النص المفهرس

صفحات 41-52

الرؤية
ربهم(١).
وفي الآيات تقرير لسيرهم في البلاد،
ونظرهم إلى آثار المدمرين من عاد وثمود
وغيرهم من الأمم العاتية ثم وصف حالهم
فقال:
﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَنَارُواْ
اْأَرْضَ﴾ وحرثوها ﴿وَعَمَرُوهَا﴾ أي:
المدمرون ﴿أَكْثَرَ مِنَّا عَمَرُومَا﴾ أي: من
عمارة أهل مكة وغيرهم (٢).
ومع السير في الأرض للاعتبار بهلاك
الأمم السابقة بين تعالى أن الآخرة خير
للمتقين.
قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا
رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَيْهِم مِنْ أَهْلِ الْقُرَّ أَفَلَمْ يَسِيرُوا
فِ اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ
مِن قَبِّهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ أَفَلَا
تَعْقِلُونَ ﴾ [يوسف: ١٠٩].
والمعنى: أفلم يسيروا في الأرض
فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم
من المكذبين بالرسل والآيات فيحذروا
تكذيبك، أو من المشغوفين بالدنيا
المتهالكين عليها، فيقلعوا عن حبها، ولدار
الآخرة أي: الحياة الآخرة، ﴿غَيْرٌ لِلَّذِينَ
أَتَّقَوْاْ﴾ الشرك والمعاصي، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
أي: يستعملون عقولهم ليعرفوا أنها خير(٣).
وقد بین الله تعالى أن للكافرين مثل ذلك
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٧٨/٢٠.
(٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٢/ ٦٩٢.
(٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١٧٩/٣.
فَلَوْ
الهلاك الذي حل بالأمم السابقة:
يَسِيُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَغُواْ كَيْفَ كَانَ عَلِقِبَةُ الَّذِينَ
مِن قَبْلِهِمَّ دَقَّرَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَفِنَ أَمْثَلُهَا
[محمد: ١٠].
يقول: وللكافرين من قريش المكذبي
رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب
العاجل، أمثال عاقبة تكذيب الأمم الذين
كانوا من قبلهم رسلهم على تكذيبهم رسوله
محمدًا صلی الله عليه وسلم(٤).
والمعنى: فينظروا كيف كان عاقبة
الكافرين الذين من قبلهم ﴿دَمَّرَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾
أي: أهلكهم الله ﴿وَلِلْكَفِينَ أَمْثَلُهَا﴾ أي:
أمثال تلك العاقبة، فأهلك الله عز وجل
بالسیف من أهلك ممن صد عن النبي صلى
الله عليه وسلم(٥).
ومن الاعتبار في هلاك الأمم السابقة
أنهم لا يرجعون إلى الدنيا.
قال تعالى: ﴿أَلَوْبَرَوْاْ كُمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمِ
مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٦) وَإِن كُلّ
تَّمَّا جَميعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ(٦)﴾ [يس: ٣١-٣٢].
قال السعدي: ((يقول تعالى: ألم ير هؤلاء
ويعتبروا بمن قبلهم من القرون المكذبة،
التي أهلكها الله تعالى وأوقع بها عقابها،
وأن جميعهم قد باد وهلك، فلم يرجع
إلی الدنیا، ولن یرجع إليها، وسیعید الله
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/ ١٦٢.
(٥) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٨/٥.
www. modoee.com
٣٧٧

حرف الراء
الجمیع خلقًا جديدًا، ویبعثهم بعد موتهم،
ويحضرون بين يديه تعالى، ليحكم بينهم
بحكمه العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة»(١).
وبعد أن ذكر أنه أهلكهم وبين طريق
ذلك، أعقب هذا بأن لهم حسابًا وعقابًا
فقال: ﴿وَإِنْ كُلّ ◌َلَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ أي:
وإن جميع الأمم ماضيها وحاضرها وآتيها
ستحضر يوم القيامة بین یدی الله، فيجازيهم
بأعمالهم خيرها وشرها، ولو أن من أهلك
ترك لكان الموت راحة له، والخلاصة: إن
الناس يجمعون للحساب والجزاء، ويوفى
کل عامل جزاء عمله من خير أو شر (٢).
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٦٩٥.
(٢) انظر: تفسير المراغي ٢٣/ ٥.
رؤية ثواب الأعمال
في الآخرة يعرف العباد مصيرهم،
ويرون ثواب أعمالهم، إن خیرًا فخير، وإن
شرًا فشر.
