاء المؤمنين
الصادقين.
قال تعالى: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ
فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ، وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل
عمران: ١٩٢].
ومن المواقف التي يتعرض فيها العصاة
والكفار للذل في الآخرة:
(١) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، ١٠٢/٤.
١. عند قبض أرواحهم.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ يَتَوَّنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ الْمَلَتِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ
وَأَدْبَرَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ
بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمٍ
لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال: ٥٠-٥١].
والمعنى: لو عاینت وشاهدت أيها
العاقل حال الذين كفروا حين يتوفى الله
أرواحهم، لعاينت وشاهدت منظرًا مخيفًا،
وأمرًا فظيعًا تقشعر من هوله الأبدان، ثم
فصل الله سبحانه هذا المنظر المخيف
بجملة مستأنفة فقال: ﴿اَلْمَلِكَةُ يَضْرِبُونَ
٠٠٠
والمراد بوجوههم:
وَجَوَهُهَم وَادْبَرَهُمْ
ما أقبل منهم، وبأدبارهم: ما أدبر وهو كل
الظهر، وخص سبحانه الضرب للوجوه
والأدبار بالذكر، لأن الوجوه أكرم الأعضاء،
ولأن الأدبار هي الأماكن التي يكره الناس
التحدث عنها فضلًا عن الضرب عليها،
أو لأن الخزي والنكال في ضربهما أشد
وأعظم (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ
الْمَلَئِكَةُ بَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾
[محمد: ٢٧].
أي: فكيف حالهم، أو فكيف يعملون
ويحتالون حينئذ؟ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢٦٣/٢، التفسير
المنير الزحيلي ١٠/ ٣٥.
١٦٤
القرآن الكريمِ
الذل
وَأَدَّبَرَهُمْ﴾ هذا تصوير لتوفيهم، أي:
یتوفونهم وهم يضربون وجوههم وظهورهم
بمقامع من حديد، وفي هذا تخويف وتهدید،
إذ يتعرضون عند التوفي إلى أهوال وفظائع
شديدة(١).
٢. عند الخروج من القبر.
قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّى
يَُّقُواْ يَوْمَعُ الَّذِى يُوعَدُونَ(١) يَوْمَ يَخْرُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ
سِرَاءَا كَهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُؤْفِضُونَ خَشِعَةً أَبْصَرُهُرْ
تَرْهَقُّهُمْ فِلَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِ كَنُواْ يُعَدُونَ
٤٤
[المعارج: ٤٢ -٤٤].
أي: فاتركهم يخوضوا في باطلهم،
ويلعبوا في دنياهم حتى يلاقوا يوم القيامة
الذي يوعدون فيه بالعذاب، يوم يخرجون
من القبور مسرعين، كما كانوا في الدنيا
يذهبون إلى آلهتهم التي اختلقوها للعبادة
من دون الله، يهرولون ويسرعون، ذليلة
أبصارهم منكسرة إلى الأرض، تغشاهم
الحقارة والمهانة، ذلك هو اليوم الذي
وعدوا به في الدنيا، وكانوا به يكذبون(٢).
٣. عندما يساقون إلى المحشر.
قال تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِنَ إِلَى جَهَنَّمَ
وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦].
(١) انظر: التفسير المنير الزحيلي ٢٦/ ١٢١.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور،
١٨١/٢٩، التفسير الوسيط، طنطاوي،
١٥/ ١٠٧.
أي: ونسوق المجرمين الذين ارتكبوا
الجرائم في دنياهم، نسوقهم سوقًا إلى جهنم
كما تساق البهائم، حالة كونهم عطاشًا،
يبحثون عن الماء فلا يجدونه (٣).
ومن ألوان العذاب والذل لهؤلاء أنهم
یحشرون عميًا.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى
فَإِنَّ لَهُ, مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَخْشُرُهُ, يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].
