النص المفهرس

صفحات 21-40

داود عليه السلام
صمويل، وقيل: غيرهم (١)، وتحديد اسمه الخلق!
غیر مهم لنا في هذا البحث، كما أنه ليس
هناك دليل صحيح ينص على تحديده.
وقد توالت الأحداث على بني إسرائيل
من خير وشر، ورفعة ومذلة، ثم كانت
المعركة الفاصلة بين الملك طالوت ومعه
داود عليه السلام وخصومهم جالوت
وجنده، فوقع القتال بأمر الله، ثم قتل داود
جالوت، فوقع حب داود في قلوب بني
إسرائیل، ومالوا إلیه، ثم آل الملك إليه مع
ما منحه الله من النبوة.
فجمع الله لداود بين الملك على بني
إسرائيل والنبوة.
وهنا لا بد من وقفة جلية تكشف لنا
حقیقة صفات داود عند أهل الكتاب بما
ورد في العهد القديم والعهد الجديد، مع
موازنتها بما ذكره الله عز وجل عن نبيه داود
في القرآن الكريم؛ ليتضح البون الشاسع بين
ما نعتقد کمسلمین في حق داود عليه السلام،
وبين ادعاءات البهتان لأهل الكتاب.
صفات داود في القرآن والعهد القديم:
إن الأنبياء هم صفوة الخلق، ونعتقد
بجمال أحوالهم قبل نبوتهم وبعدها، ولا
يتصور أي معظّم لأنبياء الله أن يرميهم
بالنقائص والعيوب التي يترفع عنها بسطاء
الناس فضلًا عن كبرائهم، فضلًا عن صفوة
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٦٤/١.
وإن اليهود يزعمون أنهم يعظمون داود،
وهذا ادعاء لا يتفق مع ما يؤمنون به من
كتبهم، فإن في العهد القديم نسبة الصفات
القبيحة والشنيعة لداود عليه السلام حاشاه
من تلك المعايب، ولا أدري أي تعظيم له
بعد ذلك؟!
ولنبدأ بالوجه المشرق لصفات داود
كما وردت في القرآن الكريم على وجه
الاختصار (٢)
جاء في القرآن عن داود عليه السلام أنه:
* الخليفة: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِفَةً فی
اُلْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦].
# صاحب الزبور: ﴿وَءَاتَّيْنَا دَاوُ دَ زَبُورًا﴾
[النساء: ١٦٣].
الأواب: ﴿وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيَدِّ إِنَّهُ:
أَوَّابُ﴾ [ص:١٧].
والذي تسبح معه الطير والجبال:
إِنَّا
سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ، يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ
وَيْرَ مَحْشُورَةٌ كُلٌّ لَّهُ، أَوََّبٌ
١٨
[ص: ١٨ - ١٩].
صاحب الملك والحكمة والعلم:
﴿وَءَاتَنُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ
وَعَلَّمَهُ مِمَايَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٥١].
وَلَقَدْ ءَانِيْنَا
ج صاحب الصناعات:
(٢) انظر: الأنبياء في القرآن والكتاب المقدس،
محمد عمارة ص٥٥.
www. modoee.com
٢٨٧

حرف الدال
دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًّاً يَنَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَدُ وَالظَّيْرٌ
وَأَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ﴿ أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَاتٍ
وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِّ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِّ بِمَا
تَعَمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [سبأ: ١٠-١١].
المغفور له، وصاحب الزلفى وحسن
المآب: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ, ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا
لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ ﴾ [ص:٢٥].
هذه صفات نبي الله داود في القرآن،
وعندما تقرأ هذه الصفات تشعر بانشراح
نفس، وارتياح في ذكر هذه الصفات، بينما
إذا انتقلت للطرف الآخر شعرت بالضيق
والحرج من ذكر تلك الصفات الشنيعة عن
داود عليه السلام، ولأبرهن على استنقاص
أهل الكتاب لداود نعرج على ما رموا -زورًا
وبهتانًا- به داود عليه السلام.
ومن تلك الصفات القبيحة الواردة
في العهد القديم(١) على وجه الإجمال:
يصورون داود عليه السلام في صورة
الفاسق والزاني والقاتل بغير حق، ومدعي
الجنون، وقاطع الطريق!
ودونك كلامهم على وجه التفصيل:
اتهامه بالزنا والعياذ بالله.
(١) انظر: رسالة داود وسليمان في الأسفار
اليهودية، مي المدهون ص ١٦٨ - ١٦٩.
وأشير هنا إلى أن الموازنة فيما ذكرت عن
صفات داود عليه السلام في العهد القديم
والقرآن فحسب وليس لما يورد في كتب
التفسير؛ لأن تلك الكتب هي التي يعتقد أهل
كل ملة نسبتها إلى الله.
فجاء في سفر صموئيل الثاني (١١:
٢-٥) قال: ((وكان في وقت المساء أن
داود قام عن سريره، وتمشى على سطح
بيت الملك، فرأى من على السطح امرأة
تستحم، و کانت جميلة المنظر جدًا، فأرسل
داود وسأل عن المرأة، فقال واحد: أليست
هذه بتشبع بنت اليعام امرأة أوريا الحثي؟!
فأرسل داود رسلا وأخذها فدخلت إليه،
فاضطجع معها، وهي مطهرة من طمتها، ثم
رجعت إلى بيتها، وحبلت المرأة، فأرسلت
وأخبرت داود، وقالت إني حبلى)).
فانظر أيها القارئ لهذا الاتهام الفاحش
الذي يتورع عنه العقلاء في نسبته لصالحي
الناس فضلًا عن الأنبياء -عليهم الصلوات
والسلام-، قال الطاهر ابن عاشور: ((وقد
حكيت هذه القصة - أي قصة داود والمرأة-
في سفر صموئيل الثاني في الإصحاح
الحادي عشر على خلاف ما في القرآن،
وعلى خلاف ما تقتضيه العصمة لنبوءة داود
عليه السلام فاحذره))(٢).
اتهامه بالقتل دون حق.
بعد أن ذكروا اتهامه بالزنا والعياذ بالله،
ولتكتمل القصة الدرامية في مخيلة اليهود،
زعموا أنه مكر بزوج تلك المرأة لتغطية
فعلته! فأمر بإرساله في وجه الموت ليموت،
جاء في سفر صموئيل الثاني (١١: ٦- ١٥)
(٢) التحرير والتنوير ٢٣٩/٢٣.
٢٨٨
مَنُوالَهُ الْتَّخِّ
جوسين
الْقُرآن الكَرِيمِ

داود عليه السلام
بعد أن ذكروا أن داود سقاه الخمر، قال: الأول (٢٧: ١٢).
«و کتب المكتوب -أي داود- يقول: اجعلوا
أوريا في وجه الحرب الشديدة، وارجعوا
من ورائه فیضرب ویموت)). فانظر إلى هذا
التخطيط والمكر، أيعقل هذا من نبي كريم
؟! حاشا والله.
٤ ادعاء داود الجنون.
جاء في سفر صموئيل الأول (٢١:
١٢-١٥) «فوضع داود هذا الكلام في قلبه،
وخاف جدًا من أخیش ملك، فغير عقله في
أعينهم، وتظاهر بالجنون بين أيديهم، وأخذ
يخربش على مصاريع الباب، ويسيل ريقه
على لحيته)).
قاطع طريق.
تصور الأسفار اليهودية المحرفة انشقاق
داود عليه السلام عن الملك شاؤول،
وهروبه إلى الفلسطينيين، وانعزالهم في
مغارة، ثم قيامهم بغارات على المارة، وكان
داود رئیسًا لهم، كما جاء في سفر صموئيل
الأول (١:٢٢-٥).
* الخداع.
ذکروا له موقفًا في خداع قومه بأن أخذ
في أحد المعارك البقر والغنم والحمير
والجمال والثياب، وقدمها لملك فلسطين
وأخبره أنه غزا أعداءهم وهو لم يفعل،
وصدقه الملك، قال: ((صار داود مكروها
لدى شعبه إسرائيل) انظر: سفر صموئيل
وغير ذلك من صور شنيعة لمن يزعمون
تعظيمه، فما بالك بمن یکرهونه كمحمد
عليه الصلاة والسلام، وباقي المسلمين.
وقد يستغرب المرء عندما يقرأ هذه
الصفات القبيحة المنسوبة لنبي الله داود من
قبل اليهود وعن علة ذلك.
وفي ذلك يقول البقاعي في نظم الدرر:
((وأخبرني بعض من أسلم منهم -أي
الیهود- أنهم يتعمدون ذلك في حق داود
عليه السلام؛ لأن عيسى عليه السلام من
ذريته ليجدوا السبيل إلى الطعن فيه» (١).
والله أعلم.
(١) نظم الدرر ٣٧٦/٦.
وذكرت مي المدهون أن بعض اليهود كانوا
ينفون عن داود النبوة ويعتبرونه ملكًا فحسب.
www. modoee.com
٢٨٩

