النص المفهرس

صفحات 41-48

داود عليه السلام
الصحابة والتابعين في قصة داود ورده -لدى ولابن عباس، والحسن، والسدي، ووهب
البعض- إنما هو الدليل العقلي المجرد ورد ابن منبه، لا يصح رميه بأسوأ الأوصاف
خبر الآحاد بالقطعيات.
ومن ذلك ما قاله الفخر الرازي في
تفسيره: ((نقول: إن من المعلوم بالضرورة
أن بتقدير أن تكون القصة التي ذكرتموها
حقيقيةً صحيحةً، فإن روايتها وذكرها
لا يوجب شيئًا من الثواب؛ لأن إشاعة
الفاحشة إن لم توجب العقاب فلا أقل من
أن لا توجب الثواب، وأما بتقدیر أن تكون
هذه القصة باطلةً فاسدةً فإن ذاکرها يستحق
أعظم العقاب والواقعة التي هذا شأنها
وصفتها، فإن صريح العقل يوجب السكوت
عنها، فثبت أن الحق ما ذهبنا إليه، وأن شرح
تلك القصة محرم محظور))(١).
وقال الرازي: ((فإن قال قائل: إن کثیرًا
من أكابر المحدثين والمفسرين ذكروا هذه
القصة فكيف الحال فيها؟
فالجواب الحقيقي: أنه لما وقع التعارض
بين الدلائل القاطعة وبين خبر واحد من
أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل
القاطعة أولى))(٢).
خامسًا: حكاية نظر داود للمرأة ورغبته
في نكاحها إنما رواه أئمة كبار من المفسرين
من سلف الأمة، فقول ينسب لابن مسعود،
(١) المصدر السابق ٣٧٩/٩.
(٢) المصدر السابق ٣٨٠/٩.
والألقاب لمجرد استشناع ما جاء في
الروايات والاستقباح النفسي لها، بل إن
منهج الرد والقبول له طريقه العلمي متى
ما سلك أوصل إلى الصواب في منهجية
البحث.
وقد يقال: إنّ من أغلظ في رده إنما
اعتمد على عدم صحة نسبة تلك الأقوال
إليهم، فإننا نقول: إنه لم یبین ضعف تلك
الأسانيد، كما أنه قد قبل مروياتهم الأخرى
وبذات السند المساق في هذه الروايات، فما
وجه الفرق إذن ؟!
كما أن كثيرًا من كتب التفسير روتها
لوجود الإذن الصريح من النبي صلى
الله عليه وسلم في حكاية مرويات بني
إسرائيل، كما أن كبير المفسرين ابن جرير
الطبري قد حكى تلك الروايات عنهم،
وهو من أئمة هذا الشأن، وكذا القاضي ابن
عطية الغرناطي، ولا يغيب عليهما ما ورد
في أذهان المتأخرين أو بعض المعاصرين
من عدم صحة نسبة تلك الأقوال إليهم، أو
احتمال تنقص نبي الله داود بمروياتهم.
وإذا علمنا أن ابن جرير وهو إمام
المفسرين في زمانه وابن عطية قد حكوها،
فإن العجب لا ينقضي من الباحث الذي يشتد
نكيره على من رواها، ويقول: ((وقد أعجب
www. modoee.com
٣٠٧

حرف الدال
بعض المفسرين بهذه التفاصيل الإسرائيلية
المكذوبة، فسجّلوها في تفاسيرهم، وفسّروا
بها آيات القصة، ونسوا أنهم يتحدثون
عن نبي رسول كريم، عصمه الله وحفظه،
فكان أتقی وأفضل الناس)) إلى أن قال: ((أما
المفسرون والمؤرخون المنهجيون فقد
رفضوا تلك الإسرائيليات))(١).
