النص المفهرس
صفحات 21-30
يجعل سعر الفائدة نصف في المائة(١). ويرى كينز أن من واجب الدولة أن تعمد إلى تحقيق وفرة المدخرات، ومن ثم وفرة رؤوس الأموال المتاحة؛ للتوظيف في النشاط الاقتصادي، وبهذا تتحقق العدالة الكاملة، وتنتفي ندرة رأس المال، ويهبط سعر الفائدة إلى الصفر(٢). بيد أن الإسلام عندما حرم الربا، لم يترك الفقراء عالةً يتكففون الناس، وإنما حث على الصدقة والقرض الحسن، وجعل أجره أعلى من أجر الصدقة، ووعد من صبر على المعسر بجزيل الأجر والثواب، وفي هذا تكافلٌ اجتماعي کبیرٌ. ويخوض بعض الناس في شبهات حول الربا، منها أن الاقتصاد العالمي قائمٌ على البنوك والتعامل بالربا، وأن عمل البنوك اليوم يشبه المضاربة؛ لأن البنك يجني أرباحًا من الودائع، ويدفع نسبةً من هذه الأرباح طواعيةً ورضًا، ومن ثم يرون أنه یمکن اعتبار ما يدفعه البنك من ربًا، مثل نسبة ربح قياسًا على المضاربة، خاصةً وأن البنك يدفعها عن رضّا، وإذا خسر البنك، فإنه يمكنه أن يلجأ للقضاء، ويثبت خسارته، (١) موقع البنك الدولي. (٢) وضع الربا في البناء الاقتصادي، عيسى عبده ص ١٨٣-١٨٦، النظرية الاقتصادية في الإسلام، فکري أحمد نعمان ص ٢٣٢ - ٢٣٣. ومن ثم يصبح غير ملزمٍ بدفع نسبة الربح المتفق عليها. وپروج بعض الناس عدة أمورٍ عن الربا: إذ يرون أن الزيادة في القرض حقٌّ للمرابي؛ لأن المال الذي يدفعه للمقترض يتيح له الفرصة للعمل وللربح تمامًا، وهذا ادعاءٌ غير صحيح؛ لأن رأس المال في القرض يتحمل مسئوليته المقترض، بالإضافة إلى الزيادة (الفائدة)، من دون أن یتحمل صاحب المال شيئًا، فھو رابحٌ دائمًا، بينما يكون العامل معرضًا للربح والخسارة. من الشبهات عدم الوسع، وهي كلمة حقِ أريد بها باطلٌ: إذ تسمع الرويبضة المتفيهقين يصرفون الناس عن منهج الإسلام، فيفتون بما لا يعلمون، فيقول قائلهم: قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. أي: ليس في وسعه الآن تنفيذ شرع الله، نقول له: من الذي يحدد الوسع؟ أنت أم المشرع سبحانه وتعالى؟ ونقول: مادام الله تعالى قد كلف، فاعلم أن التكليف في وسعك، فخذ الوسع من التكليف، لا أن تقدر أنت الوسع، وتنسى ما كلفك الله به. لذلك ترى أن الله تعالى إذا ضاق الوسع يخفف عنك دون أن تطلب أنت التخفيف؛ لأن الله شرع الدين للبشرية إلى يوم القيامة، www. modoee.com ٤٠٩ حرف الراء فلا تقل: إن تعاليم الدين لا تناسب العصر، إذن: اجعل العصر هو المشرع، وانصرف عن تشريع الله إلى ما يحتمله العصر، إن الله سبحانه هو أعلم بما يصلح البشرية وينظم حركة الكون. من الناس من لا یری بأسًا في الربا، ویری أن تحريم الربا لم يرد إلا في المضاعفة الفوائد الربوية، أما ما دون الضعف فليس ربًا، بيد أن هذا القول يعد تلصصًا على النص؛ إذ اتفق المفسرون والفقهاء على أن المراد من قوله تعالى: ﴿ يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَوْاْ أَضْعَلِفًا مُضَعَفَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣٠]. هو بيان الواقع، لا اختصاص التحريم بحالة المضاعفة. قال ابن عطية: ((وقوله ﴿قُضَعَفَةٌ﴾ إشارةٌ إلى تكرار التضعيف عامًا بعد عامٍ، كما كانوا يصنعون، فدلت هذه العبارة المؤكدة على شنعة فعلهم وقبحه؛ ولذلك ذكرت حال التضعيف خاصةً، وقد حرم الله جميع أنواع الربا، فهذا هو مفهوم الخطاب؛ إذ المسكوت عنه من الربا في حكم المذكور، وأيضًا فإن الربا يدخل جميع أنواعه التضعيف والزيادة على وجوهٍ مختلفةٍ من العين أو من التأخير، ونحوه))(١). وقال الشوكاني: ((وقوله تعالى: (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ١ / ٥٠٧. ﴿أَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ ﴾ ليس لتقييد النھي لما هو معلومٌ من تحريم الربا على كل حالٍ، ولكنه جيء به باعتبار ما كانوا عليه من العادة التي يعتادونها في الربا، فإنهم كانوا يربون إلى أجلٍ، فإذا حل الأجل زادوا في المال مقدارًا يتراضون عليه، ثم يزيدون في أجل الدين، فكانوا يفعلون ذلك مرةً بعد مرة؛ حتى يأخذ المربي أضعاف دينه الذي كان له في الابتداء)»(٢). وقال الألوسي في روح المعاني: ((وليس هذه الحال لتقييد المنهي عنه ليكون أصل الربا غیر منھی، بل لمراعاة الواقع، فقد روی غير واحدٍ أنه كان الرجل يربي إلى أجلٍ، فإذا حل قال للمدين: زدني في المال حتى أزيدك بالأجل فيفعل، وهكذا عند كل أجل، فيستغرق بالشيء ماله بالكلية، فنهوا عن ذلك)»(٣). وقد ترى آراء ظهرت تبرر أخذ الفائدة، وترى أنها تغطيةٌ للنفقات الكتابية والإدارية للمصرف، والشريعة الإسلامية تجعل النفقة مشروعة، ولكن لا تجعلها في إطار الفائدة والربا، فنفقة سداد القرض في مكانٍ غير المكان الذي تم فيه الإقراض يتحملها المتسبب في النقل سواءٌ أكان المدين، أم الدائن. (٢) فتح القدير، الشوكاني ١/ ٣٨١. (٣) روح المعاني ٤ / ٥٥. ٤١٠ جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم والفقه الإسلامي يقر أن أخذ النفقة والأجرة أمرٌ مشروعٌ، فعن مالكٍ أنه بلغه أن عمر رضي الله عنه سئل في رجل أسلف طعامًا على أن يعطيه إياه في بلدٍ آخرٍ، فكره عمر، وقال: ((أين كراء الحمل؟))(١). معيناً مقطوعًا لا يتكرر إلا بتكرار الخدمة التي يقدمها المصرف، فاستحقاق المصرف للأجر، إنما يكون نظير قيامه بأعمالٍ معينةٍ؛ لذلك يجب أن يكون على أساس مبلغ مقطوع، وليس على أساس نسبةٍ من قيمةً وهم لا يرون الفائدة القليلة ربًا، بل الربا القرض. في زعمهم الزيادة الفاحشة، أما الزيادة المعقولة بزعمهم: فإنها جائزةٌ عندهم، ويدعون أن الربا إنما هو الفائدة المرتفعة فقط. وهذا القول باطلٌ؛ لأن الربا في الشريعة الإسلامية، هو الزائد على رأس المال اشتراطًا، وإن كان قبضة شعيرٍ واحدةٍ، وهذا التفريق بين القليل والكثير منهجٌ غير إسلامي، يقصد به التلاعب بالعقول. ومن ثم يبطل اعتبار الفائدة أجرة المصرف على أعماله التي يقدمها للعميل، فالأجرة مشروعةٌ، أما الفائدة فحرامٌ، ولكن يجوز للمصرف أن يستوفي من عميله المقترض أجرًا مقابل الأعباء الإدارية، والكتابية المتعلقة بالقرض؛ إذ إن الأجر يستقضى مقابل منفعةٍ، ويشترط فيها أن تكون معلومة القدر، إما بغايتها أو بتحدید مدتها. ومن ثم يجب أن يكون الأجر مبلغًا (١) تيسير الوصول إلى جامع الوصول من حديث الرسول، ابن الربيع الشيباني ١ / ٧٧. www. modoee.com ٤١١ حرف الراء التوبة من الربا التوبة: الرجوع من الذنب، فالندم توبةٌ، وتاب إلى الله يتوب توبًا وتوبةً ومتابًا: أناب ورجع عن المعصية إلى الطاعة، وتاب الله عليه: وفقه لها، ورجلٌ توابٌ: تائبٌ إلى الله، والله توابٌّ: يتوب على عبده؛ فالله غافر الذنب، وقابل التوب، والله التواب: يتوب على عبده بفضله، إذا تاب إليه من ذنبه. ومن المعلوم يقينًا أن رحمة الله واسعةٌ، وأنه يغفر الذنوب جميعًا، لا يتعاظم ذنبٌ عن عفوه ومغفرته، فما جعل الله التوبة إلا للخطاة، وما أرسل الأنبياء إلا للضالين من الناس، وما جعل المغفرة إلا للمذنبين، وما سمی نفسه الغفار التواب العفو الکریم، إلا من أجل أننا نخطئ فيغفر لنا، قال تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاً إِنَّهُ, هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾﴾ [الزمر: ٥٣]. ولكن للتوبة الصادقة من الربا