النص المفهرس

صفحات 21-40

الرؤية
تری بالعين المجردة، وإن کان یمکن رؤيتها
بأجهزة خاصة، كما يمكن أن يرى الشيطان
لكثير من المؤمنين بعين البصيرة لا الإبصار،
فلنحذر هذا العدو الراصد، كما نحذر
الوباء، كما يقول سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُوْ
عَدُوٌّ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦].
وإنه ليس علينا أن نبحث عن كنه
الشيطان، ولا عن حياته الخاصة في عالمه،
ولا عن طعامه، شرابه، وتزاوجه، وتوالده،
وإنما الذي علينا أن نعلمه، هو أنه عدو
غير مرئی لنا، وأنه یتدسس إلى مشاعرنا،
ومدركاتنا، وعواطفنا، ويحاول جاهدًا أن
يؤثر فيها، وأن يخرج بها عن جادة الحق
والخير، إلى طريق الغواية والضلال، فيزين
لنا الشر، فنراه خيرًا، والضلال، فتراه هدى!
والشيطان، ليس هو النفس الأمارة بالسوء،
کما یری ذلك بعض الناس، وإنما هو كائن
له وجوده المستقل خارج العالم الإنسانی،
وله حياته الخاصة، شأنه في هذا شأن
الكائنات والعوالم غير المرئية التي تعيش
معنا، كالجراثيم، والهواء، بل والإنسان
الذي يلبس ثوب الوسواس، فإنه شيطان غير
مرئي))(١).
(١) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
١٧٥١/١٦.
الرؤية الوهمية
أشار القرآن الكريم إلى هناك رؤية
موهومة، يرى الرائي شيئًا، والحقيقة تختلف
عما يراه.
ومن تلك النماذج التي أشار إليها القرآن
الكريم:
أولًا: رؤية الجبال:
قال تعالى: ﴿وَتَرَى لَلْحِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ
تَمُّمَزَّ السَّحَابِّ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىَّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُ.
خَيْرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾ [النمل: ٨٨].
وقد اختلف المفسرون في الرؤية الواردة
في الآية هل هي في الدنيا أو في الآخرة؟
على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور المفسرين:
إن الآية حکت حادثًا يحصل يوم ينفخ في
الصور فجعلوا قوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا
جَامِدَةً﴾ عطفا على ﴿يُنْفَخُ فِ الصُّورِ﴾
[النمل: ٨٧].
أي: ويوم ترى الجبال تحسبها جامدة
إلخ .. وجعلوا الرؤية بصرية، ومر السحاب
تشبيهًا لتنقلها بمر السحاب في السرعة (٢).
قال ابن كثير: ((وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى
اِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَهُوُّ مَزَّ السَّحَابِ﴾
[النمل: ٨٨] أي: تراها كأنها ثابتة باقية على
ما كانت عليه، وهي تمر مر السحاب، أي:
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٧/٢٠.
www. modoee.com
٣٥٧

حرف الراء
تزول عن أماكنها، كما قال تعالى: ﴿یَوْمَ
وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَبْرًا
تَمُورُ السَّمَآءُ مورًا ).
١٠﴾ [الطور: ٩ - ١٠].
يَنْسِفُهَا رَبِ نَسْفًا
وقال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ
فَيَذَرُهَا قَاءَا صَفْصَفًا
١٠٥
لَّا تَرَى فِيَهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتَّا (٢)﴾
[طه: ١٠٥ - ١٠٧].
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْحِبَالَ وَتَرَى
الْأَرْضَ بَارِزَةَ﴾ [الكهف: ٤٧].
وقوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلَّ
شَىْءٍ﴾ أي: يفعل ذلك بقدرته العظيمة الذي
أتقن كل شيء، أي: أتقن كل ما خلق، وأودع
فيه من الحكمة ما أودع، ﴿إِنَّهُ خَيْرٌ بِمَا
تَفْعَلُونَ﴾ أي: هو علیم بما يفعل عباده من
خير وشر، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء)) (١).
القول الثاني: إن هذه الرؤية في الدنيا.
قال ابن جرير: «﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ﴾ یا محمد
﴿تحسبها﴾ قائمة ﴿وَمِیَ تمُرُ﴾ قاله ابن عباس،
قوله: ﴿وَقَرَىَ اَلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ يقول:
قائمة، وإنما قيل: ﴿وَهِىَ تَمُُّمَنَّ السَّحَابِ﴾ لأنها
تجمع ثم تسير، فيحسب رائیها لكثرتها أنها
واقفة، وهي تسير سيرًا حثيثًا، قوله: ﴿صُنْعَ
اللَّهِ الَّذِىَ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ أوثق خلقه))(٢).
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير٦/ ١٩٥.
وانظر: معالم التنزيل، البغوي ٥١٩/٣،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٤/ ٢٧٣، مفاتيح
الغيب، الرازي ٢٤/ ٥٧٤.
(٢) جامع البيان ١٩ /٥٠٥.
وقال الزمخشري: «﴿جامِدَةً﴾ من جمد
في مكانه إذا لم يبرح، تجمع الجبال فتسير
كما تسير الريح السحاب، فإذا نظر إليها
الناظر حسبها واقفه ثابتة في مكان واحد،
وهي تمر مرًا حثيثًا كما يمر السحاب،
وهكذا الأجرام العظام المتكاثرة العدد: إذا
تحركت لا تكاد تتبین حركتها)»(٣).
﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ وهذا
تمجيد لهذا النظام العجيب إذا تتحرك
الأجسام العظيمة مسافات شاسعة والناس
يحسبونها قارة ثابتة، وهي تتحرك بهم، ولا
يشعرون (٤).
وَتَرَى الْجَبَالَ تحسبهَا
لذلك قال تعالى:
جَامِدَةٌ وَهِىَ تَمُوُّمَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨].
فليس غريبًا الآن أن نعرف أن للجبال
حركة، وأن كنا لا نراها؛ لأنها ثابتة بالنسبة
لموقعك منها؛ لأنك تسير بنفس حركة
سیرها، کما لو أنك وصاحبك في مرکب،
والمركب تسير بكما، فأنت لا تدرك حركة
صاحبك لأنك تتحرك بنفس حركته.
وقد شبه الله حركة الجبال بمر السحاب،
فالسحاب لا يمر بحركة ذاتية فیه، إنما يمر
بدفع الرياح، كذلك الجبال لا تمر بحركة
ذاتية إنما بحركة الأرض كلها، وهذا دليل
واضح على حركة الأرض (٥).
(٣) الكشاف ٣/ ٣٨٧.
(٤) انظر: التحرير والتنوير ٥٠/٢٠.
(٥) انظر: تفسير الشعراوي ١٥/ ٩٥٢٧.
٣٥٨
جوببيو
القرآن الكريمِ