ونلحظ أنه وصف من رفض تلك
الإسرائيليات بالمنهجيين، فمن هم أولئك
عنده؟ قال: «من هؤلاء ابن كثير وسيد
قطب)). ولازم قوله أن ابن جرير وابن عطية
ليسوا من المفسرين المنهجيين! إن في ذلك
مبالغة، وتزهيد للناس في إمام من أئمة هذا
العلم، و کثیر ممن جاءبعده إنما هم عالةعلیه،
کما أن له قدم السبق في التحریر والترجيح،
وليس في جانب الرواية فقط. كما أن نقده لا
یتجاوز أن یکون تشنیعًا بالألفاظ ممن يقدر
عليه كل أحد، وإنما الحجة للدليل والبرهان
مع حفظ مقام القامات العلمية المتخصصة
من ذوي التفسير والتاريخ.
سادسًا: غالب من أنكر وشنع على
من قال بقصة نظر داود للمرأة، ورغبته
في استشهاد زوجها ليتمكن من تزوجها،
انطلقوا من نقاط ثلاث: نظر داود للمرأة، أو
استرساله في النظر لها، أو مساهمته في إراقة
دم زوجها، أو تتبعه للدنيا وحرصه عليها.
(١) القصص القرآني، صلاح الخالدي ٤٥٢/٣.
وعند تأمل ذلك وتفنيده نجد أن ما ورد
في الروايات لیس فیه قدحًا في عصمة داود،
فإن النظر للمرأة كان فجأة، وهو معفو عنه
بالإجماع، كما نص عليه ابن العربي (٢).
ولا يتصور بنبي الله أن ينظر لها فجأةً
وأدام النظر استمتاعًا بها، إن ذلك لا دليل
عليه، ولم يقل به أحدٌ من السلف، وليس
هو من أخلاق الصالحين فضلًا عن الأنبياء،
ولو فرضنا جدلًا أن ذنب داود كان إعادة
النظر للمرأة فإن ذلك صغيرة وليس كبيرة،
وعصمة الأنبياء في الصغائر فيها خلاف
بین أهل العلم؛ ولذا فمن روى رواية فيها
إثبات صغيرة لنبي وهو لا يرى بعصمتهم
في الصغائر فإن له ذلك من هذا الوجه.
أما موت زوجها فلا نقطع بموته كما
لا نقطع بأن داود سعى في هلاكه؛ لأن
معتمد من قال به إنما تفاصيل المرويات
الإسرائیلیة، ولا یمکن الجزم بها، ثم إنه قد
يدخل باب التأويل، فإن الزوج كان يقاتل في
سبيل الله؛ وذلك مظنة قتله فتقدمه وتأخره
في المعركة ليس فيه تحول جذري، بل كل
مواطن المعركة مظنة الموت.
أما تتبعه للدنيا - كما قيل في لحاقه
بالحمامة- فإنه لا يقدح في داود عليه السلام
لو وقع ذلك فعلا، فإنه كان ملكاً ولم يذمه
علی ذلك من أحد، بل عدوها منقبةً له بما
(٢) أحكام القرآن ٤/ ٥٤.
صَوْسُو ◌َرَ النَّفْسَيد
الْقُرْآن الكَرِيمِ
٣٠٨

داود عليه السلام
آتاه الله، وتتبع الدنيا بما لا يلهي عن ذكر الله ابن أبي حاتم هنا حديثًا لا يصح سنده؛ لأنه
وطاعته، وبما لا يوقع في المحظور لا يعد من رواية يزيد الرقاشي عن أنس - ويزيد
ذنبًا فضلًا أن يكون فيه قدحًا في العصمة.
سابعًا: أهم الركائز التي يدور عليها
الخلاف هو ارتباط قصة الخصمين بفتنة
داود، ومن نفى ذلك الارتباط فإنه قد دفعه
لذلك تصوره أن ثمة ارتباطًا بين فتنة داود
بقصة المرأة وتفاصيل ما حدث، فسلك
طريق النفي لاعتقاده أنه أسلم.
ثامنًا: كل من فسّر فتنة داود بأن له
علاقة بالمرأة فإن معتمده على الروايات
الإسرائيلية، ولا حرج عليه -ويلزم من ((وأما الموقوف من ذلك على الصحب
روايته لها أنه كان يعتقد أنه ليس ثمة ما
يقدح في عصمة نبي الله داود فيما رواه-
في رواياتها للإذن النبوي الذي سبق ذكره،
وذلك في حالة صحته عنه.