حرف الدال
آيات داود عليه السلام
أولًا: تسخیر الجبال له وتسبیحها معه:
وهب الله لنبيه داود عليه السلام عددًا
من الآيات ومن جملتها: تسخير الجبال
والطير معه، فقال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَ
وَكُلَّ ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَاً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ
اُلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَعِلِينَ
﴾ [الأنبياء: ٧٩].
وَلَقَدْ ءَانِيْنَا دَاوُودَ مِنَّا
وقال أيضًا:
فَضْلاً يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ، وَالطَّيْرٌ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ
﴾ [سبأ: ١٠].
وقال تعالى: ﴿أَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأَذْكُرْ
عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابُ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ
٠١١٠٠
مَعَهُ يُسَّحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ ) وَاُلَّيْرَ مَحْشُورَةً
كُلِّ لَّهُ أَوَّابٌ ١﴾ [ص:١٧-١٩].
والآيات تذكر ما وهبه الله لداود وهي
ثلاث آيات: تسخير الجبال، وتسخير الطير،
وإلانة الحديد، وسنتناول هذه الآيات بشيء
من التفصيل.
صدّر الله جل في علاه في قوله: ﴿وَلَقَدْ
،انينا دَاوُودَمِنَّافَضْلًا﴾ منّته وفضله على داود،
ثم بین ما وهبه من آيات، وفي ذلك إشعار
لداود ولغيره من عباد الله أن هذه الفضائل
هي من الله، ومستوجبة للشكر، فالمصدر
والمنعم هو الله، وحسبنا بها من فضل.
وقبل الشروع في تسخير الجبال لداود
أبين ما قيل في (الفضل) الذي أشارت
إليه الآية آنفة الذكر، فقد قال القرطبي في
تفسيره: ((واختلف في هذا الفضل على
تسعة أقوال:
الأول: النبوة.
الثاني: الزبور.
الثالث: العلم.
الرابع: القوة.
الخامس: تسخير الجبال والناس.
السادس: التوبة.
السابع: الحکم بالعدل.
الثامن: إلانة الحدید.
التاسع: حسن الصوت))(١). انتهى
مختصرًا.
والصواب -والله أعلم- أن الفضل
المراد في هذه الآية هو ما ورد ذكره في نفس
الآية، وبينه الله من تسبيح الجبال والطير
وإلانة الحديد، وإن كان باقي أنواع الفضل
نالها داود وثبتت بغير هذا الدليل.
فهذا الفضل الذي آتاه الله داود هو فضل
عظيم، ونلحظ أن (فضلًا) جاءت بالتنكير،
وهو تنكير للتفخيم (٢)، كما أن لفظة (منا)
تشير إلى أن الفضل من الله لداود بلا
واسطة، لتأكيد فخامته الذاتية الإضافية،
وتقديمه على المفعول الصريح للاهتمام
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٧ / ٢٦٠.
(٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ٢٩/٢٢.
٢٩٠
مَوَسُولَةُ
القرآن الكريمِ

داود عليه السلام
بالمقدم والتشويق للمؤخر، ليتمكن في
النفس عند وروده أفضل تمكن(١).
ومن اللطائف البلاغية في هذه الآية ما
ذكره الزمخشري في الكشاف حيث قال:
((ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التي لا
تخفى: من الدلالة على عزة الربوبية، و کبریاء
الإلهية، حيث جعلت الجبال منزّلة منزلة
العقلاء الذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا،
وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا، إِشعارًا بأنه ما
من حيوان وجماد وناطق وصامت إلا وهو
منقاد لمشيئته، غير ممتنع على إرادته)»(٢).
والمتأمل في الآيات التي جاء ذکر ما آتاه
الله لداود من تسخير الجبال والطير يجد أن
الآيات قد جاءت بالجمع بينهما فما أن یذکر
تسخير الجبال إلا ويذكر تسخير أو تسبيح
الطير، وأيضًا جاء ذكر الجبال مقدمًا على
ذكر الطير في الثلاث آيات، وفي علة ذلك
يقول الزمخشري: ((فإن قلت: لم قدمت
الجبال على الطير؟ قلت: لأن تسخيرها
وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل
في الإعجاز؛ لأنها جماد والطير حيوان، إلا
أنه غير ناطق)) (٣).
وقد صاحب ذكر تسخير الجبال لداود
عليه السلام بكلمتين هما ﴿يُسَبِّحْنَ﴾
كما في سورة الأنبياء وسورة ص، وبكلمة
(١) انظر: المصدر السابق.
(٢) الكشاف ٥٥٤/٣.
(٣) الكشاف ١٢٦/٣.
﴿أَوِى مَعَهُ,﴾ كما في سورة سبأ.
أما الكلمة الأولى فإن التسبيح معروف،
وهو ظاهر الآيتين إلا أن هناك قولًا آخر فيه،
فقد أخرج ابن جرير في تفسيره عن قتادة
في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ
يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] أن المراد أي: يصلين
مع داود إذا صلى، فجعل يسبح بمعنى
يصلي(٤).
وقال ابن عطية في المحرر الوجيز:
((واختلف الناس في قوله تعالى:
﴿يُسَبِّحْنَ﴾ فذهبت فرقة وهي الأكثر إلى
أنه قول (سبحان الله)، وذهبت فرقة منها:
منذر بن سعيد إلى أنه بمعنى: يصلين معه
بصلاته)»(٥).
وقد يقال: لا يمنع أن يكون القولان
بمعنی واحد، فالجبال تسبح مع داود، أي:
بقول (سبحان الله)، وهي أيضًا تصلي معه،
أي: تدعو الله وتذكره، ومعلوم أن ليس
في صلاة داود الركوع والسجود الذي في
شريعتنا، ولو كان فيها ذلك لما منع من حمل
الصلاة على معناها اللغوي وهو الدعاء.
فإن الفعل (أوّب) هو من
وأما
آب يؤوب، والأوب في اللغة: الرجوع (٦)،
قال ابن جرير في تفسيره: ((والتأويب عند
(٤) جامع البيان ٣٢٨/١٦.
(٥) المحرر الوجيز ١٨٨/٦.
(٦) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٤٣٥/١٥.
www. modoee.com
٢٩١

