النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
وَدْ عَلَيْه السِّلام
دَاورو
2
عناصر الموضوع
التعريف بداود عليه السلام
٢٦٨
ذكر داود عليه السلام في القرآن الكريم
٢٧١
فضائل داود عليه السلام
٢٧٢
٢٨٦
داود وبنو إسرائيل
٢٩٠
آيات داود عليه السلام
٢٩٩
داود عليه السلام والفتنة
٣١٢
فوائد من قصة داود عليه السلام
المُجَلَدُ الرَّابِع عَشَر

حرف الدال
التعريف بداود عليه السلام
أولًا: نسب داود عليه السلام:
ورد اسم داود في القرآن علمًا على نبي الله، وهو اسم أعجمي، ونسبه كما ذكر أهل
التاريخ (١) هو: داود بن إيشى بن عويد بن باعز بن سلمون بن نحشون بن عمّيّ نوذب بن رام
بن حصرون بن فارض بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
وبالاطلاع على ما ذكره المؤرخون من نسب داود نجد أن فيه اتفاقًا، ما عدا تغير طفيف
لا يكاد يذكر في إعجام أو إهمال بعض الحروف، مما قد يكون سببه النسخ أو التصحيف في
المطبوع، فضلًا على أن مثل هذه الأنساب لا تستند إلى دليل يمكن الجزم به، وأوفرها حظًا
ما كان مستنده المرويات الإسرائيلية.
ومما يلاحظ في نسب داود عليه السلام أن بينه وبين أبينا إبراهيم الخليل اثني عشر أبًا،
مما قد يشير بالنظرة التقريبية إلى الفترة الزمنية بينهما على فرض إمكانية النسب بهذه الصورة.
ويرسم اسم (داود) في التوراة بأحرف ثلاثة (دود) وضبطه آخرون في التوراة بحيث
ينطق (داويد) التي آلت من بعد إلى (دافيد) (David)(٢).
وأما في النسخة المترجمة للعربية من الكتاب المقدس فإن الاسم مكتوب (داود)(٣).
معنى اسم داود:
اسم (داود) عند علماء العبرية والتوراة بمعنى الحّب والمحبوب، ورجح صاحب العلم
الأعجمي أن معنى داود (ذو الأيد) ودليله ما جاء في القرآن ﴿أَصْبِرْ عَلَىَ مَا يَقُولُونَ وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا
دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِّ إِنَّهُ أَوَّبُ ﴾ [ص: ١٧].
ومما قال: «لم ترد (ذو الأيد) في كل القرآن إلا في هذا الموضع فحسب، تفسيرًا لمعنى
الاسم العلم (داود) بالمرادف المطابق اللصيق (ذو الأيد)» (٤).
(١) انظر: تاريخ الأمم والملوك، الطبري ٤٧٦/١، الكامل في التاريخ، ابن الأثير ١٩٤/١، البداية
والنهاية، ابن كثير ٢/ ٣٠٠.
(٢) انظر: العلم الأعجمي في القرآن، محمود أبو سعدة ٢/ ١٧٣.
(٣) انظر: الكتاب المقدس، سفر صموئيل الثاني.
(٤) انظر: العلم الأعجمي ١٧٣/٢ - ١٧٩.
٢٦٨
القرآن الكريم

داود عليه السلام
ثانيًا: عمر داود عليه السلام:
ذكر ابن جرير في تاريخه(١) أن بعض أهل الكتاب زعم أن عمر داود كان سبعًا وسبعين
سنة، وضعّف هذا ابن كثير في البداية والنهاية، وقال: ((هذا غلط مردود عليه))(٢).
رغم أن ابن جرير ذكر معلومة أخرى في ذات الموضع من تاريخه دون أن يرجّح، فقال:
((عمره فيما وردت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة سنة))(٣).
فيحتمل أنه ذكر ما ورد عن بعض أهل الكتاب لمجرد إيراد ما لديهم، ويحتمل لعدم
ترجيحه عدم صحة الحديث الوارد لديه بأن عمر داود مائة سنة.
ولا شك أن الصواب في عمر داود عليه السلام ما صح به الحديث عن الرسول صلى
الله عليه وسلم أن عمره مائة سنة، فقد روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة
هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصًا من نور، ثم
عرضهم على آدم، فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلاً منهم فأعجبه
وبيص ما بين عينيه، فقال: أي رب من هذا؟ فقال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال
له داود، فقال: رب کم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال: أي رب، زده من عمري أربعين
سنة، فلما قضي عمر آدم جاءه ملك الموت، فقال: أولم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال:
أولم تعطها ابنك داود؟! قال: فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ
آدم فخطئت ذريته)(٤).
وممن صحح الحديث ابن الأثير في الكامل قال: «كان عمر داود لما توفي مائة سنة، صح
ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم))(٥).
ثالثًا: وصف داود عليه السلام:
جاء عن وهب بن منبه أنه قال: كان داود عليه السلام قصيرًا، أزرق العينين، قليل الشعر،
(١) تاريخ الأمم والملوك، الطبري ١ / ٤٨٥.
(٢) البداية والنهاية ٣١٩/٢.
(٣) تاريخ الأمم والملوك، الطبري ١ / ٤٨٥.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأعراف، ٢٦٧/٥، رقم ٣٠٧٦.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح،. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ٩٢٥، رقم ١٦٨١.
(٥) الكامل في التاريخ ١٩٩/١.
www. modoee.com
٢٦٩

حرف الدال
طاهر القلب نقيّه (١).
رابعًا: وفاته:
قيل: إن داود عليه السلام مات في أورشليم (٢) يوم السبت، وقيل: الأربعاء(٣)، وصح أنه
مات عن مائة سنة، كما في حديث أبي هريرة السابق.
وأما قصة وفاته عليه السلام فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله
عنه أن رسول الله صلی الله علیه وسلم قال: (کان داود النبي فيه غیرة شديدة، وكان إذا خرج
أغلقت الأبواب، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع) قال: (فخرج ذات يوم، وأغلقت
الدار، فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار، فإذا رجل قائم وسط الدار، فقالت لمن في البيت: من
أين دخل هذا الرجل الدار والدار مغلقة؟ والله لتفتضحن بداود، فجاء داود فإذا الرجل قائم
وسط الدار، فقال له داود: من أنت؟ قال: أنا الذي لا أهاب الملوك، ولا يمتنع مني الحجاب،
فقال داود: أنت والله إذن ملك الموت، مر حبًا بأمر الله، فرمل داود مكانه حیث قبضت روحه
حتى فرغ من شأنه، وطلعت عليه الشمس، فقال سليمان للطير: أظلي على داود، فأظلت عليه
الطير حتى أظلمت عليهم الأرض، فقال لها سليمان: اقبضي جناحًا جناحًا) (٤). وجوّد إسناده
ابن كثير في البداية والنهاية، فقال: ((إسناده جيد، ورجاله ثقات)).
(١) انظر: تاريخ الأمم والملوك، الطبري ١/ ٤٧٦، الكامل في التاريخ، ابن الأثير ١٩٤/١، البداية
والنهاية، ابن كثير ٢/ ٣٠٠.
(٢) قال ابن عاشور في التحرير والتنوير ٣٣٨/٧: «داود بن يسي من سبط يهوذا من بني إسرائيل، ولد
بقرية بيت لحم سنة ١٠٨٥ قبل المسيح، وتوفي في أورشليم)).
(٣) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ٣٢١/٢.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٥٤/١٥، رقم ٩٤٣٢.
قال ابن كثير في البداية والنهاية: إسناده جيد، ورجاله ثقات.
٢٧٠
القرآن الكريمِ