وسيكون حديثنا في هذا المبحث في
النقاط الآتية:
أولًا: رؤية ثواب الأعمال الصالحة:
بين الله تعالى رؤية ثواب الأعمال
الصالحة في قوله: ﴿يَوْمَيِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ
أَشْئَانًالِيُرَوْاْ أَعْمَلَهُمْ ﴾ [الزلزلة: ٦].
يقول: يومئذ يصدر الناس أشتاتا متفرقين،
عن اليمين وعن الشمال، ليروا أعمالهم،
فیری المحسن في الدنيا المطيع لله عمله،
وما أعد الله له يومئذ من الكرامة على طاعته
إياه كانت في الدنيا، ويرى المسيء العاصي
لله عمله وجزاء عمله، وما أعد الله له من
الهوان والخزي في جهنم على معصيته إیاه
كانت في الدنيا، و کفره به(٣).
وقوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
[الزلزلة: ٧].
٧
خَيْرًا يَرَهُ.
يقول: فمن عمل في الدنيا وزن ذرة من
خير، يرى ثوابه هنالك (٤).
قال ابن عباس رضي الله عنه: ((من يعمل
من الكفار مثقال ذرة خيرا يره في الدنيا، ولا
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٥٤٩.
(٤) المصدر السابق ٢٤/ ٥٤٩.
٣٧٨
جَوَسُوع
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الرؤية
يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرة الله من الأعمال الصالحة صغيرها وكبيرها،
من شر عوقب عليه في الآخرة مع عقاب كما أن السوء اسم جامع لكل ما يسخط الله
الشرك، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من
المؤمنین يره في الدنيا، ولا يعاقب عليه في
الآخرة إذا مات، ويتجاوز عنه، وإن عمل
مثقال ذرة من خير يقبل منه، ويضاعف له
في الآخرة))(١).
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿یَوْمَ تَجِدُكُلُّ
نَفْسِ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُحَضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْمٍ
تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَأُ بَعِيدًاً وَيُحَذِّرُكُمُ
[آل
اللَّهُ نَفْسَهُ، وَاَللّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٥)﴾
عمران: ٣٠].
والمعنى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾
في الدنيا من خير ﴿قُحْضَرًا﴾ يعني: تجد
ثوابه حاضرًا، ولا ينقص من ثواب عمله
شيء، ﴿وَمَاعَیِلَتْمِن سُوءٌ﴾ يعني: من شر
في الدنيا ﴿تَوَدُّ لَوْأَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ( أَمَدَّأُ بَعِيدًا ﴾
يعني: تتمنى النفس أن تكون بينها، وبين
ذلك العمل أجلًا بعيدًا، كما بين المشرق
والمغرب، ولم تعمل ذلك العمل قط، ثم
قال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ,﴾ أي: عقوبته
في عمل السوء، ﴿وَاللّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ قال
ابن عباس: يعني: بالمؤمنين خاصة، وهو
رحیم بهم))(٢).
والخير: اسم جامع لكل ما يقرب إلى
(١) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٢٠ / ٤٥٠.
(٢) انظر: تفسير السمر قندي ٢٠٦/١.
من الأعمال السيئة صغيرها وكبيرها﴿وَمًا
عَمِلَتْ مِن سُوْمٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَّأَ
بَعِيدًا﴾ أي: مسافة بعيدة، لعظم أسفها
وشدة حزنها، فليحذر العبد من أعمال السوء
التي لا بد أن يحزن عليها أشد الحزن(٣).
وأسند الإحضار إلى النفوس لأنها
الفاعلة للأعمال التي يظهر جزاؤها يومئذ،
فهذا الإسناد من إسناد فعل الشيء إلى
سبب فعله، فحصل هنا مجازان: مجاز
لغوي ومجاز عقلي، وحقيقتهما في قوله
تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَهُ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا
وَبَيْنَهُ: أَمَدَّأُ بَعِيدًا﴾ وجعلت معرفة النفوس
لجزاء أعمالها حاصلة عند حصول مجموع
الشروط التي ذكرت في الجمل الثنتي عشرة،
لأن بعض الأحوال التي تضمنتها الشروط
مقارن لحصول علم النفوس بأعمالها، وهي
الأحوال الستة المذكورة أخيرًا، وبعض
الأحوال حاصل من قبل بقليل، وهي
الأحوال الستة المذكورة أولًا (٤).
ثانيًا: رؤية جزاء الأعمال السيئة:
إن ثواب الأعمال السيئة هي الجحيم،
وقد أخبر سبحانه أنها تبرز لمن یری.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص١٢٨.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥١/٣٠.
www. modoee.com
٣٧٩

حرف الراء
قال تعالى: ﴿وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْيَرَى﴾﴾
[النازعات: ٣٦].
