النص المفهرس

صفحات 21-40

الخمس
أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحًا معمولا به
معروفًا عندهم بحيث لا ينكر ولا يغير، وأن
النبي صلی الله عليه وسلم أقر علیه، وهذا
ولا
ما لا خلاف فيه، يدل عليه آية النساء
تَقْرَبُوا الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ شُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]
على ما تقدم. وهل كان يباح لهم شرب
القدر الذي يسكر؟
حديث حمزة ظاهر فيه حين بقر
خواصر ناقتي علي رضي الله عنهما وجب
أستمتهما، فأخبر علي بذلك النبي صلى
الله عليه وسلم، فجاء إلى حمزة فصدر
عن حمزة للنبي صلى الله عليه وسلم من
القول الجافى المخالف لما يجب عليه من
احترام النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره
وتعزیره، ما يدل على أن حمزة كان قد ذهب
عقله بما يسكر، ولذلك قال الراوي: فعرف
رسول الله صلی الله علیه وسلم أنه ٹمل، ثم
إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على
حمزة ولا عنفه، لا في حال سکره ولا بعد
ذلك، بل رجع لما قال حمزة: وهل أنتم إلا
عبيد لأبي؟! على عقبيه القهقرى وخرج
عنه»(١).
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٨٧/٦.
مقاصد تحريم الخمر
حرم الله الخمر ولعن عاصرها
ومعتصرها وشاربها وساقيها وبائعها
ومبتاعها وآكل ثمنها ... وفرض على من
شربها عقوبة شديدة في الحياة الدنيا،
وتوعده بعذاب أليم يوم القيامة.
وقد شاع على ألسنة الناس أن المقصد
من تحريم الخمر هو حفظ العقل، وذلك
أن الإنسان إذا شرب الخمر ذهب عقله،
فحرمت حفظًا للعقل من جهة العدم بدفع ما
يضر به ويؤدي إلى إذهابه وتعطيله.
غير أننا بعد قليل من التأمل نجزم بأن
الخمر قد حرمت مراعاة للمقاصد الشرعية
الخمسة: الدين والنفس والعقل والنسل
والمال.
فأما الدین: فقد أشار إلى حفظه بتحريمها
قوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ﴾
[المائدة: ٩١]: فصد الخمر عن الصلاة فساد
للدین.
قال الرازي: ((أما أن شرب الخمر يمنع
عن ذكر الله فظاهر؛ لأن شرب الخمور
يورث الطرب واللذة الجسمانية، والنفس
إذا استغرقت في اللذات الجسمانية غفلت
عن ذكر الله تعالى، وأما أن الميسر مانع
عن ذكر الله وعن الصلاة فكذلك؛ لأنه إن
كان غالبًا صار استغراقه في لذة الغلبة مانعًا
www. modoee.com
١١٣

حرف الخاء
من أن يخطر بباله شيء سواه، ولا شك الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل،
أن هذه الحالة مما تصد عن ذكر الله وعن وعند استيلائهما تحصل المنازعة بين أولئك
الصلاة))(١).
ومن فساد الدين ما ينشأ من الفرقة
والعداوة بين المؤمنين بسبب الخمر
والذي نص عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ
الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْتَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَعْضَآءَ فِى الْخَيْرِ
وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١].
وأما حفظ النفس: فمعلوم أن الخمر
سبب لسفك الدماء واستسهال العدوان على
الناس وإزهاق أرواحهم وإتلاف جوارحهم
وأبدانهم، وواقع الناس على اختلاف زمانهم
وبلدانهم يشهد أن عموم الجنايات والجرائم
لا تقع إلا تحت تأثير الخمور والمسكرات،
وكل ذلك من الإثم الذي أشار إليه قوله
تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ
وَإِنْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
وقد يكون كذلك أثرًا للعداوة والبغضاء
الحاصلة من الخمر والميسر، قال الرازي:
(أما الخمر فاعلم أن الظاهر فيمن يشرب
الخمر أنه يشربها مع جماعة ويكون غرضه
من ذلك الشرب أن يستأنس برفقائه ويفرح
بمحادثتهم ومكالمتهم، فكان غرضه من
ذلك الاجتماع تأكيد الألفة والمحبة إلا
أن ذلك في الأغلب ينقلب إلى الضد؛ لأن
الخمر يزيل العقل، وإذا زال العقل استولت
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/ ٤٢٤.
جوسين
القرآن الكريم
الأصحاب، وتلك المنازعة ربما أدت إلى
الضرب والقتل والمشافهة بالفحش، وذلك
يورث أشد العداوة والبغضاء، فالشيطان
يسول أن الاجتماع على الشرب يوجب
تأكيد الألفة والمحبة، وبالآخرة انقلب الأمر
وحصلت نهاية العداوة والبغضاء.
وأما الميسر ففيه بإزاء التوسعة على
المحتاجين الإجحاف بأرباب الأموال؛ لأن
من صار مغلوبًا في القمار مرة دعاه ذلك إلى
اللجاج فيه عن رجاء أنه ربما صار غالبًا فيه،
وقد يتفق أن لا يحصل له ذلك إلى أن لا
يبقى له شيء من المال، وإلى أن يقامر على
لحیته وأهله وولده، ولا شك أنه بعد ذلك
يبقى فقيرًا مسكينًا ويصير من أعدى الأعداء
لأولئك الذين كانوا غالبین له، فظهر من هذا
الوجه أن الخمر والميسر سببان عظيمان في
إثارة العداوة والبغضاء بين الناس، ولا شك
أن شدة العداوة والبغضاء تفضي إلى أحوال
مذمومة من الهرج والمرج والفتن، وكل
ذلك مضاد لمصالح العالم»(٢).
وأما حفظ العقل: فواضح معلوم.
وأما حفظ النسل: وإن لم يبد جليًّا
فإننا بعد التأمل نجد أن كثيرًا من المفاسد
الاجتماعية من الزنا والطلاق والتفريط في
(٢) المصدر السابق.
١١٤

الخمر
حقوق الأهل والذرية والأقارب مرده إلى
الخمر وآثارها، وهو أيضًا من الإثم الكبير
الذي نصت عليه الآية.
وأما حفظ المال: فإن شارب الخمر
يفسد ماله في ما يضره ولا ينفعه، بل في ما
فيه هلاك نفسه وبدنه فضلًا عن ذهاب ماله
وعقله. ورغم أن الخمر تجلب لمن يعصرها
ويبيعها ويحملها مالًا ﴿وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ إلا
أن الشرع أبطل هذه المصلحة لأن ما يقابلها
من المفاسد أعظم منها بكثير: ﴿قُلْ فِيهِمَا
إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبُرُ مِن
نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
ولذلك أصبحت هذه المصلحة في
حكم المعدومة، وذلك أن مصالح الدنيا
ومفاسدها ليست مصالح ومفاسد خالصة،
بل ما من مصلحة إلا تشوبها مفسدة: فإن
كانت المصلحة غالبة روعيت وكانت
المفسدة في حكم المعدومة كما في
القصاص، وإن كانت المفسدة غالبة روعيت
وكانت المصلحة في حكم المعدومة كما
في الخمر، وإن تساوتا فدرأ المفاسد أولى
من جلب المصالح كما تقرر ذلك عند
علماء الأصول والمقاصد.
ويشهد لما سبق ما روى البيهقي عن
عثمان بن عفان، رضي الله عنه قال: (اجتنبوا
الخمر، فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل ممن
خلا قبلكم يتعبد ويعتزل الناس، فعلقته
امرأة غوية، فأرسلت إليه جاريتها فقالت: إنا
ندعوك لشهادة، فدخل معها فطفقت كلما
دخل بابًا أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة
وضيئة عندها غلام وباطية خمر، فقالت: إني
والله ما دعوتك لشهادة، ولكن دعوتك لتقع
علي، أو تقتل هذا الغلام، أو تشرب الخمر،
فسقته كأسًا، فقال: زيدوني، فلم يرم حتى
وقع عليها وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر،
فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبدًا إلا أوشك
أحدهما أن يخرج صاحبه)(١).
فقد جمعت الخمر جميع المفاسد
ولذلك كانت أم الخبائث: من عاقرها
استسهل کل فاحشة ووقع في کل إثم.
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب
الأشربة والحد فيها، باب ما جاء في تحريم
الخمر، ٥٠٠/٨، رقم ١٧٣٣٩.
قال ابن كثير: رواه البيهقي وهذا إسناد
صحيح. وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا في
كتابه ذم المسكر عن محمد بن عبد الله ابن
بزيع، عن الفضيل بن سليمان النميري، عن
عمر بن سعيد، عن الزهري، به مرفوعًا،
والموقوف أصح، والله أعلم.
انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٩/٣.
www. modoee.com
١١٥