الرؤية
فللجبال حركة مرتبطة بحركة الأرض،
وهذه الحركة لا ترى؛ لأنه لا يمكن لمن
على الأرض أن يشعر بحر كتها؛ لأنه يتحرك
معها، وما دامت الجبال أوتادًا في الأرض
وهي -أي: الجبال- تمر مر السحاب، فلا
بد أن الأرض كذلك تمر، وتتحرك بنفس
الحركة، وحركة الجبال ليست ذاتية، إنما
هي تابعة لحركة الأرض، والحق سبحانه
شبه حركة الجبال بحركة السحاب،
والسحاب حركته غير ذاتية، إنما هي تابعة
لحركة الرياح (١).
ثانيًا: رؤية السراب:
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلَّهُمْ كَسْرَابِم
◌ِقِيعَةٍ يَحْسَبُ الفَّمْثَانُ مَآءَ حَقَّى إِذَا جَآَمَّهُ، لَمْ
يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهُ عِنْدَهُ، فَوَقَّنُ حِسَابَةٌ، وَلَهُ
سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [النور: ٣٩].
وقال تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا
[النبأ: ٢٠](٢).
السراب: ما يرى في نصف النهار من
اشتداد الحر؛ كالماء في المفاوز يلصق
بالأرض، وهو غير الآل(٣) الذي يرى في
(١) المصدر السابق ١٩/ ١١٦٠٠.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٠٥.
(٣) الآل: والسراب واحد، وقيل: الآل من
الضحى إلى زوال الشمس، والسراب بعد
الزوال إلى صلاة العصر.
انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٣١٥/١٥،
لسان العرب، ابن منظور ٣٦/١١، تاج
العروس، الزبيدي ٥٢/٣.
طرفي النهار، ويرتفع عن الأرض حتى يصير
كأنه بين الأرض والسماء (٤).
وهذا مثل ضربه الله لأعمال أهل الكفر
به، فقال: والذين جحدوا توحيد ربهم
وكذبوا بهذا القرآن، وبمن جاء به مثل
أعمالهم التي عملوها (كسراب) يقول:
مثل سراب، والقاع: ما انبسط من الأرض
واتسع، وفيه يكون السراب.
والمعنى: حتى إذا جاء الظمآن السراب
ملتمسًا ماءً، يستغيث به من عطشه ﴿كَرْ يَجِدْهُ
شَيْئًا﴾ يقول: لم يجد السراب شيئًا، فكذلك
الكافرون بالله من أعمالهم التي عملوها
في غرور، يحسبون أنها منجيتهم عند الله
من عذابه، كما حسب الظمآن الذي رأى
السراب، فظنه ماء يرويه من ظمئه، حتى إذا
هلك وصار إلى الحاجة إلى عمله الذي كان
یری أنه نافعه عند الله، لم يجده ینفعه شيئًا؛
لأنه کان عمله علی کفر بالله، ووجد الله،
هذا الکافر عند هلاكه بالمرصاد، فوفاه یوم
القيامة حساب أعماله التي عملها في الدنيا،
وجازاه بها جزاءه الذي يستحقه عليه منه(٥).
والسراب: هي ظاهرة ضوئية تلاحظ في
ظروف مناخية وجغرافية متعددة، وأكثرها
شيوعًا ما يلاحظه المسافر في المناطق
الصحراوية خلال فترة الظهيرة، من وجود
(٤) الكليات، الكفوي ص٥١٤.
(٥) جامع البيان، الطبري١٩٥/١٩.
www. modoee.com
٣٥٩

حرف الراء
رقعة مائية أمامه، وكلما تقدم، تقدمت تلك
الرقعة المائية أمامه، وما هي في الحقيقة
بماء، وهو لن يدركها أبدًا، وقد ضرب الله
في قرآنه المحكم مثلًا بهذه الظاهرة الطبيعية
التي يراها الناس بأعينهم ويعرفون مدلولها:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كِتَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ
اَلَّمْشَانُ مَآءُ حَقَّى إِذَا جَآءَهُ، لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾﴾
[النور: ٣٩].
فقد شبه الله أعمال الکافرین بالسراب،
وما هو بماء حقيقي، ولكنه وهم وخداع
نظر، فهي أعمال يحسبها الكافرون تنفعهم
بدون إيمان، حتى إذا جاءوا يوم القيامة
وجدوا أعمالهم هباءً منثورًا(١).
رؤية النعم
لقد منَ الله عز وجل على بني آدم بنعم
كثيرة، لا تعد ولا تحصى، يرونها في جميع
تفاصيل حياتهم، لا يختلف في ذلك غنيهم
عن فقيرهم، فالكل منعم عليه.
ولكن نظرة الناس إلى تلك النعم
تختلف، وهذا ما سنناقشه في النقاط الآتية:
أولًا: رؤية الشاكر:
إن الشاکر یری أن النعم من الله تعالی،
ولهذا فهو يطلب من الله تعالى أن يلهمه
شكر هذه النعم.
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ
نِعْمَتَكَ أَلَّتِىِّ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَلِدَنَّ وَأَنْ أَعْمَلَ
صَالِحًا تَرْضَنَّهُ وَأَصْلِحْ لِى فِىِ ذُرِيَّتٌِ إِنِّ تُّبْتُ
إِلَيْكَ وَإِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥].
والمعنى: أغرني بشكر نعمتك التي
أنعمت علي (٢)، يعني: ألهمني ما أؤدي به
شکر نعمتك، وما أوزعت به نفسي، أن أکفها
عن کفران نعمتك، وأصله من وزعته، أي:
دفعته، يعني: ادفعني أن أؤدي شکر نعمتك
التي أنعمت علي وعلى والدي بالإسلام،
﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَنُهُ﴾ يعني: تقبله
﴿وَأَصْلِحْ لِى فِ ذُرِّيَِّيَ﴾ يعني: أكرمهم
بالتوحيد (٣)
(١) القرآن وعلوم الأرض، محمد سميح عافية
ص٤٧.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١١٤/٢٢.
(٣) انظر: تفسير السمر قندي ٢٨٨/٣.
٣٦٠
جوُودَةُ النَّفتْبـ
القرآن الكريم

الرؤية
كما أن الشاكر يرى أن الله سخر له ما يحدث بها، ويذكرها ويعمل بمقتضاها(٢).
قال تعالى: ﴿وَأَمَّ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ا
[الضحى: ١١].
في السموات والأرض وتم تلك النعم عليه
الظاهرة والباطنة.
قال تعالى: ﴿أَلَمْتَّرَوْاْ أَنَّ اللّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا
فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ,
ظَاهِرَةً وَبَاطِنَّةُ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِي
اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَّى وَلَا كِتَبٍ مُّنِيرٍ
[لقمان: ٢٠].
يقول تعالى منبهًا خلقه على نعمه عليهم
في الدنيا والآخرة بأنه سخر لهم ما في
السموات من نجوم يستضيئون بها في ليلهم
ونهارهم، وما يخلق فيها من سحاب وأمطار
وثلج وبرد، وجعله إياها لهم سقفًا محفوظًا،
وما خلق لهم في الأرض من قرار وأنهار
وأشجار وزروع وثمار، وأسبغ عليهم نعمه
الظاهرة والباطنة من إرسال الرسل وإنزال
الكتب وإزاحة الشبه والعلل، ثم مع هذا
كله ما آمن الناس كلهم، بل منهم من يجادل
في الله، أي: في توحيده وإرساله الرسل
ومجادلته في ذلك بغير علم، ولا مستند من
حجة صحیحة، ولا کتاب مأثور صحیح،
ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ
فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدِّى وَلَاَ كِتَبٍ مُِّيرٍ﴾
[لقمان: ٢٠]. أي: مبين مضيء(١).
وكذلك يرى الشاكر أن من شكر النعم أن
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير٦/ ٣١٠.
وانظر: مدارك التنزيل، النسفي ٧١٧/٢.
أي: انشر ما أنعم الله عليك بالشكر
والثناء، والتحدث بنعم الله، والاعتراف بها
شكر(٣).
والتحدث بنعمة والإخبار بها، وقول
العبد: أنعم الله علي بكذا وكذا شكر .. عن
النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: قال
النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر: (من
لم يشكر القليل، لم يشكر الكثير، ومن لم
یشکر الناس، لم یشکر الله، التحدث بنعمة
الله شکر، وتركها كفر، والجماعة رحمة،
والفرقة عذاب)(٤).
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن
جده رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (إن الله تعالی جمیل، یحب
الجمال، ويحب أن يرى أثر النعمة على
عبده)(٥).
(٢) جامع البيان، الطبري ٤٨٩/٢٤.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠٢/٢٠.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٨٤٤٩،
٣٩٠/٣٠.
وحسنه الألباني في الجامع الصغير، رقم
٣٠١٤، ١ / ٥٧٨.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده رقم ٨١٠٧،
٤٦٨/١٣، والترمذي في سننه، أبواب البر
والصلة، باب ما جاء في المتشبع بما لم يعطه،
رقم ٥،٢٨١٩/ ٠١٢٣
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
www. modoee.com
٣٦١