قال مقاتل: يكشف عنها الغطاء، فينظر
إليها الخلق(١)، والحكمة في إظهار الجحيم
هو مشاهدة الکفار مکان عقوبتهم، ولیعلم
المؤمنون من أي عذاب نجوا (٢).
ومثلها قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْتَعْلَمُونَ عِلْمَ
ثُرَّ
لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ
اَلْيَقِينِ
﴾ [التكاثر: ٥-٧].
٧
لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اَلْيَقِينِ {
هذا تفسير الوعيد المتقدم في قوله:
ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ
﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
﴾ [التكاثر: ٣-٤].
في
تَعْلَمُونَ
توعدهم بهذا الحال، وهي رؤية أهل
النار إذا زفرت زفرة واحدة خر كل ملك
مقرب ونبي مرسل على ركبتيه من المهابة
والعظمة ومعاينة الأهوال(٣).
أي: إن دار العذاب التي أعدت لمن يلهو
عن الحق لا ريب فيها ولترونها بأعينكم،
فاجعلوا صورة عذابها حاضرة فى أذهانكم،
لتنبهکم إلى ما هو خیر لکم مما تلهون به.
والمراد برؤية الجحيم: ذوق عذابها،
وهذا استعمال شائع في الكتاب الكريم،
ثم كرر ذلك للتأكيد فقال: ﴿ ثُمَّ نَتَرَؤُنَّهَا
[التكاثر:٧] أي: لترونها
عَيْنَ الْيَقِينِ
رؤية هي الیقین نفسه، إلى أي دین أو إلى أي
(١) انظر: الوسيط، الواحدي ٤/ ٤٢١.
(٢) انظر: تفسير القرآن، السمعاني٦/ ١٥٢.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٥٢/٨.
شخص كانت نسبتكم، فلتتقوا الله ربكم،
ولتنتهوا عما يقذف بكم فيها، ولتنظروا
إلى ما أنتم فيه من نعمة، ولترعوا حق الله
فيها، فاستعملوها فيما أمر أن تستعمل فيه،
ولا تجترحوا السيئات وتقترفوا المنكرات،
إنكم لتمنون أنفسكم بأنكم ممن يعفو الله
عنهم، ويزحزحهم من النار بمجرد نسبتكم
إلى الدين الإسلامي وتلقيبكم بألقابه، مع
مخالفتكم أحكام القرآن، وعملكم عمل
(٤)
أعداء الإسلام(٤).
قال الرازي: ((في تكرار الرؤية وجوه:
أحدها: أنه لتأكيد الوعيد أيضًا، لعل القوم
كانوا يكرهون سماع الوعيد، فكرر لذلك،
ونون التأكيد تقتضي كون تلك الرؤية
اضطرارية، يعني: لو خليتم ورأيكم ما
رأیتموها، لکنکم تحملون على رؤیتها شئتم
أم أبيتم، وثانيها: أن أولهما الرؤية من البعيد:
﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَا تَغَيُّظًا وَزَفِرًا
[الفرقان: ١٢].
وقوله: ﴿وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى
[النازعات: ٣٦].
والرؤية الثانية إذا صاروا إلى شفير النار،
وثالثها: أن الرؤية الأولى عند الورود، والثانية
عند الدخول فيها، قيل: هذا التفسير ليس
بحسن؛ لأنه قال: ﴿ثُمَّ لَتُْشَلُنَّ﴾ والسؤال
يكون قبل الدخول، ورابعها: الرؤية الأولى
(٤) تفسير المراغي ٢٣٢/٣٠.
٣٨٠
القرآن الكريمِ

الرؤية
للوعد، والثانية المشاهدة، وخامسها: أن قدم من خير وشر مثبتًا عليه في صحيفته،
فیرجو ثواب الله علی صالح عمله، ویخاف
العقاب على سوء عمله، وأما الكافر فإنه
يقول: ﴿وَيَقُولُ اَلْكَافِرُ بَيْتَنِى كُتُ تُرَبً﴾.