الترجيح:
بالنظر في نص الآيات فحسب فإنه ليس
فيها ما يجزم بحقيقة القول في فتنة داود،
وبالاعتماد على أصول التفسير فإنه لا يوجد
ما يفسر لنا ذلك إلا بالمروي عن الصحابة
والتابعين.
وأما ما ورد في الحديث المرفوع الذي
أخرجه ابن جرير في تفسيره فإنه ضعيف،
وقد ضعّف إسناده ابن كثير في تفسيره،
فقال: ((ولم يثبت فيها -أي فتنة داود- عن
المعصوم حدیث یجب اتباعه، ولکن روی
وإن كان من الصالحين- لكنه ضعيف
الحديث عند الأئمة)»(١).
وكذا ضعفه القاسمي في محاسن
التأويل(٢).
وتأخير ابن جرير له في إيراده في تفسيره
قد یشیر إلی تضعيفه له.
وأما ما روي عن الصحابة والتابعين فإنها
لا تخرج عن مرويات إسرائيلية في عمومها،
لا حرج عليهم في روايتها، قال القاسمي:
والأتباع -رضي الله عنهم-، فمعوّلهم في
ذلك ما ذكر في التوراة من هذا النبأ، أو الثقة
بمن حکي عنه، وینبني علی ذلك ذهابهم
إلى تجويز مثل هذا على الأنبياء)» (٣).
وكما هو مقرر في أصول التفسير من
اعتبار تفسير الصحابي والتابعي واعتبارها
حجة عند عدم وجود المخالف، فإن ما
روي عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهم
يجعلنا نطمئن إلى أن فتنة داود عليه السلام
كانت في طلبه من زوج المرأة أن يتنازل له
عنها، وأن الملكين جاءا له في هيئة رجال
لإشعاره بما وقع فيه من فتنة لا توافق مقام
الأنبياء العلي.
(١) تفسير القرآن العظيم ٧/ ٦٠.
(٢) محاسن التأويل ١٤/ ١٥٦.
(٣) المصدر السابق.
www. modoee.com
٣٠٩

حرف الدال
وأما تفاصيل القصة فكما أننا لا نجد العربي: ((لا خلاف بين العلماء أن المراد
بالركوع ها هنا: السجود)» (٣).
اتفاقًا عليها في كل المرويات، فإن الجزم
بصحة التفاصيل دونه خرط القتاد، ولا يلزم
من ذلك القول بنفي أصل القصة، والله
تعالى أعلم.
وأما من سلك تجاهل الروايات تلك
فلا يضره ما لم يخالف منهجه العلمي
المنصوص عليه في تفسيره أو المستقرأ منه،
ومن شنّع على المفسرين الذين رووا تلك
المرويات فلا يحق له ذلك التشنيع لوجود
الإذن النبوي برواية الإسرائيليات دون
الجزم بالتصديق أو التکذیب لذاتها، وقد مر
ذکر الحديث الذي رواه البخاري، وهذا من
الناحية النظرية، وثانيًا من ناحية عملية؛ لأن
روايتها جاءت عن بعض الصحابة رضوان
الله عنهم.
ثانيًا: الإنابة والاستغفار:
أثنى الله عز وجل على نبيه داود عليه
السلام بصفات علية، كالاستغفار والإنابة
والأوبة، قال جل وعلا: ﴿فَاسْتَغْفَرَرَبَّهُ وَخَرَّ
رَكِعَا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤].
وقال عنه أيضًا: ﴿إِنَّهُ أَوَّابُ﴾ [ص:١٧]
ومعنى (أناب)، أي: رجع إلى ربه وتاب(١)،
وفي (راكعًا)، أي: خرّ ساجدًا (٢) قال ابن
(١) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٦٤.
(٢) هو قول ابن جرير في تفسيره ٢٠/ ٦٤ وقيل
غير ذلك، فالخلاف موجود كما ذكر ابن
وحكى ابن تيمية الإجماع في ذلك،
فقال: ((وأما قوله عن داود عليه السلام:
﴿وَخَرَّرَاكِعًا﴾ [ص: ٢٤] لا ريب أنه سجد،
كما ثبت بالسنة وإجماع المسلمين أنه سجد
لله)»(٤).