حرف الدال
العرب الرجوع)) (١).
فإن الجبال کان ترجع مع داود تسبيحه،
فداود عليه السلام يسبح وهي ترجع معه،
أي: ترد الذكر والتسبيح(٢).
وبعد النظر في معنى ﴿أَوِّبِ مَعَدُ﴾
لغة، نجد أن المفسرين ذكروا في معنى
تأويب الجبال ثلاثة معاني، وهي: التسبيح
والترجيع، وتصرفي معه، وسيري معه.
فالقول الأول: سبحي معه، وهو قول
ابن عباس وأبي ميسرة ومجاهد وقتادة وابن
زيد والضحاك، أخرجه عنهم ابن جرير في
تفسيره (٣).
قال ابن کثیر: «الصواب رجعي معه،
مسبحة معه»(٤).
والقول الثاني بمعنى: تصرفي معه(٥).
قال ابن جرير في تفسيره: «﴿أُوِیی مَعَدُ﴾
قد کان بعضهم يقرؤه (أوبي معه) من آب
یٹوب، بمعنی تصرفي معه»(٦).
القول الثالث: بمعنى سيري معه، ذكره
ابن عطية بلا نسبة في المحرر الوجيز (٧)،
وهو قول أبي القاسم الزجاجي في كتابه
الجمل قال: ((أي: سيري معه بالنهار،
(١) جامع البيان ٢١٩/١٩.
(٢) انظر: المحرر الوجيز ١٦١/٧.
(٣) جامع البيان ٢٢٠/١٩٦-٢٢١.
(٤) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٤٩٧.
(٥) الجامع في أحكام القرآن ١٧/ ٢٦١.
(٦) جامع البيان ٢١٩/١٩.
(٧) المحرر الوجيز ٧/ ١٦١.
والتأويب: سير النهار كله، والإسناد: سير
اللیل کله»(٨).
وتعقبه ابن كثير في تفسيره بقوله: «وهو
غريب جدًا لم أجده لغيره، وإن كان له
مساعدة من حيث اللفظ في اللغة، لكنه بعید
في معنى الآية ها هنا)»(٩).
وقول (سبحي ورجعي) يتفقان في
المآل، فإن داود إذا سبح ثم سبحت بعده
الجبال فقد سبحت ورجعت، أي: أعادت
كلامه، وقد يشمل هذا التصرف، فإن
التصرف - والله أعلم - المراد به متابعة داود
فیما یتصرف به من كلام كالتسبيح، ويبقى
القول الثاني وهو بمعنى السير وهو بعيد،
كما ذكر ابن كثير وغيره، وإن كان ظاهر
اللفظ يحتمله، ولكن تفاسير السلف على
خلافه.
وعليه؛ فيكون الصواب في المراد
بتأويب الجبال مع داود التسبيح والترجيع
بدليل الآية الأخرى التي في سورة الأنبياء
﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾
[الأنبياء: ٧٩].
وأما معنى تسبيح الجبال والطير فهو
على حقيقته، والله قدیر على كل شيء.
قال الأمين الشنقيطي: ((والتحقيق أن
(٨) الجمل في النحو ص ١٥٢.
(٩) تفسير القرآن
٦ / ٤٩٧.
العظیم
قال الشنقيطي عن هذا القول في أضواء البيان
١٥٥/٣ : ساقط.
جَوَبُوالَةُ النفسية
الْقُرآن الكَرِيمِ
٢٩٢

داود عليه السلام
تسبيح الجبال والطير مع داود المذكور
تسبيح حقيقي؛ لأن الله جل وعلا يجعل
لها إدراكات تسبح بها، يعلمها هو جل
وعلا ونحن لا نعلمها، كما قال: ﴿وَإِنِّن
شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِهِ، وَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾
[الإسراء: ٤٤].
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجِّرُ
مِنْهُ الْأَنْهَرُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّفَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ
الْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللَّهِ﴾
[البقرة: ٧٤] الآية.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا اُلْأَمَانَةَ عَلَى
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا
وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية.
وقد ثبت في صحيح البخاري أن الجذع
الذي كان يخطب عليه النبي صلى الله عليه
وسلم لما انتقل عنه بالخطبة إلى المنبر سمع
له حنين (١).
وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (إني لأعرف
حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث،
إني لأعرفه الآن)(٢).
وأمثال هذا كثيرة.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب،
باب علامات النبوة في الإسلام، ٤/ ١٩٥،
رقم ٥٨٣.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل،
باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم،
وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، ٤/ ١٧٨٢،
رقم ٢٢٧٧.
والقاعدة المقررة عند العلماء أن نصوص
الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن ظاهرها
المتبادر منها إلا بدليل يجب الرجوع إليه.
والتسبيح في اللغة: الإبعاد عن السوء،
وفي اصطلاح الشرع: تنزيه الله جل وعلا
عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله (٣).
ثانيًا: تسبيح الطير والترديد:
ذكر الله تعالى تسخير الطير (٤) لداود
عليه السلام في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ
مِنَّا فَضْلَا يَجِبَالُ أَوِّبِىِ مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ:١٠].
وقوله:
﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ
يُسَبِّحْنَ وَاَلَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩].
والمراد أن الله سخر الجبال والطير
يسبحن مع داود إذا سبح(٥)، فيكون قوله
تعالى: ﴿وَالنَّيْرَ﴾ يعني: ونادينا الطير بمثل
ذلك من ترجيع التسبيح معه (٦).
(٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٣/ ١٥٥.
(٤) مما يحتمل إضافته لآيات داود، علمه منطق
الطير، فقال تعالى: ﴿وَدَيِثَ سُلَيَّمَنُ دَاوُرِدٌّ وَقَالَ يَتَأَيُّهَا
النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الَّيْرِ وَأُوِنَا مِنْ كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَوَ الْفَضْلُ
السُّبِينُ ﴾ [النمل: ١٦].
والضمير في علّمنا يحتمل عوده على داود
وسليمان عليهما السلام، ويحتمل عوده
على سليمان فقط، قال البيضاوي في تفسيره
٢/ ١٧٣: ((والضمير في علّمنا وأوتينا له
ولأبيه عليهما الصلاة والسلام، أو له وحده
على عادة الملوك لمراعاة قواعد السياسة)).
ورجح عبد الوهاب النجار في قصص الأنبياء
ص٣٢٦ أن الضمير لداود وسليمان.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٢٨/١٦.
(٦) انظر: أضواء البيان ١٥٥/٣.
www. modoee.com
٢٩٣

حرف الدال
وجاء وصف اجتماع الطير لداود في
قوله تعالى: ﴿وَاُلَيْرَ تَحْشُورَةً كُلِّ لَهُ وَأَوَّبٌ ﴾
[ص: ١٩].
فيقول تعالى ذكره: وسخرنا الطير
يسبحن معه محشورة بمعنى: مجموعة
له (١)، وذهب قتادة فيما أخرجه عنه ابن
جرير (٢) إلى أن معنى ﴿مَحْشُورَةٌ﴾ مسخّرة،
ومآل القولین -مجموعة أو مسخرة- واحد،
فإن الله قد سخّر لداود الطير، وجمعها له،
وجعلها تسبح معه، أو تردد معه، فأحدهما
متضمن للآخر.
ووصف الله ھیئة الطير عند داود بقوله
تعالى: ﴿مَحْشُورَةً﴾ بلفظ اسم المفعول؛ لأنه
لم يرد أنها تحشر شيئًا إذ حاشرها هو الله
تعالى(٣).
ومعنى قوله تعالى: ﴿كُلِّ لَّهُ أَوَّبٌ﴾ أي:
كل له مطيع، وهو قول قتادة وابن زيد (٤)،
وقيل: كل ذلك لله مسبح، وهو قول
السدي(٥).
فالخلاف آنف الذكر مبني على الخلاف
في مرجع ضمير ﴿لّر﴾ وفيه قولان:
(«أحدهما: ترجع إلى داود، أي: كل
(١) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٤٥.
(٢) المصدر السابق.
(٣) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٣٧٤/٧.
(٤) أخرجه عنهما الطبري في تفسيره ٢٠/ ٤٥ -
٤٦.
(٥) أخرجه عنه الطبري في تفسيره ٤٦/٢٠.
لداود أواب، أي: رجاع إلى طاعته وأمره،
والمعنى: كل له مطيع بالتسبيح معه، وهذا
قول الجمهور.
والثاني: أنها ترجع إلى الله تعالى،
فالمعنى: كل مسبح لله، قاله السدي»(٦).
فوهب الله لداود تسخير بعض الكائنات،
فأصبح يسبح وتردد معه الطير وغيرها، وكان
داود عليه السلام قد رزقه الله صوتًا جميلًا
عند تلاوته الزبور، ففي الصحيحين أن
النبي صلی الله عليه وسلم أثنى على حسن
صوت أبي موسى الأشعري لمّا سمع عذوبة
قراءته وهو يتلو القرآن، فقال صلى الله عليه
وسلم: (يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارًا من
مزامير آل داود)(٧).
ثالثًا: إلانة الحديد وصنع الدروع:
خلق الله الخلق، وجعل لكل شيء
عناصره التي يتكون منها، وتستمد منه
خصائصه التي تميزه عن غيره، ومن ذلك
الحديد جعل الله فيه القوة والصلابة، بحيث
لا يتغير شكله إلا بقوة خارجة عليه، مؤثرة
فیه کالنار عندما يصهر بها، فإنه يلين، ثم يتم
(٦) انظر: زاد المسير ٧/ ١١١.
(٧) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل
القرآن، باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن
٦/ ١٩٥، رقم ٥٠٤٨ ومسلم في صحيحه،
كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب
استحباب تحسين الصوت بالقرآن ٥٤٦/١،
رقم ٧٩٣.
مَوَسُورَةَ الـ
القرآن الكريمِ
٢٩٤