يكون المراد ﴿لَتَّوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ غير
مرة، فيكون ذكر الرؤية مرتين عبارة عن
تتابع الرؤية واتصالها؛ لأنهم مخلدون في
الجحيم، فكأنه قيل لهم: على جهة الوعيد،
لئن کنتم الیوم شاکین فیها غیر مصدقین بها
فسترونها رؤية دائمة متصلة، فتزول عنكم
الشكوك، فإن قيل: ما فائدة تخصيص الرؤية
الثانية باليقين؟ قلنا: لأنهم في المرة الأولى
رأوا لهبًا لا غير، وفي المرة الثانية رأوا نفس
الحفرة وكيفية السقوط فيها وما فيها من
الحيوانات المؤذية، ولا شك أن هذه الرؤية
أجلى، والحكمة في النقل من العلم الأخفى
إلى الأجلى التفريع على ترك النظر؛ لأنهم
كانوا يقتصرون على الظن، ولا يطلبون
الزيادة)»(١).
ورؤية ثواب الأعمال في الآخرة قد سبقه
الإنذار بذلك.
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ
يَنْظُرُ أَلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ اَلْكَافِرُ يَلَيْتَنِ كُتُ
تُرَبًا ﴿
[النبأ: ٤٠].
﴿إِنَّ أَنْذَرْنَكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾
فقوله:
يعني: العذاب في الآخرة، وكل ما هو آت
قريب.
﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ يعني:
أن کل أحد یری عمله في ذلك اليوم، ما
(١) مفاتيح الغيب ٢٧٣/٣٢.
قال الحسن: إذا جمع الله الخلائق يوم
القيامة، فقضى بين الثقلين الجن والإنس،
وأنزلهم منازلهم، قال لسائر الخلق: كونوا
ترابًا، فکانوا ترابًا، فحينئذ يقول الكافر: یا
ليتني كنت ترابًا(٢).
ورؤية ثواب الأعمال الصالحة، وثواب
الأعمال السيئة يكون بعد رؤية ما كسبه
الإنسان في الدنيا.
قال تعالى: ﴿ وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلََّ مَا سَعَى
وَأَنَّ سَعْيَهُ: سَوْفَ يُرَى ) ثُمَّ يُجْزَنُهُ
الْجَزَّآءَ الْأَوْنَى ﴾ [النجم: ٣٩- ٤١].
كما قال تعالى في بدو سيئات ما كسب
الكافرون: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ
وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ الـ
[الزمر : ٤٨].
أي: أنه ظهر للكافرين ما كانوا يعملون
من سيئات، وانكشف لهم وجهها القبيح
الذي ينادى عليهم بالويل والثبور ﴿وَحَاقَ
بهم﴾ أي: حل وأحاط بهم، هذا اليوم
الذي کانوا یستهزئون به، وینکرون أن یکون
واقعًا أبدًا(٣).
(٢) الوسيط، الواحدي ٤ / ٤١٧.
(٣) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطیب ٢٥٥/١٣.
www. modoee.com
٣٨١

حرف الراء
ورؤية ثواب الأعمال يقوم على ميزان
العدل الإلهي، وقد أوضح هذا المعنى في
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ
النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [يونس: ٤٤].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًّا
عَظِيمًا ﴾ [النساء: ٤٠].
وقوله تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوْزِنَ الْقِسْطَ لِيَّوْمِ
الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ
مِثْقَالَ حَنَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنْيْنَا بِهَا وَكَغَى بِنَا
حَسِينَ ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
والآيات بمثل ذلك كثيرة (١).
.
رؤية النعيم والعذاب
يترتب على السعي في الحياة الدنيا
رؤية العمل وثوابه، كما يترتب على ذلك
رؤية النعيم، ورؤية العذاب، وبيان ذلك في
النقاط الآتية:
أولًا: رؤية النعيم:
ذكر الله تعالى رؤية النعيم في قوله
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَُّونَ إِذَا رَأَتَهُمْ
تعالی:
حَسِبْنَهُمْ لُوْلٌ مَّتُوَ ، وَإِذَارَبْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمَلَكًا
كَبِيرَالْ عَلِيهُمْيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَ إِسْتَبْرَقُّ وَحُلُواْ
أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا)﴾
[الإنسان: ١٩-٢١].
والنعيم: سائر ما يتنعم به (٢)، والملك
الکبیر ھو کما قال ابن کثیر: ((وإذا رأیت یا
محمد الجنة ونعيمها وسعتها وارتفاعها وما
فيها من الحبرة والسرور رأيت نعيمًا وملكًا
کبیرًا، أي: مملكة لله هناك عظيمة وسلطانًا
باهرًا، وثبت في الصحيح أن الله تعالى
یقول لآخر أهل النار خروجًا منها، وآخر
أهل الجنة دخولًا إليها: (إن لك مثل الدنیا
وعشرة أمثالها)(٣).