داود عليه السلام
ذكر داود عليه السلام في القرآن الكريم
ورد ذكر داود عليه السلام في القرآن الكريم (١٦) مرة، في (٩) سور.
وأما قصته عليه السلام فقد وردت في السور الآتية:
السورة
الآيات
البقرة
٢٥١
الأنبياء
٧٨-٨٠
ص
٢١-٣٠،٢٥-٣٣
www. modoee.com
٢٧١

حرف الدال
فضائل داود عليه السلام
وهب الله عز وجل داود عليه السلام
عدة فضائل، منها:
أولًا: الجمع بين النبوة والملك:
كان داود عليه السلام نبيًا بدلالة القرآن
الكريم؛ وذلك في أكثر من موضع ذكر فيه
داود مع إخوته الأنبياء في سياق واحد في
معانٍ مختلفة.
قال تعالى: ﴿لُّمِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ
بَفِ إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى أَبْنِ
مَرْيَدَّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ
[المائدة: ٧٨].
VA)
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُّوبَّ
وقال:
كُلَّا هَدَيْنَاً وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلٌ وَمِنْ
ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُوبَ وَيُوسُفَ
وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ فَجْزِى الْمُحْسِنِينَ (
(٨٤
[الأنعام: ٨٤].
وذكره الله تعالى في معرض تفضيل
الأنبياء فقال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِعِنَ عَلَى
بَعْضٍ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥].
كما نص الله في القرآن على إيتائه
الزبور، فقال تعالى: ﴿وَءَاتَّيْنَا دَاوُ دَ زَبُورًا﴾
[النساء: ١٦٣].
فذكر الله تعالى داود ضمن أنبيائه -في
سياقات مختلفة- يدل على دخوله فيهم بلا
شك، وأنه ممن اصطفاه رب العالمين معهم،
كما جاء النص بإيتائه الزبور، وهو دليل
محتمل یشیر إلی إرساله بعد ثبوت نبوته،
كما أن الله قد أعطى لداود من المعجزات
الأخرى التي رافقت نبوته، قال الفخر
الرازي في تفسيره: ((لا شك أن داود عليه
السلام كان من أكابر الأنبياء والرسل)» (١).
وقال السعدي في تفسيره: ((داود
وسليمان من خواص الرسل، وإن كانوا
دون درجة أولي العزم الخمسة، لكنهم
من جملة الرسل الفضلاء الكرام الذين
نوه الله بذکرهم، ومدحهم في کتابه مدحًا
عظیمًا))(٢).
والجديد في حالة نبي الله داود عليه
السلام وانفرد به عمَّن سبقه من الأنبياء
الكرام: أن وهبه الله الملك مع النبوة، فهو
أول من جمع الله له بين النبوة والملك من
الأنبياء، فتميز بهذا، وانفرد عمن سبقه من
أنبياء بني إسرائيل، فأعطى صورةً مختلفةً
للنبي الملك للمجتمع الإسرائيلي.
قال ابن كثير في البداية والنهاية بعد أن
بیّن أنّ قتل داود لجالوت هو سبب حب
بني إسرائيل لداود وتملكه عليهم: ((وجمع
الله له بين الملك والنبوة، بین خيري الدنيا
والآخرة، وكان الملك يكون في سبط
والنبوة في سبط آخر، فاجتمع في داود هذا
(١) مفاتيح الغيب ٣٧٩/٩.
(٢) تيسير الكريم الرحمن ص ٦٠٢.
٢٧٢
جوبيع
القرآن الكريمِ

داود عليه السلام
وهذا))(١).
وقال العليمي الحنبلي في تفسيره: «ولم
تجتمع السلطنة والنبوة لأحد قبل داود، بل
كان الملك في سبط والنبوة في سبط)» (٢).
وقد كان حال بني إسرائيل مختلفًا قبل
ذلك، فكان الملك في جماعة والنبوة في
آخرین، کما روی ابن عباس: «كان في بني
إسرائيل سبطان أحدهما للنبوة والآخر
للملك، فلا یبعث نبي إلا من الواحد، ولا
ملك إلا من الآخر))(٣). فكان داود أول
من جمع الله له بين الملك والنبوة في بني
إسرائيل (٤).
و کان أول ملك ملكه بنو إسرائيل على
أنفسهم هو شاؤول(٥)، وجاء في العهد
القديم في سفر صموئيل الأول (٦) الإشارة
إلى أن الله أوحى لنبيه صموئيل أن يأتيه
رجل فأوحي إليه أن: ((امسحه رئيسًا لشعبي
إسرائيل».
وشاؤول هو نفسه طالوت الذي نص الله
على تملّكه على بني إسرائيل في قوله تعالى:
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ
طَالُونَ مَلِكً قَالُواْ أَنَّ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ
(١) البداية والنهاية، ٢/ ٣٠٠-٣٠١.
(٢) فتح الرحمن في تفسير القرآن ٣٥٩/١.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٦/٢.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢/ ٥١٦.
(٥) انظر: العلم الأعجمي، أبو سعدة ١٧٤/٢.
(٦) الإصحاح ٩.
عَلَيْنَا وَتَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً
مِنَ الْمَالَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَنَهُ عَلَيْكُمْ
وَزَادَهُ بَسْطَةً فِىِ الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾
[البقرة: ٢٤٧].
وإنما الاسم (شاؤول) هو الاسم
العبراني له، والوارد في التوراة، وجاء في
القرآن باللفظ العربي له (طالوت) وبينهما
اتفاق في المعنى، وليس هذا محل التوسع
في ذلك، وحسبنا أن نعلم أن ملك بني
إسرائيل الذي اسمه شاؤول في التوراة اسمه
الوارد في القرآن طالوت (٧).
وبعدما مات طالوت ملّك بنو إسرائيل
عليهم داود (٨)، وقد أحبوه قبل ذلك عندما
قتل جالوت.
وفي موضع آخر من القرآن جاءت
الإشارة من الله عز وجل لملك داود
وخلافته في الأرض، فقال تعالى: ﴿يَدَاوُدُ
إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ اَلْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ
◌ِالْحَقِ﴾ [ص: ٢٦].
وفسّر هذه الآية السديّ (٩) بأن الله («ملكه
في الأرض))(١٠).
(٧) انظر: العلم الأعجمي، أبو سعدة ١٥٩/٢-
١٦٣.
(٨) انظر: جامع البيان، الطبري ٤ / ٥١٤.
(٩) انظر: المصدر السابق ٢٠/ ٧٧.
(١٠) قال د.صلاح الخالدي في كتابه الأعلام
الأعجمية في القرآن ص٩١: «لم يطلق
لقب خليفة في القرآن إلا على نبيين: آدم في
سورة البقرة، وداود في سورة ص عليهما
www. modoee.com
٢٧٣