حرف الخاء
أحكام تتعلق بالخمر
لما جمعت الخمر المفاسد كلها، فقد
حرم الإسلام شربها ووضع لشاربها عقوبة
رادعة، وحرم کل وسيلة إليها.
أولًا: بيع الخمر:
النصوص الصريحة الواردة في تحريم
بيع الخمر، اتفق العلماء على تحريم بيعها
وشرائها بل وما اتصل بذلك من عصرها
ونقلها وسقايتها ونحوها.
قال الخازن: ((أجمعت الأمة على تحريم
بيع الخمر والانتفاع بها وتحریم ثمنها»(١).
ومن النصوص الواردة في ذلك ما روى
البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله
عنهما، أنه: سمع رسول الله صلى الله عليه
وسلم، يقول عام الفتح وهو بمكة: (إن الله
ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة والخنزير
والأصنام)، فقيل: يا رسول الله، أرأيت
شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن
بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال:
(لا، هو حرام)، ثم قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم عند ذلك: (قاتل الله اليهود
إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه،
فأكلوا ثمنه)(٢).
(١) لباب التأويل، الخازن ١/ ١٥٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع،
باب بيع الميتة والأصنام، ٨٤/٣، رقم
٢٢٣٦، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة،
فقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله
ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة والخنزير
والأصنام) صريح في تحريم بيع الخمر
وشرائها.
وعند مسلم عن ابن عباس: (أن رجلًا
أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم
راوية خمر، فقال له رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (هل علمت أن الله قد حرمها؟)
قال: لا، فسار إنسانًا، فقال له رسول الله
صلی الله عليه وسلم: (بم ساررته؟)، فقال:
أمرته ببيعها، فقال: (إن الذي حرم شربها
حرم بيعها)، قال: ففتح المزادة حتى ذهب
ما فيها)(٣).
والحديث أيضًا نص على تحريم بيعها
وشرائها، ولحقت الهدية بالبيع والشراء
ولولا ذلك لقبلها النبي صلى الله عليه
وسلم: ففيه دليل أيضًا على تحريم إهدائها
وأخذها.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (لما
نزلت الآيات من آخر سورة البقرة، خرج
رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقتراهن
على الناس، ثم نهى عن التجارة في
باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير،
٠١٥٨١،١٢٠٧/٣
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة،
باب تحريم بيع الخمر، ١٢٠٦/٣، رقم
١٥٧٩.
١١٦
الْقُرآن الكَرِيْمِ

الخمس
الخمر)(١).
وقد وردت النصوص بتحريم حملها
وسقيها وأكل ثمنها وسوى ذلك مما اتصل
بها: أخرج أبو داود عن ابن عمر قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعن
الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها،
ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها،
والمحمولة إليه)(٢).
ورواه ابن ماجه بلفظ: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (لعنت الخمر على
عشرة أوجه: بعينها، وعاصرها، ومعتصرها،
وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة
إلیه، وآكل ثمنها، وشاربها، وساقیھا)(٣).
وقد تضمن الحديث تحريم كل فعل
ساهم في نشر الخمر وقربها ممن يشربها
ولو لم يباشر فاعله شربها، حتى لعن آكل
ثمنها سدًّا لكل ذريعة وحيلة تفضي إلى
الانتفاع بها.
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة،
باب تحريم بيع الخمر، ١٢٠٦/٣، رقم
١٥٨٠.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأشربة، باب
العنب يعصر للخمر، ٣٢٦/٣، رقم ٣٦٧٤.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١/ ٣٧٠، رقم ١٨٠٢.
(٣) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الأشربة،
باب لعنت الخمر على عشرة أوجه،
١١٢١/٢، رقم ٣٣٨٠.
ثانيًا: شرب الخمر:
وأما تحريم شرب الخمر فشيء يعلمه
عموم المسلمين، وقد دلت عليه نصوص
كثيرة منها قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
إِنَّمَا اُلْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ
الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ
الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاَلْبَعْضَآءَ فِ الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةَ فَهَلْ أَنُمُ
مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].
ففي قوله سبحانه:﴿فاجتنبوهُ ﴾ نص على
الحرمة كما فهم ذلك أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقالوا: انتهينا. ((وقد
اجتمعت أنواع من التأكيد ((على الحكم))
في الآية منها التصدير بإنما، وقران الخمر
والميسر بالأصنام إذا فسرنا الأنصاب بها،
وفي الحديث (مدمن الخمر كعابدوثن) (٤)،
، وقال تعالى:
والإخبار عنها بقوله:
﴿فَأَجْتَذِبُواْ الرَّحْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ﴾
[الحج: ٣٠].
ووصفه بأنه من عمل الشيطان والشيطان
لا يأتي منه إلا الشر البحت، والأمر
بالاجتناب، وترجية الفلاح -وهو الفوز-
باجتنابه فالخيبة في ارتكابه، وبدئ بالخمر؛
لأن سبب النزول إنما وقع بها من الفساد؛
(٤) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الأشربة،
باب مدمن الخمر، ٢/ ١١٢٠، رقم ٣٣٧٥.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٢/ ١٠٢٠، رقم ٥٨٦١.
www. modoee.com
١١٧

حرف الخاء
ولأنها جماع الإثم)) (١).
وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم: (إن
الذي حرم شربها حرم بيعها)، وقوله صلى
الله عليه وسلم: (لعن الله الخمر، وشاربها،
وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها،
ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه).
وورد الوعيد الشديد لمدمن الخمر:
فمن ذلك ما روى أبو داود عن ابن
عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(كل مخمر خمر، وكل مسكر حرام، ومن
شرب مسکرًا بخست صلاته أربعین صباحًا،
فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان
حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال)،
قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال:
(صديد أهل النار، ومن سقاه صغيرًا لا
يعرف حلاله من حرامه، كان حقًّا على الله
أن يسقيه من طينة الخبال)(٢).
وفي حديث أسماء بنت يزيد عند الإمام
أحمد الخوف علیه أن يموت كافرًا، ولفظه:
عن أسماء بنت يزيد، أنها سمعت النبي صلى
الله عليه وسلم يقول: (من شرب الخمر، لم
يرض الله عنه أربعين ليلة، فإن مات، مات
كافرًا، وإن تاب، تاب الله عليه، وإن عاد،
(١) البحر المحيط، أبو حيان ٣٥٧/٤.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأشربة، باب
النهي عن المسكر، ٣٢٧/٣، رقم ٣٦٨٠.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٨٣٥/٢، رقم ٤٥٤٨.
كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال)
قالت: قلت: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟
قال: (صديد أهل النار).(٣)
وفي المستدرك عن أبي موسى رضي
الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: (ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر
وقاطع الرحم ومصدق بالسحر، ومن مات
مدمن الخمر سقاه الله من نهر الغوطة)،
قيل: وما نهر الغوطة؟ قال: (نهر يخرج
من فروج المومسات یؤذي أهل النار ربح
فروجهم) (٤).
ولکون ھذہ النصوص وغيرها صحيحة
صريحة، فقد انعقد الإجماع على تحريم
شرب الخمر وصار معلومًا من الدين
بالضرورة، قال في البحر: ((وقد أجمع
المسلمون على تحريم القليل والكثير من
خمر العنب التي لم تمسها نار ولا خالطها
شيء، والأكثر من الأمة على أن ما أسكر
كثيره فقليله حرام، والخلاف فيما لا یسکر
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٥٧٨/٤٥، رقم
٢٧٦٠٣.
قال المحقق: حديث صحيح لغيره دون قوله:
(«فإن مات مات كافرًا))، وهذا إسناد ضعيف
لضعف شهر بن حوشب، وابن خثيم، وهو
عبد الله بن عثمان، مختلف فيه.
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك على
الصحيحين، كتاب الأشربة، ١٦٣/٤، رقم
٧٢٣٤.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه، ولم يتعقبه الذهبي.
١١٨
جوية
القرآن الكريمِ