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٤٤/١٩.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب صفة الجنة والنار، رقم ١١٧/٨،٦٥٧١،
ومسلم في صحيحه، کتاب الإيمان، باب آخر
أهل النار خروجًا، رقم ١٨٦، ١/ ١٧٣، عن
عبد الله بن مسعود.
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٢٨٩/٣.
٣٨٢
القرآن الكريم

الرؤية
فإذا كان هذا عطاءه تعالى لأدنى من ثانيًا: رؤية العذاب:
يكون فى الجنة، فما ظنك بما هو أعلى منزلة
وأحظى عنده تعالى؟))(١).
وقال المراغي: ((﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ
نَّمَا وَمُلَكًاكبيرًا﴾ أي: وإذا نظرت فى الجنة
رأيت نعيمًا عظيمًا وملكًا كبيرًا لا يحيط به
الوصف.
وقد اختلفوا في المراد من هذا الملك
الكبير، فقيل: إن أدناهم منزلة من ينظر
ملکه في مسیرة ألف عام یری أقصاه، كما
يرى أدناه، وقيل: هو استئذان الملائكة
عليهم، فلا يدخلون إلا بإذنهم، وقيل: هو
الملك الدائم الذي لا زوال له، ولم يجئ
في الأخبار الصحيحة ما يفسر هذا الملك
الكبير، فأولى بنا أن نؤمن به ونترك تفصيله
إلى علام الغيوب»(٢).
ومن رؤية النعيم رؤية الولدان المخلدون
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُحْلَّدُونَ
في قوله تعالى:
إِذَارَأَيْنَهُمْ حَسِبْنَهُمْ لُوْلٌ مَّنْتُورًا ﴾ [الإنسان: ١٩].
والمعنى: ((إذا رأيت يا محمد هؤلاء
الولدان مجتمعين أو مفترقين، تحسبهم في
حسنهم، ونقاء بياض وجوههم وكثرتهم،
لؤلؤًا مبددًا، أو مجتمعًا مصبوبًا))(٣).
(١) تفسير القرآن العظيم ٢٩٩/٨.
(٢) تفسير المراغي ٢٩/ ١٧٠.
(٣) جامع البيان، الطبري ٢٤/ ١١١.
أخبر تعالى أن الظالمين يرون العذاب
يوم القيامة في آيات من كتابه الكريم، منها
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوْ إِذْ يَرَوْنَ
الْعَذَّابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ
٢٦٥
اٌلْعَذَابِ
أَتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ
m
[البقرة: ١٦٥-١٦٦].
تقدير الكلام في الآية: لو عاينوا العذاب
لعلموا حينئذ أن القوة لله جميعًا، أي: إن
الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع
الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه (٤).
والمعنى: ولو يشاهد الذين ظلموا
أنفسهم بتدنيسها بالشرك، وظلم الناس
وغشهم، بحملهم على أن يحذو حذوهم،
ويتخذوا الأنداد مثلهم، حين يرون العذاب
في الآخرة، فتقطع بهم الأسباب، ولا تغني
عنهم الأنداد والأرباب، أن القوة لله وحده،
بها يتصرف في كل موجود، لعلموا أن هذه
القوة التي تدبر عالم الآخرة هي عين القوة
التي تدبر عالم الدنيا، وأنهم كانوا ضالين
حين لجئوا إلى سواها، وأشركوا معها
غيرها، وكان ذلك منشأ عقابهم وعذابهم(٥).
كما أخبر تعالى أن الظالمين يسرون
الندامة حين يرون العذاب، قال تعالى:
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٤٦/١.
(٥) تفسير المراغي ٢/ ٤٠.
www. modoee.com
٣٨٣

حرف الراء
﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسِ ظَلَمَتْ مَا فِى الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ
بِهِ، وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْاْ الْعَذَابِّ وَقُضِىَ
بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾
[يونس: ٥٤].
قال أبو جعفر الطبري: ((ولو أن لكل
نفس كفرت بالله، وظلمها في هذا الموضع
عبادتها غير من يستحق عبادته، وتركها
طاعة من يجب عليها طاعته ﴿مَا فِ الْأَرْضِ﴾
من قليل أو كثير ﴿لَافْتَدَتْ پهِ،﴾ یقول:
لافتدت بذلك کله من عذاب الله إذا عاینته،
وقوله: ﴿وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْ اُلْعَذَابَ﴾
يقول: وأخفت رؤساء هؤلاء المشركين من
وضعائهم وسفلتهم الندامة حين أبصروا
عذاب الله قد أحاط بهم، وأيقنوا أنه واقع
بهم ﴿وَقُضِى بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ يقول:
وقضى الله يومئذ بين الأتباع والرؤساء
منهم بالعدل ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ وذلك أنه
لا یعاقب أحدا منهم إلا بجریرته، ولا یأخذه
بذنب أحد، ولا يعذب إلا من قد أعذر إليه
في الدنیا وأنذر وتابع علیه الحجج)»(١).