حرف الراء
يعني: يشكر بما أنعم الله تعالى عليه، حقيقة.
ويحدث به، فيظهر على نفسه أثر النعمة (١).
وفي حديث جابر رضي الله عنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أعطي
عطاء، فوجد فلیجز به، ومن لم يجد فلیثن،
فإن من أُثنی فقد شکر، ومن کتم فقد كفر،
ومن تحلى بما لم يعطه كان كلابس ثوبي
زور): ومعنى قوله: (ومن كتم فقد كفر)
يقول: قد كفر تلك النعمة (٢).
فذكر أقسام الخلق الثلاثة، شاكر النعمة
المثني بها، والجاحد لها، والكاتم لها،
والمظهر أنه من أهلها وليس من أهلها، فهو
متحل بما لم يفعله(٣).
والشكر ثلاثة أشياء:
الأول: معرفة النعمة بمعنی إحضارها
في الخاطر بحيث يتميز عندك أنها نعمة،
فرب جاهل يحسن إليه وینعم علیه، وهو لا
يدري، فلا جرم أنه لا يصح منه الشكر.
والثاني: قبول النعمة بتلقيها من المنعم
بإظهار الفقر والفاقة، فإن ذلك شاهد بقبولها
رقم ٣٥٩/١،١٧٤٢.
(١) انظر: تفسير السمر قندي ٣/ ٥٩٢.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده رقم ٢٤٥٩٣،
١٤٢/٤١، والترمذي في سننه، أبواب البر
والصلة، باب ما جاء في المتشبع بما لم يعطه،
رقم ٢٠٣٤، ٣٧٩/٤.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم
١٠٤٦/٢،٦٠٥٦.
(٣) انظر: التفسير القيم، ابن القيم ص٥٧٣.
والثالث: الثناء بها بأن تصف المنعم
بالجود والكرم ونحوه مما يدل على حسن
تلقيك لها واعترافك بنزول مقامك في
الرتبة عن مقامه، فإن اليد العليا خير من اليد
السفلى (٤)
وشكر الله تعالى مبنى على خمس
قواعد: خضوع الشاكر للمشكور، وحبه
له، واعترافه بنعمته، والثناء عليه بها، وألا
يستعملها فيما يكره، هذه الخمسة هي
أساس الشكر، وبناؤه عليها، فمتى عدم منها
واحدة اختلت قاعدة من قواعد الشكر (٥).
والشاكر في الحقيقة: من يرى عجزه
عن شكره، ویری شكره من الله عز وجل،
لتحققه أنه هو الذي خلقه، وهو الذي وفقه
لشكره، وهو الذي رزقه الشكر، وهو الذي
اجتباه حتی کان بالکلیة له سبحانه(٦).
والخلاصة أن: رؤية الشاكر للنعم هو
القيام بالشكر اعتقادًا وقولًا وفعلًا، كما قال
تعالى: ﴿أَعْمَلُواْءَالَ دَاوُودَ شُكْرَاً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ
الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
وبهذا يتبين أن رؤية الشاكر للنعم تتمثل
في الاعتراف بها والإقرار بوجوب الشكر،
اعتقادًا بأن النعم من الله وحده لا شريك له،
(٤) انظر: نظم الدرر، البقاعي ١٤ /١٤٥.
(٥) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي
٣٣٧/٣.
(٦) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ٣٢٧/٢.
٣٦٢
جوبيه
القرآن الكريم

الرؤية
وقولًا بالتحدث بالنعم وإظهارها، وعملًا الله، فكأنه أراد بعلمه في التصرف وأنواع
المكاسب، وقال آخرون: معناه: إنما أوتيته
على خير علمه الله عندي، فكنت أهلًا لما
أعطيته لفضل علمي، وقال الكلبي: على
علم عندي بصنعة الذهب(٢).
ببذلها لمن يحتاجها؛ لما رواه ابن عمر رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (إن لله عبادًا اختصهم بالنعم لمنافع
العباد، يقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها
نزعها منهم، فحولها إلى غيرهم)(١).
ثانيًا: رؤية الجاحد:
إن الله تعالى إذا أنعم على الجاحد فإنه
یری أن هذه النعم هي بسسب فضله وعلمه
ومكانته بين الناس، كما قال تعالى عن
إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِنْ قَوْيِ مُوسَى
قارون: ﴿
فَغَى عَلَيْهِمّ وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَّ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَنَنُوَأُ
بِالْعُصْبَةِ أُوْلِىِ الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهُ
لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٦) وَأَبْتَغِ فِيمَآ ءَاتَنكَ اللَّهُ
الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَا
وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكٌ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ
قَالَ
فِيِ الْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾﴾
إِنَّمَا أُوِّتُهُ, عَنَ عِلْمٍ عِندِىُّ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ
أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً
وَأَكْثَرُ جّعًا وَلَا يُسْتَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ
٧٨)﴾ [القصص: ٧٦-٧٨].
قال عطاء: فكفر قارون لما رأى أن
المال حصل له بعلمه، ولم يعتبره من عطاء
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط،
رقم ٥١٦٢، ٢٢٨/٥، والبيهقي في شعب
الإيمان، رقم ٧٢٥٦، ١٠ / ١١٧.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٠٤٣٢/١،٢١٦٤
وقال ابن زيد: أي: إنما أوتيته لعلمه
بفضلي ورضاه عني، أي: أن الله تعالى آتاني
هذه الكنوز على علم منه باستحقاقي إياها
لفضل في، وقيل: أوتيته على علم من عندي
بوجوه التجارة والمكاسب(٣).
ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا آلْإِنسَنُ
إِذَا مَا أَبْثَلَنْهُ رَبُّهُ، فَاكْرَمَهُ، وَنَعَّمَهُ، فَيَقُولُ بَِّتَ أَكْرَمَنِ
وَأَمََّ إِذَا مَا أَبْنَلَنَّهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، فَيَقُولُ رَبِّ
أَهَنَنِ ﴾ [الفجر: ١٥ - ١٦].
(يقول تعالى ذكره: فأما الإنسان إذا ما
امتحنه ربه بالنعم والغنى فأكرمه بالمال،
وأفضل عليه، ونعمه بما أوسع عليه من
فضله فيقول: ربي أكرمن، فيفرح بذلك
ويسر به ويقول: ربي أكرمني بهذه الكرامة.
وأما إذا ما امتحنه ربه بالفقر فقدر عليه
رزقه يقول: فضيق عليه رزقه وقتره، فلم
يكثر ماله، ولم يوسع عليه فيقول: ربي
أهانن، يقول: فيقول ذلك الإنسان: ربي
أهانني، يقول: أذلني بالفقر، ولم يشكر الله
على ما وهب له من سلامة جوارحه، ورزقه
(٢) انظر: الوسيط، الواحدي ٤٠٨/٣.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣١٥/١٣.
www. modoee.com
٣٦٣