الخمس،
قليله ويسكر كثيره من غير خمر العنب
مذكور في كتب الفقه))(١).
ثالثًا: حد الخمر:
اتفق الفقهاء على أن من شرب الخمر
متعمدًا مختارًا -سكر أم لم يسكر - وجب
عليه الحد.
قال ابن رشد: ((فأما الموجب فاتفقوا
على أنه شرب الخمر دون إكراه قليلها
وكثيرها. واختلفوا في المسكرات من
غيرها، فقال أهل الحجاز: حكمها حكم
الخمر في تحريمها وإيجاب الحد على من
شربها قليلا کان أو کثیرًا، أُسکر أو لم یسکر.
وقال أهل العراق: المحرم منها هو السكر،
وهو الذي يوجب الحد))(٢).
وروى مالك عن السائب بن يزيد: (أن
عمر بن الخطاب، خرج عليهم فقال: إني
وجدت من فلان ربح شراب. فزعم أنه
شراب الطلاء ١)
وأنا سائل عما شرب. فإن
(٣)
كان يسكر جلدته فجلده عمر الحد تامًا)(٤).
(١) البحر المحيط، أبو حيان ٣٥٧/٤.
(٢) بداية المجتهد، ابن رشد ٢٢٧/٤.
(٣) الطلاء: هو أن يطبخ العصير حتى يصير مثل
طلاء الإبل.
انظر: فتح الباري، ابن حجر ١٠/ ٦٣.
(٤) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الأشربة، باب
الحد في الخمر، ٨٤٢/٢.
قال ابن عبد البر: هذا الإسناد أصح ما يروى
من أخبار الآحاد.
انظر: الاستذكار ٣/٨.
قال ابن عبد البر: ((وفي هذا الحديث من
الفقه وجوب الحد على من شرب مسكرًا
أسكر أو لم يسكر، خمرًا كان من خمر
العنب أو نبيذًا، لأنه ليس في الحديث ذكر
الخمر ولا أنه كان سكران، وإنما فيه من
قول عمر: أن الشراب الذي شرب منه إن
کان یسکر جلده الحد، وهذا يدل على أنه
كان شرابًا لا يعلم أنه الخمر المحرم قليلها
و کثیرها ولو كان ذلك ما سأل عنه.
وقد أجمعوا على أن قليل الخمر من
العنب فيه من الحد مثل ما في كثيرها ولا
يراعى السكر فيها وإنما اختلفوا في ما
سواها من الأنبذة المسكرة)» (٥).
ومع الحد يحكم بفسق الشارب أيضًا،
قال في بداية المجتهد: ((وأما الواجب
فهو الحد والتفسيق إلا أن تكون التوبة،
والتفسيق في شارب الخمر باتفاق وإن لم
یبلغ حد السکر، وفیمن بلغ حد السکر فیما
سوى الخمر. واختلف الذين رأوا تحريم
قليل الأنبذة في وجوب الحد، وأكثر هؤلاء
على وجوبه))(٦).
ومبنى هذه المسألة على تعيين الخمر
ما هي؟ هل هي ما كان من العنب خاصة
ويقاس عليها بعلة الإسكار كل مسكر، فلا
يكون للقليل غير المسكر حكم الكثير،
(٥) الاستذكار، ابن عبد البر ٣/٨.
(٦) بداية المجتهد، ابن رشد ٤/ ٢٢٧.
www. modoee.com
١١٩

حرف الخاء
أم هي حقيقة في کل مسکر، فیکون حينئذ الله علیهم فأشاروا عليه بأن یزیدها، كما
للقليل حكم الكثير كما تقدم.
وقد ثبت حد الخمر بالسنة، وكان الخلفاء
الراشدون الأربعة يفعلونه بحضور الصحابة
وجمهور الناس فلم ينكر عليهم أحد،
بل تشاوروا حتى في تغليظه حين استهتر
الناس به، وكان على عهد النبي صلى الله
علیه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر
أربعين جلدة فجعلوها بعد مشاورة ثمانين
قياسًا على حد القذف: روى البخاري عن
أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى
الله عليه وسلم (ضرب في الخمر بالجريد
والنعال، وجلد أبو بكر أربعين)(١).
وعن السائب بن يزيد، قال: (كنا نؤتى
بالشارب على عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم وإمرة أبي بکر وصدرًا من خلافة
عمر، فنقوم إلیه بأیدینا ونعالنا وأردیتنا، حتى
كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعین، حتی إذا
عتوا وفسقوا جلد ثمانین)(٢).
ففي هذين الخبرين أن الحد كان على
عهد رسول الله صلی الله عليه وسلم وأبي
بكر أربعين، وشاور عمر الصحابة رضوان
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود،
باب ما جاء في ضرب شارب الخمر،
١٥٧/٨، رقم ح ٦٧٧٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود،
باب الضرب بالجريد والنعال، ١٥٨/٨، رقم
٦٧٧٩.
روى مسلم عن أنس بن مالك: (أن نبي
الله صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر
بالجريد، والنعال)، ثم جلد أبو بكر أربعين،
فلما كانعمر، ودنا الناس من الريف والقرى،
قال: (ما ترون في جلد الخمر؟) فقال عبد
الرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها کأخف
الحدود، قال: (فجلد عمر ثمانين))) (٣).
وهذا الذي فعله عمر أمضاه علي بحضرة
عثمان وابنه الحسن وابن أخيه عبد الله بن
جعفر رضي الله عنهم ثم قال: (جلد النبي
صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد أبو
بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا
أحب إلي)(٤).
ولذلك قال الجمهور بأن الحد في الخمر
ثمانون جلدة، قال ابن رشد: («اختلفوا في
مقدار الحد الواجب، فقال الجمهور: الحد
في ذلك ثمانون، وقال الشافعي، وأبو ثور،
وداود: الحد في ذلك أربعون.
فعمدة الجمهور تشاور عمر والصحابة
لما كثر في زمانه شرب الخمر، وإشارة علي
عليه بأن يجعل الحد ثمانين قياسًا على حد
الفرية؛ فإنه کما قيل عنه رضي الله عنه: ((إذا
شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود،
باب حد الخمر، ١٣٣١/٣، رقم ١٧٠٦.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود،
باب حد الخمر، ١٣٣١/٣، رقم ١٧٠٧.
١٢٠
جوبي
القرآن الكريمِ