ومن المفسرين من قال بأن الإسرار
في الآية المراد به الإظهار، أي: إظهار
الندامة؛ لأن الإسرار من الأضداد الذي
يتناول الإخفاء والإظهار؛ لأنهم إنما أخفوا
الندامة على الكفر والفسق في الدنيا لأجل
حفظ الرياسة، وفي القيامة بطل هذا الغرض
(١) جامع البيان ١٥/ ١٠٣.
جَوُورُ
القرآن الكريمِ
فوجب الإظهار (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ
ءَالِهَتِنَا لَوْلاً أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَاْ وَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا
[الفرقان: ٤٢].
يقول تعالى ذكره مخبرًا عن هؤلاء
المشركين الذين كانوا يهزءون برسول الله
صلى الله عليه وسلم: إنهم يقولون إذا رأوه:
قد كاد هذا يضلنا عن آلهتنا التي نعبدها،
فيصدنا عن عبادتها لولا صبرنا عليها،
وثبوتنا على عبادتها.
﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ اَلْعَذَابَ﴾
يقول جل ثناؤه: سيبين لهم حين يعاينون
عذاب الله قد حل بهم على عبادتهم الآلهة
﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ يقول: من الراكب غير
طريق الهدى، والسالك سبيل الردى أنت أو
هم؟(٣).
كما أن الله تعالى يأمر المشركين أن
يدعوا شركاءهم حين يروا العذاب، قال
تعالى: ﴿وَقِيلَ أَدْعُواْ شُرَكََّتَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَوْ
يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوْ الْعَذَابٌّ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْنَدُونَ
[القصص: ٦٤].
(٦٤
والمعنى: وقيل للمشركين بالله في
الدنيا: ﴿ادعُوا شُرگآآآ«﴾ الذین کنتم تدعون
من دون الله من الآلهة والأنداد ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَوْ
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦٥/١٧.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٢٧٤.
٣٨٤

الرؤية
يَسْتَجِيبُواْلَهُمْ﴾ يقول: فلم يجيبوهم ﴿وَرَأَوْأ
الْعَذَابَ﴾ يقول: وعاينوا العذاب ﴿لَوْ أَنَّهُمْ
كَانُواْ يَهْنَدُونَ ﴾ يقول: فودوا حين رأوا العذاب
لو أنهم كانوا في الدنيا مهتدين للحق (١).
وحين يرى الظالمون العذاب يوم القيامة
يطلبون الرجوع إلى الدنیا.
قال تعالى: ﴿وَمَن يُضَّلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن
وَلِيْ مِنْ بَعْدِهُ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْ اُلْعَذَابَ
يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرٍَّ مِّن سَبِيلٍ
[الشورى: ٤٤](٢).
أي: وتری الکافرین بالله حین یعاینون
العذاب يوم القيامة يتمنون الرجعة إلى الدنيا
ويقولون: هل من رجعة لنا إليها؟
ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُقِفُواْ
عَلَى النَّارِ فَقَالُواْيَلَيْلَنَا نُرَةُ وَلَا تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَيْنَا وَتَكُونَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٧ ◌َلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلٌ
وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
٢٨
[الأنعام: ٢٧-٢٨] (٣).
والمراد: أنهم يطلبون الرجوع إلى
الدنيا لعظم ما يشاهدون من العذاب، ثم
ذكر حالهم عند عرض النار عليهم فقال:
﴿وَقَرَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيَّهَا خَشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ
يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍ﴾ [الشورى: ٤٥].
أي: حال كونهم خاشعين حقيرين
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٦٠٨/٢٧.
(١) انظر: المصدر السابق ١٩ / ٦٠٦.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٦/٧. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥ / ١٨٢.
(٣) انظر: تفسير المراغي ٥٨/٢٥.
مهانين بسبب ما لحقهم من الذل (٤).
وقد أخبر تعالى بأن الكافرين لا يؤمنون
حتى يروا العذاب الأليم في الآخرة.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَاْ إِنَّكَ
ءَتَّيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَهُ زِينَةٌ وَأَمْوَلًا فِى الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا أَلْمِسْ عَلَى
أَمْوَّلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوْاْ
الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ [يونس: ٨٨].