حرف الدال
وفي ذات السياق جاء التوجيه الرباني
لداود في طريقة حكمه في الأرض، فقال
تعالى: ﴿فَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَّبِعِ الْهَوَى
فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].
وعندنا قضیتان هنا:
الأولى: هل كان داود نبيًّا عند قتله
لجالوت؟
قال الماوردي في النكت والعيون:
«واختلفوا هل کان داود عند قتله جالوت
نبيًّا؟ ذهب بعضهم أنه كان نبيًّا؛ لأن هذا
الفعل الخارج عن العادة، لا يكون إلا من
نبي، وقال الحسن: لم يكن نبيًّا. قال ابن
السائب: وإنما كان راعيًا، فعلى هذا يكون
ذلك من توطئة لنبوته مِنْ بعد»(١).
والثانية: هل كان مَلِكًا ثم أوتي النبوة، أم والطير أن يسبحن معه إذا سبح))(٥).
العكس؟
قتل جالوت لم یکن نبيًّا ولا ملكًا، وكانت
النبوة بعد تملكه على بني إسرائيل، وظاهر
اختيار ابن جرير أنه آتاه الله الملك قبل قتله
لجالوت.
السلام)). وذكر معنى لطيفًا فقال: ((وهذا يشير
إلى معنى إيماني إسلامي خاص في ملك
داود لبني إسرائيل، ففترة حكمه وملگه يعتز
بها المسلمون؛ لأن حكمه لم يكن يهوديًا
إسرائيليًّا، مع أنه إسرائيلي من حيث النسب،
وإنما كان حكمًا إسلاميًّا إيمانيًّا، ولذلك
وصفه الله بأنه خلیفة)».
(١) النكت والعیون ٣١٩/١-٣٢٠.
قال ابن جرير في تاريخه بعد أن ساق
بعض الإسرائيليات في قصة داود وطالوت:
((وفي هذا الخبر بيان أن داود قد كان الله
حوّل الملك له قبل قتله جالوت)) (٢).
وذهب ابن كثير في البداية والنهاية إلى
عكس ذلك، فقال: ((والذي عليه الجمهور
أنه إنما ولي الملك بعد قتل جالوت))(٣).
وذهب ابن الأثير في تاريخه إلى احتمال
الأمرین (٤).
والذي يظهر أن داود أصبح ملكًا على
بني إسرائيل قبل أن یکون نبيًّا.
قال ابن جرير في تاريخه: «ولما اجتمعت
بنو إسرائيل على داود أنزل الله عليه الزبور،
وعلمه صنعة الحديد، وألان له، وأمر الجبال
كما أن ظاهر القرآن في ترتيب ما وهبه
الظاهر من سياق الآيات أن داود عندما الله لداود كان الملك، ثم الحكمة التي
فسرت بأنها النبوة، وسيأتي ذكر ذلك.
قال تعالى: ﴿وَءَاتَنُ اللَّهُ الْمُلْكَ
وَاَلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَا يَشَآءُ﴾
[البقرة: ٢٥١].
وتحتمل الآية أن الله وهب داود الملك
والنبوة معًا، ويحتمل أن داود أصبح ملكًا
بعد حین أصبح نبيًّا.
(٢) تاريخ الأمم والملوك ١ /٤٧٨.
(٣) البداية والنهاية ٣٠٥/١.
(٤) الكامل في التاريخ ١/ ١٩٤.
(٥) تاريخ الأمم والملوك ١/ ٤٨٧.
مَوَسُو حَرَا
القرآن الكريم
٢٧٤

داود عليه السلام
وعلل الفخر الرازي القول بتقدم ملكه
بيوتى
على نبوته بأنه: «ترقّى في المراتب العالية،
وإذا تكلم المتكلم في کیفیة الترقي فکل ما
كان أكثر تأخرًا في الذكر كان أعلى حالًا،
وأعظم شأنًا))(١).
وقال الفخر الرازي في تفسيره: ((قال
بعضهم: ظاهر الآية یدل على أن داود حین
قتل جالوت آتاه الله الملك والنبوة؛ وذلك
لأنه تعالى ذكر إيتاء الملك والنبوة عقيب
ذكره لقتل داود جالوت، وترتيب الحكم
على الوصف المناسب مشعر بكون ذلك
الوصف علة لذلك الحكم)»(٢).
وأما فى مدة ملك داود، فقد كانت مدته
أربعين سنة، کما ذکر ابن جرير وابن الأثير
في تاريخيهما(٣).
والنهاية بقوله: «وهذا قد یقبل نقله لأنه ليس
عندنا ما ينافيه ولا ما يقتضيه))(٤).
ونلحظ أن ابن کثیر دقيق في عبارته،
فأشار إلى قبول نقله لا إلى إثباته.
ولو نظرنا فى تحدید و قت ملکه فلا فائدة
من ذلك، والمهم أنه ملك دهرًا، وجمعت
(١) مفاتيح الغيب ٢/ ٥١٧.
(٢) المصدر السابق ٥١٦/٢.
(٣) انظر: تاريخ الأمم والملوك، الطبري ٤٨٥/١،
الكامل في التاريخ، ابن الأثير ١٩٩/١.
و في سفر صموئيل الثاني الإصحاح ٥: أن
مدة ملك داود أربعين سنة.
(٤) البداية والنهاية ٣١٩/٢.
له النبوة والملك، واستمر ملك داود عليه
السلام إلى حين وفاته.
وقد أثنى الله على ملك داود ووصفه
بقوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ [ص: ٢٠]، فكان
متانة ملك داود هبة من الله عز وجل.
ومعنى ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ تقويته،
وتحديد متعلق القوة فيه خلاف، فقيل:
إنه شدّد ملکه بالجنود والرجال، وهو قول
السدي(٥).
وقيل: شدّد ملكه بأن أعطي هيبة من
الناس له لقضية كان قضاها، وهو قول ابن
(٦)
عباس(٦).
وقال الطبري عقب ذكره للأقوال:
((وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال:
إن الله تبارك وتعالى أخبر أنهشددملكداود،
وعقب على ذلك ابن كثير في البداية ولم يحصر ذلك من تشديده على التشديد
بالرجال والجنود دون الهيبة من الناس له،
ولا على هيبة الناس له دون الجنود، وجائز
أن یکون تشدیده ذلك کان ببعض ما ذكرنا،
وجائز أن یکون کان بجمیعھا، ولا قول أولی
من ذلك بالصحة من قول الله؛ إذ لم يحصر
ذلك على بعض معاني التشديد خبرٌ يجب
التسليم له))(٧).
وقال ابن العربي في أحكام القرآن:
((وعندي أن معناه: شددناه بالعون والنّصرة،
(٥) أخرجه الطبري في تفسيره ٤٦/٢٠.
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٠/ ٤٧.
(٧) جامع البيان ٢٠/ ٤٨.
www. modoee.com
٢٧٥