وأما (أواب) فإنه من الأوية، والأوبة
الرجوع، والأواب: الرّجّاع الذي يرجع إلى
التوبة والطاعة (٥).
واختلف قول المفسرين فيها، وكلها
ترجع إلى جنس واحد، وهو حسن إقباله
على ربه وطاعته له، فذهب مجاهد وابن
زيد (٢) إلى أن معنى أواب: هو الرّجاع عن
الذنب، وذهب قتادة(٧) إلى أنه المطيع
لله كثير الصلاة، وأما السدي (٨) ففسره
بالمسبّح، وفسّره الضحاك (٩) بأنه التّاب.
وكل هذه الأقوال تعود لجنس واحد في
معناه کما ذکرت، فيعدّ خلافهم اختلاف
تنوع.
عاشور في التحرير والتنوير ٢٤٠/٢٣.
(٣) أحكام القرآن ٤/ ٥٧.
(٤) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٤٥/٢٣.
(٥) لسان العرب، ابن منظور ٢١٩/١.
(٦) أخرجه عنهما الطبري في تفسيره ٤٢/٢٠.
(٧) أخرجه عنه الطبري في تفسيره ٢٠/ ٤٢.
(٨) أخرجه عنه الطبري في تفسيره ٢٠/ ٤٣.
(٩) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٨ /٠١٤٤
٣١٠
جونيو
الْقُرآن الكَرِيْمِ

داود عليه السلام
واختار ابن كثير قولًا عامًا يجمع ما عند وقوع فتنة له.
سبق إيراده من أقوال، فقال في تفسيره:
((هو الرجاع إلى الله في جميع أموره
وشؤونه))(١).
وجاءت هاتین الآیتین في موضعین، بدایة
ذکر قصة دخول الخصمين وفي نهايتها،
فقبل أن يذكر الله ما ظنه داود من وقع الفتنة
له قال قبله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧]، وبعد أن
ذكر الحادثة قال عقبها: ﴿فَاسْتَغْفَرَرَبَّهُ وَخَرَّ
رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]، فكانت النتيجة بعد
استغفاره أن الله قال: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ, ذَلِكَ
[ص: ٢٥]، واسم الإشارة في قوله: ﴿فَغَفَرْنَا
لَهُ ذَلِكَ﴾ يحتمل عوده إلى ذلك الذنب،
كما فسّره قتادة (٢)، وعمّم العبارة البيضاوي
فقال: ((أي: ما استغفر منه))(٣).
ومدار خلافهم مبني على تفسيرهم
لأصل فتنة داود، وعليه تنوعت تفاسيرهم
لهذه العبارة، وسبق بیان ذلك بتوسع.
فبدأ و ختم بذکر فضيلة داود في الاستغفار
والإنابة إلى ربه؛ للتأكيد على حسن علاقة
داود بربه في حال سرائه وضرائه، وهذا حاله
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٥٧.
ونلاحظ أن قول ابن كثير هذا ينسجم مع ما
ذهب إليه في قصة دخول الخصمين على
داود، فجعل القول عامًّا؛ كونه لم يربطه بفتنة
المرأة أو غيره.
(٢) أخرجه عنه الطبري في تفسيره ٢٠/ ٧٦، وهو
اختيار ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٤٢/٧.
(٣) أنوار التنزيل ٢/ ٣١٠.
فما أعظمه من ثناء على داود من ربه
بأنه رجاع إلی الحق، ومنیب تائب إلی ربه،
وكل ذلك من عناية الله بداود عليه السلام،
والتأكيد على منزلته ومكانته عند مولاه؛
ولئلا يظن به أحد الأغرار سوءًا بعد ما حكي
من ظنه الفتنة - أيًا كانت تلك الفتنة- فإنها
لم تنقص قدره ومنزلته، بل فيها رفعة وسمو
له؛ لأنه يعرف طريق ربه، فعندما ظن أنه
وقوع في الفتنة تاب وأناب ورجع لربه.