أي: فمن یتکبر عن عبادة الله عز وجل
ويعرض عن ذكره فإن له معيشة ضنكا في
الحياة الدنيا، مليئة بالهم والغم والشقاء،
حتى ولو ملك كنوز الدنيا؛ لأن المعيشة
الطيبة لا تكون إلا مع طاعة، ويحشر يوم
القيامة أعمى، قال ابن عباس رضي الله عنه:
وذلك حين يخرج من القبر يخرج بصيرًا،
(٤)
فإذا سيق إلى المحشر عمي
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى
وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرِّ مَكَانًا
وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤]
يبين الله عز وجل حال المكذبين يوم
البعث، فهم يحشرون على وجوههم،
تسحبهم ملائكة العذاب يجرونهم على
وجوههم، وهذه صورة حسية في غاية
الفظاعة والشناعة، تجمع بين العذاب
(٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٥/ ٢٨١.
(٤) تفسير السمر قندي، ٢/ ٤١٧.
www. modoee.com
١٦٥
حرف الذال
وقد بَیَنَ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك
بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن
رجلا قال: يا نبي الله، کیف یحشر الكافر
على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي
أمشاه على الرجلين في الدنيا، قادرًا على أن
يمشيه على وجهه يوم القيامة) (٢).
كما يحشرون أيضًا زرق العيون من
شدة الغم والهم الذي أصابھم من هول هذا
الموقف.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُفَخُ فِ الصُّورِّ وَتَحْشُرُ
الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ زُرْقًا﴾ [طه:١٠٢].
قال الإمام الطبري: ((عنى بالزرق في
هذا الموضع: ما يظهر في أعينهم من شدة
العطش الذي یکون بهم عند الحشر لرأي
العين من الزرق»(٣).
وقيل: وصفوا بذلك لأن الزرقة أسوأ
ألوان العین وأبغضها عند العرب، لأن الروم
كانوا أعدى أعدائهم، وهم زرق العيون (٤).
وفي الحديث التالي سيتضح لنا مدى
الذل والحقارة التي تلحق بالمتكبرين يوم
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٥٨٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقائق،
باب كيف الحشر، رقم ٦٥٢٣.
(٣) جامع البيان، الطبري، ١٨/ ٣٦٩.
(٤) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ٣٨/٤.
جوبيه
القرآن الكريم
الحسي، والتحقير المعنوي وتوحي بالذلة الحشر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في
والمهانة (١).
صور الرجال، یغشاهم الذل من کل مکانٍ،
يساقون إلى سجن جهنم، يقال له: بولس،
تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل
النار: طينة الخبال)(٥).
وقبل أن يدخلوا النار تراهم ينظرون لها
وهم خائفون.
وتربهم يعرضونَ
قال الله تعالى:
عَلَيَّهَا خَشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ
خَفِيٍ﴾ [الشورى:٤٥].
المراد بالخشوع في هذه الآية: ما يظهر
عليهم من أثر الذلة والخزي، وهو شامل
لسائر البدن بما فيه أصواتهم، وأبصارهم،
لذا قال تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيَ﴾
من ذله وصغاره، وذلك من هول ما يرونه
من العذاب فهم يسارقون النظر إلى النار
مسارقة شزرًا من هيبتها وخوفًا منها وذلةً في
(٦)
أنفسهم (٦).
٤. عندما يدخلون جهنم.
الذل الأعظم والهوان الأكبر عندما
يدخلون إلى النار -عافانا الله منها- فهم
(٥) أخرج الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة،
رقم ٤،٢٤٩٢ /٦٥٥.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٨٠٤٠.
(٦) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ١٧ / ٣٤٣، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي، ص٧٦١.
١٦٦
الذل
منبوذون في النار.
قال تعالى: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِ اَلْمُطَمَةِ﴾
[الهمزة: ٤].
النبذ: هو طرح ما هو خفيف هين،
ويستخدم للتحقير والمهانة والذل (١).
ومن الذل الذي يلحق بهم أيضًا أنهم
يصفدون في الأغلال والسلاسل.
قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِدٍ
◌ُقَرَّنِينَ فِ اَلْأَصْفَارِ﴾ [إبراهيم : ٤٩].
لقد بينت الآية الكريمة ما أعد الله عز
وجل لأهل النار جزاء كفرهم بالله وآياته،
فهم ﴿مُقَرَّنِينَ فِ اَلْأَصْفَارِ﴾ أي: مقرنة
أيديهم وأرجلهم إلى أعناقهم بالوثاق،
قد قرن بعضهم مع بعض، أو قرنوا مع
شياطينهم (٢).