حرف الدال
ولا ينفع الجيش الكثير التفافه على غير السلام في مواضع من القرآن، منها قوله
منصور وغير معان»(١).
وقال ابن كثير في تفسيره: «أي: جعلنا
له ملكًا كاملًا من جميع ما يحتاج إليه
الملوك)»(٢).
وقال الطاهر ابن عاشور: ((فشد الملك
هو تقوية ملكه وسلامته من أضرار ثورة
لدیه، ومن غلبة أعدائه علیه في حروبه»(٣).
والذي ظهر هو الجمع بين الأقوال -كما
ذهب إلیه ابن جرير- فهي أبلغ في شدة ملكه
و ثبوته له مما يزعزعه.
ثانيًا: إيتاؤه الزبور:
لقد تفضل الله على داود عليه السلام بأن
آتاه الزبور، وهو كتاب الله عز وجل المنزل
علی داود، وقد جاء ذکر الزبور ونسبته لداود
ككتاب من الله لداود عليه السلام في القرآن
والسنة.
فالزبور هو کتاب الله الذي أنزله على
داود عليه السلام.
قال ابن كثير في البداية والنهاية: ((الزبور
اسم الكتاب الذي أوحاه الله إلى داود عليه
السلام))(٤).
وجاء ذكر إيتاء الله الزبور لداود عليه
(١) أحكام القرآن ٤١/٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٥٨/٧.
(٣) التحرير والتنوير ١٢٩/٢٣.
(٤) البداية والنهاية ٢ / ٤٦٩.
تعالى: ﴿﴿ إِنَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كُمَا أَوْحَيْنَا إِلَى
نُوُجِ وَالتَِّنَ مِنْ بَعْدِهِ،َّ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَهِيمَ
وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَاَلْأَسْبَاطِ
وَعِيسَى وَأَيُّوَبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَ
ج
وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾ [النساء: ١٦٣].
ـل وعلا: ﴿وَءَاتَّيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾
[الإسراء: ٥٥].
وقد جاءت آية سورة النساء في سياق
ذكر الله لأنبيائه ومنهم داود، وهذا أول
موضع ورد فيه اسم كتاب داود عليه السلام
في القرآن الكريم.
معنى الزبور ونزوله على داود عليه
السلام:
اختلف أهل العلماء في المقصود بالزبور
هل هو اسم علم على كتاب داود عليه
السلام أم وصف؟ وسيتضح أن الراجح أنه
علم على كتاب الله الذي أنزله على داود
عليه السلام، وعلى ذلك جملة من الأدلة،
وسيأتي إيرادها، بعد التعريج على جذر
كلمة الزبور ومعناها في المعجم العربي،
وورودها في القرآن الكريم.
إن مادة (زبر) في المعاجم العربية تأتي
بمعان، ومنها: زبره بالحجارة أي رماه بها،
وزبر البناء یعني وضع بعضه فوق بعض،
أي رصّه رصًّا، وزبره عن الأمر يعني منعه
ونهاه، والأصل فيها قطعه عنه، فزبر بمعنی
٢٧٦
جَوَبُو دَةُ التَّقِين
القرآن الكريمِ

داود عليه السلام
قطع، والزّبر الكتابة، وزير الكتاب يعني وسيأتي ذكر الآيات الدالة على نسبة الزبور
لداود.
کتبه، والأصل فيه أتقن کتابته مبينًا مفصلًا
(مقطعًا) وهذا هو المعنى الرئيس في مادة
زير (١). ولذا قال المفسرون (الزبور) بمعنى:
المكتوب(٢).
قال ابن منظور: ((وقد غلب الزبور
على صحف داود على نبينا وعليه الصلاة
والسلام، وكل كتاب زبور، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ
الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصََّلِحُونَ
١٠٥
[الأنبياء: ١٠٥]))(٣)
علمًا أن الآية السابقة من سورة الأنبياء لا
تدل بوجه الجزم على نسبة الزبور لداود، فقد
اختلف المفسرون (٤) في تحديد المقصود
بالزبور فیھا، فمنهم من اعتبره کتاب داود
بعينه، ومنهم من قال: هو التوراة والإنجيل،
وقيل: اسم لجنس ما أنزل على الأنبياء من
الكتب، وقيل غيره، والخلاف في هذه الآية
بعينها لا ينقض أصل نسبة الزبور ككتاب
إلهي لداود عليه السلام، وأقصى ما يذهب
إليه أن الخلاف الواقع هنا إنما هو في
تحدید المراد بالزبور في تلك الآية فحسب،
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤٠٣/٥.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٤٥١، تفسير
النسفي ٤٢٣/٢.
(٣) انظر: لسان العرب ٤٠٣/٥.
(٤) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٤١٣/٣، (٦) الحجة، ابن زنجلة ص٢١٩.
الكشاف، الزمخشري ٠١٣٨/٣
وقد وردت كلمة (الزبور) في القرآن
في أكثر من موضع، ومن أصرحها في
نسبة الزبور لداود قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
فَضَّلْنَا بَعْضَ التَّيْهِنَ عَلَى بَعْضِّ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾
[الإسراء٥٥].
وفي كلمة (زبورًا) قراءتان متواترتان،
فقرأ حمزة وخلف بضم الزاي (زبورًا) وقرأ
الباقون بفتح الزاي (زبورًا)(٥). وتوجيه
قراءة ضم الزاي أن یکون جمع زبر، أي: کتبًا
وصحفًا مزبوره(٦).
قال ابن جرير في تفسيره: «وجهوا تأويله:
وآتينا داود كتبًا وصحفًا مزبوره، من قولهم:
زبرت الکتاب أزبره زبرًا، وزبرته أزبره زبرًا:
إذا كتبته)»(٧).
وقال ابن أبي مريم في الموضح: ((بضم
الزاي وهو على وجهين:
أحدهما: أن يكون جمع زبر، وهو
المزبور، وجاز جمعه وإن كان مصدرًا
لوقوعه موقع الأسماء.
الثاني: أن يكون زبور بالضم جمع زبور
بالفتح، جمعًا بحذف الزوائد، ويفتح الزاي
وهو ظاهر، فإن زبورًا بمعنی مزبور، وهو
(٥) انظر: التيسير، الداني ص٢٦٧، إتحاف
فضلاء البشر، البناء ١ / ٥٢٦.
(٧) جامع البيان ٦٨٧/٧.
www. modoee.com
٢٧٧