الخمس
وروي عن أبي سعيد الخدري (أن رسول
افتری».
وعمدة الفريق الثاني أن النبي صلى الله الله صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر
عليه وسلم لم يحد في ذلك حدًّا، وإنما بنعلين أربعين)، فجعل عمر مكان كل نعل
كان يضرب فيها بين يديه بالنعال ضربًا غير سوطًا (٣).
محدود(١).
وروي من طريق آخر عن أبي سعيد
وأن أبا بكر رضي الله عنه شاور أصحاب الخدري ما هو أثبت من هذا، وهو (أن
رسول الله صلی الله عليه وسلم ضرب في
الخمر أربعين) (٤).
رسول الله صلی الله عليه وسلم ((كم بلغ
ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم
لشراب الخمر؟ فقدروہ بأربعین»(٢).
وروي هذا عن علي عن النبي عليه
الصلاة والسلام من طريق أثبت(٥)، وبه قال
(١) أخرجه الدارقطني في سننه، كتاب الحدود
والديات، ٤ / ١٩٧، رقم ٣٣٢٥، عن عبد
الرحمن بن أزهر: ((أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أتي بشارب خمر وهو بحنين
فحثى في وجهه التراب، ثم أمر أصحابه
فضربوه بنعالهم وبما كان في أيديهم، فقال
لهم: ((ارفعوه) فرفعوه، فتوفي رسول الله
صلی الله عليه وسلم وتلك السنة.ثم جلد أبو
بكر في الخمر أربعين، ثم جلد عمر أربعين
صدرًا من إمارته، ثم جلد ثمانين في آخر
ولا یته، ثم جلد عثمان الحدین جميعًا ثمانين
وأربعين، ثم أثبت معاوية الجلد ثمانين)).
(٢) أخرجه الدار قطني أيضًا في سننه، كتاب
الحدود والديات، ١٩٥/٤، رقم ٣٣٢٠،
عن عبد الرحمن بن أزهر، قال: ((رأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين
وهو يتخلل الناس يسأل عن منزل خالد بن
الوليد، فأتي بسكران، قال: فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم لمن عنده، فضربوه بما
في أيديهم، قال: ((وحتى رسول الله صلى
الله عليه وسلم التراب)). قال: ثم أتي أبو بكر
بسكران، قال: فتوخى الذي كان من ضربهم
يومئذ فضرب أربعين سنن)).
وقال أيضا: ((قال الزهري: ثم أخبرني حميد
بن عبد الرحمن، عن ابن وبرة الكلبي، قال:
أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر، فأتيته ومعه
عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف،
وعلي، وطلحة، والزبير، وهم معه متكئون في
المسجد، فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني
إليك وهو يقرأ عليك السلام، ويقول: إن
الناس قد انهمكوا في الخمر، وتحاقوا العقوبة
فيه، فقال عمر: هم هؤلاء عندك فسلهم، فقال
علي: ((نراه إذا سكر هذي، وإن هذي افترى،
وعلى المفتري ثمانين))، فقال عمر: أبلغ
صاحبك ما قال، قال: فجلد خالد ثمانين
جلدة، وجلد عمر ثمانين، قال: وكان عمر
إذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت به الذلة
ضربه أربعين، قال: وجلد عثمان أيضًا ثمانين
وأربعين)). كتاب الحدود والديات، ١٩٦/٤،
رقم ٣٣٢١.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب
الحدود، باب في حد الخمر كم هو وكم
يضرب شاربه، ٥٠٤/٥، رقم ٢٨٤١٣.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب
الحدود، باب في حد الخمر كم هو وكم
يضرب شاربه، ٥٠٣/٥، رقم ٢٨٤١١.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود،
باب حد الخمر، ١٣٣١/٣، رقم ١٧٠٧.
www. modoee.com
١٢١

حرف الخاء
الشافعي))(١).
لها في منصب القضاة؛ لمات كمدًا، ولم
ويرى القرطبي أنه لا زيادة على الثمانين يجالس أحدًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
قلت: ولهذا المعنی -والله أعلم- زید
في حد الخمر حتى انتهى إلى ثمانين)»(٣).
لاتفاق الصحابة رضوان الله عليهم عليها،
إلا أن يقع الاستهتار بحدود الله فيجوز
عند ذلك التشديد والزيادة في العقوبة،
قال: ((نص الله تعالى على عدد الجلد
في الزنى والقذف، وثبت التوقيف في
الخمر على ثمانين من فعل عمر في جميع
الصحابة ... فلا يجوز أن يتعدى الحد في
ذلك كله. قال ابن العربي (٢): وهذا ما لم
يتتابع الناس في الشر، ولا احلولت لهم
المعاصي، حتى يتخذوها ضراوة، ويعطف
الناس عليهم بالهوادة، فلا يتناهوا عن منكر
فعلوه؛ فحينئذ تتعين الشدة، ويزيد الحد؛
لأجل زيادة الذنب.
وقد أتي عمر بسكران في رمضان،
فضربه مائة: ثمانين حد الخمر، وعشرين
لهتك حرمة الشهر؛ فهكذا يجب أن تتركب
العقوبات على تغليظ الجنايات، وهتك
الحرمات.
وقد لعب رجل بصبي، فضربه الوالي
ثلاثمائة سوط، فلم يغير ذلك مالك حين
بلغه، فكيف لو رأى زماننا هذا بهتك
الحرمات والاستهتار بالمعاصى، والتظاهر
بالمناكر، وبيع الحدود، واستيفاء العبيد
(١) بداية المجتهد، ابن رشد ٢٢٧/٤.
(٢) أحكام القرآن، ابن العربي ٣٣٥/٣.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢/ ١٦٥.
١٢٢
البَشَبـ
القرآن الكريمِ

الخمس
خمر الجنة
نص القرآن الكريم على أن في الجنة
أنهارًا جارية من ماء ولبن وخمر وعسل:
﴿َثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ فِيَا أَنْهَرٌ مِّنِ مٍَّ غَيْرِ
مَاسِنٍ وَهَرٌ مِّنِ لَّبَنٍ لَّمْ يَنْغَيَِّ طَعْمُهُ, وَأَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ
الَّذَّةٍ لِلشَّرِبِنَ وَأَنْهَرٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفِىّ وَلَنْ فِهَا مِن كُلِّ
الثَّمَرَّتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كُمَنْ هُوَ خَلِدٌ فِ النَّارِ وَسُقُوا
مَآءُ حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَلَّمَ هُمْ ﴾ [محمد: ١٥].
((أي: مثل الجنة التي أعدها الله لعباده،
الذين اتقوا سخطه، واتبعوا رضوانه، أي:
نعتها وصفتها الجميلة. ﴿فِيهَا أَنْهَرٌ مِّن مَّآوِ غَيْرِ
مَاسِنٍ﴾ أي: غير متغير، لا بوخم ولا بريح
منتنة، ولا بمرارة، ولا بكدورة، بل هو أعذب
المياه وأصفاها، وأطيبها ريحًا، وألذها شربًا.
﴿وَأَنْهَرٌ مِنِ لَّبٍَ لَّمْ يَنَغَيَّرْ طَعْمُهُ,﴾ بحموضة ولا
غيرها، ﴿وَأَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلِشَّرِبِنَ﴾ أي:
يلتذ به شاربه لذة عظيمة، لا كخمر الدنيا
الذي يكره مذاقه ويصدع الرأس، ويغول
العقل. ﴿وَأَنْهَرٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَى﴾ من شمعه،
وسائر أوساخه. ﴿وَمْ فِهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ؟
من نخيل، وعنب، وتفاح، ورمان، وأترج،
وتین، وغير ذلك مما لا نظير له في الدنيا،
فهذا المحبوب المطلوب قد حصل لهم.
ثم قال: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ يزول بها عنهم
المرهوب، فأي هؤلاء خير أم من هو
خالد في النار التي اشتد حرها، وتضاعف
عذابها، ﴿وَسُقُوا﴾ فيها ﴿مَآءَّ حِيمًا﴾ أي:
حاًّا جدًّا، ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَلَهُمْ﴾ فسبحان من
فاوت بين الدارين والجزاءين، والعاملين
والعملين))(١).
وكون خمر الجنة جارية في أنهار يدل
علی کثرتها ووفرتها، واطمئنان المنعم بها
إلى عدم زوالها وانقطاعها، كما قيل في
الفاكهة: ﴿وَفَكِهَةٍ كَثِيَرَةِ ﴿ لَّ مَقْطُوعَةٍ وَلَا
مَمْتُوعَةٍ ﴾ [الواقعة: ٣٢-٣٣].
وقد وصفت هذه الخمر مع كثرتها
ووفرتها بأنها ((لذة للشاربين))، وتكرر هذا
الوصف مع أوصاف أخرى في قوله تعالى:
﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ ) بَيْضَآءَ لَذَّةٍ
لِشَّرِبِينَ ﴿ لَا فِيَهَا غَوْلٌ وَلَّا هُمْ عَنْهَا يُنْزَّقُونَ
٤٧
﴾ [الصافات: ٤٥- ٤٧].
ومعنى ((لذّةٍ)): لذيذة، يقال: شراب لذاذ:
إذا كان طيًّا. أو ذات لذّة (٢). ومن تمام لذتها
أنها تمزج بالکافور وتختم بالمسك.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن
كَأْسِ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥ عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا
عِبَادُ اُلَهِ يُفَجِرُونَها تَفْسِرًا (١)﴾
[الإنسان: ٥-٦]:
((أي: تمزج الخمر بالكافور وقيل: المعنى
أنه کافور في طیب رائحته كما تمدح طعامًا
فتقول: هذا مسك))(٣).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعٍِ عَلَى
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٨٦.
(٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٣/ ٥٤٠.
(٣) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢/ ٤٣٧.
www. modoee.com
١٢٣