بل جاء التصريح والتأكيد بعلو منزلته؛
لينتفي أي احتمال ولو ضعيف بتدني منزلة
داود عليه السلام، فقال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ.
ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابِ ﴾
[ص: ٢٥]، فكما أنه استغفر ربه فهنا أثبت
ربنا بأنه قبل توبته وغفر له، وأثبت له المنزلة
العالية عنده.
قال الطاهر بن عاشور في التحرير
والتنوير: ((واسم الإشارة في قوله: ﴿فَغَفَرْفًا
لَهُ ذَلِكَ﴾ يشير إلى ما دلت عليه خصومة
الخصمين من تمثيل ما فعله داود بصورة
قضية الخصمين، وهذا من لطائف القرآن؛
إذ طوى القصة التي تمثّل له فيها الخصمان،
ثم أشار إلى المطوي باسم الإشارة، وأتبع
الله الخبر عن الغفران له بما هو أرفع درجة،
وهو أنه من المقربين عند الله، المرضي
عنهم، وأنه لم يوقف به عند حد الغفران لا
www. modoee.com
٣١١

حرف الدال
غير))(١).
وهذا حال المؤمنين فضلًا عن صفوة
الخلق الأنبياء، فهم يلازمون الاستغفار على
كل حين للوصول إلى مراد الرب سبحانه،
فداود استغفر ربه، وسجد لله وتاب له، فنال
المنزلة العليا، وسينال يوم القيامة المكانة
الأعلى التي وعدها إياه ربه.
وختامًا، فإن سوق قصة ابتلاء داود
وتعقيبها بذکر استغفاره ورجوعه لربه دلیل
على فضله ومكانته العليّة عند ربه ومولاه،
وما صدر عن داود من افتتان إنما (يستوجب
العتاب ولا يقتضي العقاب))(٢) فإن قدره
محفوظ عند ربه، وفي ذلك العتاب من
ألطاف الرحمن لداود ولعباد الله ما فيه من
فوائد وحكم لا يتسع لها المقام.
(١) التحرير والتنوير ٢٣/ ١٤٠.
(٢) المصدر السابق ١٣٦/٢٣.
فوائد من قصة داود عليه السلام
إن الله رفع قدر الأنبياء عن بقية خلقه،
ومن مزيد اعتنائه بهم أن ابتلاهم بما قدّره
عليهم ليرفع شأنهم، قال السعدي: ((اعتناء
الله بأنبيائه وأصفيائه عندما يقع منهم بعض
الخلل بفتنته إياهم وابتلائهم بما به يزول
عنهم المحذور، ويعودون إلى أكمل من
حالتهم الأولى، كما جرى لداود)» (٣).
كما أنه من فوائد ذلك الابتلاء أن يكون
للخلق العظة والعبرة من حال الأنبياء؛
وليكون لهم فيهم أسوة حسنة، ومن تلك
الفوائد في قصة داود عليه السلام:
١. في قوله تعالى: ﴿فَفَرِعَ مِنْهُمْ﴾ [ص:٢٢]
إشارةٌ إلى الخوف الجبلي الذي يعتري
البشر عند رؤية مكروه، ولا یؤاخذون
عليه، ولا يتعارض مع طمأنينته بالنبوة،
وثقته بالله، وتو کله علیه، وقد أجاب
ابن عاشور (٤) عن هذا بثلاثة أجوبة
أحسنها ما أشرت إليه. وأما عن سبب
الفزع ففيه أقوال؛ منها ما هو بالنظر
للزمان، وهو أنهم دخلوا عليه ليلًا في
وقت لا يتوقع فیه دخول أحد، أو بالنظر
للمكان، وأنهم تسوروا المحراب، ولم
يدخلوا من الباب (٥).
(٣) تيسير الكريم الرحمن ص٧١١.
(٤) التحرير والتنوير ١٣٢/٢٣.
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣١٢
العضوي
جَوَسُو ◌َةَالـ
القرآن الكريمِ

داود عليه السلام
٢. اجتمع لداود في تلك الخصومة عدة
أمور نفسية لم تؤثر عليه سلبًا، فهم
دخلوا عليه فجأة، وأصابه الفزع،
ووعظوه قبل أن يحكم، ومع هذا اتسع
صدر ني الله لهم، واستمع وحکم بما
رآه حقًّا.