حرف الدال
اسم لهذا الكتاب المخصوص)»(١).
وأما بفتح الزاي فیکون بمعنی: وآتينا
داود الكتاب المسمى زبورًا. قال ابن أبي
مريم في الموضح: ((وبفتح الزاي وهو
ظاهر، فإن زبورًا بمعنى مزبور، وهو اسم
لهذا الكتاب المخصوص)) (٢).
فيكون اسمًا للكتاب الذي نزل على
داود، كما سمّي الكتاب الذي أنزل على
بالإنجيل، والذي نزل على محمد عليهم
الصلاة والسلام الفرقان؛ ولأن ذلك هو
الاسم المعروف به مما أوتي داود(٣).
موسى بالتوراة، والذي نزل على عيسى والقرآن، وإنما أريد له معنى مضاف يميزه
قال مكي بن أبي طالب في الكشف:
«حجة من قرأ بالفتح أن المعروف أن داود
صلى الله عليه وسلم أوتي كتابًا اسمه
الزّبور، كالتوراة والإنجيل والقرآن، فهو
کتاب واحد لكل نبي، فالفتح أولی به؛ لأنه
اسم لكتاب واحد، وهو الاختيار، لصحة
معناه؛ ولأن عليه الجماعة)) (٤).
واعتبر السمرقندي(٥) أن القراءتين
بمعنى واحد، وهو عبارة عن الكتاب.
وجاء في العلم الأعجمي أن (الزبور)
(١) الموضح في وجوه القراءات وعللها
٤٣٣/١.
(٢) المصدر السابق.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٧ /٦٨٧.
(٤) الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها
وحججها ١ / ٤٠٢.
(٥) تفسير السمر قندي ١/ ٤٠٤.
هو علم عربي -ليس فيه شبهة عجمة- على
کتاب داود عليه السلام، وأن (زبور) بمعنی
(مزبور) بالنظر إلى مادته وصیغته فهو کتاب
(تسابيح) مقطعات، وقال: ((ومن غير الجيد
فهمه بمعنى مطلق الكتاب، وإلا لما تميز
وحي الله على داود باسم علم يختص به
من دون كتب الله على رسله، كما اختص
باسمه العلم كل من التوراة والإنجيل
عن غيره من الکتاب المكتوب ... ، إنه کتاب
(تسابيح) مقطعات))(٦).
واسم كتاب داود في ترجمات العهد
القديم هو (سفر المزامير) وهو كذلك في
كتابهم المقدس الموجود الآن، وأما في
النص العبراني فإن اسمه (سفر تهلّيم) أي:
سفر التسابيح، وعليه فالترجمة العربية
الدقيقة لاسم هذا السفر (سفر التسابيح) أو
(سفر التهليل)(٧).
ولقد أشار الله على فضل داود وكتابه
الزبور، فقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا
بَعْضَ التَّبْعِنَ عَلَى بَعْضٍّ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا
[الإسراء: ٥٥].
(٦) العلم الأعجمي، أبو سعدة ٢ / ١٨٧ - ١٨٨.
(٧) انظر: المصدر السابق ١٨٣/٢ وجاء فيه: هو
هلل العبري المأخوذ من هلل العربي، بمعنى
سبح، وترخصت الترجمة السبعينية اليونانية
لأسفار العهد القديم في تسميته في النسخة
العربية بالمزامير؛ لأن في أصله العبري جاءت
عند عنونة المقاطع بكلمة مزمور.
٢٧٨
جوبيير
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

داود عليه السلام
زَبُورًا ﴾ تنبيه على فضله وشرفه))(١).
وثبت بأصرح مما سبق إثبات اسم الزبور
کعلم لكتاب الله في عدة أحاديث مرفوعة،
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال وقرأ عليه أبيٌّ أمّ
القرآن فقال: (والذي نفسي بيده ما أنزل
في التوراة، ولا في الإنجيل ولا في الزبور
ولا في الفرقان مثلها، إنها السبع المثاني،
والقرآن العظيم الذي أعطيت)(٢).
وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن
النبي صلی الله علیه وسلم قال: (أعطيت
مكان التوراة السبع، وأعطيت مكان الزبور
المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني،
وفضلت بالمفصل)(٣).
بل وجاء في الحدیث تحديد وقت نزول
الزبور، فقد أخرج الطبراني في المعجم
الكبير عن واثلة رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنزلت
صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان،
(١) تفسير القرآن العظيم ٨٨/٥.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٨/ ٣٨٧، رقم
٨٦٦٧.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١١٩١/٢، ٧٠٧٩.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٨/ ٣٨٧، رقم
٨٦٦٧.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٢٤١/١، رقم ١٠٥٩.
قال ابن كثير: ((وقوله: ﴿وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان،
وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من
رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من
رمضان، وأنزل القرآن لأربع عشرة خلت من
رمضان)(٤).
وقد نزل الزبور على داود عليه السلام
بعد أن اجتمعت بنو إسرائيل علیہ، کما نص
ابن جرير في تاریخه(٥).
حجم الزبور ومحتواه:
نقل السمرقندي في تفسيره عن مقاتل
قال: ((الزبور مائة وخمسون سورة، ليس
فيها حكم ولا فريضة، إنما ثناء على الله عز
وجل))(٦).
وهو كذلك في ما هو بين أيدي أهل
الکتاب ضمن کتابهم المقدس، فقد بلغ مائة
وخمسون مزمورًا.
وأما نسبة كل هذه المزامير لداود فغير
صحيح، فإن أهل الكتاب ينسبون بعضها
فقط إلى داود، وينسبون بعضها لابنه
سليمان، كما ينسبون بعضها لرجل يدعى
آساف، وهو كبير المغنين في بلاط داود،
وبعضها الآخر مسكوت عنه غير منسوب (٧).
(٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٢٢/
٧٥-١٨٥.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٣١٣/١،
١٤٩٣.
(٥) تاريخ الأمم والملوك، الطبري ٤٧٨/١.
(٦) تفسير السمر قندي ٢٧٣/٢.
(٧) وهنا ذكر محمود أبو سعدة فائدة عزيزة قال:
www. modoee.com
٢٧٩