حرف الخاء
اْأَرَّبِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ فِ وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ
يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ تَخْتُوٍ ٥ خِتَمُهُ
٢٤
مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ ، وَمِنَاجُهُ.
مِن تَسْنِيمٍ ) عَيِّنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ﴾
[المطففين: ٢٢-٢٨].
و((الرحيق: الخمر الصافية، والمختوم
فسره الله بأن ختامه مسك))(١).
وقوله سبحانه ﴿مَخْتُورٍ﴾: ((يحتمل أن
یختم علی کؤوسه التي يشرب بها تهممًا
وتنظيفًا، والأظهر أنه مختوم شرابه بالرائحة
المسكية حسبما فسر قوله تعالى: ﴿خِتَمُهُ.
مِسْكٌ﴾، واختلف المتأولون في قوله:
﴿خِتَمُهُ مِسْكٌ﴾ فقال علقمة وابن مسعود
معناه: خلطه ومزاجه، وقال ابن عباس
والحسن وابن جبير معناه: خاتمته أن يجد
الرائحة عند خاتمته الشرب رائحة المسك،
وقال أبو علي: المراد لذاذة المقطع وذكاء
الرائحة مع طيب الطعم، وكذلك قوله:
﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَانُورًا﴾، وقوله تعالى:
«نجِيلًا﴾ أي: یحذي اللسان، وقد قال ابن
مقبل:
مما يفتق في الحانوت ناطقها
بالفلفل الجوز والرمان مختوم
قال مجاهد معناه: طینه الذي یختم به
مسك بدل الطين الذي في الدنیا، وهذا إنما
يكون في الكؤوس؛ لأن خمر الآخرة ليست
(١) المصدر السابق ٢/ ٤٦٢.
في دنان إنما هي في أنهار)) (٢).
وفي بعض التفسيرات أن ﴿كَافُورًا﴾
اسم عين تمزج بها الكأس من الخمر
لمن سمتهم الآية ((﴿عِبَادُ اللهِ﴾:
وصفهم بالعبودية، وفيه معنى التشريف
والاختصاص، كقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ
الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا ﴾ [الفرقان: ٦٣].
ه﴿يُغچِرُونَها تَفْسِيرًا﴾ أي: يفجرونها حيث
شاؤوا من منازلهم تفجيرًا سهلًا لا يصعب
عليهم، وفي الأثر أن في قصر النبي صلى
الله عليه وسلم في الجنة عينًا تفجر إلى
قصور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
والمؤمنين)»(٣)، روي أن ((معهم قضبان
ذهب یفجرون بها تتبع قضبانهم)) (٤).
وعلی کونها تجري في أنهار، فإن «عباد
الله» المنسوبین إليه تشريفًا یفجرونها حیث
شاؤوا تفجیرًا، ویطاف عليهم بها في آنية كما
نصت على ذلك الآية السابقة: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم
پکأسمِّن ◌ّعينٍ﴾: أي ايدار عليهم وهم في
مجالسهم. والكأس (بهمزة بعد الكاف):
إناء الخمر، مؤنث، وهي إناء بلا عروة ولا
أنبوب واسعة الفم، أي: محل الصب منها،
تکون من فضة ومن ذهب ومن خزف ومن
زجاج، وتسمى قدحًا وهو مذكر. وجمع
کأس: کاسات و کؤوس وأکؤس. وكانت
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٥٣/٥.
(٣) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٤٣٧/٢.
(٤) الدر المنثور، السيوطي ٣٦٩/٨.
١٢٤
جومبو
القرآن الكريم

الخمس
خاصة بسقي الخمر حتی کانت الکأس من
أسماء الخمر تسمية باسم المحل، وقد قيل:
لا یسمی ذلك الإناء كأسًا إلا إذا كانت فيه
الخمر وإلا فهو قدح.
وهي مع الطواف عليهم بها جارية في
الأنهار، ظاهرة تراها العیون(٢)، فلذلك قیل
فيها: كأس ((﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من شراب
معین أو نهر معین: أي ظاهر للعيون، أو
خارج من العیون: وهو صفة للماء، من عان
الماء: إذا نبع. وصف به خمر الجنة؛ لأنها
تجري کالماء، أو للإشعار بأن ما یکون لهم
بمنزلة الشراب جامع لما يطلب من أنواع
الأشربة لكمال اللذة))(٣).
وقد أبهم الطائف علیھم في الآية، ووقع
بيانه في سورة الواقعة في قوله سبحانه:
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَرِيقَ
وَكَأْسِ مِّنِ مَّعِينٍ (٨) لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ
وَفَكِهَةٍ مِّمَّا يَتَّخَيَُّونَ ﴾ وَمِ طَيْرٍ مِّمَا
١٩
يَشْتَهُونَ ﴾ [الواقعة: ١٧-٢١].
و((الولدان المخلدون)»: هم الذين لا
یتغیّرون، وهم على سنٍّ واحد، وقيل: هم
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١٢/٢٣.
(٢) لباب التأويل، الخازن ٤ /١٨.
(٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ١٠/٥.
المقرطون أو المسورون(٤).
وَيَطُوفُ
وقوله عز وجل أيضًا:
عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّعَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْنَهُمْ حَسِبْنَهُمْ لُوْلُؤَّا مَّنْتُورًا
[الإنسان: ١٩]: ((شبههم باللؤلؤ في
١٩
والمعني بها في الآية الخمر؛ لأنه أفرد الحسن والبياض، وبالمنثور منه في كثرتهم
وانتشارهم في القصور (٥).
الكأس مع أن المطوف علیھم کثیرون،
ولأنها وصفت بأنها من معين)) (١).
فمع لذة ما یطاف علیهم به، فإن شربه لا
يعقبه صداع ولا وجع: ﴿لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا
يُنْزِفُونَ﴾، والطائفون عليهم حسان الصور:
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَنْ تُخْلَّدُونَ﴾، والمطوف
عليهم به جميل المنظر: ﴿بِأَكْوَبٍ وَأَبَرِيقَ
وَأْسِ مِّن مَّعِينٍ﴾، تشتهيه النفس وتلذه العين:
وَمِ طَيْرٍ مِنَا
﴿وَفَكِهَةٍ مِمَّا يَتَحَبَُّونَ )
يَشْتَهُونَ ﴾ [الواقعة: ٢٠-٢١].
وهذه الخمر على لذتها، ليس فيها
مساوئ خمر الدنيا من الإسكار والصداع
ووجع البطن وما يعقبه من قيء ونحوها،
قال ابن كثير: ((فنزه الله خمر الآخرة عن
الآفات التي في خمر الدنيا، من صداع
الرأس ووجع البطن - وهو الغول- وذهابها
بالعقل جملة، فقال تعالى هاهنا: ﴿يُطَافُ
عَلَيْهِم پِكأْسِ مِن مَعِينٍ﴾ أي: بخمر من أنهار
جارية، لا يخافون انقطاعها ولا فراغها. قال
مالك، عن زيد بن أسلم: خمر جارية بيضاء،
أي: لونها مشرق حسن بھي لا كخمر الدنيا
(٤) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٢٢٠/٤.
(٥) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٤٣٩/٢.
www. modoee.com
١٢٥