حرف الراء
من العافية في جسمه))(١).
والمعنى: إذا ما اختبره ربه وأوسع علیه
فيقول: ربي أكرمن، وإذا جعل رزقه مقدرًا،
فيقول: ربي أهانن، أي: ليس الأمر كما يظن
الإنسان، وهذا يعنى به الکافر الذي لا يؤمن
بالبعث، وإنما الكرامة عنده والهوان بكثرة
الحظ في الدنيا، وصفة المؤمن أن الإكرام
عنده توفيق الله إياه، أي: ما يؤديه إلى حظ
الآخرة(٢).
وبهذا یتبین أن الجاحد لا یری أن النعمة
من الله تعالى، بل وينسبها لغير الله تعالى،
وهو بهذا يقع في الشرك وكفران النعم،
ويدل على ذلك ما رواه زيد بن خالد الجهني
رضي الله عنه، قال: (صلى بنا رسول الله
صلی الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية
في إثر السماء كانت من الليل، فلما انصرف
أقبل على الناس فقال: (هل تدرون ماذا قال
ربکم؟) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال:
أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما
من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك
مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال:
مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن
بالكوكب)(٣).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٤١٢.
(٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٢٢/٥.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة،
باب قول الله تعالى: ﴿وَقَتْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ أَنَّكُمْ
تُكَذِّبُونَ﴾، رقم ١٠٣٨، ٣٣/٢، ومسلم في
قال النووي: ((اختلف العلماء في كفر من
قال: مطرنا بنوء كذا، على قولين: أحدهما
هو: کفر بالله سبحانه وتعالى، سالب لأصل
الإيمان، مخرج من ملة الإسلام، قالوا:
وهذا فيمن قال ذلك معتقدًا أن الكوكب
فاعل مدبر منشئ للمطر،كما كان بعض
أهل الجاهلية يزعم، ومن اعتقد هذا، فلا
شك في كفره، وهذا القول هو الذي ذهب
إليه جماهير العلماء والشافعي منهم، وهو
ظاهر الحديث، قالوا: وعلى هذا لو قال:
مطرنا بنوء كذا، معتقدًا أنه من الله تعالى
وبرحمته، وأن النوء ميقات له وعلامة
اعتبارًا بالعادة، فكأنه قال: مطرنا في وقت
كذا، فهذا لا يكفر، واختلفوا في كراهته،
والأظهر كراهته، لكنها كراهة تنزيه لا إثم
فيها، وسبب الكراهة أنها كلمة مترددة بين
الكفر وغيره، فيساء الظن بصاحبها؛ ولأنها
شعار الجاهلية، ومن سلك مسلكهم،
والقول الثاني: في أصل تأويل الحديث أن
المراد: كفر نعمة الله تعالى؛ لاقتصاره على
إضافة الغیث إلی الکوکب، وهذا فیمن لا
يعتقد تدبير الكوكب)) (٤)
والجاحد هو الذي لا يعرف نعمة
الله تعالى ولا يقوم بشكرها، وهذا بفعل
الشيطان به، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ
صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان كفر من
قال: مطرنا بالنوء، رقم ١،٧١ /٨٣.
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٦٠.
٣٦٤
جوبيين
القرآن الكريم

الرؤية
أَيْدِيِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ شَيِلِهِمٌّ وَلَا تَجِدُ
أَكْثَرَهُمْ شَكِرِينَ ﴾ [الأعراف: ١٧].
والمعنى: ولا تجد أكثر بني آدم شاكرين
لك نعمتك التي أنعمت عليهم، وشكرهم
إياه، طاعتهم له بالإقرار بتوحيده، واتباع
أمره ونهيه(١).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٤٢/١٢.
رؤية الأدلة العلمية والجنائية
سيكون هذا المبحث في بيان رؤية الأدلة
العلمية، والجنائية في القرآن الكريم، وذلك
في النقاط الآتية:
أولًا: رؤية الأدلة العلمية:
تتمثل رؤية الأدلة العلمية في المعجزات
التي أقامها الأنبياء عليهم السلام على صدق
نبوتهم، وكذلك في الأدلة العلمية للمعجزة
الخالدة (القرآن الكريم) في العصر الحاضر،
وسيتم بيان ذلك في الفقرات الآتية:
١. رؤية معجزات النبي محمد
صلی الله علیه وسلم.
لقد رأى الصحابة الكرام رضي الله عنه
المعجزات التي أقامها الرسول صلى الله
عليه وسلم على صدق نبوته، وهي كثيرة،
ومنها: رؤية انشقاق القمر المذكورة في
القرآن.
قال تعالى: ﴿أَقْتَّرَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ
اَلْقَمَرُ ل وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةٌ يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ
تُسْتَمِرُّ ن﴾ [القمر: ١- ٢].
((قال مجاهد: انشق القمر على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار
فرقتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم
لأبي بكر رضي الله عنه: (اشهد يا أبا
بكر)، فقال المشركون: سحر القمر حتى
www. modoee.com
٣٦٥

حرف الراء
انشق)»(١).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه، قال:
انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة
دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(اشهدوا)(٢).
دليلاً وحجة وبرهانًا ﴿يُعْرِضُواْ﴾ أي: لا
ینقادون له، بل يعرضون عنه ویترکونه وراء
ظهورهم ﴿وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ﴾ أي:
ويقولون: هذا الذي شاهدناه من الحجج
سحر، ومعنى مستمر: ذاهب، أي: باطل
مضمحل لا دوام له، قاله مجاهد وقتادة
وغيرهما ﴿وَكَذَّبُواْ وَأَتَّبَعُواْ أَهْوَآءَ هُمْ﴾
أي: كذبوا بالحق إذ جاءهم، واتبعوا ما
أمرتهم به آراؤهم وأهواؤهم من جهلهم
وسخافة عقلهم(٣).
٢. رؤية معجزات موسى عليه
السلام.
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٤٤٠.
وانظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٥٧٠،
معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٨٥/٥،
الوسيط، الواحدي ٤/ ٢٠٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قوله تعالى: ﴿وَأَشَقَّ اَلْقَمَرُ﴾،
رقم ٦،٤٨٦٤ / ١٤٢.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٤٤٠.
وانظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٨٥/٥،
الوسيط، الواحدي ٤ / ٢٠٧.
لقد ذكر القرآن الكريم رؤية فرعون
وقومه لمعجزات سيدنا موسى عليه السلام
في کثیر من الآيات.
منها قوله تعالى: ﴿حَقِيقُ عَلَى أَنْ لَّآ
أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْنُكُمْ بِبَيْنَةِ
قَالَ إِن
مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَّعِىَ بَقِّ إِسْرَائِيلَ ()
وقوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةً﴾ أي: كُنْتَ جِئْتَ بِثَايَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
١٠٦
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ
١٠٨
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَلَةُ لِلنَّظِرِينَ
(١٠٧
[الأعراف: ١٠٥- ١٠٨].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ
مِنَ الصَّدِقِينَ ) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِنَا هِىَ ثُعْبَانٌ
◌ُبِينٌ ، وَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّظِرِينَ )
[الشعراء: ٣١-٣٣].
والمعنى: أنه أخرج يده من جيبه أو من
تحت جناحه ﴿فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّظِرِينَ﴾ قال
ابن عباس رضي الله عنه وغیرہ: أخرج یده
من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء، يعني:
من غیر برص، وقيل: إن موسى عليه عليه
السلام أدخل يده تحت جیبه ثم نزعها منه،
وقيل: أخرج يده من تحت إبطه، فإذا هي
بيضاء لها شعاع غلب نور الشمس، وكان
موسی علیه السلام آدم اللون، ثم ردها إلى
جيبه فأخرجها، فإذا هي کما کانت، ولما
كان البياض المفرط عيبًا في الجسد، وهو
البرص قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿بَيْضَآء
مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢].
٣٦٦
جَوْسُورَةُ النفسية
القرآن الكريمِ