داود عليه السلام
تشکیله بأشكال مختلفة ينتفع به الناس.
«فالحدید تراب معدني إذا صهر بالنار
امتزج بعضه ببعض ولان وأمكن تطريقه
وتشکیله، فإذا برد تصلب)) (١).
ومن فضل الله على نبيه داود أنه آتاه
آیةً حسيةً بأن ألان له الحدید بحیث یشکّله
كما يشاء، فقال تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ اَلْحَدِيدَ﴾
[سبأ: ١٠].
فكان الحديد في يديه كالطين المبلول
یصرفه في يده کیف یشاء بغير إدخال نار
ولا ضرب بحديد(٢). عن قتادة قال: ((كان
يسويها بيده ولا يدخلها نارًا، ولا يضربها
بحديدة))(٣).
وقيل: إن المراد أن الله أعطى داود قوةً
يثني بها الحدید، فيكون التغيير ليس في ذات
عنصر الحديد، ولکن بما رزق الله داود من
قوة يؤثر على الحديد، ويثنيه ويحركه،
ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٤) ولم
ينسبه لأحد، وذكر القولين الزمخشري في
الکشاف(٥).
وعلى كلا القولين فإنها آية من الله
لداود عليه السلام سواءً ألان الحديد لداود
بمحض قدرته سبحانه أم رزقه السبب
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/٢٢.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٢٢٢.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ١٩/ ٢٢٢.
(٤) المحرر الوجيز ١٦٢/٧.
(٥) الكشاف ٤٥٥/٣.
والقوة التي يثني بها الحديد، والآية تحتمل
القولين، وإن كان الأول أقوى لظاهر مدلول
الآية أن الإلانة متجهة للحديد، والله أعلم.
وهنا يأتي علاقة قوله تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ
اُلْحَدِيدَ﴾ [سبأ:١٠] بقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ
عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص:١٧].
فإن الله ذكر ما منحه لداود من إلانة
الحدید، وأثنی في موضع آخر بأن كان
(ذا الأيد) واختلف المفسرون في معناها،
ففريق نظر للقوة الحسية، وفريق للقوة
المعنوية، فقيل: المعنى: ذا القوة، وهو قول
(٦)
ابن عباس
. وقيل: القوة فى الطاعة، وهو
قول مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد (٧).
ولو دققنا النظر في عباراتهم لوجدنا أن
تفسير ابن عباس مطلق في القوة دون تقييد
بنوع القوة، بينما الآخرون قيدوا القوة بأنها
في الطاعة، فعبارة ابن عباس أعم وأشمل
من عبارتهم، فيدخل فيها القوة في الطاعة،
والقوة في غيرها، فالخلاف خلاف تنوع،
فذكر ابن عباس العام، وهم ذکروا نوعًا منه.
والصواب أن يقال: إن الله رزق داود
القوة الحسية والمعنوية، وبه نجمع بين قولي
السلف في الآية، وهو الأكمل في حق نبي
الله داود، فأما في الدين فقد أخرج البخاري
ومسلم في صحيحهما عن عبد الله بن عمرو
(٦) أخرجه عنه الطبري في تفسيره ٢٠/ ٤١.
(٧) أخرجه عنهم الطبري في تفسيره ٢٠/ ٤٠.
www. modoee.com
٢٩٥

حرف الدال
ابن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله الدين في الصلاة والصيام.
صلى الله عليه وسلم قال: (أحب الصلاة
إلى الله صلاة داود عليه السلام، وأحب
الصیام إلی الله صيام داود، و كان ينام نصف
اللیل ویقوم ثلثه، وینام سدسه، ويصوم يومًا،
ويفطر يومًا)(١).
بل إن النبي صلی الله عليه وسلم جعل
أعلى حد في الاجتهاد في الصوم كصيام
داود، فقد كان صائمًا نصف الدهر، أخرج
البخاري في صحيحه أن الرسول صلى الله
عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو عندما
قال: أُطیق غير ذلك، فقال له: (فصم صوم
داود) قال: وما صوم نبي الله داود؟ قال:
(نصف الدهر)(٢).
وفيما سبق دلالة ظاهرة على قوته في
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد،
باب من نام عند السحر، ٢/ ٥٠، رقم ١١٣١،
ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب
النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به ٨١٦/٢،
رقم ١١٥٩.
إذا علمنا أن داود عليه السلام كان كثير العبادة
بما ذكر، فإن العجب يزداد ويبلغ مداه إذا
استشعرنا قوته في العبادة وهو ملك، قد
جمعت له من ملذات الدنيا ما طاب فيها وما
لذ، ولم تشغله عن عبادته وتميزه فيها عمن
سبقه ولحقه.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب حق الضيف، ٣١/٨، رقم ٦١٣٤،
ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب النهي
عن صوم الدهر لمن تضرر به، ٨١٦/٢، رقم
١١٥٩.
وأما قوته في الدنيا فإنه ظاهر المراد
بالآية السابقة، کما أن الله امتدح داود في
غير هذا الموضع بصنائع دنيوية كصنع
الدروع، فالجمع حين ذلك بين المعنيين
بأن يقال: بقوته في الدين وقوته في البدن،
هو الأكمل والأحرى بداود، ومعنى الآية،
قال ابن عطية في المحرر الوجيز: ((و(الأيد)
القوة، وهي في داود متضمنة قوة البدن
وقوته على الطاعة))(٣).
وللشيخ عبد الرحمن السعدي توجيه
لطيف في معنى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾
[سبأ: ١٠] فإنه اعتبر أن إلانة الحديد لداود
هي على جاري العادة بأن علمه الله
الأسباب المعروفة لإذابتها، واستدل بأن
الآية فيها امتنان على العباد بإلانة الحديد،
ولا يقع الامتنان إلا فيما كان في مقدور
العباد، قال السعدي: ((يحتمل أن تعليم الله
له على جاري العادة، وأن إلانة الحديد له
بما علمه الله من الأسباب المعروفة الآن
لإذابتها، وهذا هو الظاهر؛ لأن الله امتن
بذلك على العباد، وأمرهم بشكرها، ولولا
أن صنعته من الأمور التي جعلها الله مقدورة
للعباد لم یمتن علیهم بذلك، ویذکر فائدتها؛
لأن الدروع التي صنع داود عليه السلام،
متعذر أن يكون المراد أعيانها، وإنما المنة
(٣) المحرر الوجيز ٣٣٠/٧.
صَوْسُو ◌َرَ النَّفْسِيْ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٢٩٦