حرف الخاء
في منظرها البشع الرديء، من حمرة أو سواد [الإنسان: ٢١].
أو اصفرار أو کدورة، إلى غير ذلك مما ينفر
الطبع السليم.
وقوله عز وجل: ﴿لَذَّةِ لِشَّرِبِينَ﴾ أي
طعمها طيب كلونها، وطيب الطعم دليل
على طيب الريح، بخلاف خمر الدنيا في
جميع ذلك.
وقوله: ﴿لَا فِهَا غَوْلٌ﴾ يعني: لا تؤثر
فيهم غولًا -وهو وجع البطن. قاله مجاهد،
وقتادة، وابن زيد- کما تفعله خمر الدنيا
من القولنج ونحوه؛ لكثرة مائيتها. وقيل:
المراد بالغول هاهنا: صداع الرأس. وروي
هكذا عن ابن عباس. وقال قتادة: هو صداع
الرأس، ووجع البطن. وعنه، وعن السدي:
لا تغتال عقولهم، كما قال الشاعر:
فما زالت الكأس تغتالنا
وتذهب بالأول الأول
وقال سعيد بن جبير: لا مكروه فيها
ولا أذى. والصحیح قول مجاهد: إنه وجع
البطن.
وقوله: ﴿وَلَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ قال
مجاهد: لا تذهب عقولهم، وكذا قال
ابن عباس، ومحمد بن كعب، والحسن،
وعطاء بن أبي مسلم الخراساني، والسدي،
وغيرهم.
وقد قال بعض أهل التفسير إن في قول
الله تعالى: ﴿وَسَقَنُهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾
تعريضًا بنجاسة خمر الدنيا؛ ((لأن
خمر الجنة طاهرةٌ، وليست بنجسةٍ كخمر
الدنيا))(١)، وقد جعل فيه الشنقيطي شاهدًا
لقول جمهور الفقهاء بأن الخمر نجسة
العين فقال: ((قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَرُ وَالْمَيْسُِ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ بِجْسٌ﴾
[المائدة: ٩٠] الآية.
يفهم من هذه الآية الكريمة أن الخمر
نجسة العین؛ لأن الله تعالی قال إنها: رجس،
والرجس في كلام العرب كل مستقذر تعافه
النفس. وقيل: إن أصله من الركس، وهو
العذرة والنتن.
قال بعض العلماء: ويدل لهذا مفهوم
المخالفة في قوله تعالى في شراب أهل
الجنة: ﴿وَسَقَهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾؛ لأن
وصفه لشراب أهل الجنة بأنه طهور یفهم منه
أن خمر الدنيا ليست كذلك، ومما يؤيد هذا
أن کل الأوصاف التي مدح بها تعالی خمر
الآخرة منفية عن خمر الدنيا، كقوله: ﴿لَا
فِيَهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنَزَفُونَ﴾، وكقوله: ﴿لَّا
يُصَدَّغُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ ﴾، بخلاف خمر الدنيا
ففيها غول يغتال العقول وأهلها يصدعون،
أي: یصیبھم الصداع الذي هو وجع الرأس
بسببها)»(٢).
(١) زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ٣٨٠.
(٢) أضواء البيان، لشنقيطي ١/ ٤٢٦.
١٢٦
جَوَسُو ◌َبُ النَّفْسِيْ
القرآن الكريم

الخمس
و((المعنى ليس فيها قط نوع من أنواع
الفساد التي تكون في شرب الخمر من
صداع أو خمار أو عربدة ولا هم يسكرون
أيضا))(١).
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦/ ٣٣٣.
صفة مجالسها في الجنة
جرت عادة الناس في الحياة الدنيا أنهم
یعدون للخمر مجالس، يطوف عليهم فيها
الخدم، ويتخيرون فيها المكان، ويدعون
إليها الأصحاب والأقران، وقد یتجملون لها
ويلبسون أحسن الثياب، ويجتمعون لها في
مجالس لهو وسمر.
وقد نص القرآن الكريم على أن لأهل
الجنة فيها مجالس خير من هذه المجالس،
في جنة مفتحة الأبواب، قال تعالى: ﴿هَذَا
ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَثَابٍ (١ جَنَّتِ عَدْنٍ
مُتَكِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا
مُفَنَّحَةٌ لَهُمُ الْأَبْوَبُ
وَعِنْدَهُمْ
٥١
بِفَكِهَذِ كَثِيرَةِ وَشَرَابٍ
(٥٢ )﴾ [ص: ٤٩ - ٥٢].
قَصِرَاتُ الطَّرْفِ أثرابُ
((وتفتيح الأبواب كناية عن التمكين من
الانتفاع بنعيمها؛ لأن تفتيح الأبواب يستلزم
الإذن بالدخول وهو يستلزم التخلية بين
الداخل وبين الانتفاع بما وراء الأبواب))(٢).
ونصت الآية على أنهم يجلسون فيها
مجلس المطمئن المرتاح المنعم والذي
،
مُتَّكِينَ فِيهَا
دلت عليه هيئة الاتكاء:
وهم مع ذلك سالمون من كل ما ينغص
علیهم مهما كان قليلا مما يؤذي أبدانهم أو
أسماعهم كخشونة في اللباس أو الأفرشة،
أو برد أو حر، أو لغو أو إثم، قال تعالى:
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣/ ٢٨٢.
www. modoee.com
١٢٧