حرف الدال
ولا يدرى على وجه التحقيق أي الله عز وجل، ودعاء وتسبيح(٢).
وعن قتادة قال: كنا نحدث أن الزبور
المزامير التي قالها داود؛ ولهذا في ترجمات
العهد القديم سموه (سفر المزامير) بدلًا من دعاء علّمه داود عليه السلام، وتحميد
(مزامير داود)(١).
ويصدّق ذلك الترجمة المطبوعة من
الكتاب المقدس للغة العربية، فإنه في سفر
المزامير يصدّرون بعضها بقولهم: ((مزمور
داود» کما في المزمور رقم (٤ و٥ و٦ و٨
و٩ و١١ و١٩ و٢٨ وغيرها) بينما بعضها
دون تسمية، وبعضها نسبوها لغير داود كما
في المزمور (٧٢) كتب: ((المزمور الثاني
والسبعون لسليمان».
وأما في المزمور (٧٤،٧٣، ٥٠) كتب:
((مزمور لآساف)). بل ونسبوا لآساف اثني
عشر مزمورً!
وأما محتوى الزبور: فقد تميز عن
غيره من کتب الله في محتواه، فقد كان
فيه التسابيح والتهليل، وليس فيه شيء من
التعاليم أو التكاليف، كما هي في التوراة
والإنجيل والقرآن، وهو قول جماهير أهل
العلم.
عن الربيع بن أنس قال: الزبور ثناء على
((وهذا يدلك على أن المجموع بين دفتي
العهد القديم ليس كله من وحي الله عز وجل
على رسله وأنبيائه، بل منه هذا وذاك، وهو
يدلك أيضًا على أن معنى الوحي عند أهل
الكتاب ليس هو نفس معناه عند أهل القرآن».
انظر: العلم الأعجمي ١٨٢/٢.
(١) انظر: العلم الأعجميّ، أبو سعدة ٢/ ١٨٢.
وتمجيد لله عز وجل، ليس فيه حلال ولا
حرام، ولا فرائض، ولا حدود(٣).
وقال القرطبي في تفسيره: «الزبور: كتاب
ليس فيه حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا
حدود، وإنما هو دعاء وتحميد وتمجيد)) (٤).
ومما يؤيد ذلك ما بقي من وحي الله
على داود -سليمًا من التحريف - مما هو في
أيدي أهل الكتاب في العهد القديم(٥).
ولقد وهب الله داود عليه السلام سهولة
قراءة كتابه، فقد أخرج البخاري في صحيحه
أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال:
(خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه
فتسرج، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه، ولا
يأكل إلا من عمل يده) (٦). والمراد بالقرآن
هنا مصدر القراءة لا القرآن المعهود لهذه
الأمة، كما قال ابن حجر في فتح الباري (٧).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١١١٨/٤.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ١٤/ ٦٢٥، وابن
أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٣٣٥.
(٤) الجامع لأحكام القرآن ١٠٥/١٠.
(٥) انظر: العلم الأعجمي، أبو سعدة ١٨٧/٢.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب قول الله تعالى: (وآتينا داوود
زبورًا)، ١٦٠/٤، رقم ٣٤١٧.
(٧) فتح الباري ٣٩٧/٨.
٢٨٠
جوية
القرآن الكريمِ

داود عليه السلام
ثالثًا: إيتاؤه العلم والحكمة:
أثنى الله على داود عليه السلام بأنه
آتاه العلم والحكمة في أكثر من موضع في
القرآن، وجاءت الآيات بصور مختلفة: فتارةً
يجمع الله له بين العلم والحكمة، وتارةً
يذكر العلم فقط، وتارةً الحكمة فقط.
أما الجمع بين العلم والحكمة فجاءت
في آية واحدة، قال تعالى: ﴿وَءَاتَنُهُ اللهُ
اَلْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ، مِمَا يَشَآءُ﴾
[البقرة: ٢٥١].
وجاء ذكر العلم دون الحكمة لداود في
آیتین:
قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ إِذّ
يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ إِذْنَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
فَفَهَّمْنَهَا
٧٨
وَكُنَّا ◌ِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ
سُلَيْمَنَّ وَكُلَّا ءَالَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَاً وَسَخَّرْ نَامَعَ
دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَعِلِينَ
﴾ [الأنبياء: ٧٨-٧٩].
ففي هذه الآية امتدح الله سليمان عليه
السلام في إصابته في القضاء في الحكم إلا
أن الله لم يذم داود، بل امتدحه الله بإيتائه
العلم والحكمة، کما آتاهما سلیمان، وکون
الآية وردت في سياق تأييد الحكم لسليمان
عليهما السلام، أعقبه الله تعالى بذكر
الفضيلة لهما؛ لئلا يتوهم الإغضاء من قدر
داود عليه السلام، ودفعًا لما عسى يوهمه
تخصيص سليمان عليه السلام بالتفهم،
من عدم کون حکم داود عليه السلام حكمًا
موافقًا للصواب(١).
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ
عِلْمَّاً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ
اَلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النمل: ١٥].
وأما التي ذكر فيها إيتاءه للحكمة دون
العلم فهي آية واحدة:
قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ، وَءَاتَيْنَهُ
اُلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ لَلِطَّابِ ﴾ [ص: ٢٠].
فالمذكور في الآيات مما وهبه الله
لداود أمران: العلم والحكمة، فما المقصود
بالعلم؟ وهل هو علم خاص بهما أم مشترك
مع باقي الخلق؟ وما المقصود بالحكمة؟
١. العلم.
تعددت الأقوال في المراد بالعلم الذي
أوتيه داود عليه السلام، وأساس الخلاف
هل هو علم اختص الله به داود عليه السلام
أم علم كباقي العلوم التي يمكن للعباد أن
يؤتوها أو يكتسبوها؟
فقيل: هو الفهم، وهو قول قتادة (٢).
وقيل: هو علم بالدين والحكم
وغيرهما(٣).
وقيل: ((طائفة من العلم وهو علم الحكم
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٢٧٣/١١،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧ / ٨٧.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٨٥٤.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١٢/١٦.
www. modoee.com
٢٨١