داود عليه السلام
بالجنس، والاحتمال الذي ذكره المفسرون الحرف والصنائع، فقال: «في هذه الآية دلیل
على تعلم أهل الفضل الصنائع، وأن التحرف
لا دليل عليه إلا قوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾
[سبأ: ١٠ ]وليس فيه أن الإلانة من دون سبب،
والله أعلم بذلك))(١).
بها لا ينقص من مناصبهم، بل ذلك زيادة في
فضلهم وفضائلهم؛ إذ يحصل لهم التواضع
في أنفسهم، والاستغناء عن غيرهم)) (٢).
وعلى قول الشيخ السعدي لا تكون إلانة
الحديد من المعجزات لداود، وإنما هو علم
كشفه الله لداود وأسبابه المادية متوفرة لدى
الخلق، وفي ظني أنه توجیه بعید؛ لأن الآية
جاءت في سياق فضائل داود عليه السلام،
وذكر بعض معجزاته، فقال تعالى:
وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلَا يَجِبَالُ أَوِّبِىِ مَعَدُ
وَالطَّيْرِّ وَلَنَّالَهُ الْحَدِيدَ ﴾ [سبأ:١٠].
كما أن الثناء على فضائل الأنبياء حتمًا
ستميز فضيلتهم عن غيرهم من الخلق
وعلى مر العصور، ونحن نجد أن الأسباب
العلمية لإلانة الحديد قد اشتهرت وعرفت
من أزمان بعيدة والآن لا تخفى على أحد،
والأسمى لفضيلة داود أن تكون قوة وهبها
الله له دون باقي الخلق، وبهذا يكون القول
المتجه أنها كانت في حق داود عليه السلام
آية، وليس هي من قبيل العلم الذي یمکن
اكتسابه، كما أنها يمكن أن تكون فضيلة
لداود وامتنان على من بعده من خلق الله في
تعلمهم لتلك الصنعة، فهي لداود فضيلة،
ولمن سواه امتنان عليهم، والله أعلم.
وذکر القرطبي في هذه الآية فضيلة تعلم
(١) تیسیر الکریم الرحمن، ص٥٢٨.
ثم قال تعالى عقب الآية السابقة:
أَعْمَلْ سَبِغَتٍ وَقَّدِّرْ فِ السَّرْدِّ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًاً
إِ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [سبأ:١١].
فبين الله تعالى أمره لداود بأن يصنع
دروعًا سابغات من الحديد الذي ألانه له،
و(السابغات) هي: الدروع، وهو قول ابن
زيد وقتادة(٣). و(السرد) قيل هو: مسمار
حلق الدروع، وهو قول قتادة (٤). وقيل: هي
الحلق بعينها، وهو قول ابن عباس وابن
زيد(٥).
فنسج الدروع، أي: اجعل الحق
والمسامير في نسجك الدروع بأقدار
متناسبة (٦).
وكان داود عليه السلام أول من صنع
الدروع، فقد أخرج ابن جرير في تفسيره(٧)
عن قتادة قال: کانت قبل داود صفائح، وهو
أول من صنع هذا الحلق.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١٧/ ٢٦٣.
(٣) أخرجه عنهما الطبري في تفسيره ٢٢٣/١٩.
(٤) أخرجه عنه الطبري في تفسيره ١٩/ ٢٢٣.
(٥) أخرجه عنهما الطبري في تفسيره ٢٢٣/١٩.
(٦) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١٥٦/٣.
(٧) جامع البيان ٣٢٩/١٦.
www. modoee.com
٢٩٧

حرف الدال
وقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِيالسَّرْدِ﴾ [سبأ:١ ١] هو
داخل في تفصيل فن الحرفة، وتلك الصنعة،
قال ابن كثير في تفسیره: «هذا إرشاد من الله
لنبيه داود عليه السلام، في تعليمه صنعة
الدروع»(١).
وأما في تحديد المراد بالتقدير في السرد،
فقال ابن عطية في المحرر الوجيز: ((اختلف
المتأولون في أي شيء هو التقدير من أشیاء
السرد، إذ السرد هو اتباع الشيء بالشيء من
جنسه، فقال ابن زيد: التقدير الذي أمر به
هو في قدر الحلقة، أي: لا تعملها صغيرة
فتضعف ولا تقوی الدرع على الدفاع، ولا
تعملها كبيرة فينال لابسها من خلالها.
وقال ابن عباس: التقدير الذي أمر به هو
المسمار یرید ثقبه حین یشد نتیرها.
وذكر البخاري في مصنفه ذلك، فقال:
المعنی لا تدق المسمار فیسلسل، ویروی
فيتسلسل، ولا تغلظه فيقصم بالقاف، وبالفاء
أيضًا رواية.
وروى قتادة: أن الدروع كانت قبله
صفائح فکانت ثقالا، فلذلك أمر هو بالتقدير
فيما يجمع بين الخفة والحصانة، أي: قدر
ما يأخذ من هذين المعنيين بقسطه، أي: لا
تقصد الحصانة فتثقل، ولا الخفة وحدها
فتزيل المنعة))(٢).
(١) تفسير القرآن العظيم ٤ / ٤٩٨.
(٢) المحرر الوجيز ٧/ ١٦٢.
وقال ابن الجوزي في زاد المسير: ((وفي
معنى الكلام قولان:
أحدهما: عدّل المسمار في الحلقة ولا
تصغّره فيقلق، ولا تعظّمه فتنفصم الحلقة،
قاله مجاهد.
والثاني: لا تجعل حلقه واسعة فلا تقي
صاحبها، قاله قتادة))(٣).
وقد نص الله سبحانه وتعالى على تصنيع
داود للدروع، فقال جل ذكره: ﴿وَعَلَّمْنَهُ
صَنْعَةَ لَبُوُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِّنْ بَأْسِكُمْ
فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِّرُونَ ﴾ [الأنبياء: ٨٠].
فعلم الله داود صنعة الدروع فكان
يصنعها أحكم صنعة؛ لتكون وقاية من
الحرب، وسبب نجاة من العدو، فالمقصود
بـ (اللبوس) هي الدروع(٤).
وقال الشنقيطي: ((والدليل على أن
المراد باللبوس في الآية الدروع أنه أتبعه
بقوله: ﴿لِنُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ﴾ أي: لتحرز
وتقي بعضكم من بأس بعض؛ لأن الدرع
تقيه ضرر الضرب بالسيف، والرمي بالرمح
والسهم كما هو معروف»(٥).
(٣) زاد المسير ٦/ ٤٣٧.
(٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١٨٩/٦،
الكشاف، الزمخشري ١٢٦/٣، تفسير القرآن
العظیم، ابن کثیر ٣٥٨/٥.
(٥) أضواء البيان ١٥٦/٣.
٢٩٨
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم

داود عليه السلام
داود عليه السلام والفتنة
أولًا: حقيقة الفتنة ودخول الخصمين
عليه:
لقد کثر كلام المفسرين في قصة دخول
الخصمين على داود عليه السلام وحقيقة ما
ظنّه أنه فتنة، وظاهر النص الوارد في القرآن
أن فتنته حصلت عند تحاكم المتخاصمين
لديه، ثم ظن داود أنه فتن فتاب وعاد إلى
ربه وأناب، فغفر له الله ذلك، كما أن الفتنة
جاءت في سياق تحاكم الخصمين، وفي
ذلك إشارة لعلاقة ما ظنه فتنة بما دار في
مجلس الحکم بین الخصمین.
وقد جاء ذکر فتنة داود في موضع واحد
من القرآن في سورة ص، وهي سورة
مکیة(١).
قال فيها تعالى: ﴿﴿ وَهَلْ أَتَئِكَ نَبُواْ
الْخَصْمِ إِذْ نَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ (١) إِذْدَ خَلُواْ عَلَى دَاوُودَ
فَفَزِعَ مِنْهُمَّ قَالُواْ لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا
عَلَى بَعْضٍ فَأَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَأَهْدِنَا إِلَى
سَوَءِ الْصِرَاطِ { إِنَّ هَذَآ أَخِى لَهُ تِسْعُ وَتَسْعُونَ نَجْجَةٌ
وَلِيَ تَعْجَةٌ وَحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيَهَا وَعَزَّنِ فِى الْخِطَابِ
قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَئِكَ إِلَى نِعَاجِهِ.
٢٣
وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ اْخُلَطَِّ لَبْغِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّْلِحَتِ وَقَلِلٌ مَّاهُمّ وَظَنَّ دَاوُودُ
أَنَّمَا فَتَنَّهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ا
(١) انظر: عدد السور، ابن عبد الكافي ص٣٧٧.
فَغَفَرْنَا لَهُ, ذَلِكٌ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَشَابٍ
(٥)﴾ [ص: ٢١ -٢٥].
ولقد جال المفسرون في حقيقة
الخصمين، وحقيقة تلك الفتنة، وارتباط
الفتنة بتحاكم الخصمين، وأوردوا الكثير
من الإسرائيليات في ذلك، منها ما قد يفهم
منه البعض القدح في عصمة الأنبياء، فترتب
علیه رد تلك الروايات، ومنه ما دون ذلك،
ومنهم من رمى ذلك وراء ظهره، ولم يعول
على تلك الإسرائيليات قط.
وقبل الخوض في تلك الفتنة والمراد بها
أذكر معنى تلك الآيات بشرح إجمالي:
دخل على داود عليه السلام أشخاص
أظهروا اختلافهم في قضية، وأظهروا
النزاع فيها، وأرادوا أن يتحاكموا لداود،
فدخلوا عليه من غير الهيئة المعهودة لديه؛
فتسورا مکانه الذي کان یمکث فيه ليتعبد
ربه، وتسبب دخولهم ذلك بالفزع الداود،
فبادروه بتهدئته، وقالوا: لا تخف نحن
خصمان، وشرحوا سبب مجيئهم له مباشرة؛
لیسکن روعه، ثم وجهوا لداود -بين يدي
خصومتهم - النصيحة بأن يحكم بينهم
بالعدل، ولا یسرف، أو يحف في حكمه،
وأن يرشدهم إلى الحق والطريق المستقيم.
ثم بينوا له الواقعة، وهو أنه حصل بغي من
أحدهما على الآخر، فقد كان لأحدهم تسع
وتسعون نعجة، والآخر له واحدة، فطلب
www. modoee.com
٢٩٩