حرف الخاء
﴿وَجَزَئُهُم بِمَا صَبْرُواْ جَنَّةً وَحَرِيرًا
فِبَهَا عَلَى الْأَرَّبِكِّ لَا يَرَوْنَ فِيَهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا
وَدَائِيَةً عَلَيْهِمْ ◌ِلَلُهَا وَذُلِلَتْ قُطُوفُّهَا نَذْلِيلًا
[الإنسان: ١٢- ١٤].
وقال سبحانه: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَمَ
وَلَا تَأْثِمًا ﴿ إِلَّا قِيلًا سَلَمَا سَلَمًا
[الواقعة: ٢٥- ٢٦] أي: لا يسمعون باطلًا ولا
كذبًا (١).
والحریر: الرقیق الناعم من الثياب -كما
هو معلوم-، والأرائك: ((السرر، أو ما يتكأ
عليه من سرير أو فراش ونحوه. ﴿لَا يَرَوِّنَ
فِيَهَا شَمْسَا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ أي: لا يرون فيها شمسًا
شديدة الحرارة بحيث تؤذيهم أو تضرهم،
ولا يرون فيها كذلك ﴿زمهِیرًا﴾ أي: بردًا
مفرطًا، يقال: زمهر اليوم، إذا اشتد برده.
والمقصود من الآية الكريمة أنهم لا
يرون في الجنة إلا جوًّا معتدلا، لا هو بالحار
ولا هو بالبارد.
وقوله سبحانه: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَلُهَا﴾
معطوف على قوله قبل ذلك: ﴿ مُتَّكِينَ﴾.
و﴿ظِلَلُهَا﴾ فاعل ﴿وَدَانيَّةً﴾ والضمير في
﴿ظِلَلُهَا﴾ يعود إلى الجنة.
أي: أن الأبرار جالسون في الجنة جلسة
الناعم البال، المنشرح الصدر. وظلال
أشجار الجنة قريبة منهم، ومحيطة بهم،
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٠٦/١٧.
◌ُتّکِینَ زیادة في إكرامهم»(٢).
وهم على سرر منسوجة من الذهب
والجوهر، أو مصفوفة، متقابلون لا ينظر
بعضهم في قفا بعض (٣): ﴿عَلَى سُرُرٍ
مَّوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِتِينَ عَلَيْهَا مُتَقَبِلِينَ (١))
[الواقعة: ١٥- ١٦].
اوسرر: جمع سریر وهو ککرسي واسع
یمکن الاضطجاع علیه، وکان الجلوس على
السرير من شعار الملوك وأضرابهم، وذلك
جلوس أهل النعيم؛ لأن الجالس على
السرير لا يجد مللًا؛ لأنه يغير جلسته كيف
تتیسر له.
و﴿مُتَقَبِلِينَ﴾: كل واحد قبالة الآخر.
وهذا أتم للأنس؛ لأن فيه أنس الاجتماع
وأنس نظر بعضهم إلى بعض فإن رؤية
الحبیب والصدیق تؤنس النفس.
والظاهر: أن معنی کونهم متقابلین تقابل
أفراد كل جماعة مع أصحابهم، وأنهم
جماعات على حسب تراتيبهم في طبقات
الجنة، وأن أهل كل طبقة يقسمون جماعات
على حسب قرابتهم في الجنة كما قال
تعالى: ﴿هُمْ وَزْوَجُهُمْ فِ ظِلَلٍ عَلَى الْأَرَآيِكِ
مُتَّكِفُونَ (٥)﴾ [يس: ٥٦].
وكثرة كل جماعة لا تنافي تقابلهم على
السرر والأرائك وتحادثهم؛ لأن شؤون
(٢) التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٢١/١٥.
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢٣٥/٤.
١٢٨
القرآن الكريمِ

الخمع
ذلك العالم غير جارية على المتعارف في
الدنيا»(١).
تعلو النضارة وجوههم، قال تعالى:
﴿فَوَقَّنُهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَِّ وَلَقَّنْهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا
[الإنسان: ١١].
=
((أي: آمنهم مما خافوا منه، ﴿وَلَقَّهُمْ
نَضْرَةً﴾ أي: في وجوههم، ﴿وَسُرُورًا﴾ أي:
في قلوبهم. قاله الحسن البصري، وقتادة،
وأبو العالية، والربيع بن أنس. وهذه كقوله
صَاحِكَةٌ
﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴿
٣٨
تعالى:
مُسْتَبْشِرَةٌ ﴾ [عبس: ٣٨-٣٩]. وذلك أن
القلب إذا سر استنار الوجه))(٢).
وقال سبحانه أيضًا: ﴿تَعْرِفُ فِ رُجُوهِهِمْ
نَضْرَةَ النَّعِيمِ ﴾ [المطففين: ٢٤]: ((يعني
أنك إذا رأيتهم تعرف أنهم من أهل النعمة
لما ترى على وجوههم من النّور والحسن
والبياض، قيل: النضرة في الوجه والسرور
في القلب))(٣).
وتزينت أبدانهم ومعاصمهم بالحرير
والحلي: ﴿عَلِيهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبَقٌ
وَحُلُواْ أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا
٢)﴾ [الإنسان: ٢١]: «أي: قد جللتهم ثياب
السندس والإستبرق الأخضران، اللذان هما
أجل أنواع الحرير، فالسندس: ما غلظ من
الديباج والإستبرق: ما رق منه. ﴿وَحُلُّوا
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١١/٢٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨٩/٨.
(٣) لباب التأويل، الخازن ٤ /٤٠٥.
أَسَاوِرَ مِن فِضَّةِ﴾ أي: حلوا في أيديهم أساور
الفضة، ذكورهم وإناثهم»(٤).
وهم في غمرة ذلك يطلبون ما شاؤوا من
فاكهة وشراب، مع ما يقابلون به من الإكرام
والحفاوة، كما قال عز وجل: ﴿هَذَا ذِكْرٌ
وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَثَابٍ جَنَّتِ عَدْنٍ مُّفَنَّحَةٌ
مُتَكِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَكِهَةٍ
لَهُ الْأَبْوَبُ
وَعِندَهُمْ قَصِرَاتُ الْطَّرْفِ
٥١
كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ
أَثْرَبٌ ﴾ [ص: ٤٩ - ٥٢].
٤١
وقال أيضًا: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ
فَوَّكِّةٌ وَهُمْ تُكْرَ مُونَ فِ جَنَّتِ النَّعِيم ◌َ
﴾ [الصافات: ٤١ - ٤٤].
سُرُرُمُتَقَبِلِينَ )
((والرزق: الطعام، قال تعالى: ﴿وَجَدَ
عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧].
وقال: ﴿قَالَ لَا يَأْتِكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِ=﴾
[يوسف: ٣٧].
والمعلوم: الذي لا يتخلف عن ميعاده
ولا ينتظره أهله.
عطف بيان من رزق.
والمعنى: أن طعامهم كله من الأطعمة
التي يتفكه بها لا مما يؤكل لأجل الشبع.
والفواكه: الثمار والبقول اللذيذة.
و﴿وَهُم ◌ُّكْرَمُونَ﴾ عطف على ﴿لَمْ رِزْقٌ
مَّعْلُومٌ﴾، أي: يعاملون بالحفاوة والبهجة،
فإنه وسط في أثناء وصف ما أعد لهم من
النعيم الجسماني أن لهم نعيم الكرامة وهو
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٩٠٢.
www. modoee.com
١٢٩