وزيادة في التنكيل والعذاب، فهم
يسحبون في نار جهنم.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ
بِالْكِتَبِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ، رُسُلَنَا
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿ إِذِ الْأَغْلَلُ فِيَ أَعْنَقِهِمْ
وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ ) فِ الْحَمِيمِ ثُمَّ فِ النَّارِ
يُسْجُرُونَ {﴾ [غافر ٧٠-٧٢].
وفي وصف السلسلة، قال تعالى: ﴿خُذُوهُ
فَقُلُوهُ ٥ أَ لْبَحِيمَ صَلُّوُ ، ثُمَّ فِ سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا
[الحاقة ٣٠-٣٢].
٣٢
سَبْعُونَ فِرَاعًا فَاسْلُكُوءُ
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٤١٥/٣.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٥٢/١٧،
الكشاف، الزمخشري، ٢/ ٥٦٧.
فهي سلسلة من سلاسل الجحيم، كل
حلقة منها قدر حديد الدنيا، طولها سبعون
ذراعًا يسلوكونها(٣).
ومن شدة الذل التي يلحق بهم ترى
وجوههم مسودة تلفحها النار، قال تعالى:
﴿َتَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ﴾
[المؤمنون: ١٠٤].
((تحرقها، واللفح كالنفخ إلا أنه أشد
تأثيرًا منه، وتخصيص الوجوه بذلك؛ لأنها
أشرف الأعضاء، فبيان حالها أزجر عن
المعاصي المؤدية إلى النار، وهو السر في
تقديمها على الفاعل)» (٤).
ثم إن وجوههم تغشاها النار، وتسعر
أجسامهم المسربلة بالقطران.
قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِدٍ
تُقَرَّبِينَ فِ الْأَصْفَادِ @
سَرَابِلُهُم
مِّن قَطِرَانِ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ﴾
[إبراهيم: ٤٩ -٥٠].
نحن أمام مشهد من مشاهد العذاب
المذل المخزي لأهل النار، فهم مقرونون
في الأغلال والقيود، سرابيلهم وثيابهم
من قطران، وتعلو وجوههم وتضربها
النار، وخص ((القطران)) بالذكر؛ لأنه شديد
القابلية للاشتعال، مع نتن رائحته، ففيه الذل
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٤ /٤١٦.
(٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٦/ ١٥١.
www. modoee.com
١٦٧
حرف الذال
والتحقير، وفيه الإيحاء بشدة الاشتعال(١).
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي
النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَآ أَطَعْنَا اَللّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾.
[الأحزاب: ٦٦].
قال الزمخشري: ((وقوله: تقلب بمعنى
تتقلب، ومعنى تقليبها: تصريفها في
الجهات، كما ترى البيضة تدور في القدر إذا
غلت، فترامى بها الغليان من جهة إلى جهة،
أو تغييرها عن أحوالها وتحويلها عن هيئاتها،
أو طرحها في النار مقلوبة منكوسة))(٢).
أسباب الوقوع في الذل
إن الوقوع في الذل من أعظم المصائب
التي يقع بها كثير من الناس، وهذا الوقوع لا
یکون عبئًا أو صدفةً، إنما ينتج عن أسباب
كثيرة، نتعرف عليها من خلال النقاط الآتية:
أولًا: الشرك بالله تعالى والابتداع في
الدین:
يقول الحق تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن
يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ وَمَن
يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلاً بَعِيدًا﴾ [النساء:
١١٦ ].
يبين الحق عز وجل مصير المشرك به
بقوله ﴿وَمَن يُشْرِك ◌ِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَاْ بَعِيدًا﴾
أي: ومن يشرك بالله تعالی بأن يعبد سواه،
أو يجعل معه شريكًا في العبادة فقد سار في
طريق الشرور والآثام سیرًا بعیدا ینتهى به إلى
الهلاك، ويفضي به إلى الذل والهوان (٣).
ولقد حاربت الشريعة الإسلامية جميع
أنواع الشرك بالله تعالى، وحاربت البدع
والمحدثات التي تخرج الناس عن العقيدة
السليمة وأحكام الشرع، عن عائشة رضي
الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما
ليس منه فهو ردٌ) (٤).
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ١٦٨/٣.
(٢) الكشاف، ٣/ ٥٦٢.