حرف الدال
والشرائع، أو علمًا أي علم))(١).
وذهب ابن جرير إلى أن المراد بالعلم
((علم كلام الطير والدواب وغير ذلك مما
خصهم الله بعلمه))(٢).
وذهب ابن كثير إلى اختصاص العلم
بداود، ولکن دون تحديد ماھیة العلم، فقال
في تفسيره: ((علمه ما يشاء من العلم الذي
اختصه به عليه السلام))(٣).
وقيل: صنعة الكيمياء. قال القرطبي:
((هو شاذ))، وقال عقب ذلك القرطبي: ((وإنما
الذي آتاهما الله النبوة والخلافة في الأرض
والزبور))(٤). في إشارة للعلم أن يكون النبوة
أو الزبور، والله أعلم.
وقال ابن عاشور: ((علم نبوءة
وحكمة»(٥).
وجمع ما قيل في المراد بعلم داود
الماوردي، فقال: «فیه ستة أوجه:
أحدها: فهمًا، قاله قتادة.
الثاني: صنعة الكيمياء، وهو شاذ.
الثالث: فصل القضاء.
الرابع: علم الدين.
الخامس: منطق الطير.
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٤١/٣، أنوار
التنزيل، البيضاوي ٢/ ١٧٢ .
(٢) جامع البيان ١٢٤/١٨.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٦٦٩/١.
(٤) الجامع لأحكام القرآن ١١٢/١٦.
(٥) التحرير والتنوير ٢٣٢/١٩.
السادس: بسم الله الرحمن الرحيم)) (٦).
والذي يترجح لي -والله أعلم- أن الله
خصه بعلم ديني ودنيوي، وهو الأکمل في
حق داود عليه السلام، فأما الديني فيكفيه ما
في النبوة والزبور من علم وافر، وأما العلم
الدنيوي فمما يؤيده قوله تعالى عما آتاه
لنبيه داود: ﴿وَعَلَّتْنَهُ صَنْعَةَ لَبُوُسٍ لَّكُمْ
◌ِنُحْصِنَكُم مِّنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَكِرُونَ
﴾ [الأنبياء: ٨٠].
ويدخل فيها علمه لكلام الطير وغيره،
وفي قوله تعالى: ﴿وَءَاتَلُهُ اَللَّهُ الْمُلْكَ
وَاْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِنَا يَشَاءُ﴾
[البقرة: ٢٥١].
إشارة إلى ذلك، قال في معناها ابن
الجوزي: ((قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَهُ مِنَا
يَشَاءُ﴾ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها صنعة الدروع.
والثاني: الزبور.
والثالث: منطق الطير))(٧).
وتحتمل کلمة (مما يشاء) أن یکون مما
یشاؤه الله، أو يشاؤه داود، أو كلاهما (٨).
فخص الله نبيه داود بعلم دون العباد،
والفعل (آتینا) فيه إشارة إلى أنه «علم مفاض
من عند الله، وليس علمًا مكتسبًا (٩). وهو
(٦) النكت والعيون ٤ / ١٩٧.
(٧) زاد المسير ١/ ٣٠٠.
(٨) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٢١/١.
(٩) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٣/١٩.
٢٨٢
القرآن الكريمِ

داود عليه السلام
علم عظيم في شأنه، بدلالة تنكير لفظة قول ابن عباس والسدي، أخرجه عنه ابن
جریر واختاره(٤).
(علمًا) كما جاء في آية سورة النمل(١)،
ويحتمل أن يكون التنكير للتكثير (٢)، ولا
مانع من الجمع بينهما، فهو علم عظيم
و کثیر، والله أعلم.
وقيل: العقل في الدين، وإليه ذهب زید
فهو إذن علم اختص به داود عليه السلام بن أسلم(٦).
في الجنس والكم، ولو اشترك معه غيره من
الخلق لما كان هناك مزية له في هذا العلم
دون الآخرین.
قال القشيري على آية سورة النمل:
((يقتضي حكم هذا الخطاب أنه أفردهما
بجنس من العلم لم يشاركهما فيه أحد؛
لأنه ذكره على وجه تخصيصهما به، ولا
شك أنه كان من العلوم الدينية، ويحتمل
أنه كان بزيادة بيان لهما أغناهما عن إقامة
البرهان عليه، وتصحيحه بالاستدلال الذي
هو معرض للشك فيه، ويحتمل أن يكون
علمهما بأحوال أمتهما على وجه الإشراف
علی ما كانوا يستسرون به، فيكون إخبارهما
عن ذلك معجزة لهما))(٣).
٢. الحكمة.
كما اختلف في المراد بالعلم وقع
الخلاف في المراد بالحكمة التي وهبها الله
لداود عليه السلام، فقيل: هي النبوة، وهو
(١) انظر: المصدر السابق.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٦٥٢.
(٣) لطائف الإشارات ٣٢/٥.
وقيل: إنها السنة، وهو قول قتادة
والحسن (٥)
وقيل: الصواب، وهو قول مجاهد
أخرجه سعید بن منصور (٧).
وقال ابن الجوزي: «وفي المراد بالحكمة
هاهنا قولان:
أحدهما: أنها النبوّة.
والثاني: الزبور))(٨).
وفي موضع آخر قال ابن الجوزي: ((فيها
أربعة أقوال:
الفهم، قاله ابن عباس والحسن وابن
زید.
والثاني: الصواب، قاله مجاهد.
والثالث: السنة، قاله قتادة.
والرابع: النبوة، قاله السدي))(٩).
وعند ابن عطية في المحرر الوجيز ذكر
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره عن السدي
٥/ ٤١٥، ونسبه لابن عباس ابن الجوزي في
زاد المسير ٣٠٠/١.
(٥) أخرجه الطبري في تفسيره ٤٨/٢٠ عن قتادة،
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٠
عن الحسن.
(٦) أخرجه عنه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٨٠.
(٧) سنن سعيد بن منصور ١٧٤/٧.
(٨) زاد المسير ٣٠٠/١.
(٩) المصدر السابق ٧ / ١١١.
www. modoee.com
٢٨٣

حرف الدال
ما سبق وزاد في معنى الحكمة: أنها العلم التي هي النبوة، فيكون أعظم امتنان على
داود وبني إسرائيل.
الذي لا ترده العقول(١).
والذي يظهر أن الله ذكر إيتاءه
الحكمة لنبيه داود في موضعين في كتابه
الكريم، فجاء ذكر إيتائه الحكمة في
سياق قتله لجالوت، فقال تعالى: ﴿وَقَّتَلَ
دَاوُودُ جَالُونَ وَءَاتَنُ اللَّهُ الْمُلْكَ
وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٥١
وجاء ذكرها أيضًا في سياق تعداد النعم
التي وهبها الله لداود، فقال تعالى: ﴿آُصِرْ
عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأَذْكُرُ عَبْدَنَا دَاوُرَدَ ذَا الْأَيْدِّ إِنَّهُ:
أَوَّبُ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ
وَالطَّيْرَ مْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّبٌ )
١٨
وَالإِشْرَاقِ
وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ، وَءَابَيْنَهُ اُلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ لَفِطَابٍ
(٢)﴾ [ص: ١٧ - ٢٠].
وإطلاق القول في معنى الحكمة في كلا
الموضعين قد يحدث شيئًا من التداخل؛
فلذا لا بد من التفصيل، فلكل موضع مقال
في معناها، فإذا فرقنا بين الموضعين، وما
تحتمله من معنى اتضح لنا الأمر في معنى
المراد بالحكمة، وفي نسبة الأقوال للسلف
وغيرهم.
ففي الموضع الأول تكون الحكمة هي
النبوة، كما ذهب إليه ابن عباس والسدي؛
بدلالة أن الله أشار في تلك الآية إلى إعطاء
داود الملك بعد انتصارهم، وقرنه بالحكمة
(١) المحرر الوجيز ٣٣١/٧ ونسبه لأبي العالية.
وأما في الموضع الآخر: فإن الأقوال فيها
تحتمل التعدد، فيمكن أن تكون الفهم أو
الصواب أو العقل أو غيره، ويشملها النبوة.
رابعًا: فصل الخطاب:
لقد أثنی الله علی داود بأن آتاه فصل
الخطاب، فقال عز وجل: ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحِكْمَةَ
وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠].
وجاءت هذه الصفة في معرض ذكر
فضائل داود عليه السلام، وقد تعددت أقوال
المفسرين في معنى (فصل الخطاب) فقيل
فيها عدة أقوال، وهي:
علم القضاء والفهم به، ذهب إليه ابن
عباس ومجاهد والسدي وابن زيد وأبو
عبدالرحمن السلمي(٢).
وقيل: تكليف المدّعي البينة، واليمين
على المدّعى عليه، وبعبارة أخرى: الشهود
والأيمان، وذهب إليه علي بن أبي طالب
وشريح والشعبي وقتادة(٣)، ووصف هذا
(٢) أخرجه عنهم الطبري في تفسيره ٢٠/ ٤٩ -
٥٠. قال السعدي في تفسيره ص ٧٢٢: ((من
أكبر نعم الله على عبده أن يرزقه العلم النافع،
ويعرف الحكم والفصل بين الناس؛ كما امتن
الله به علی عبدە داود)».
(٣) أخرجه عنهم جميعًا -ما عدا علي بن أبي
طالب- الطبري في تفسيره ٥٠/٢٠-٥١،
ونسبه إلى علي بن أبي طالب ابن عطية في
المحرر الوجيز ٣٣١/٧، والقرطبي في
٢٨٤
جَوَسُولَة النفسي
القرآن الكريمِ