حرف الخاء
أهم؛ لأن به انتعاش النفس مع ما في ذلك
من خلوص النعمة ممن يكدرها؛ ذلك لأن
الإحسان قد یکون غیر مقترن بمدح وتعظيم
ولا بأذى وهو الغالب، وقد يكون مقترنًا
بأذی وذلك یکدر من صفوه، قال تعالى:
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْصَدَقَتِكُمْ بِلْمَنِّ
وَاُلْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
فإذا كان الإحسان مع عبارات الكرامة
وحسن التلقي فذلك الثواب)» (١).
وقربت ثمار الجنة منهم لتنالها أیدیھم
في سهولة ويسر: ﴿وَدَائِيَّةٌ عَلَيْهِمْ ظِلَلُهَا وَذُلِّلَتْ
قُطُوْقُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤].
ويطوف عليهم الولدان المخلدون في
يَطُوفُ
أجمل صورة وأحسن منظر:
عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌّ ◌ُعَلَُّونَ إِذَارَهُمْ حَسِيَهُمْ لُوْلُمَّْتُوَا ﴾
[الإنسان: ١٩].
قال ابن عطية: «و ﴿قلّدُونَ﴾ قال جمهور
الناس: معناه باقون من الخلود، وجعلهم
ولدانًا؛ لأنهم في هيئة الولدان في السن لا
يتغيرون عن تلك الحال، وقال أبو عبيدة
وغيره مخلّدون معناه مقرطون، والخلدات
حلي يعلق في الآذان ... وشبههم بـ ((اللؤلؤ
المنثور)) في بياضهم وانتشارهم فى المساكن
يجيئون ويذهبون وفي جمالهم، ومنه سميت
المرأة درة وجوهرة»(٢).
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١١/٢٣.
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٥ /٤١٣.
وفي أيديهم الصحاف والأكواب
والأباريق والقوارير مقدرة تقديرًا، قال
تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌّ مُحُلَّدُونَ ) بِأَكْوَابٍ
وَأَبَرِيقَ وَكَأْسِ مِّنِ مَّعِينٍ (٨) لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا
يُتْرِفُونَ ﴿ وَفَكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَّونَ ﴾ وَدِ طَيْرٍ
مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ [الواقعة: ١٧ -٢١].
أكواب جمع کوب، وهي الآنية التي لا
عری لها ولا خراطيم، والأباريق التي لها
عری وخراطيم واحدها إبريق، سمي بذلك
لأنه یبرق لونه من صفائه.
وقال جل وعلا: ﴿يُطَاقُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ
مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍّ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِبِهِ الْأَنْفُسُ
وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
٧١
[الزخرف: ٧١].
((والصحاف: جمع صحفة، وهي: إناء
مستدير واسع الفم ينتهي أسفله بما يقارب
التكوير. والصحفة: إناء لوضع الطعام أو
الفاكهة، مثل: صحاف الفغفوري الصيني
تسع شبع خمسة، وهي دون القصعة التي
تسع شبع عشرة. وقد ورد أن عمر بن
الخطاب اتخذ صحافًا على عدد أزواج
النبي صلى الله عليه وسلم فلا يؤتى إليه
بفاكهة أو طرفة إلا أرسل إليهن منها في تلك
الصحاف)»(٣).
وقال جل وعلا: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِم ◌ِثَانِيَةٍ مِّنْ فِضَّةِ
قَوَارِيرَاً مِن فِضَّةٍ فَدَّرُوهَا نَقْدِيرًا
وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَّوَارِيرًا
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٤/٢٥.
١٣٠
جوبيبو
القرآن الكريم

الخمس
[الإنسان: ١٥- ١٦].
فهي أكواب («مادتها من فضة، وهي على
صفاء القوارير، وهذا من أعجب الأشياء،
أن تكون الفضة الكثيفة من صفاء جوهرها
وطيب معدنها على صفاء القوارير)) (١).
وفي التقدير: ((قولان: أحدهما: قدّروها
في أنفسهم، فجاءت على ما قدّروا، قاله
الحسن. وقال الزجاج: جعل الإناء على قدر
ما يحتاجون إليه ويريدونه على تقديرهم.
والثاني: قدّروها على مقدارٍ لا يزيد ولا
ينقص، قاله مجاهد. وقال غيره: قدروا
الکأس علی قدر ريّهم، لا يزيد عن ربّهم
فيثقل الكفّ، ولا ينقص منه فيطلب الزيادة،
وهذا ألذّ الشراب. فعلى هذا القول يكون
الضمير في ((قدّروا)) للسقاة والخدم، وعلى
الأول للشاربین»(٢).
فمن أبصرهم رآهم في نعمة وملك
عظيم: ﴿وَإِذَارَيْتَ ثَمَّ رَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكَاكبيرًا
[الإنسان: ٢٠].
ظرف
(كرر ذكر الرؤية مبالغة، و
والعامل فيه رأيت أو معناه، وقال الفراء
التقدير: ﴿رَأَيْتَ﴾ ما ثمّ وحذفت ما، وقرأ
حمید الأعرج (ثم)) بضم الثاء، و((النعيم)»: ما
هم فيه من حسن عيش، و((الملك الكبير)):
قال سفيان: هو استئذان الملائكة وتسليمهم
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٩٠١.
(٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٣٧٩/٤.
عليهم وتعظيمهم لهم، فهم في ذلك
كالملوك، وقال أكثر المفسرين: ((الملك
الکبیر» اتساع مواضعهم، فروي عن عبد الله
بن عمر أنه قال: ما من أهل الجنة من أحد إلا
يسعى عليه ألف غلام كلهم مختلف شغله
من شغل أصحابه، وأدنى أهل الجنة منزلة
من ينظر من ملكه في مسيرة ألف عام يرى
أقصاه كما يرى أدناه))(٣).
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ٥ /٤١٣.
www. modoee.com
١٣١

حرف الخاء
الإعجاز التشريعي في تحريم الخمر
شرب الخمر بلاء ابتلي به البشر قديمًا
وحديثًا، وشاع بينهم شيوع النار في الهشيم.
ولم يكن العرب الذين بعث فيهم محمد
صلى الله عليه وسلم ليشذوا عن هذه
القاعدة، بل إن الأحاديث التي رويت في
إراقتهم لقرب الخمر في طرقات المدينة بعد
نزول تحریمها تشهد أنهم کانوا یشربون منها
الشيء الكثير، وما وقع لهم من حوادث قبل
نزول التحريم يدل على أنه كان لها مكان
کبیر في مجالسهم واجتماعاتهم ونوادیھم.
قال في التحرير والتنوير: ((وشيوع شرب
الخمر في الجاهلية معلوم لمن علم أدبهم
وتاريخهم فقد كانت الخمر قوام أود
حياتهم، وقصارى لذاتهم ومسرة زمانهم
وملهى أوقاتهم، قال طرفة:
ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى
وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبقي العاذلات بشربة
كميت متى ما تعل بالماء تزيد
وعن أنس بن مالك: (حرمت الخمر ولم
یکن یومئذ للعرب عیش أعجب منها، وما
حرم عليهم شيء أشد عليهم من الخمر).
فلا جرم أن جاء الإسلام في تحريمها بطريقة
التدريج فأقر حقبة إباحة شربها. واتفق أهل
الأثر على أن تحريم الخمر وقع في المدينة
بعد غزوة الأحزاب بأيام، أي: في آخر سنة
أربع أو سنة خمس على الخلاف في عام
غزوة الأحزاب)»(١).
ولقد استطاع التشريع القرآني أن يستأصل
هذا المرض الخبيث فيهم بخطة حكيمة،
وتدرج متأن رشید سبق بيانه، و (في تحريم
الخمر بهذا الترتيب حكمة بلیغة، وذلك أن
القوم ألفوا شرب الخمر، وأصبحت جزءًا
من حياتهم، فلو حرّمت عليهم دفعة واحدة؛
لشق ذلك على نفوسهم وربما لم يستجيبوا
لذلك النهي، كما تقول السيدة عائشة رضي
اللّه عنها: (أول ما نزل من القرآن سورة من
المفصّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب
الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو
نزل أول ما نزل: لا تشربوا الخمر لقالوا: لا
ندع الخمرة أبدًا).
وذلك من الخطة الحكيمة التي انتهجها
الإسلام في معالجة الأمراض الاجتماعية،
فقد سلك بالناس طريق (التدريج في تشريع
الأحكام) فبدأ بالتنفير منه بطريق غير مباشر
كما في الآية الأولى، ثم بالتنفير المباشر
عن طريق المقارنة بين شيئين: شيء فيه
نفع ضئيل، وشيء فيه ضرر وخطر جسيم،
كما في الآية الثانية، ثم بالتحريم الجزئي
في أوقات الصلاة كما في الآية الثالثة، ثم
بالتحريم الكلي في جميع الأوقات كما في
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٣٨/٢.
بَرُ النَّفِيـ
صَوَبُو
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
١٣٢