(٣) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٣/ ٣١٢.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح،
١٦٨
جَوَسُو
القرآن الكريم
الذل
فالمبتدع يلقى عليه الذل في الدنيا،
والغضب من الله تعالى، والطرد من رحمة
الله عز وجل في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ
سَيَنَالَهُمْ غَضَبٌ مِن رَّبِّهِمْ وَزِلَّةٌ فِ الحَيَوَةِ الدُّنّ
وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ ﴾ [الأعراف: ١٥٢].
أي: إن الذين كفروا بالله عز وجل
واتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم،
وسيصيبهم هوان وذلة عقوبة من الله في
الدنيا قبل الآخرة (١).
وقد ذکر بعض المفسرين أن هذا خاصّ
بافتراء البدع، قال الحسن البصري: ((إن ذل
البدعة على أكتافهم، وإن هملجت(٢) بھم
البغلات(٣)، وطقطقت (٤) بهم البراذين(٥))،
وقال سفيان بن عيينة: ((كل صاحب بدعةٍ
ذليلٌ))(٦).
باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح
مردود، رقم ٢٦٩٧، ٣ /١٨٤.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٣٤/١٣.
(٢) الهملجة: حسن سير الدابة في سرعة وبخترة.
انظر: العين، الفراهيدي، ص١٠٣١.
(٣) جمع بغل، وهو الحيوان الشحاج صوت
البغل الذي يركب.
انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١٢٠/٢.
(٤) الطقطقة: صوت قوائم الخيل على الأرض
الصلبة.
انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١٢٩/٩.
(٥) البراذين: جمع البرذون: الدابة من الخيل.
انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٥٨/٢.
(٦) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣/
٤٧٨.
فالإيمان بالله تعالى القائم على التوحيد
يجعل المؤمن يستمد عزته ومنعته وقوته
من ربه عز وجل، ومن فقد الإيمان بالله عز
وجل والاعتزاز بعزته، واعتمد على عزةٍ من
الناس فهو ذليل؛ لأنه فقد الإذعان لأحكام
الله تعالى، فحقت عليه كلمة الذلة))(٧).
وقال تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَةُ
وَالْمَسْكَنَّةُ وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذَالِكَ
بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِكَايَتِ اَللَّهِ وَيَقْتُلُونَ
النَّبِيْنَ بِغَيْرِ الْحَيُّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ
يَمْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١].
وقال تعالى: ﴿ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ
مَا تُقِفُّواْ إِلَّا بِحِبَلٍ مِّنَ الَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآءُو
بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِكَايَتِ اللَّهِ
وَيَقْتُلُونَ آلْأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ
يَعْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: ١١٢].
أي: أحاطت بهم الذلة كما يحيط
السرادق بمن فيه، وكما تحيط القبة بما في
داخلها، أو ألصقت بهم، من ضرب الطين
على الحائط، فهي محيطة بهم ولازمة لهم
وملصقة بهم، فهم في نشاطهم وحركتهم في
ذلة، لا ينتقلون من ذل إلا إلى ذل(٨).
واستحقوا غضبًا من الله، بسبب كفرهم
(٧) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة، ٢٩٥٩/٦.
(٨) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٤٣٢/١، زهرة التفاسير، أبو زهرة،
١٣٦٣/٣.
www. modoee.com
١٦٩
حرف الذال
بآيات الله تعالى، وأدلته التي يقيمها عليهم، إنه لا يحب المستكبرين، وقد يراد به
في كتبه وخلقه على ألسنة رسله، ولا يكتفون المستكبرون عن التوحيد، ويجوز أن يعم
كل مستكبر ويدخل هؤلاء تحت عمومه (٣).
بجحود الحق وإنكاره، بل يعتدون على
الداعي إليه، فيقتلون رسل الله عز وجل (١).
وكما أن الشرك بالله يودي بصحبه في
الذل والمهانة، كذلك الابتداع في الدين،
يقول الامام الشاطبي: «کل من ابتدع في دین
الله، فهو ذلیل حقیر بسبب بدعته، وإن ظهر
لبادي الرأي عزه وجبروته، فهم في أنفسهم
أذلاء. وأيضًا فإن الذلة الحاضرة بين أيدينا
موجودة في غالب الأحوال، ألا ترى أحوال
المبتدعة في زمان التابعين، وفيما بعد ذلك؟
حتى تلبسوا بالسلاطين، ولاذوا بأهل الدنيا،
ومن لم يقدر على ذلك، استخفی ببدعته،
وهرب بها عن مخالطة الجمهور، وعمل
بأعمالها على التقية))(٢).