٣. استدل المالكية بجواز التقاضي في
المسجد بأن داود حكم بينهما في
المسجد، قال القرطبي: ((وليس في
القرآن ما يدل على القضاء في المسجد
إلا هذه الآية))(١). ويسلم لهم هذا
الاستدلال متى ما ثبت وقوع القصة في
المسجد بدليل صحيح.
٤. نأخذ من قوله تعالى:
بَيْنَنَا
﴿فَلَحْكُر
بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَأَهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَطِ ؟
[ص: ٢٢] فائدتين: الأولى تتعلق
بالمحكوم، والثانية بالحاكم، فإن
المتخاصمین طلبوا التحاكم إلى داود،
وقبل أن يعرضا خصومتهما نصحاه
بتلك النصائح، والتي قد يفهم منها
ضعيف النفس اتهامًا له وتخوينه،
ولكن داود عليه السلام تقبل منهم
تلك النصيحة، ولم يزجرهما أو يغلظ
عليهما، وهو نبي الله المؤيد بالوحي،
فما بالنا بحال البشر ممن ليسوا بأنبياء!
وهذا اللائق بمن وجهت له النصيحة،
ولو في مجلس القضاء، طالما أنه ظهر
من الناصح إرادة الحق، ولم يكن في
تلك النصيحة تخوين له بالتصريح
أو التلميح، قال السعدي: ((عرف أنّ
قصدهما - أي المتخاصمين- الحق
الواضح الصرف، فلم يشمئز نبي الله
داود من وعظهما له ولم يؤنبهما))(٢).
كما أن تلك النصيحة لم تصرف داود
عن الاستماع للمظلمة، ولم تمنعه
النصيحة من الحكم بالحق الصرف،
وأيضًا ليس فيها تقليل من مقدار
القاضي أو الحکم فلم یکن فيها جفاء،
وذلك كونها قبل إصدار الحكم، قال
ابن عاشور: «وصدورہ -أي النصح-
قبل الحكم أقرب إلى معنى التذكير،
وأبعد عن الجفاء، فإن وقع بعد الحكم
كان أقرب إلى الجفاء))(٣). وفي هذا
المعنى سطر الألوسي كلمات تكتب
بماء الذهب، فقال: ((وفي تحمل داود
عليه السلام لذلك منهم دلالة على
أنه يليق بالحاكم تحمل نحو ذلك من
المتخاصمين لا سيما إذا كان ممن معه
الحق، فحال المرء وقت التخاصم لا
یخفی، والعجب من حاکم أو محکم أو
١٥٩/١٨.
(١) المصدر السابق ١٨/ ١٧٣.
(٢) تيسير الكريم الرحمن ص ٧١١.
(٣) التحرير والتنوير ١٣٤/٢٣.
www. modoee.com
٣١٣

حرف الدال
من للخصوم نوع رجوع إليه كالمفتي
كيف لا يقتدي بهذا النبي الأواب عليه
الصلاة والسلام في ذلك، بل يغضب
كل الغضب لأدنى كلمة تصدر ولو
فلتة من أحد الخصمين يتوهم منها
الحط لقدره، ولو فكّر في نفسه لعلم أنه
بالنسبة إلى هذا النبي الأواب لا يعدل
-والله العظيم - متك ذباب(١)، اللهم
وفقنا لأحسن الأخلاق، واعصمنا من
الأغلاط))(٢).
نسأل الله أن يلهمنا حسن الأخلاق
والأقوال والأعمال، وأن يرزقنا العلم
النافع، وأن يغفر لنا الزلل.
موضوعات ذات صلة:
بنو إسرائيل، زكريا عليه السلام، سليمان
عليه السلام، عيسى عليه السلام، موسى
عليه السلام، الكتب المنزلة
(١) متك الذباب: أنف الذباب، وقيل ذكره.
انظر: لسان العرب، ابن منظور
١٠/ ٤٨٥.
(٢) روح المعاني ٢٤٦/٢٣.
٣١٤
القرآن الكريمِ