الرؤية
هي بيضاء للنظارة ولا تكون بيضاء للنظارة
إلا إذا كان بياضها بیاضًا عجيبًا خارجًا عن
العادة يتعجب منه (١)
٠
ومعنى: ﴿لِلنَّظِرِينَ﴾ أن بياضها مما
يقصده الناظرون لأعجوبته، وكان لون جلد
موسى عليه السلام السمرة، والتعريف في
﴿لِنَّظِرِينَ﴾ للاستغراق العرفي، أي: لجميع
الناظرين في ذلك المجلس، وهذا يفيد أن
بياضها كان واضحًا بينًا مخالفًا لون جلده
بصورة بعيدة عن لون البرص (٢).
٣. رؤية أدلة الإعجاز العلمي في
القرآن الكريم.
أمر الله تعالى بالنظر في السموات
والأرض لرؤية أدلة الإعجاز العلمية.
قال تعالى: ﴿ قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِى السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِّ وَمَا تُغْنِ اَلْأَيَتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَّا
يُؤْمِنُونَ (١)﴾ [يونس: ١٠١].
والمعنى كما قال أبو جعفر الطبري:
(يقول تعالى ذكره: قل، يا محمد، لهؤلاء
المشركين من قومك، السائليك الآيات
على صحة ما تدعوهم إليه من توحيد الله،
وخلع الأنداد والأوثان: انظروا، أيها القوم،
ماذا في السموات من الآيات الدالة على
(١) لباب التأويل، الخازن ٢٣٣/٢.
وانظر: تفسير القرآن، السمعاني ٢٠٢/٢،
مفاتيح الغيب، الرازي ٥١/٢٢.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٤/١٩.
يعني: من غير برص، والمعنى: فإذا حقيقة ما أدعوكم إليه من توحيد الله، من
شمسها وقمرها، واختلاف ليلها ونهارها،
ونزول الغيث بأرزاق العباد من سحابها،
وفي الأرض من جبالها، وتصدعها بنباتها،
وأقوات أهلها وسائر صنوف عجائبها، فإن
في ذلك لكم إن عقلتم وتدبرتم موعظة
ومعتبرًا، ودلالة على أن ذلك من فعل من لا
يجوز أن یکون له في ملكه شريك، ولا له
على تدبيره وحفظه ظھیر یغنیکم عما سواه
من الآيات.
﴿وَمَا تُغْنِ الْآَيَتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوٍْ لَّا
يُؤْمِنُونَ﴾ أي: وما تغني الحجج والعبر
والرسل المنذرة عباد الله عقابه، عن قوم قد
سبق لهم من الله الشقاء، وقضى لهم في أم
الكتاب أنهم من أهل النار، لا يؤمنون بشيء
من ذلك ولا يصدقون به؟))(٣).
وقد أخبر تعالى بأنه هو الذي يري عباده
الأدلة العلمية.
قال تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِىِ يُرِيكُمْ ءَايَتِهِ،
وَيُتَزِّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًاً وَمَا يَنَذَكَّرُ
إِلََّ مَنْ يُنِيبُ ﴾ [غافر: ١٣].
والمعنى: هو الذي يريكم أيها الناس
حججه وأدلته على وحدانيته وربوبيته،
وينزل لكم من أرزاقكم من السماء بإدرار
الغيث الذي يخرج به أقواتكم من الأرض،
وغذاء أنعامكم عليكم، وما يتذكر حجج
(٣) جامع البيان ١٥/ ٢١٤.
www. modoee.com
٣٦٧

حرف الراء
الله التي جعلها أدلة على وحدانيته، فیعتبر
بها ويتعظ ويعلم حقيقة ما تدل عليه، إلا
من ينيب، يقول: إلا من يرجع إلى توحيده،
ويقبل على طاعته(١).
وآيات الله: تعم آيات قدرته، وآيات
قرآنه، والمعجزات الظاهرة على أيدي
رسله(٢).
قال ابن كثير: ((هو الذي يريكم آياته،
أي: يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في
خلقه العلوي والسفلي من الآيات العظيمة
الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها
﴿وَيُتَزِّكُ لَكُمْ مِنَ السَّمَآءِ رِزْقًا﴾، وهو المطر
الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو
مشاهد بالحس من اختلاف ألوانه وطعومه
وروائحه وأشکاله وألوانه، وهو ماء واحد
فبالقدرة العظيمة فاوت بين هذه الأشياء،
﴿وَمَا يَنَذَكَّرُ﴾، أي: يعتبر ويتفكر في
هذه الأشياء ويستدل بها على عظمة خالقها
﴿إِلَّا مَن يُنِيبُ﴾ أي: من هو بصیر منیب إلى
الله تبارك وتعالى)) (٣).
ورؤية أدلة الإعجاز العلمي ليست
محددة بوقت، بل تشمل جميع الأزمان
قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِى الْآَفَاقِ
وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ
(١) جامع البيان، الطبري ٣٦٢/٢١.
وانظر: تفسير القرآن، السمعاني ١٠/٥.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤/ ٥٥٠.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٧/ ١٢١.
يَكْفٍ بِرَبِّكَ أَنَّهُ, عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ
[فصلت: ٥٣].
٥٣
﴿ سَنُرِيهِمْ ءَايَئِنَا فِ آلْأَفَاقِ﴾ يعني:
أقطار الأرض والسماء من الشمس والقمر
والنجوم والنبات والأشجار والأنهار
والبحار والأمطار، ﴿وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ من
لطيف الصنعة وبديع الحكمة، وسبيل
الغائط والبول، حتى إن الرجل ليأكل
ویشرب من مكان واحد، ويخرج ما يأكل
ویشرب من مکانین.
﴿حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ أُحَقُّ ﴾ يعني: إن ما
نريهم ونفعل من ذلك هو الحق، وقيل: إنه
يعني: الإسلام، وقيل: محمد صلى الله عليه
وسلم، وقيل: القرآن (٤).
ومثل الآية قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنسَنُ مِنْ
عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ مَايَقٍ فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ
٣٧
[الأنبياء: ٣٧].
خُلِقَ الْإِنسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾: معناه أن
بنيته وخلقته من العجلة وعليها طبع،
كما قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾
[الإسراء: ١١](٥).
﴿سَأُؤْرِيَكُمْ مَيَقِى فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾
والمعنى: يا أيها المستعجلون ربهم بالآيات
القائلون لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم:
بل هو شاعر، فليأتنا بآیة کما أرسل الأولون،
(٤) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٣٠٠/٨.
(٥) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٨٨/٣.
٣٦٨
جَوَسُو ◌َرُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ

الرؤية
﴿سَأُوْرِيَكُمْ ءَايَنِقٍ﴾، كما أريتها من قبلكم إياه من الآيات(٣)، والأدلة على صدقه في
عفته ونزاهته (٤).
من الأمم التي أهلكناها بتكذيبها الرسل،
إذا أتتها الآيات، ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾،
يقول: فلا تستعجلوا ربكم، فإنا سنأتيكم بها
ونريكموها(١).
ونتيجة رؤية الأدلة العلمية هي الإيمان
والتصديق بالنسبة للمؤمنين، أما الكافرين
فقد أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا
ءَايَّةٌ يَسْتَسْخُرُونَ (١٤)﴾ [ الصافات: ١٤].
أي: إذا رأوا حجة من حجج الله عليهم،
ودلالة على نبوة نبيه محمد صلى الله عليه
وسلم يسخرون ويستهزءون بها(٢).
٤. رؤية الأدلة العلمية على ثبوت
الوقائع.
ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّبَدًا
لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَواْ الْآَيَتِ لَيَسْجُنُنَّهُحَتَّىحِينٍ
﴾ [يوسف: ٣٥].
٣٥
والمعنى: ظهر للعزيز وأهل مشورته أدلة
وعلامات براءة يوسف عليه السلام من قد
القميص من دبر، وشهادة الشاهد، وحز
الأيدي، وقلة صبرهن عن لقاء يوسف عليه
السلام أن يسجنوه كتمانًا للقصة ألا تشيع
في العامة، وللحيلولة بينه وبينها، فالقميص
من الآيات، وشهادة الشاهد من الآيات،
وقطع الأيدي من الآيات، وإعظام النساء
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٤٤/١٨.
(٢) انظر: المصدر السابق ٢٤/٢١.
ويدخل في رؤية الأدلة العلمية ما يهبه الله
تعالى للعلماء من ملكة فقهية لرؤية الأدلة
العلمية في الكتاب والسنة على الأحكام،
ومن ثم بناء الأحكام الفقهية عليها.
ثانيًا: رؤية الأدلة الجنائية:
ورد في القرآن ما يختص برؤية الأدلة
الجنائية، وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَا
قَمِيصَهُ، قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ
كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ )
﴾ [يوسف: ٢٨].
استدل العلماء بهذه الآية في إعمال
الأمارات في مسائل من الفقه كالقسامة
وغيرها، كما استدل يعقوب عليه عليه
السلام على كذبهم بصحة القميص، فيجب
على الناظر أن يلحظ الآيات، والعلامات
إذا تعارضت، فما ترجح منها قضى بجانب
الترجيح، وهي قوة التهمة، ولا خلاف بين
العلماء في الحكم بها(٥).
فيحتج بالآية من يرى الحكم بالأمارات
والعلامات، فيما لا تحضره البينات،
كاللقطة والسرقة والوديعة ومعاقد الحيطان
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٨٦/٩.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣١/٤.
(٥) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٤١/١١.
www. modoee.com
٣٦٩

حرف الراء
والسقوف وشبهها(١).
فمن ذلك قول المالكية وغيرهم: إن في معرض تسليم الاستدلال بتلك القرينة
القرينة الجازمة ربما قامت مقام البينة،
مستدلین علی ذلك بجعل شاهد یوسف شق
قميصه من دبر قرينة على صدقه، وكذب
المرأة (٢).
وسمي قوله شهادة؛ لأنه يؤول إلى إظهار
الحق في إثبات اعتداء يوسف عليه السلام
على سيدته أو دحضه، وهذا من القضاء
بالقرينة البينة؛ لأنها لو كانت أمسكت ثوبه
لأجل القبض عليه لعقابه لكان ذلك في
حال استقباله له إياها، فإذا أراد الانفلات
منها تخرق قميصه من قبل، وبالعكس إن
كان إمساكه في حال فرار وإعراض، ولا
شك أن الاستدلال بكيفية تمزيق القميص
نشأ عن ذكر امرأة العزيز وقوع تمزيق
القميص تحاول أن تجعله حجة على أنها
أمسكته لتعاقبه، ولولا ذلك ما خطر ببال
الشاهد أن تمزيقًا وقع وإلا فمن أين علم
الشاهد تمزيق القميص، والظاهر أن الشاهد
كان يظن صدقها، فأراد أن يقيم دليلًا على
صدقها، فوقع عكس ذلك كرامة ليوسف
عليه السلام (٣).
وكذب الآخر؛ لأن ذكر الله لهذه القصة
على براءة يوسف عليه السلام يدل على
أن الحكم بمثل ذلك حق وصواب؛ لأن
کون القمیص مشقوقًا من جهة دبره دليل
واضح على أنه هارب عنها، وهي تنوشه
من خلفه، ولکنه تعالی بین في موضع آخر
أن محل العمل بالقرينة ما لم تعارضها قرينة
أقوى منها، فإن عارضتها قرينة أقوى منها
أبطلتها، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَآءُو
عَلَى قَبِيصِهِ، بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ
أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ
﴾ [يوسف: ١٨].
١٨
وهذه الآيات المذكورة أصل في الحكم
بالقرائن (٤).
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَجَآءُو عَلَى
قَمِصِهِ، بِدَرٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ
أَمْرًّاً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ
﴾ [يوسف: ١٨].
قال بعض العلماء: لما أرادوا أن يجعلوا
الدم علامة على صدقهم؛ قرن الله بهذه
العلامة علامة تعارضها، وهي سلامة
القميص من التخريق، إذ لا يمكن افتراس
ويفهم من هذه الآية لزوم الحكم بالقرينة الذئب ليوسف، وهو لابس القميص،
ويسلم القميص من التخريق، ولما تأمل
يعقوب عليه السلام القميص لم يجد فيه
الواضحة الدالة على صدق أحد الخصمين
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٦/ ١٧٠.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١/ ٣٨٠.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٧/١٢.
(٤) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٢١٥/٢.
جَوَسُولَةُ التَّقِينَ
القرآن الكريمِ
٣٧٠

الرؤية
خرقًا، ولا أثرًا، استدل بذلك علی کذبهم،
وقال لهم: تزعمون أن الذئب أکله، ولو أكله
لشق قميصه(١).
وبهذا يكون النظر في الأدلة الجنائية
وأدوات الجريمة مما يساعد في كشف
الجريمة وملابستها ومعرفة الجاني.
(١) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٤١/١١.
الرؤية والاعتبار
إن الرؤية والاعتبار في القرآن الكريم
يكون في التفكر والاعتبار في الآيات
الكونية، وفي الاعتبار والعظة بهلاك الأمم
السابقة، وبيان ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: الآيات الكونية:
الآيات الكونية هي: الآيات المنسوبة إلى
الكون الذي هو الخلق الذي كونه الله تعالى
فكان، وذلك السموات والأرض والجبال
والسهول والأنهار والشمس والقمر والنبات
والحيوان والجماد، وخلق الإنسان، وآیات
الله عز وجل في الآفاق، وما فيهما وما
بينهما من سائر المخلوقات(٢).
جاء الأمر الصريح في القرآن على الحث
على التفكر في الكون، ومن ذلك قوله
تعالى: ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ
وَمَا تُغْنِىِ الْأَيَتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ
﴾ [يونس: ١٠١].
قال أبو جعفر الطبري: ((يقول تعالى
ذكره: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين من
قومك، السائليك الآيات على صحة ما
تدعوهم إليه من توحيد الله وخلع الأنداد
والأوثان: انظروا، أيها القوم، ماذا في
السموات من الآيات الدالة على حقيقة ما
أدعوكم إليه من توحيد الله، من شمسها
(٢) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ١/ ١٤١.
www. modoee.com
٣٧١