حرف الدال
منه صاحب الأكثر أن يتركها له، وغلبه في والفخر الرازي(٣)، والسبكي (٤)، وأبو حيان
الأندلسي (٥).
خطابه معه حتی أدرکها أو کاد، فحکم داود
بأن صاحب الأكثر قد أخطأ في طلبه، وأن
لظلم يقع بين الشركاء إلا من اتقى الله.
وعلم داود أنه قد وقع في فتنة وابتلاء،
فاستغفر ربه، ورجع إليه أن يكون قد وقع في
زلل أو خطأ، فغفر الله له ذلك، وبين ما له
عند ربه من منزلة ومكانة عالية.
وإلى هنا انتهى تفسير الآيات إجماليًا،
وراعيت فيه أن يكون موافقًا لجملة الأقوال
التي قيلت في فتنة داود، أو في حقيقة
الخصمين والنعجة.
وبالنظر في حقيقة هذه القصة نجد أن
ثمة مسائل تقوم عليها كحقيقة الخصمين،
ومعنى النعجة، وهل للخصومة ارتباط
بفتنة داود؟ ثم حقيقة الفتنة الواقعة، فأركان
القصة أربعة، وفيها ترابط في معناها،
وتداخل مع تفسير القصة، وبين الأقوال
تلك من الارتباط والتداخل الشيء الكثير؛
ولتجلية موقف المفسرين في ذلك يمكن
جعل مواقف المفسرين في ثلاثة مسالك:
المسلك الأول: هو حمل القصة على
ظاهرها، وأن المتخاصمين الذين دخلوا
على داود هم من الإنس، وذهب إلى هذا
القول النقاش(١)، وابن حزم الظاهري(٢)،
(١) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٤ / ٤٧.
(٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل ٣٠٥/٢.
جوبي
القرآن الكريمِ
واتفق أصحاب هذا القول على أن المراد
بالنعجة هو المعنى الحقيقي للماشية،
ورجحه أبو حيان في البحر المحيط، فقال:
((والظاهر إبقاء لفظ النعجة على حقيقتها من
کونها أنثى الضأن، ولا یکنّی بها عن المرأة،
ولا ضرورة تدعو إلى ذلك)) (٦).
ثم اختلف أصحاب هذا المسلك في
حقيقة فتنة داود، فذهبوا فيه إلى أربعة
مذاهب، هي:
الأول: أن داود ظنّ أن الداخلين عليه
دخلوا لاغتياله.
وإليه ذهب الفخر الرازي في تفسيره(٧)،
وأبو حيان في البحر المحيط، وقال: ((والذي
يذهب إليه ما دل عليه ظاهر الآية من أن
المتسورين المحراب كانوا من الإنس،
دخلوا عليه من غير المدخل، وفي غير وقت
جلوسه للحكم، وأنه فزع منهم ظانًا أنهم
يغتالونه؛ إذ كان منفردًا في محرابه لعبادة
ربه، فلما اتضح له أنهم جاءوا في حكومة،
ويرز منهم اثنان للتحاكم، كما قص الله
(٣) مفاتيح الغيب ٣٨١/٩.
(٤) في كتابه: القول المحمود في تنزيه داود، نقله
عنه السيوطي في الإكليل ٣/ ١١٤٠.
(٥) البحر المحيط ٣٧٧/٧.
(٦) المصدر السابق ٣٧٦/٧.
(٧) مفاتيح الغيب ٩/ ٣٨١.
٣٠٠

داود عليه السلام
تعالى، وأن داود عليه السلام ظن دخولهم على الكشاف (٤) بتعليق لطيف قال فيه:
(«مقصود هذا القائل تنزيه داود عن ذنب يبعثه
عليه في ذلك الوقت، ومن تلك الجهة إنقاذ
من الله له أن يغتالوه، فلم یقع ما کان ظنه،
فاستغفر من ذلك الظن، حيث أخلف ولم
یکن یقع مظنونه، وخر ساجدًا، أو رجع إلى
الله تعالى فغفر له ذلك الظن))(١).
علیه شهوة النساء، فأخذ الآية على ظاهرها،
وصرف الذنب إلى العجلة في نسبة الظلم
إلى المدعى عليه؛ لأن الباعث على ذلك
في الغالب إنما هو التهاب الغضب وكراهيته
الثاني: أنه تعجل في إصدار الحكم بعدما أخف مما يكون الباعث عليه الشهوة
سمع من الأول، ولم يسمع من الطرف والهوى، ولعل هذا القائل يؤكد رأيه في
الآية بقوله تعالى عقبها وصية لداود عليه
الآخر:
السلام: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ
ذهب إلى هذا القول أبو عبد الله الحليمي
في منهاج الدین(٢).
فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ يِالْحَقِّ وَلَا تَتَِّعِ اَلْهَوَى﴾ [ص: ٢٦].
وحكى هذا القول -دون نسبة- ابن
عطية في المحرر الوجيز وضعّفه، فقال:
((وهذا ضعيف من وجوه؛ لأنه خالف
متظاهر الروايات، وأيضًا فقوله: ﴿لَقَدْ
ظَلَمَكَ﴾ معناه: أن ظهر صدقك ببيّنة أو
باعتراف، وهذا من بلاغة الحاكم التي ترد
المعوج إلى الحق، وتفهمه ما عند القاضي
من الفطنة))(٣).
ووجه ابن المنير هذا القول في حاشيته الاستغفار؛ بل هم من سمت الأنبياء تلبسهم
(١) البحر المحيط ٧/ ٣٧٧.
وهو قول أبي شهبة في كتابه: الإسرائيليات
ص٢٦٩.
(٢) عزاه له القرطبي في تفسيره ١٧٠/١٨،
ومحققو الكتاب عزوه للمنهاج ٥٥١/٢-
٥٥٢.
(٣) المحرر الوجيز ٣٣٩/٧.
ومن ضعفه: ابن العربي في أحكام القرآن
٤/ ٥٥، والألوسي في روح المعاني
٢٥١/١٣.
فما جرت العناية بتوصيته فيما يتعلق
بالأحكام إلا والذي صدر منه أولًا وبان منه
من قبیل ما وقع له في الحکم بین الناس)).
الثالث: أن داود ظن أن الله امتحنه
واختبره في وقت عبادته، هل يترك العبادة
ليشتغل بالحكم، أو يترك الحكم ليشتغل
بالعبادة، ذكره السبكي(٥).
الرابع: لم يكن ثمة ذنب يستوجب
بهذه الأفعال الكريمة (والاستغفار فعل خير
لا ینکر ملك ولا نبي، ولا من مذنب ولا من
غير مذنب، وإنما قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ
أَنَّمَا فَتَنَّهُ﴾ [ص:٢٤].
(٤) الانتصاف من الكشاف، ابن المنيّر بهامش
الكشاف ٤ / ٨٥.
(٥) في كتابه القول المحمود في تنزيه داود، نقله
عنه السيوطي في الإكليل ٣/ ١١٤٠.
www. modoee.com
٣٠١