شروط: الرجوع إلى الله، والندم على اقتراف الذنب، والعزم على عدم العودة إلى المعصية والذنب مرةً أخرى. التخلص من المال الربوي برده لأصحابه إن أمكن، وإلا فيصرفه في وجوه البر والإحسان. فلا بد لآكل الربا أن يرد المال الذي أخذه زیادةً، والاكتفاء برأس المال، ويدلنا على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُهُوسُّ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. ولكن إذا طالت المدة، ولم يعرف الرجل الذي أخذ منه الربا، فعلی آكل الربا التائب أن یتحری ویجد في ذلك، فإن عجز عن معرفته، فله أن يتصدق بهذا المال عنه. ٤١٢ البيـ جوبه القرآن الكريمِ عقوبة آكل الربا إن من فضائل الله تعالى علينا أنه سبحانه وتعالى يحاسبنا على أعمالنا حسابًا عادلًا؛ فمن أحسن حسنةً، يضاعفها له، ومن أساء سيئة جزاه سيئة، ولا يظلم ربك أحدًا، قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧-٨]. فالجزاء من جنس العمل؛ لذلك كان الجزاء مماثلًا للعمل من جنسه في الخير والشر. وقال تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَوِفَّهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْلَكُمْ﴾ [التغابن: ١٧]. ومظاهر عدل الله سبحانه وتعالى كثيرةٌ، فمن ستر مسلماً ستره الله، ومن يسر على معسٍ، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن تجاوز تجاوز الله عنه، فهذا شرع الله وقدره، وثوابه وعقابه، كله قائمٌ بهذا الأصل، وهو إلحاق المثل بالمثل، فمن رحمته وفضله سبحانه وتعالى أن جعل الجزاء من جنس العمل. أولًا: جزاء آكل الربا في الدنيا: لقد بينت السنة النبوية جزاء آكل الربا في الدنيا، فآكل الربا يحال بينه وبين أبواب الخير في الدنيا، فالمرابي لا يقرض القرض الحسن، ولا ينظر المعسر، ولا ينفس الكربة عن المكروب؛ لأنه جشعٌ يعز عليه إعطاء المال بدون فوائد مادية محسوسةٍ، فقد نسي فضل الله عليه، وتغافل عن حقيقة أن المال مال الله. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: ١٢٤]. وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أحدٌ أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلةٍ)(١). وعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله آكل الربا، ومو كله وشاهدیه، و كاتبه)، قال: وقال: (ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله عزّ وجل)(٢). قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اَللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِّبُواْ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ( ٢٧٨ فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُهُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨-٢٧٩]. هذا وعيدٌ إن لم يذروا الربا، والحرب داعية القتل، قال ابن عباس: ((من كان (١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، باب التغليظ في الربا، ٢/ ٨١٢، رقم ٢٤٣١. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٩٦٨/٢، رقم ٥٥١٨. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٥٨/٦، رقم ٣٨٠٩. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ٩٨٤، رقم ٥٦٣٤. www. modoee.com ٤١٣ حرف الراء مقيمًا على الربا لا ينزع عنه؛ فحق على إمام أرواحهم من صدق الإيمان، هذا الإيمان المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع، وإلا ضرب الذي يسبب الهدوء والسكينة والراحة عنقه))(١). وذلك بعقوبة التعزير في الفعل المحرم، مثل: (العمل بالربا، وشهادة الزور)(٢). وعقوبة التعزير، إذا لم يكن هناك حدٌ مقدرٌ. وقيل: أوعد الله أهل الربا بالقتل فجعلهم بهرجًا أينما ثقفوا، وقيل: المعنى: إن لم تنتهوا فأنتم حربٌ لله ولرسوله، أي: أعداء. وقال ابن خويز منداد: ((ولو أن أهل بلدٍ اصطلحوا على الربا استحلالًا كانوا مرتدين، والحكم فيهم، كالحكم في أهل الردة، وإن لم يكن ذلك منهم استحلالًا جاز للإمام محاربتهم))(٣)؛ لأن الله تعالى قد أذن في ذلك، فقال تعالى: ﴿وَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اَللّهِ وَرَسُولِهِ﴾﴾. والحرب التي يتعرض لها المرابون، هي ما نراه في أناسٍ لا ينالون استقرارًا، ولا طمأنينةً ولا راحةً، فالناس مع ما هم فيه من الرقي والتقدم والرخاء المادي قلقون خائفون مضطربون، قد فشت فيهم الأمراض العصبية، والنفسية؛ لخواء (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ١٢٨٥. (٢) المصدر السابق. (٣) الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويتية، ١٢/ ٢٥٧. والطمأنينة للنفس. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَيْنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اَللَّهُ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَبِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: ٢٨]. وهذا التشرذم والصراع على مطالب الدنيا، إنما هو ابتلاءٌ من الله لما قدمت أیدینا. قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن ◌َحْتِ أَرْجُلِّكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٌٍ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥]. ((ذكر ابن بکیر، قال: جاء رجلٌ إلى مالكٍ ابن أنس، فقال: يا أبا عبد الله، إني رأيت رجلًا سكرانًا يتعاقر يريد أن يأخذ القمر، فقلت: امرأتي طالقٌ إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر، فقال: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد فقال له: ارجع حتى أنظر في مسألتك فأتاه من الغد، فقال له: امرأتك طالقٌ؛ إني تصفحت کتاب الله وسنة نبيه، فلم أر شيئًا أشر من الربا؛ لأن الله أذن فيه بالحرب)»(٤). وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلی الله علیه وسلم قال: (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ١٢٨٥. البيـ جوبي لِلْقُرآن الكَرِيمِ ٤١٤ (یأتي على الناس زمانٌ یأکلون فیه الربا)، قال: قيل له: الناس كلهم؟ قال: (من لم یأکله منهم ناله من غباره)(١). وروى الدار قطني عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لدرهم ربًا أشد عند الله تعالى من ستٍ وثلاثين زنيةٍ في الخطيئة)(٢). عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الربا سبعون حوبًا، أيسرها أن ينكح الرجل أمه)(٣). الرسول صلى الله عليه وسلم ينفر أمته من الوقوع في خطيئة الربا، فمثل لها بمثالٍ تأباه کل نفسٍ؛ لما في ضرب المثل من تأثير ينفر من ارتكاب هذه الأفعال غير المرغوب فيها؛ وذلك حتى يأخذ العصاة في الربا بطرفٍ من وعيد هذا الحديث. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع (١) أخرجه أحمد فى مسنده، ٢٥٨/١٦، رقم ١٠٤١٠، وأبو داود في سننه، كتاب البيوع، باب في اجتناب الشبهات، ٢٤٣/٣، رقم ٣٣٣١. وضعفه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٧٠٢، رقم ٤٨٦٤. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢ / ١٢٨٥. (٣) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، باب التغليظ في الربا، ٢/ ٧٦٤، رقم ٢٢٧٤. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٦٦٤، رقم ٣٥٤١. الموبقات)، قالوا: يا رسول الله: وما هن؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)(٤). وعن جابرٍ رضي الله عنه قال: (لعن رسول الله صلی الله علیه وسلم آکل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواءٌ)(٥). وعن عبد الله بن مسعودٍ عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله آکل الربا، ومو کله، وشاهدیه، و کاتبه)، قال: وقال: (ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله عزّ وجل)(٦). وقد بين الله فضل من أعان عباده المؤمنین ونفس عنهم الکرب. قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ لَهُ، وَلَهُوَ أَجْرٌّ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١]. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا)، ١٠/٤، رقم ٢٧٦٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، ١/ ٩٢، رقم ٨٩. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب لعن آكل الربا وموكله، ١٢١٨/٣، رقم ١٥٩٧. (٦) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٥٨/٦، رقم ٣٨٠٩. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ٩٨٤، رقم ٥٦٣٤. www. modoee.com ٤١٥ حرف الراء وقال تعالى: ﴿وَأَبْتَعِ فِيمَآ ءَاتَئِكَ اللهُ الدَّارَ الْآَخِرَةٌ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَاً وَأَحْسِنْ كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكٌ وَلَا تَبْغُ الْفَسَادَ فِ الْأَرْضِّ إِنَّاللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧]. وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَزْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَّرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِهَاخَلِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦]. والأحاديث عن إنظار المعسر، أو التجاوز عما عنده، وجواز التصدق على غير القادرین کثیرةٌ. فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أنظر معسرًا أو وضع عنه، أظله الله في ظله)(١). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نفس عن مؤمنٍ کربةً من کرب الدنیا نفس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)(٢). (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل، ٤ /٢٣٠١، رقم ٣٠٠٦. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كان الرجل يداين الناس، فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرًا فتجاوز عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، قال: فلقي الله فتجاوز عنه)(٣). الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا قيمة من أعظم قيم التكافل والتراحم بين البشر، فبين أن من يمهل المديون حتى يستطيع تدبير أمره وسداد ما عليه بأن الله تعالی أعد له ثوابًا يعادل ثواب الصدقة عن كل يوم يمهل فيه صاحبه، وفي ذلك توجيهٌ عظیمٌ لمن یریدون الثواب من الله. ثانيًا: جزاء آكل الربا في الآخرة: وأما في الآخرة، فالأمر أشد، والخطب عظيمٌ، والمصاب جسيمٌ، وأي مصيبةٍ أعظم من أن يعرض أحدٌ نفسه لسخط الله، فیکون من الذين غضب الله عليهم، وتوعدهم بالعذاب الشديد، كما في قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]. وحريٌ بنا أن نبين أن تخلف بعض العقوبات عن بعض الناس في الدنيا، قد يكون شرًا من نزولها بهم، فإذا رأيت المرابي المعرض عن الله آمنًا في أهله وماله، فلا القرآن، ٢٠٧٤/٤، رقم ٢٦٩٩. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب من أنظر معسرًا، ٥٨/٣، رقم ٢٠٧٨. مَوَسُو ◌َرُ النَِّّ القرآن الكريم ٤١٦ تظن أن الله تاركه، ولكنه يملي له حتى إذا سقطوا، والناس يمشون عليهم. حان أخذه له أخذه أخذًا شديدًا مباغتًا. قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا تُمْلِ لَهِمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمَّ إِنَّمَا نُمْلِيِ لَهُمْ لِيَزْدَادُوّاً إِقْمَّأَ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُواْالسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَزْهَقُهُمْ فِلَّةٌ مَالَهُم مِّنَ الَهِ مِنْ عَاصِيٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ الَّيْلِ مُظْلِمَا أُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [يونس: ٢٧]. إن جزاء المرابي عند الله شدیدٌ، فقد أعد له ما يستحقه من العذاب؛ لأنه حارب الله ورسوله. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوَأْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فالآية تشبه حال القائم بحرصٍ وجشعٍ إلى تجارة الدنيا بقيام المجنون؛ لأن الطمع والرغبة تستفزه حتى تضطرب أعضاؤه، وهذا كما تقول لمسرع في مشيه يخلط في هيئة حر کاته إما من فزع أو غيره: قد جن هذا، ويبعثون من قبورهم، على هذه الهيئة، عقوبةً لهم وتمقيتا عند أهل المحشر. وقوله تعالى: ﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾ جعل الله هذه العلامة لأكلة الربا؛ وذلك أنه أرباه في بطونهم فأثقلهم، فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون. ويقال: إنهم يبعثون يوم القيامة، وقد انتفخت بطونهم، كالحبالى، وكلما قاموا وقال بعض العلماء: إنما ذلك شعارٌ لهم يعرفون به يوم القيامة، ثم العذاب من وراء ذلك، كما أن الغال يجيء بما غل يوم القيامة بشهرةٍ يشهر بها، ثم العذاب من وراء ذلك. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾ المراد يكسبون الربا ويفعلونه، وإنما خص الأكل بالذكر لأنه أقوى مقاصد الإنسان في المال، ولأنه دالٌّ على الجشع، وهو أشد الحرص، وقد أقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الکسب کله، فاللباس والسكنى والادخار والإنفاق على العيال داخل فيه، والمس: الجنون، يقال: مس الرجل، فهو ممسوسُ، إذا كان مجنونًا، وذلك علامة الربا في الآخرة. وفي الحديث عن جابرٍ رضي الله عنه قال: (لعن رسول الله صلی الله عليه وسلم آکل الربا، ومؤکله، و کاتبه وشاهدیه، وقال: هم سواءٌ)(١). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الربا سبعون حوبًا، أيسرها أن ينكح الرجل أمه)(٢). (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب لعن آكل الربا وموكله، ١٢١٨/٣، رقم ١٥٩٧. (٢) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، باب التغليظ في الربا، ٢/ ٧٦٤، رقم ٢٢٧٤. www. modoee.com ٤١٧ حرف الراء وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحلال بينٌ، والحرام بينٌ، وبينهما أمورٌ مشتبهٌ، فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن احترا على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمی الله، من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه)(١). ووجه دلالة الحديث أنه منع من الإقدام على المتشابهات مخافة الوقوع في المحرمات؛ سدًا للذريعة. موضوعات ذات صلة: الاقتصاد، الإنفاق، الحرام، الزكاة، المال وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٦٦٤/١، رقم ٣٥٤١. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، ١/ ٢٠، رقم ٥٢، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، ١٢١٩/٣، رقم ١٥٩٩. ٤١٨ القرآن الكريم