حرف الراء
وقمرها، واختلاف ليلها ونهارها، ونزول
الغيث بأرزاق العباد من سحابها وفي
الأرض من جبالها، وتصدعها بنباتها،
وأقوات أهلها، وسائر صنوف عجائبها،
فإن في ذلك لكم إن عقلتم وتدبرتم موعظة
ومعتبرًا، ودلالة على أن ذلك من فعل من لا
يجوز أن یکون له في ملکه شريك، ولا له
علی تدبيره وحفظه ظھیر یغنیکم عما سواه
من الآيات))(١).
وهذه الآية أمر للكفار بالاعتبار والنظر
في المصنوعات الدالة على الصانع، وغير
ذلك من آيات السماوات وأفلاکھا و کواکبها
وسحابها ونحو ذلك، والأرض ونباتها
ومعادنها وغير ذلك(٢).
أي: انظروا بالتفكر والاعتبار ماذا في
السماوات والأرض من الآيات والعبر التي
تدل على وحدانیته ونفاذ قدرته کالشمس،
والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، وكل
هذا يقتضي خالقًا مدبرًا سبحانه(٣).
قال الإمام الرازي: ((ولو أن الإنسان أخذ
يتفكر في كيفية حكمة الله سبحانه في تخليق
جناح بعوضة لانقطع عقله قبل أن يصل إلى
أقل مرتبة من مراتب تلك الحكم والفوائد،
ولا شك أن الله سبحانه أکثر من ذکر هذه
الدلائل في القرآن المجيد، فلهذا السبب
(١) جامع البيان ٢١٤/١٥.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ١٤٥.
(٣) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٣٥٣/٢.
قَلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ
ذكر قوله:
وَآلْأَرْضِ﴾ ولم يذكر التفصيل، فكأنه تعالى
نبه على القاعدة الكلية، حتى إن العاقل يتنبه
لأقسامها، وحينئذ يشرع في تفصيل حكمة
كل واحد منها بقدر القوة العقلية والبشرية،
ثم إنه تعالى لما أمر بهذا التفكر والتأمل،
بين بعد ذلك أن هذا التفكر والتدبر في هذه
الآيات لا ينفع في حق من حكم الله تعالى
عليه في الأزل بالشقاء والضلال)) (٤).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِى الْأَرْضِ
فَأَنْظُرُ واْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَّ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ
الْآَخِرَةُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ
[العنكبوت: ٢٠].
أرشد الله تعالى في الآية إلى الاعتبار بما
في الآفاق من الآيات المشاهدة من خلق الله
الأشياء: السموات وما فيها من الكواكب
النيرة الثوابت والسيارات، والأرضين وما
فيها من مهاد وجبال، وأودية وبراري وقفار،
وأشجار وأنهار، وثمار وبحار، كل ذلك
دال على حدوثها في أنفسها، وعلى وجود
صانعها الفاعل المختار، الذي يقول للشيء:
کن، فیکون(٥).
والمعنى: سيروا في الأرض وشاهدوا
السموات وما فيها من الكواكب النيرة،
ثوابتها وسياراتها، والأرض وما فيها من
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ١٧ / ٣٠٦.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير٦/ ٢٤٤.
٣٧٢
جوبيه
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الرؤية
جبال ومهاد، وبراري وقفار، وأشجار إعادتها بعد عدمها(٢).
وثمار، وأنهار وبحار، فكل ذلك شاهد على
حدوثها في أنفسها، وعلى جود صانعها
الذي يقول للشيء: کن، فیکون (١).
وإنما أمر بالسير في الأرض؛ لأن السير
يدني إلى الرائي مشاهدات جمة من مختلف
الأرضین بجبالها وأنهارها ومحویاتها، ويمر
به علی منازل الأمم حاضرها وبائدها، فیری
کثیرًا من أشياء وأحوال لم يعتد رؤية أمثالها،
فإذا شاهد ذلك جال نظر فكره في تكوينها
بعد العدم جولانًا لم يكن يخطر له ببال،
حینما کان یشاهد أمثال تلك المخلوقات في
ديار قومه؛ لأنه لما نشأ فيها من زمن الطفولة
فما بعده قبل حدوث التفكير فى عقله اعتاد
أن یمر ببصره علیها دون استنتاج من دلائلها
حتى إذا شاهد أمثالها مما كان غائبًا عن
بصره جالت في نفسه فكرة الاستدلال،
فالسير في الأرض وسيلة جامعة لمختلف
الدلائل، فلذلك كان الأمر به لهذا الغرض
من جوامع الحكمة وجيء في جانب بدء
الخلق بالفعل الماضي؛ لأن السائر ليس له
من قرار في طريقه، فندر أن يشهد حدوث
بدء مخلوقات، ولكنه يشهد مخلوقات
مبدوءة من قبل فيفطن إلى أن الذي أوجدها
إنما أوجدها بعد أن لم تكن، وأنه قادر
علی إیجاد أمثالها، فهو بالأحری قادر على
(١) انظر: تفسير المراغي ١٢٧/٢٠.
قال محمد إسماعيل إبراهيم: ((وها هو
القرآن يدعونا إلى التفكر في بدء الخلق منذ
أن تصلبت قشرة الأرض الخارجية، وتكونت
عليها القارات والمحيطات، لذلك اجتهد
علماء الجيولوجيا أن يقرأوا تاريخ الأرض
من طبقات الصخور الرسوبية التى تراكمت
علیها، وفي طياتها الكثير من بقايا الكائنات
الحية التى عاشت عليها، سواء كانت
لحيوان أو نبات، وهذه البقايا المتحجرة هي
ما نسميه اليوم بالحفريات، وهي في واقعها
سجل حافل بتاريخ الخلیقة منذ بدايتها، وقد
استطاع العلم بوسائله المتقدمة أن يقرأ كثيرًا
من صفحات هذا السجل، ويعرف حقائق
كثيرة عن نشأة الأرض وتطوراتها خلال
الأزمنة الجيولوجية)»(٣).
وقوله عز وجل:
* أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الَّهَ
الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرُ عَلَى أَنْ
يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًّاً لَّا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى
الظَّالِمُونَ إِلََّ كُفُورًا ﴾ [الإسراء: ٩٩].
(يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى
الله عليه وسلم: أولم ينظر هؤلاء القائلون
من المشركين: ﴿أَِذَا كُنَّا عِظَمًا وَرُفَتًا
أَمِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٩٨]
بعيون قلوبهم، فيعلمون أن الله الذي خلق
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٠/٢٠.
(٣) القرآن وإعجازه العلمي، محمد إسماعيل
إبراهيم ص ٦٨.
www. modoee.com
٣٧٣

حرف الراء
السماوات والأرض، فابتدعها من غير مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ
مِمَا عَمَرُوهَا وَسَ تْهُ رُسُلُهُمْ بِالْبَغِنَتِّ فَمَا كَانَ
شيء، وأقامها بقدرته، قادر بتلك القدرة
على أن يخلق مثلهم أشكالهم، وأمثالهم
من الخلق بعد فنائهم، وقبل ذلك، وأن من
قدر على ذلك فلا يمتنع عليه إعادتهم خلقًا
جديدًا، بعد أن يصيروا عظامًا ورفاتًا))(١).
اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
ثُمَّ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ السُّوَ أَنْ
كَذَّبُواْ بِشَايَتِ اَللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ
اللَّهُ يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، ثُمَّ إِلَيْهِ
١٠
تُحَمُونَ ﴾ [الروم: ٨-١١].
وقد أمر الله تعالى بالنظر إلى آية المطر
للاستدلال على قدرته سبحانه.
قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى ءَثَرِ رَحْمَتِ
اللَّهِ كَيْفَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ
لَمُحِى الْمَوْنَىّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[الروم: ٥٠].
والمعنى: انظروا نظر استبصار
واستدلال، أي: استدلوا بذلك على أن من
قدر علی ذلك قادر على إحياء الموتى(٢).
وقد نعى الله تعالى على تاركي التفكر
في الآيات الكونية، ووصفهم بأنهم لا
يفكرون في ما حولهم، وشنع عليهم تركهم
التفكر (٣).
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ فِىَ أَنْفُسِهِمٌ مَّا
خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ
وَأَجَلٍ مُسَتَّىٌّ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَآيٍ رَبِّهِمْ
أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ
٨
لَكَفُرُونَ
كَيّفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَشَدَّ
(١) جامع البيان، الطبري ١٧ / ٥٦٢.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٤٥/١٤.
(٣) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٢٥٣/٣.
والمعنى: «أو لم يثبتوا التفكر في أنفسهم،
أي: في قلوبهم الفارغة، فيتفكروا بها في
مصنوعات الله، حتى يعلموا أنها ما خلقت
عبثًا، والتفكر لا يكون إلا في القلوب،
ولكن زيادة تصوير لحال المتفكرين،
كقوله: اعتقده في قلبك، ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْفِىّ
أَنفُسِیم﴾، التي هي أقرب إلیھم من غيرها،
وهم أعلم بأحوالها، فيتدبروا ما أودعها الله
تعالى، ظاهرًا وباطنًا، من غرائب الحكمة
الدالة على التدبير من الحكيم القديم، وأنه
لا بد لها من الانتهاء إلى وقت تجازي فیه،
على الإحسان إحسانًا، وعلى الإساءة مثلها،
حتى يعلموا، عند ذلك أن سائر الخلائق
مثلها، وأنه لا بد لهم من الانتهاء إلى ذلك
الوقت، فيعلموا أن ما خلق الله السماوات
والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى
أي: ما خلقها باطلًا وعبثًا من غير حكمة ولا
لتبقى خالدة، وإنما خلقها مقرونة بالحق
مصحوبة بالحكمة البالغة، وتنتهي إلى أجل
مسمى وهو قيام الساعة، ووقت الحساب
٣٧٤
جوسين
القرآن الكريمِ