داود عليه السلام
القول الواحدي(١) بأنه قول الأكثرین.
وقيل عبارة: أما بعد، وهو قول أبي
موسى الأشعري(٢)، ونسب إلى الشعبي(٣)،
وأخرجه سعيد بن منصور عن زياد بن
أبيه(٤)(٥).
وكل هذه الأقوال مناقب حري بها نبي
الله داود، وخليق بها؛ ولذا اختار ابن جرير
في معنى (فصل الخطاب) أنه يشملها كلها،
فقال: ((وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن
پقال: إن الله أخبر أنه آتی داود -صلوات
الله عليه- فصل الخطاب، والفصل: هو
القطع، والخطاب هو المخاطبة، ومن قطع
مخاطبة الرجل الرجل في حال احتكام
أحدهما إلى صاحبه قطع المحتكم إليه
الحکم بین المحتکم إليه وخصمه بصواب
من الحكم، ومن قطع مخاطبته أيضًا صاحبه
إلزام المخاطب في الحكم ما يجب عليه إن
كان مدّعيًا، فإقامة البيّنة على دعواه، وإن
تفسيره ١٤٩/١٨.
(١) البسيط ١٧٦/١٩.
(٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٧/ ١١٢.
(٣) أخرجه عنه الطبري في تفسيره ٢٠/ ٥١.
(٤) سنن سعيد بن منصور ٧/ ١٧٥.
(٥) ضعف هذا القول ابن العربي، فقال في أحكام
القرآن ٤/ ٤٥: «لو صحّ أن داود قالها - أي أما
بعد- فإنه لم يكن ذلك منه بالعربية، على هذا
النظم، وإنما كان بلسانه، والله أعلم)).
واستبعده ابن عاشور في التحرير والتنوير
١٣٠/٢٣ فقال: ((ولا أحسب هذا صحيحًا؛
لأنها كلمة عربية، ولا يعرف في كتاب داود
أنه قال ما هو بمعناها في اللغة العبرية)».
كان مدّعيًا عليه فتكليفه اليمين إن طلب
ذلك خصمه، ومن قطع الخطاب أيضًا الذي
هو خطبةٌ عند انقضاء قصة وابتداء بأخرى،
الفصل بينهما بـ(أما بعد) فإذا كان ذلك كله
محتملًا ظاهر الخبر، ولم تكن في هذه
الآية دلالة على أي ذلك المراد، ولا ورد
به خبر عن الرسول صلی الله عليه وسلم
ثابت، فالصواب أن یعمّ الخبر کما عمّه الله،
فيقال: أوتي داود فصل الخطاب في القضاء
والمحاورة والخطب»(٦).
وبهذا التوجيه من ابن جرير تكون
الفضيلة لداود أعم وأتم، وهو الصواب
الذي يدل عليها ظاهر القرآن، وتتوافق مع
مكانة نبي الله داود عليه السلام.
خامسًا: قتله لجالوت:
لقد انضم داود عليه السلام ضمن جيش
بني إسرائيل بقيادة ملكهم طالوت الذي
خرج لمحاربة جالوت وجنده، وكان في
ذلك الحين داود إنما هو عبد صالح في
بني إسرائيل ولم يكن نبيًّا، وكان أول بروز
له لكافة شرائح مجتمعه في تلك المعركة
التي وفقه الله فيها إلى قتل جالوت، فبرز
وكان له الشأن عند قومه، و کأن الله عز وجل
أراد تهيئته أو تهيئة بني إسرائيل لنبوة وملك
ـَزْمَوَهَم بِلذِنْ
داود، فقال تعالى:
(٦) جامع البيان ٢٠/ ٥٢.
www. modoee.com
٢٨٥

حرف الدال
اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُونَ وَءَاتَنَهُ اللهُ
الْمُلْكَ وَاَلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِنَا يَشَآءُ﴾
[البقرة: ٢٥١] علمًا أن هذا هو أول موضع
ورد فيه اسم داود في القرآن الكريم، بحسب
ترتيب سوره.
فنص الله على أن داود قتل جالوت،
وأشار عقبها مباشرةً إلى إعطاء الله الملك
له والحكمة، فبعد تلك المعركة وبعد تلك
الحادثة أصبح داود ملگًا ونبيًا لبني إسرائيل.
داود وبنو إسرائيل
کان عهد داود عليه السلام بعد موسى
عليه السلام قطعًا بمدة من الزمن، فقد قال
تعالى في مطلع قصة قتل داود لجالوت:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَّإِ مِنْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ مِنْ بَعْدٍ
مُوسَى إِذْ قَالُوْلِنٍَِّ لَّهُمُ أَبْتْ لَنَا مَلِكًا تُقَلِتِلْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا نُقَتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلَّا
تُقَتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦].
وقد نص ابن كثير(١) على أنه كان بين
داود وموسى ما ينيف عن ألف سنة.
وقد كان قبل داود على ملك بني إسرائيل
طالوت، كما قال تعالى: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ
إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾
[البقرة: ٢٤٧].
وإن کان مجاهد ذهب إلى أن الملك في
هذه الآية هو الإمرة على الجيش لا بالملك
العام(٢).
وفي قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لِنٍَّ لَّهُمُ﴾
[البقرة: ٢٤٦] إشارة واضحة إلى وجود نبي
لبني إسرائيل قبل داود، وفي تحديده خلاف
بين المفسرين فقيل: شمعون(٣)، وقيل:
(١) تفسير القرآن العظيم ١/ ٦٦٥.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٦.
(٣) هو قول السدي أخرجه ابن جرير في تفسيره
٤٣٦/٤.
٢٨٦
قَضوري
جوبي
القرآن الكريمِ