ومعناه: فلا يصدقوا بتوحيد الله ويقروا
بوحدانیته، حتی یروا العذاب الموجع(٥)،
قیل: هذا بمعنی الدعاء(کأنه) قال: فلا آمنوا
حتى يروا العذاب الأليم، وقيل: معناه معنى
الخبر(٦).
(٦) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٤٠١/٢.
www. modoee.com
٣٨٥

حرف الراء
أثر الرؤية على النفس
في القرآن الكريم آثار للرؤية كثيرة على
النفس، أهمها ما يأتي:
أولًا: الإيمان والتقوى:
وهذا الأثر ناتج عن النظر فيما يقدم
الإنسان لليوم الآخر.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ
اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ
اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الحشر: ١٨].
أي: لينظر أحدكم إلى شيء قدم لنفسه
من الأعمال عملًا صالحًا ينجيه أم سيئًا
یوبقه، والمراد بالغد يوم القيامة، وقربه على
الناس کأن يوم القيامة يأتي غدًا، وكل ما هو
آتٍ فهو قريب ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ خَبِيْرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ﴾ وکرر الأمر بالتقوی تأكيدًا، وقيل:
معنى الأول: اتقوا الله في أداء الواجبات،
ومعنى الثاني: واتقوا الله فلا تأتوا المنهيات
﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْاللّهُ﴾ أي: تركوا أمر
الله فأنساهم أنفسهم، أي: أنساهم حظوظ
أنفسهم حتى لم يقدموا لها خيرًا ينفعها
وعنده ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾(١).
ثانيًا: العمل لليوم الآخر:
وهذا الأثر يأتي من خلال معرفة أن يوم
القيامة هو اليوم الحق الذي ينظر المرء ما
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢٧٦/٤.
قدم له، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَلْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ
شَآءَ اتَّخَذَ إلَى رَيِّدِهِ مَثَابًا ﴾ إِنَّا أَنْذَرْنَكُمْ عَذَابًا
قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ اَلْكَافِرُ
يََّنِى كُتُ تُّرَبًا﴾ [النبأ: ٣٩-٤٠].
﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ﴾ يعني: يوم القيامة، وهو
يوم يقوم الروح والملائكة صفًا ﴿اَلْحَقُّ﴾
يقول: إنه حق كائن لا شك فيه، وقوله:
﴿فَمَنْ شَآءَ أَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَثَابًا﴾ يقول: فمن
شاء من عباده اتخذ بالتصديق بهذا اليوم
الحق، والاستعداد له، والعمل بما فيه النجاة
له من أهواله ﴿مَثَابًا﴾، يعني: مرجعًا، وهو
مفعل من قولهم: آب فلان من سفره.
﴿إِنَّا أَنْذَرْنَكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ ((يقول:
إنا حذرناكم أيها الناس عذابًا قد دنا منكم
وقرب، وذلك ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ﴾ المؤمن
﴿مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ من خير اكتسبه في الدنيا،
أو شر سلفه، فيرجو ثواب الله على صالح
أعماله، ويخاف عقابه على سيئها))(٢).
ثالثًا: العظة والعبرة:
وهذا الأثر يحصل لصاحب النفس
الذي يسير في الأرض فينظر كيف عاقبة
المكذبين.
قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا
رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَتِهِم مِنْ أَهْلِ الْقُرَىُّ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ
فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَنِقِبَةُ الَّذِينَ
(٢) جامع البيان، الطبري ١٧٩/٢٤.
٣٨٦
مَوَسُولَة النَّقِين
القرآن الكريمِ

الرؤية
مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْأَخِرَةِ خَيْ
تَعْقِلُونَ ﴾ [يوسف: ١٠٩].
أَتَّقَواْ أَفَلَا
لَلَّذِين
فإن معرفة هلاك الأمم السابقة تدفع
المؤمن للعمل بما يخالف أعمال أمم الذین
من قبلهم من المكذبين بالرسل والآيات،
أو من من المشغوفين بالدنيا المتهالكين
عليها، فيقلعوا عن حبها، ويعملوا للحياة
الآخرة، ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْأَ
أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ١٠٩].
أي: يستعملون عقولهم ليعرفوا أنها
خير(١).
وقال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌّ
فَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
اُلْتُكَذِّبِينَ ﴾ [آل عمران: ١٣٧].
أي: مضت من قبلكم سنن، أي: وقائع
من أنواع المؤاخذات والبلايا للأمم
المكذبين، فسيروا في الأرض التي فيها
ديارهم الخربة وآثار إهلاكهم، فانظروا كيف
كان عاقبة المكذبين، أي: وقيسوا بهم عاقبة
اللاحقين بهم في الهلاك والاستئصال،
والأمر بالسير والنظر؛ لما أن لمشاهدة آثار
المتقدمين أثرًا في الاعتبار والروعة، أقوى
من أثر السماع (٢).