الرؤية
بالثواب والعقاب، فيخرب هذا العالم،
ويقوم عالم آخر، لا انتهاء لوجوده)) (١).
وقد وصف الله تعالى تاركي التفكر
والاعتبار بأنهم مكذبون وكافرون بهذه
الآيات ووبخهم وتهكم عليهم(٢)، فقال
سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ كَانَنَا رَتْقَا فَفَنَقْنَهُمَّا وَجَعَلْنَا مِنَ
وَحَعَلْنَا فِ
اَلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ )
اُلْأَرْضِ رَوَسِىَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا
سُبُّلًاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ، وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ
سَقْفًا تَّحْفُوظَا وَهُمْ عَنْ ءَايَتِهَا مُعْرِضُونَ (
[الأنبياء: ٣٠-٣٢].
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيْنِ مِّنْ
ءَايَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ
عَنْهَا مُعْرِضُونَ (٥)﴾ [يوسف: ١٠٥].
قال أبو جعفر الطبري: ((يقول جل وعز:
وكم من آية في السموات والأرض لله،
وعبرة وحجة، وذلك كالشمس والقمر
والنجوم ونحو ذلك من آيات السموات،
وكالجبال والبحار والنبات والأشجار وغير
ذلك من آيات الأرض ﴿یَمُرُونَ عَلَيْهَا﴾،
يقول: يعاينونها فيمرون بها معرضين عنها،
لا يعتبرون بها، ولا يفكرون فيها وفيما دلت
عليه من توحيد ربها، وأن الألوهة لا تنبغي
إلا للواحد القهار الذي خلقها وخلق كل
(١) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٣٢٦/٤.
(٢) انظر: تفسير المراغي ٣١/٢١.
شيء، فدبرها))(٣).
[انظر: الآيات الكونية، مجالات استدلال
القرآن بالآيات الكونية]
ثانيًا: هلاك الأمم السابقة:
أمر الله تعالى بالسير في الأرض للاعتبار
بهلاك الأمم السابقة، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا
فِىِ الْأَرْضِ ثُمَّ أَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
اٌلْمُكَذِّبِينَ ﴾ [الأنعام: ١١].
والمعنى: سيروا في الأرض لتعرفوا
أحوال أولئك الأمم، وتفكروا في أنهم
كيف أهلكوا لما كذبوا الرسل وعاندوا،
فتعرفوا صحة ما توعظون به، وفي السير في
الأرض، والسفر في البلاد، ومشاهدة تلك
الآثار الخاوية على عروشها تكملة للاعتبار،
وتقوية للاستبصار (٤).
کما حض الله سبحانه على رؤية ما حل
بالأمم السابقة وأخذ العبرة من ذلك، فقال
سبحانه: ﴿أَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن
قَرْنٍ مَّكَّنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَوْ نُمَّكِّنْ لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا
السَّمَآَةَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِى مِن
تَِّهِمْ فَهْلَكْنَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأَنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا
ءَاخَرِينَ ﴾ [الأنعام: ٦](٥).
قال أبو جعفر الطبري: ((يقول تعالى ذكره
(٣) جامع البيان ٢٨٥/١٦.
وانظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج
١٣١/٣.
(٤) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٣٢١/٤.
(٥) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٦٨/٢.
www. modoee.com
٣٧٥

حرف الراء
لنبيه محمد صلی الله عليه وسلم: ألم ير
هؤلاء المكذبون بآیاتي، الجاحدون نبوتك،
کثرة من أهلكت من قبلهم من القرون، وهم
الأمم الذين وطأت لهم البلاد والأرض
توطئة لم أوطئها لهم، وأعطيتهم فيها ما لم
أعطهم؟))(١).
والقرن الأمة من الناس، والجمع
القرون (٢)، وقيل: القرن مدة أغلب أعمار
الناس وهي سبعون سنة، وقيل: ثمانون،
﴿فَهْلَكْنَهُمْ يِذُنُوِهِمْ﴾ أي: لم يغن ذلك
عنهم شيئًا، وأحدثنا من بعدهم قرنًا آخرين
بدلا منهم، والمعنى: أنه سبحانه وتعالى كما
قدر علی أن يهلك من قبلکم کعاد وثمود،
وینشئ مکانهم أقوامًا یعمر بهم بلاده، يقدر
أن يفعل ذلك بكم(٣).
وقد بين الله تعالى أن قوة وشدة الأمم
السابقة لم تمنع عنهم الهلاك، ولم تكن
قوتهم وعمارتهم للأرض وقاية لهم من
ذلك.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَانُواْ أَشَدَّ
مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ
مِنَّا عَمَرُوهَا وَحَتَّهُمْ رُسُلُهُمْ بِاَلْبَغْنَتِّ فَمَا كَانَ
اَللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
(١) جامع البيان ١١/ ٢٦٣.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٩١/٦.
(٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١٥٤/٢.
٥)﴾ [الروم: ٩].
*أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ
وقوله تعالى:
فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَنِقِبَةُ الَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ
كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِىِ الْأَرْضِ
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اَللَّهِ مِن وَاقٍ
(١)﴾ [غافر: ٢١].
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ
فَيَنَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّقُوَّةً وَءَاثَارًا فِي الْأَرْضِ
فَمَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
٨٢
[غافر: ٨٢].
والمعنى: أولم يسر هؤلاء المكذبون
بالله، الغافلون عن الآخرة في البلاد التي
يسلكونها للتجارة ونحوها، فينظروا إلى
آثار الله فيمن كان قبلهم من الأمم المكذبة،
کیف کان عاقبة أمرها في تكذيبها رسلها،
فقد كانوا أشد منهم قوة.
﴿وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ﴾ أي: استخرجوا
الأرض، وحر ثوها وعمروها أكثر مما عمرها
هؤلاء، فأهلكهم الله بكفرهم وتكذيبهم
رسلهم، فلم يقدروا على الامتناع، مع شدة
قواهم مما نزل بهم من عقاب الله، ولا
نفعتهم عمارتهم ما عمروا من الأرض،
فأحل الله بهم بأسه، وعلل ذلك الهلاك
بقوله: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بعقابه
إیاهم علی تکذیبهم رسله، و جحودهم آياته،
﴿وَلَكِنْ كَانُّوَاْأَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمعصيتهم
٣٧٦
جوية
القرآن الكريم