حرف الدال
﴿فَغَفَرْنَا لَهُ, ذَلِكَ﴾
وقوله تعالى:
[ص: ٢٥].
فقد ظن داود عليه السلام أن یکون ما أتاه
الله عز وجل من سعة الملك العظيم فتنة)).
وهو قول ابن حزم (١)، والقاضي عياض (٢).
المسلك الثاني: أن القصة ليست حقيقية،
وإنما مجرد تمثيل، وعليه فإن الخصمين
ملكان(٣)، وفتنة داود كانت بسبب امرأة،
وأن المراد بكلمة (نعجة) كناية عن المرأة،
قال المبرد في الكامل: ((العرب تكنّ عن
المرأة بالبقرة والنعجة)) (٤). ثم جاءت
الملائكة لتنبيه داود علی ما وقع فيه من زلة.
قال الطبري في تفسيره: «هذا مثلٌ ضربه
الخصم المتسوّرون على داود محرابه)»(٥).
وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: ((ولا
(١) الفصل، ابن حزم ٣٠٥/٢ ومابين القوسين
من الفصل.
(٢) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى
٣٧٣/٢.
(٣) عند الواحدي في البسيط ١٧٨/١٩ قال ابن
عباس: هما جبريل وميكائيل.
(٤) الكامل في اللغة والأدب ١/ ٣٠٧.
وممن اختار أن النعجة بمعنى المرأة في
الآية، وإن اختلف تفسيرهم للقصة: الطبري
في تفسيره ٢٠/ ٦١، والجصاص في أحكام
القرآن ٥٦٠/٣، والثعلبي في الكشف والبيان
١٨٩/٨، وابن عطية في المحرر الوجيز
٣٣٧/٧، وابن العربي في أحكام القرآن
٤٩/٤، والزمخشري في الكشاف ٤/ ٨١،
والواحدي في البسيط ١٩/ ١٨٢.
(٥) جامع البيان ٥٨/٢٠.
خلاف بين أهل التأويل (٦) أن هؤلاء الخصم
إنما کانوا ملائکة، بعثهم الله تعالی ضرب
مثل لداود عليه السلام، فاختصموا إليه في
نازلة قد وقع هو في نحوها، فأفتى بفتيا هي
واقع علیه في نازلته))(٧).
وفي إثبات أنهما ملكان، وأن الفتنة
بسبب المرأة، قال الواحدي في البسيط:
((وظاهر القرآن يوجب أن يكون داود قد
كلّم أوريا في امرأته؛ لأن خصومة الملكين
تمثيل لهذه القصة)) (٨). وفي نفس الموضع
قال: ((قال أهل التحقيق من علماء التأويل:
جعل الله قصة الملكين تمثيلًا لداود أمره
مع أوريا، وسلسلها له على ما فعل ليتوب
ویراجع ربه فیستغفر)).
وممن ذهب إلى هذا المسلك -على
اختلاف توجيهاتهم للقصة -: ابن مسعود،
وابن عباس رضي الله عنهما، والحسن،
والسدي، وابن جرير، وأبو جعفر النحاس،
والجصاص، والكيا الهراسي، والثعلبي،
وابن العربي، والقاضي أبو يعلى، وابن
عطية، والواحدي، والزمخشري -كما
سيأتي -. والقائلون بهذا المسلك لهم ثلاثة
أقوال في توجيه القصة:
الأول: أن داود طلب من زوج المرأة أن
(٦) مقصود ابن عطية عدم وجود الخلاف عند
المتقدمين من الصحابة والتابعين.
(٧) المحرر الوجيز ٣٣٤/٧.
(٨) البسيط ١٨٥/١٩.
٣٠٢
جوية
القرآن الكريمِ

داود عليه السلام
ينزل له عنها، وبهذا عوتب، وهذا قول ابن ووهب بن منبه (٤)، وروي من طريق أنس
مرفوعًا (٥) وهو قول الثعلبي في الكشف
مسعود وابن عباس، أخرجه عنهما ابن جرير
في تفسيره(١) أنهما قالا: ((ما زاد داود على
أن قال: انزل لي عنها».
والبيان (٦). ولا يعني هذا صحة كل تفاصيل
القصة ونسبتها لهم، بل الصحيح أن أصل
القصة هو ما يمكن نسبته لهم، وهو القدر
وقال بهذا القول: النحاس، والجصاص،
والكيا الهراسي، والقاضي أبو يعلى، وابن
العربي، والزمخشري، وابن عاشور(٢).
المشترك بينهم، مع إمكانية وقوع الخلاف
في تفاصيل القصة بمجموع مروياتها، وهذا
لا يؤثر على القدر المشترك المتفق عليه في
تلك المرويات.
قال النحاس: ((قول العلماء المتقدمين
الذین لا یدفع قولهم، منهم: عبد الله بن
مسعود وابن عباس رحمهما الله فإنهم
قالوا: ((ما زاد داود عليه السلام على أن قال
للرجل: انزل عن امر أتك»(٣).
فعاتبه الله جل وعز على هذا، ونبّهه
عليه، وليس هذا بكبير من المعاصي، ومن
یخطي إلی غير هذا فإنما يأتي بما لا يصح
عن عالم، ويلحقه فيه الإثم العظيم».
الثاني: منهم من أخذ بكامل القصة، وهي
آن داود نظر إلى امرأة وهي تغتسل فأعجب
بها، ثم قدّم زوجها في القتال في مظان
الموت؛ ليتزو جها بعد موته أو تزوجها، وهو
مروي عن ابن عباس، والسدي، والحسن،
(١) جامع البيان ٥٩/٢٠.
(٢) انظر: إعراب القرآن، النحاس، ٤٦١/٣،
أحكام القرآن، الجصاص، ٣/ ٥٦٠، أحكام
القرآن، الكيا الهراسي ٤ /٣٥٩، أحكام
القرآن، ابن العربي ٥٤/٤، الكشاف،
الزمخشري ٧٨/٤، التحرير والتنوير
١٣٨/٢٣.
(٣) إعراب القرآن ٣/ ٤٦١.
الثالث: أن داود لم يتوجع على قتل زوج
المرأة، ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز(٧).
وهو أبعد الأقوال في هذا المسلك.
وجاء النكير من المفسرين على أصحاب
هذا المسلك، وكان المنكرون على نوعين،
إما ينكر كل قصة نظر داود إلى المرأة، ولم
(٤) أخرجه عنهم الطبري في تفسيره ٢٠/ ٦٤ -
٧٥، وهو ظاهر قوله فإنه لم يعلق على
المرويات، ونسب هذا القول له القاسمي في
محاسن التأويل ١٥٦/١٤.
(٥) أخرجه الطبري في تفسيره ٧٤/٢٠.
(٦) الكشف والبيان ٧/ ١٨٦.
وحكى ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٣٥/٧
أن ذلك الفعل كان مجرد همٍّ من داود ولم
يفعله، وأن المعاتبة كانت على الهمّ. وهذا
مما قد يستدرك على ابن عطية؛ لأن مصدره
في أصل القول الذي اختاره ثم استدرك عليه
بأنه مجرد همٍّ هو من المرويات الإسرائيلية
التي رواها، وليس فيها ما يشير إلى أنه همّ من
داود، فهو تحکم في المصدر دافعه تنزيه داود
عن فعل ما لا يسوغ في نظر ابن عطية، والله
أعلم.
(٧) المحرر الوجيز ٣٣٥/٧.
www. modoee.com
٣٠٣

حرف الدال
يقبل أن یکون حقيقة الخصمان مثل، وأنهما
من الملائكة، وإما أن يثبت أن الموقف
تمثيل، ولكنه أنكر نظر داود إلى المرأة
وتسببه في مقتل زوجها، فبينهم عموم
و خصوص.
فكلهم أنكر أن يكون داود نظر إلى
المرأة وافتتن بها، ثم تسبب في قتل زوجها
ليتزوجها، والبعض أنكر أن يكون الخصمين
ملائكة.
قال أبو حيان: «ذكر المفسرون في هذه
القصة أشياء لا تناسب مناصب الأنبياء،
ضربنا عن ذكرها صفحًا))(١).
وقال ابن الجوزي: ((ذكر جماعة من
المفسرين أن داود لما نظر إلى المرأة سأل
عنها، وبعث زوجها إلى الغزاة مرة بعد مرة
إلی أن قتل، فتزوجها، وروي مثل هذا عن
ابن عباس ووهب والحسن في جماعة،
وهذا لا يصح من طريق النقل، ولا يجوز
من حيث المعنى؛ لأن الأنبياء منزهون
عنه)). وقال: ((فأما ما روي أنه نظر إلى المرأة
فھویھا، وقدّم زوجها للقتل، فإنه وجه لا
يجوز على الأنبياء؛ لأن الأنبياء لا يأتون
المعاصي مع العلم بها))(٢).
(١) البحر المحيط ٣٧٥/٧.
(٢) زاد المسير ١١٥/٧ -١١٧.
قال ابن الجوزي هذا القول، وقد سبق أن
نقلت عنه قوله: ((عن قصة نظر داود إلى المرأة
عليه أكثر المفسرين)). فإما أن يكون إنكاره
وقال الفخر الرازي: ((فأما القول الأول
فحاصل كلامهم فيها: أن داود عشق امرأة
أوريا، فاحتال بالوجوه الكثيرة حتى قتل
زوجها، فأرسل الله إليه ملكين في صورة
المتخاصمين في واقعة شبيهة بواقعته،
فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه
مذنبًا، ثم تنبه لذلك فاشتغل بالتوبة، والذي
أدین به وأذهب إليه أن ذلك باطل، ويدل
عليه وجوه:
الأول: أن هذه الحكاية لو نسبت إلى
أفسق الناس، وأشدهم فجورًا لاستنكف
منها، والرجل الحشوي الخبيث الذي يقرر
تلك القصة لو نسب إلى مثل هذا العمل
لبالغ في تنزيه نفسه، وربما لعن من ينسبه
إليها، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يليق
بالعاقل نسبة المعصوم إليه.
الثاني: أن حاصل القصة يرجع إلى
أمرين: إلى السعي في قتل رجل مسلم بغير
حق، وإلى الطمع في زوجته، وكلاهما
منكر، وإن أوريا لم يسلم من داود لا في
روحه ولا فى منكوحه.
والثالث: أن الله تعالى وصف داود عليه
السلام قبل ذكر هذه القصة بالصفات العشرة
المذكورة، ووصفه أيضًا بصفات كثيرة بعد
ذكر هذه القصة، وكل هذه الصفات تنافي
التفاصيل في القصة، أو أنه نقل ذلك عن أكثر
المفسرين ولم يختاره.
◌َةُ النَّفِيَة
جَوَُّو
القرآن الكريمِ
٣٠٤