والسير في الأرض والبحث عن أحوال
الماضين وتعرف ما حل بهم هو الذي
(١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١٧٩/٣.
(٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٤١٦/٢.
يوصل إلى معرفة تلك السنن والاعتبار بها
كما ينبغي، كما أن النظر في التاريخ الذي
يشرح ما عرفه الذين ساروا في الأرض
ورأوا آثار الذين خلوا يعطي الإنسان من
المعرفة ما يهديه إلى تلك السنن ويفيده عظة
واعتبارًا، فتحصل العظة والعبرة، ولكنها
تکون دون اعتبار الذین یسیرون في الأرض
بأنفسهم، ویرون الآثار بأعينهم(٣).
رابعًا: الإحسان والإخلاص في القول
والعمل:
من آثار موضوع الرؤية في القرآن
الإحسان والإخلاص في القول والعمل؛
لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم كان يومًا بارزًا
للناس، إذ أتاه رجل يمشي، فقال: (يا
رسول الله ما الإيمان؟ قال: (الإيمان أن
تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائه،
وتؤمن بالبعث الآخر)، قال: يا رسول الله
ما الإسلام؟ قال: (الإسلام أن تعبد الله ولا
تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة
المفروضة، وتصوم رمضان)، قال: يا رسول
الله ما الإحسان؟ قال: (الإحسان أن تعبد الله
كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك)(٤).
(٣) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
٤/ ١١٧، تفسير المراغي ٤ / ٧٧.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان
باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم
عن الإيمان، رقم ٥٠، ١٩/١، ومسلم في
www. modoee.com
٣٨٧

حرف الراء
«الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم
تكن تراه فإنه يراك)»، هذا من جوامع الكلم
التي أوتيها صلى الله عليه وسلم؛ لأنا لو
قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو یعاین ربه
سبحانه وتعالى لم يترك شيئًا مما يقدر عليه
من الخضوع والخشوع وحسن السمت
واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء
بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به،
فقال صلی الله عليه وسلم: اعبد الله في
جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان،
فإن التتميم المذکور في حال العیان إنما كان
لعلم العبد باطلاع الله سبحانه وتعالى عليه،
فلا يقدم العبد على تقصير في هذا الحال
للاطلاع عليه، وهذا المعنى موجود مع
عدم رؤية العبد، فينبغي أن يعمل بمقتضاه،
فمقصود الكلام الحث على الإخلاص في
العبادة ومراقبة العبد ربه تبارك وتعالى في
إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك»(١).
خامسًا: التفقه في الدين:
وهذا الأثر يحصل من خلال أن النظر
والرؤية، هي وسيلة الحصول على العلم،
فقد أخبر تعالى بأنه هو الذي يري عباده
صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان،
والإسلام، والقدر وعلامة الساعة، رقم ٨،
٣٦/١.
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ١٥٧.
الوضوء
القرآن الكريم
قال الإمام النووي في شرح الحديث: الأدلة العلمية، قال تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِى
يُرِيكُمْ ءَايَتِهِ، وَيُنَزِّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ رِزْقَاً وَمَا
يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِبُ ﴾ [غافر: ١٣].
والمعنى: هو الذي يريكم أيها الناس
حججه وأدلته على وحدانيته وربوبيته (٢).
وآيات الله: تعم آیات قدرته وآيات قرآنه
والمعجزات الظاهرة على أيدي رسله(٣).
ومثل الآية قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ
عَجَلِّ سَأُؤْرِيكُمْ ءَايَنِ فَلَا تَسْتَعْجِلُون
[الأنبياء: ٣٧].
فرؤية الآيات هي العلم الذي جعله
الله (٤).
وعلى الرؤية والنظر بنى الفقهاء والعلماء
الكثير من الأحكام والاجتهادات الفقهية،
وعلى الرؤية والاختلاف فيها ظهرت
المدارس والمذاهب الفقهية.
موضوعات ذات صلة:
الآيات الكونية، البصر، التفكر، الرؤيا،
السير، العبرة، العقل، العين
(٢) جامع البيان، الطبري ٣٦٢/٢١.
وانظر: تفسير القرآن، السمعاني ٥ / ١٠.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ٥٥٠.
(٤) جامع البيان، الطبري ١٨/ ٤٤٤.
٣٨٨