ثانيًا: التكبر عن طاعة الله تعالى:
ورد الکبر في القرآن في أكثر من موضع،
وصرحت آيات عديدة بالمنع من التكبر
مطلقًا، وبذمه وذم المتخلقين به، وبينت أنه
سبب في هلاك الأمم ودمار القرى.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِنَ﴾
[النحل: ٢٣].
فهذا وعيد من الله عز وجل لكل متكبر،
(١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة، ١٣٦٥/٣،
تفسير المراغي، ١٣٢/١.
(٢) الاعتصام، الشاطبي ١/ ٢٢١.
قال ابن القيم: ((من تعاظم وتكبر ودعا
الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم
والخضوع والرجاء وتعليق القلب به خوفًا
ورجاءً والتجاءً واستعانة، فقد تشبه بالله
ونازعه في ربوبيته وألوهیته، وهو حقیق بأن
پھینه غاية الهوان، ويذله غاية الهوان، ويذله
غاية الذل، ويجعله تحت أقدام خلقه)» (٤).
والكبر يعتبر من أول الذنوب التي
عصي الله تعالی بھا، قال تعالی مبينا سبب
امتناع إبليس عن السجود لآدم، ﴿وَإِذْ قُلْنَا
لِلْمَلَبِكَةِ أَسْجُدُ واْلَّدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَ
وَأَسْتَكْبَرٌ وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ﴾ [النحل: ٢٣].
قال الإمام الطبري: ((وهذا، وإن كان من
الله جل ثناؤه خبرًا عن إبليس، فإنه تقريع
لضربائه من خلق الله الذين يتكبرون عن
الخضوع لأمر الله، والانقياد لطاعته فيما
أمرهم به، وفيما نهاهم عنه، والتسليم له فيما
أوجب لبعضهم على بعض من الحق)) (٥).
فكان مصيره الطرد من الجنة، وأصبح
من أهل الصغار من الهوان على الله عز
وجل.
﴿قَالَ فَأَهْيِطَ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ
قال تعالى:
(٣) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٢/ ٦٠١.
(٤) الداء والدواء، ابن القيم، ص ١٣٧.
(٥) جامع البيان، الطبري، ٥١٠/١.
١٧٠
الْقُرآن الكَرِيْمِ
الذل
تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَأَخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ ﴾ [الأعراف:
١٣].
يبين الله عز وجل أن الإذلال والخزي
هو مصير كل من يتكبر على أوامر الله
تعالى، فعندما استكبر إبليس بإبائه السجود،
كان مصيره الطرد من الجنة التي هي مكان
المطيعين المتواضعين من الملائكة، لأنها
لا تقبل عاصیًا متكبرًا، فدلت هذه الآية على
أن التكبر على الله يوجب العقاب الشدید،
وهذه المعاملة بعكس ما یرید المتكبر، یرید
لنفسه الرفعة والشرف والعظمة والتجبر،
فعاقبه الله تعالی بالإذلال والهوان؛ لأنه لما
أظهر الاستكبار ألبسه الله عز وجل ثوب
الصغار(١).
ثالثًا: استمراء المعاصي والإصرار
علیھا:
إن استمراء المعاصي والتمادي في
الباطل يورث في القلوب الجحود بالحق،
لأن المعاصي تنكت في القلب نكتًا سوداء،
فإذا استمر الشخص عليها وضعت عليه
أغلفة من الظلمة تمنع أن يصل الحق إليه،
ولذلك قال تعالى: ﴿مِّمَّا خَطِيِّمْ أُغْرِقُواْ
فَأَدْخِلُواْ نَارًا فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُ مِّن دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا}
[الأعراف: ١٣](٢).
(١) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ٣٦٦/٧، زهرة
التفاسير، أبو زهرة، ٢٧٩٦/٥.
(٢) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة، ١٣٦٣/٣.