داود عليه السلام
كونه عليه السلام موصوفًا بهذا الفعل المنكر القصة، وتفويض علمها إلى الله، وحمل
القرآن على ظاهره دون التفصيل في فتنة
داود:
والعمل القبيح))(١). انتهى بتصرف طفيف.
وأما من أنكر نظر داود للمرأة، وافتتانه
وممن ذهب إلى هذا المسلك ابن كثير
والسعدي، فقال ابن كثير في تفسيره: ((ذكر
المفسرون ها هنا قصة أكثرها مأخوذ من
الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم
حدیث یجب اتباعه، فالأولى أن يقتصر على
مجرد تلاوة هذه القصة، وأن يردّ علمها إلى
الله عز وجل، فإن القرآن حق، وما تضمن
فهو حق أيضًا))(٦).
بها، وتسببه في قتل زوجها، ولکنه لم ینکر
قصة الملكين، وأنهما تمثلا بحال الخصمين
الزمخشري (٢)، وابن العربي المالكي(٣)،
والجصاص (٤)، فجاءت في عباراتهم النكير
على المرويات الإسرائيلية التي أسهبت في
وصف نظر داود للمرأة وافتتانه بها، ولكنهم
أثبتوا واختاروا أن الخصمین ملکان، وأنهما
جاءا لموعظة داود.
وسلك الألوسي في روح المعاني منهجًا
متوسطًا في ذلك دون البيان عما يرجحه،
فقد ساق جملة القصص والأقوال التي
رويت في قصة فتنة داود، ثم قال عقبها:
((وعندي أن ترك الأخبار بالكلية في القصة
مما لا یکاد یقبله المنصف، نعم لا يقبل منها
ما فيه إخلال بمنصب النبوة، ولا يقبل تأويلاً
يندفع معه ذلك، ولا بد من القول بأنه لم
يكن منه عليه السلام إلا ترك ما هو الأولى
بعلي شأنه، والاستغفار منه، وهو لا يخل
بالعصمة»(٥).
حقيقة
المسلك الثالث: التوقف في
(١) مفاتيح الغيب ٩/ ٣٧٧.
(٢) الكشاف ٧٨/٤.
(٣) أحكام القرآن ٤/ ٥٤.
(٤) أحكام القرآن ٣/ ٥٦٠.
(٥) روح المعاني ٢٦٠/٢٣.
وقال السعدي في تفسيره: ((وهذا الذنب
الذي صدر من داود عليه السلام، لم يذكره
الله لعدم الحاجة إلى ذكره؛ فالتعرض له من
باب التكلف؛ وإنما الفائدة ما قصّه الله علينا
من لطفه به، وتوبته وإنابته، وأنه ارتفع محلّه،
فکان بعد التوبة أحسن منه قبلها)»(٧) .
تحليل المسالك الثلاثة والترجيح:
بعد النظر والتأمل فيما سبق إيراده، وبعد
سرد ونظم لأقوال المفسرين واختلافاتهم
من مؤكد لقصة المرأة ونافٍ لها، ومن مؤكد
لارتباط فتنة داود بقصة الخصمين، ومن
نفى ذلك، نستخلص النتائج التالية:
أولًا: جميع المفسرين والعلماء يجمعون
على عصمة الأنبياء، ومنهم داود عليه السلام
(٦) تفسير القرآن العظيم ٧/ ٦٠.
(٧) تيسير الكريم الرحمن ص٧١١.
www. modoee.com
٣٠٥

حرف الدال
من الكبائر، وحكى الإجماع على ذلك ابن الأنبياء.
العربي (١)، كالزنا مثلًا.
ولذا فلا يصح بحال من الأحوال اتهام
داود بفعل الفاحشة مع المرأة، بل هو منزه
عن ذلك قطعًا، والمفسرون أجل من أن
يرموا نبي الله بفعل فاحشة، كما أنه لم يرد
مثل ذلك في كتب التفسير أبدًا، وقد ترفعوا
عن روايتها -ولو روتها کتب بني إسرائيل
کما ورد في العهد القديم-؛ ولذا فکل من
قام بالتشنيع على من روى القصة إنما هو
فيما دون فعل الفاحشة.
ثانيًا: انقسم المفسرون إلى فريقين في
ضرورة حكاية القصة لفهم الآيات، فمر معنا
أن ابن عطية جعل بعض تلك الأخبار جزءًا
هامًا يقوم عليه تفسير الآيات، وكذا الألوسي
قد اعتبر ترك الأخبار جملة لا يقبله منصف.
وأما الاتجاه الآخر وعلى رأسه ابن کثیر
فإنه رأى ضرورة إغفالها، وأنها لا تقدم
مفيدًا في تفسير القصة، فلا يوجد اتفاق على
حكايتها، أو عدم حكايتها بالنظر لجملة
عصور المفسرين ككل، ويبقى الحال
الاجتهاد المفسر، ويظهر أن حجة من نفى
ضرورة حكاية الأخبار أنه یری فيها قدحًا
في العصمة، وليس ذلك على إطلاقه، فإن
بعض الروايات قد ترد وبعضها قد يحكى
ولا ضير فيه، وليس فيها ما يقدح في عصمة
وإن كان ينبغي التأكيد على أن العبرة في
منهج أصحاب القرون المفضلة في تفسير
آيات الكتاب العزيز وهو بمثابة الميزان على
العصور التي بعدها.
ثالثًا: مما يحيد بمسار البحث العلمي
والبحث عن القول الصحيح استخدام
عبارات فیھا تشنيع وتقبيح لأفعال لا يرضها
أي مسلم أو عاقل؛ لتكون حاجزًا نفسيًا
يحول دون مجرد النظر في القول الآخر؛
فضلًا عن إمكانية صوابه.
فمثلًا يقول الفخر الرازي في تفسيره
تشنيعًا على القول بقصة داود ونظره للمرأة
وموت زوجها: «لو كانت القصة المتقدمة
دالة على سعيه في القتل والفجور لم يكن
قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى﴾ [ص: ٢٥] لائقًا
بە»(٢)
.
وأي عاقل ستسول له نفسه الظن
-مجرد ظن- بأن نبيًّا لله يسعى في الفجور
والقتل بغير حق؟! هذا أقرب إلى ما يسمى
بالإرهاب الفكري! وكان الأحرى البعد عن
استخدام العبارات النارية الصارفة للقارئ
عن مرويات السلف، والنظر فيها بعين
البحث العلمي لا بعين الحكم المسبق أو
الألفاظ الرنانة.
رابعًا: الداعي لاستشناع المروي عن
(١) أحكام القرآن ٥١/٤.
(٢) مفاتيح الغيب ٣٧٨/٩.
٣٠٦
مَوَسُوبَةُ النَّقِبـ
القرآن الكريمِ