وقال ابن المبارك(٣):
رأيت الذنوب تميت القلوب
وقد یورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب
وخيرٌ لنفسك عصيانها
وما حل في بني إسرائيل من ضرب الذلة
والمسكنة، واستحقاق الغضب الإلهي؛
كان بسبب ما استمرأته نفوسهم من اقتراف
المعاصي والإصرار عليها.
تعالى: ﴿وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ
قال
وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُو بِغَضَرٍ مِنَ اللهُ ذَلِكَ
◌ِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِكَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ
النَّبِنَ بِغَيْرِ الْحَّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ
يَمْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١].
وقال تعالى: ﴿ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ
مَا تُقِفُواْ إِلَّا بِحِبْلٍ مِّنَ اَللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُو
بِغَضَبٍ مِّنَ اَللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللّهِ
وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ
يَعْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: ١١٢].
رابعًا: محادة الله ورسوله:
إن من أسباب الوقوع في الذل محادة الله
ورسوله، ومخالفة أوامره ونواهيه، فالكفار
المعاندون الذين يحاربون الحق ويعادون
الإسلام هم من أذل خلق الله تعالى، ولا
(٣) انظر: الداء والدواء، ابن القيم، ص ٥٩.
www. modoee.com
١٧١
حرف الذال
یوجد أحدٌ أذل منهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ:
أُوْلَيْكَ فِ اْأَذَلِّينَ ﴾ [المجادلة: ٢٠].
أي: أن الكفار المخالفون لأوامر الله
عز وجل ونواهيه، المعادون يشاقون الله
ورسوله ويجعلون أنفسهم في حد، وشرع
الله ورسوله في حد آخر، فأصل المحادة:
مخالفة حدود الله تعالى التي حدها
لخلقه(١).
﴿أُوَكَ فِي الْأَذَلِينَ ﴾ أي: من جملة من
أذله الله من الأمم السابقة، فهم أذل خلق
الله تعالى، وذلهم في الدنيا بالقتل أو الأسر
أو الطرد من الديار، وفي الآخرة بالخزي
والعذاب، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَّا إِنَّكَ مَن
تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْنَةٌ، وَمَا لِلنَّالِمِينَ مِنْ
أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢](٢).
فالذل والصغار واقع بھم، کما ذل الذين
فهؤلاء الذين يحادون الله ورسوله ما من قبلهم من كفار الأمم الماضية بسبب ما
كانوا ليتجرءوا على فعل ذلك إلا لكثرة وقع منهم من معاندة ومعاداة لشرع الله عز
أعوانهم وأتباعهم، فيظن من يراهم أنهم وجل.
الأعزاء، الذين لا يوجد على الأرض من هو خامسًا: ترك الجهاد:
أعز منهم.
لذا نعتهم الحق عز وجل بقوله: ﴿في
اُلْأَذَلِينَ﴾ أي: الذين يعرفون أنهم أذل
الخلق، بحيث يوصف كل منهم بأنه الأذل
مطلقًا من غير مفضل عليه، وذلك في الدنيا
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، ١٦٤/٨.
(٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٥٨/٢٨، فتح
القدير، الشوكاني، ٢٣٠/٥.
والآخرة، فالجزاء من جنس العمل (٣).
وهذا المعنى الذي تضمنته الآية الكريمة،
من کون الذین یحادون الله ورسوله هم أذل
خلق الله عز وجل في الأولين والآخرين،
بينه الله عز وجل في غير موضع في القرآن
الكريم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَدُّونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ كُبِتُواْ كَمَا كُنْتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَاً
ءَايَتٍ بَيِّنَتٍ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة:
٥].
يخبر سبحانه عن المعادين لله ورسوله،
الخارجين عن حدوده وفرائضه بأنهم
﴿ُبُواْ﴾ أي: أخزوا وذلوا وأهينوا ولعنوا،
وقيل: صرعوا وكبوا على وجوههم(٤)،
وللتأكيد على تحقق وقوع الذل والخزي لهم
عبر سبحانه عن المستقبل بلفظ الماضي (٥).
من أهم أسباب الوقوع في الذلة
والمهانة: ترك الجهاد في سبيل الله، عن ابن
عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول
(٣) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ٤٢٣/٨.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٣٢٢/٤، نظم الدرر، البقاعي، ٣٥٥/١٩.
(٥) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٢٢٢/٥.
١٧٢
جَوَنُوا
القرآن الكريمِ