النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الخميس عناصر الموضوع مفهوم الخمر ٩٤ الخمر في الاستعمال القرآني ٩٥ الألفاظ ذات الصلة ٩٦ حقيقة الخمر ٩٨ التدرج في تشريع حكم الخمر ١٠٦ مقاصد تحريم الخمر ١١٦ أحكام تتعلق بالخمر ١٢٣ خمر الجنة ١٢٧ صفة مجالسها في الجنة ١٣٢ الإعجاز التشريعي في تحريم الخمر ١٣٦ أثر الخمر على الفرد والمجتمع المُجَلَدُ الرَّابِعْ عَشَر ١١٣ حرف الخاء مفهوم الخمر أولًا: المعنى اللغوي: أصل مادة (خمر) تدل على التغطية والمخالطة في ستر(١). والخَمْرُ: مَا أسكر من عصير العنب أو غيره؛ لأنها خامرت العقل(٢). سمِّيت الخَمْرُ خَمْرًا؛ لأنَّها تُرِكَتْ فاختمرت، واختِمارها: تغيُّر ريحِها. ويقال: سُمِّيَتْ بذلك لمخامرتها العقل(٣). والتَّخْمِير: التّغْطِيَةُ (٤). وهذه المعاني الثلاث: التخمر والمخالطة والستر، كلها موجودة في الخمر: ١. فهي تحجب العقل وتستره. ٢. وهي تترك حتى تتخمر ويتغير طعمها وريحها. ٣. وهي تخالط العقل. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: الخمر اصطلاحاً: كل شراب مسكر، من أي أصل، سواء كان من الثمار كالعنب والرطب والتين، أو الحبوب كالحنطة والشعير، أو الطلول كالعسل أو الحيوان كألبان الخيل (٥). (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢١٥/٢. (٢) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ١٨٥/٥. (٣) الصحاح، الجوهري ٢/ ٦٤٩. (٤) تهذيب اللغة، الأزهري ٧/ ١٦٢. (٥) السياسة الشرعية ص٥٠. ٩٤ جوب القرآن الكريم الخمر الخمر في الاستعمال القرآني وردت مادة (خمر) في القرآن الكريم (٧) مرات (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الاسم ٦ ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَقُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِّنْ ﴾ [المائدة: ٩٠] عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ جمع خمار ١ ﴿وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِ مِنَّ عَلَى جُيُوبِنَّ﴾ [النور: ٣١] ولم تخرج (الخمر) في الاستعمال القرآني عن معناها اللغوي وهو: كل شراب مسكر. والخمر سميت بذلك؛ لأنها تستر العقل (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٢٤٥. (٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٥٧١/٢، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي ٢/ ٥٣٣-٥٣٤. www. modoee.com ٩٥ حرف الخاء الألفاظ ذات الصلة الكأس: ١ الكأس لغة: الزجاجة ما دام فيها شراب، ولا تسمى الكأس كأسًا إلا وفيها الشراب، وقيل: الكأس: الشراب بعينه، وقيل: هو اسم للخمر نفسها(١). الكأس اصطلاحًا: لا يختلف معنى الكأس اصطلاحًا عن معناه اللغوي. الصلة بين الكأس والخمر: الكأس هو القدح الذي يشرب به الخمر إذا كان فيه الخمر، ويطلق على الشراب بعينه. وقد جاء في القرآن الكريم إطلاق الكأس على الخمر في قوله تعالى: ﴿ يُطَاقُعَلَيْهِم پِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ ﴾ [الصافات: ٤٥] بمعنى الخمر(٢). الشراب: ٢ الشراب لغة: يقال: شربت الماء أشربه شربًا، والشّرب الاسم، والشّراب: ما يشرب(٣). الشراب اصطلاحًا: الشراب كل مائع يشرب؛ سواء كان ماءًا أو غير الماء. الصلة بين الشراب والخمر: أما الشراب فهو عام في كل ما يشرب، وقد جاء في القرآن الكريم إطلاقه على الخمر في قوله تعالى: ﴿وَسَقَنُهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] أي: خمر الجنة (٤). (١) لسان العرب، ابن منظور ١٨٩/٦. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/ ٣٦، زاد المسير، ابن الجوزي ٥٤٠/٣. (٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٦٧/٣. (٤) زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ٣٨٠. ٩٦ القرآن الكريم الخمس السكر: ٣ السكر لغة: أصل مادة (سكر) تدل على حيرة، من ذلك السُّكر من الشراب(١). والسَّكْران: خلاف الصاحي، والجمع سَكْرى وَسَکاری (٢). السّكر اصطلاحًا: وأما السكر: فهو «حالة تعترض بين المرء وعقله. وأكثر ما يستعمل ذلك في شراب المسكر، وقد يعتري من الغضب والعشق)»(٣). الصلة بين السّكر والخمر: كل ما يؤدي إلى السكر فهو خمر، وقد جاء في صحيح مسلم: أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (كلّ مسكرٍ خمرٌ، وكلّ مسكرٍ حرامٌ). والحديث يفيد أن كل ما أسكر يسمى خمرًا، وأن كل مسكر محرم، سواء أطلق عليه اسم الخمر، أم أطلق عليه اسم آخر؛ لأن علة التحريم هي الإسكار، فحيثما وجد وجدت الحرمة. (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٨٩/٣. (٢) الصحاح، الجوهري ٦٨٧/٢. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤١٦. www. modoee.com ٩٧ حرف الخاء حقيقة الخمر أولًا: كل مسكر خمر: اختلف في حقيقة الخمر ((فقيل هي من عصير العنب خاصة، وهو مذهب أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- والكوفيين، مراعاة لفقه اللغة: أو عام، أي: ما أسكر من عصير كل شيء؛ لأن المدار على السكر وغيبوة العقل، وهو الذي اختاره الجماهير)»(١). وقد تقدم اشتقاقها، ولكن الخلاف في كونها اسمًا لكل مسكر أو للنّيّ المتخذ من العنب والتمر، قال الفيروزآبادي: ((والخمر سمّيت لكونها خامرة لمقرّ العقل، وهو عند بعض الناس اسم لكلّ مسكر، وعند بعضهم اسم للمتخذ من العنب والتمر، لما روي عنه صلّى الله عليه وسلم: (الخمر من هاتين الشّجرتين: النّخلة والعنبة)، ومنهم من جعلها اسمًا لغير المطبوخ، ثم كميّة الطّبخ التي تسقط عنه اسم الخمر مختلف فيها))(٢). وينبني على هذا الخلاف اللغوي مسألة فقهية وهي حکم ما أسکر کثیره ولم یسکر قليله: فإن كان ما يسكر يسمى خمرًا لزم کون القليل منه محرمًا ولو لم يسكر لانطباق اسم الخمر عليه، وإن لم يسم خمرًا لم يحرم قليله؛ لعدم تحقق العلة التي يقاس بسببها على الخمر فيه، قال الجصاص: ((وقد اختلف فيما يتناوله اسم الخمر من الأشربة: فقال الجمهور الأعظم من الفقهاء: اسم الخمر في الحقيقة يتناول النّيّ المشتد من ماء العنب، وزعم فريق من أهل المدينة ومالك والشافعي أن كل ما أسكر كثيره من الأشربة فهو خمر)) ثم شرع يحتج لقول الحنفية وينتصر له(٣). وقد خرج القرطبي من هذا الخلاف اللغوي باستدلال ذكي فقال: ((والخمر: ماء العنب الذي غلى أو طبخ، وما خامر العقل من غيره فهو في حكمه؛ لأن إجماع العلماء أن القمار كله حرام. وإنما ذكر الميسر من بينه فجعل كله قياسًا على الميسر، والميسر إنما كان قمارًا في الجزر خاصة، فكذلك كل ما كان كالخمر فهو بمنزلتها)) (٤). ومفهوم قوله أن إجماع الناس على تحريم جميع أنواع القمار مع دلالة الميسر على نوع خاص منها فقط، يستلزم إجماعهم على تحريم كل المسكرات وأن حكم جميعها واحد ولو دل اسم الخمر على نوع خاص منها فقط. قال: ((والجمهور من الأمة على أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فمحرم قليله و کثیره، والحد في ذلك واجب. وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وابن (١) تاج العروس، الزبيدي ٢٠٨/١١. (٢) المفردات، الراغب ص٢٩٩. (٣) أحكام القرآن، الجصاص ٢/ ٥. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٥٢/٣. ٩٨ جَوَسُوع القرآن الكريم الخمس شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة: ما أسكر يقول: (أما بعد، أيها الناس إنه نزل تحريم كثيره من غير خمر العنب فهو حلال، وإذا الخمر، وهي من خمسة من: العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل) (٥). سکر منه أحد دون أن یتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه، وهذا ضعيف يرده النظر والخبر))(١). أحاديث منها ما روى البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة، قالت: سئل رسول الله صلی الله علیه وسلم عن البتع، فقال: (كل شراب أسكر فهو حرام)(٢). وفي صحيح مسلم عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مسکر خمر، و کل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب، لم يشربها في الآخرة)(٣). وفي صحيح البخاري أيضًا عن أنس قال: (حرمت علینا الخمر حین حرمت، وما نجد -يعني: بالمدينة- خمر الأعناب إلا قليلًا، وعامة خمرنا البسر والتمر) (٤). وعن ابن عمر قال: سمعت عمر رضي الله عنه على منبر النبي صلى الله عليه وسلم (١) المصدر السابق. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأشربة، باب الخمر من العنب، ١٠٥/٧، رقم ٥٥٨٥. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام، ١٥٨٧/٣، رقم ٢٠٠٣. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأشربة، باب الخمر من العنب، ١٠٥/٧، رقم ٥٥٨٠. قال ابن حجر: ((هذا الحديث أورده والخبر الذي ذكره القرطبي جملة أصحاب المسانيد والأبواب في الأحاديث المرفوعة؛ لأن له عندهم حكم الرفع؛ لأنه خبر صحابي شهد التنزيل أخبر عن سبب نزولها، وقد خطب به عمر على المنبر بحضرة كبار الصحابة وغيرهم فلم ينقل عن أحد منهم إنكاره، وأراد عمر بنزول تحريم الخمر آية المائدة: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَتِّرُ وَاُلْمَيْسِرُ﴾ إلى آخرها، فأراد عمر التنبيه على أن المراد بالخمر في هذه الآية لیس خاصًّا بالمتخذ من العنب بل يتناول المتخذ من غيرها، ويوافقه حديث أنس الماضي فإنه يدل على أن الصحابة فهموا من تحريم الخمر تحريم كل مسكر، سواء كان من العنب أم من غيرها، وقد جاء هذا الذي قاله عمر عن النبي صلی الله عليه وسلم صريحًا. فأخرج أصحاب السنن الأربعة (٦) (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿إِنََّا الَْتِرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَآلْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾، ٥٣/٦، رقم ٤٦١٩. (٦) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأشربة، باب الخمر مما هو، ٣/ ٣٢٦، رقم ٣٦٧٧، والنسائي في سننه، كتاب الأشربة، باب ذكر الأخبار التي اعتل بها من أباح السكر، www. modoee.com ٩٩ حرف الخاء وصححه ابن حبان من وجهين عن الشعبي أن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الخمر من العصير والزبيب والتمر والحنطة والشعير والذرة وإني أنهاكم عن كل مسكر). ولأبي داود من وجه آخر عن الشعبي عن النعمان بلفظ: (إن من العنب خمرًا وإن من التمر خمرًا وإن من العسل خمرًا وإن من البر خمرًا وإن من الشعير خمرًا) ... ولأحمد من حديث أنس بسند صحيح عنه قال: (الخمر من العنب والتمر والعسل)، ولأحمد من حديث أنس بسند صحيح عنه قال: (الخمر من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة)»(١). وللبخاري أيضًا عن أنس قال: (كنت قائمًا على الحي أسقيهم، عمومتي وأنا أصغرهم، الفضيخ، فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: أكفئها، فكفأتها) قلت لأنس: ما شرابهم؟ قال: (رطب وبسر) فقال أبو بكر بن أنس: وکانت خمرهم، فلم ینکر أنس وحدثني بعض أصحابي: أنه سمع أنس بن مالك يقول: (كانت خمرهم يومئذ)(٢). ومن وجه آخر عنه قال: (كنت ساقي ٣٢٠/٨، رقم ٥٦٨٢. (١) فتح الباري، ابن حجر ١٠ /٤٦. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأشربة، باب نزل تحريم الخمر وهي من البسر والتمر، ٧/ ١٠٥، رقم ٥٥٨٣. القوم في منزل أبي طلحة، فنزل تحريم الخمر، فأمر منادیًا فنادی، فقال أبو طلحة: اخرج فانظر ما هذا الصوت، قال: فخرجت فقلت: هذا مناد ينادي: (ألا إن الخمر قد حرمت)، فقال لي: اذهب فأهرتها، قال: فجرت في سكك المدينة، قال: وكانت خمرهم يومئذ الفضيخ، فقال بعض القوم: قتل قوم وهي في بطونهم، قال: فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ [المائدة: ٩٣])(٣). قال القرطبي: ((هذا الحديث في نزول الآية فيه دليل واضح على أن نبيذ التمر إذا أسكر خمر، وهو نص ولا يجوز الاعتراض عليه؛ لأن الصحابة رحمهم الله هم أهل اللسان، وقد عقلوا أن شرابهم ذلك خمر؛ إذ لم يكن لهم شراب ذلك الوقت بالمدينة غيره. ومن الدليل الواضح على ذلك ما رواه النسائي: أخبرنا القاسم بن زكريا، أخبرنا عبيد الله عن شيبان عن الأعمش عن محارب بن دثار عن جابر عن النبي صلى اله عليه وسلم قال: (الزبيب والتمر هو الخمر). وثبت بالنقل الصحيح أن عمر بن الخطاب (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا، ٦/ ٥٤، رقم ٤٦٢٠. ١٠٠ جَوَنُو لِلْقُرآن الكَرِيمِ الخمع رضي الله عنه - وحسبك به عالمًا باللسان والخمر ما خامر العقل))(٢). والشرع- خطب على منبر النبي صلى الله علیه وسلم فقال: (يا أيها الناس، ألا إنه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل، وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل). وهذا أبين ما يكون في معنى الخمر، يخطب به عمر بالمدينة على المنبر بمحضر جماعة الصحابة، وهم أهل اللسان ولم يفهموا من الخمر إلا ما ذكرناه. وإذا ثبت هذا بطل مذهب أبي حنيفة والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرًا ولا يتناوله اسم الخمر، وإنما يسمى نبيذًا))(١). وقال ابن العربي: ((والصحيح ما روى الأئمة أن أنسًا قال: (حرمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة خمر الأعناب إلا قليل، وعامة خمرها البسر والتمر). خرجه البخاري، واتفق الأئمة على رواية أن الصحابة إذ حرمت الخمر لم يكن عندهم يومئذ خمر عنب؛ وإنما كانوا يشربون خمر النبيذ، فكسروا دنانهم، وبادروا الامتثال لاعتقادهم أن ذلك کله خمر. وصح عن عمر رضي الله عنه أنه قال على المنبر: (إن تحريم الخمر نزل، وهي من خمسة: العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير). (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/ ٢٩٤. قال: «و تعلق أبو حنيفة بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة ذكرناها في شرح الحديث، ومسائل الخلاف فلا يلتفت إليها))(٣). وقد رويت أحاديث صريحة في تحريم قليل ما يسكر كثيره: فعن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أسکر کثیره، فقليله حرام)(٤). وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلی الله عليه وسلم يقول: (كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام)(٥)، وفي رواية للترمذي: (الحسوة منه حرام)(٦). (٢) أحكام القرآن، ابن العربي ٢٠٩/١. (٣) المصدر السابق (٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأشربة، باب النهي عن المسكر، ٣٢٧/٣، رقم ٣٦٨١، والترمذي في سننه، أبواب الأشربة، باب ما جاء ما أسكر كثيره فقليله حرامٌ، ٢٩٢/٤، رقم ١٨٦٥. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ٩٧٠، رقم ٥٥٣٠. (٥) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأشربة باب النهي عن المسكر، ٣٢٩/٣، رقم ٣٦٨٧. (٦) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الأشربة، باب ما أسكر كثيره فقليله حرام، ٤/ ٢٩٣، رقم ١٨٦٦. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٨/ ٤٤، رقم ٢٣٧٦. www. modoee.com ١٠١ حرف الخاء ثانيًا: نجاسة الخمر: نصت آية سورة المائدة على أن الخمر رجس: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَتُرُ وَالْمَيْسِرُ وَاْأَنْصَابُ وَاْأَزْلَمُ بِجْسُّ﴾. و ((الرجس هو الذي يلزم اجتنابه إما لنجاسته وإما لقبح ما يفعل به عبادة أو تعظيم، لأنه يقال: رجس نجس، فيراد بالرجس: النجس ويتبع أحدهما الآخر کقولهم: حسن بسن وعطشان نطشان وما جرى مجرى ذلك»(١). والرجس: هو ((النجس، وقد روي في صحيح حديث الاستنجاء (أن النبي صلی الله عليه وسلم أتي بحجرین وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: إنها رکس)(٢)، أي: نجس. وقد روي عن النبي صلی الله علیه وسلم أنه قال: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الرجس النجس، الخبيث المخبث)))(٣). وأخذ من إطلاق الرجس عليها الحكم بنجاستها عند جمهور الفقهاء، قال الخازن: ((الخمر وما يلحق بها نجسة العين، ويدل على نجاستها قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]. (١) أحكام القرآن، الجصاص ١٢٨/٤. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب لا يستنجى بروث، ١/ ٤٣، رقم ١٥٦. (٣) أحكام القرآن، ابن العربي ٢/ ١٦٤. والرجس في اللغة: النجس والشيء المستقذر، وقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنُوهُ﴾ فأمر باجتنابها فكانت نجسة العين»(٤). والقول بنجاستها هو الذي عليه عامة الفقهاء إجراء لظاهر الآية ((ولا خلاف في ذلك بين الناس إلا ما يؤثر عن ربيعة أنه قال: إنها محرمة، وهي طاهرة، كالحرير عند مالك محرم، مع أنه طاهر. ويعضد ذلك من طريق المعنى أن تمام تحريمها وكمال الردع عنها الحكم بنجاستها حتى يتقذرها العبد، فيكف عنها، قربانًا بالنجاسة وشربًا بالتحريم، فالحكم بنجاستها یوجب التحريم)»(٥). وقد ذهبت طائفة من الفقهاء إلى طهارة عینها مع کونها محرمة مستدلین علی ذلك بإراقتها في طرقات المدينة كما نص على ذلك القرطبي، قال: ((فهم الجمهور من تحريم الخمر، واستخباث الشرع لها، وإطلاق الرجس عليها، والأمر باجتنابها، الحكم بنجاستها. وخالفهم في ذلك ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي، وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة، وأن المحرم إنما هو شربها. وقد استدل سعيد بن الحداد القروي على طهارتها بسفكها في طرق المدينة، (٤) لباب التأويل، الخازن ١/ ١٥٠. (٥) أحكام القرآن، ابن العربي ١٦٥/٢. ١٠٢ جوي القرآن الكريمِ الخمس قال: ولو کانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله علیھم، ولنھی رسول الله صلی الله عليه وسلم عنه كما نهى عن التخلي في الطرق»(١). وأجاب القرطبي عن ذلك بأن الطرقات كانت واسعة وأنه كان يمكن التحرز منها، قال: ((والجواب: أن الصحابة فعلت ذلك؛ لأنه لم یکن لهم سروب ولا آبار یریقونها فيها، إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم کنف في بيوتهم. وقالت عائشة رضي الله عنها إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت، ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور. وأيضًا فإنه يمكن التحرز منها، فإن طرق المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهرًا يعم الطريق كلها، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز عنها، هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة، ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها، وأنه لا ينتفع بها، وتتابع الناس وتوافقوا على ذلك. والله أعلم))(٢). ثالثًا: حكمة اقتران الخمر بأعمال الجاهلية: قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَفُرُ (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٨٨/٦. (٢) المصدر السابق. وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَآلْأَزْلَمُ بِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنَهُونَ ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]. فقرنت الآية بين الخمر والميسر وبين الأنصاب والأزلام وجعلت جمیعھا رجسًا من عمل الشيطان. وقد ذكرت الأنصاب والأزلام في مطلع السورة نفسها في قوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَالدَّمُ وَمُ الْخِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُونَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمْ ذَلِكُمْ فِسْقُّ﴾ [المائدة: ٣]. والنصب جمع نصب: وهو «حجر كان ينصب فيعبد، ويقال: هو النصب، وهو حجر ينصب بين يدي الصنم تصب عليه دماء الذبائح للأصنام»(٣). وقيل: جمعٌ ((واحده نصاب كحمار وحمر. وقيل: هو اسم مفرد والجمع أنصاب، وكانت ثلاثمائة وستين حجرًا)» (٤). وهذه الأنصاب غير الأصنام؛ لأنها حجارة غير مصورة، ((قال ابن جريج: النصب لیست بأصنام، الصنم يصوّر وینقش، وهذه (٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٣٤/٥. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/ ٥٧. www. modoee.com ١٠٣ حرف الخاء حجارة تنصب، ثلاثمائة وستون حجرًا، والميسر. منهم من يقول: ثلاثمائة منها لخزاعة، فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت وشرّحوا اللحم وجعلوه على الحجارة. فقال المسلمون: یا رسول الله، كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحقّ أن نعظمه! فكأن النبي صلى الله علیه وسلم لم یکره ذلك، فأنزل الله: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُومُهَا وَلَا ◌ِمَاؤُهَا﴾ [الحج: ٣٧]))(١). ويرى القرطبي أن النهي متوجه إلى تعظيمها لا إلى الذبح عليها، قال: ((المعنى: والنیة فیھا تعظیم النصب لا أن الذبح عليها غير جائز))(٢). ویری ابن کثیر أن صورة الذبح عليها نفسها تجعل الذبيحة محرمة، قال: ((فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح عند النصب من الشرك الذي حرمه الله ورسوله. وينبغي أن يحمل هذا على هذا؛ لأنه قد تقدم تحريم ما أهل به لغير الله))(٣). وأما الاستقسام بالأزلام المنصوص عليه في قوله سبحانه: ﴿وَأَنْ تَسْنَقْسِمُواْبِالْأَزْلَمِ﴾ فمعناه أن ((تطلبوا علم ما قسم لكم من الخير والشر بالأزلام، قال المفسرون: كان أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرًا، أو غزوًا، أو تجارةً، أو غير ذلك طلب من الأزلام، وهي قداح کانت في الكعبة عند سدنة البيت مكتوب على بعضها: أمرني ربي، وعلى بعضها: نهائي ربي، فإن خرج السهم الآمر مضى لحاجته، وإن خرج السهم الناهي لم یمض، وواحد الأزلام: زلم وزلم» (٤). والمتأمل للآية التي استقر بعد نزولها الحكم على تحريم الخمر يلاحظ أنها لم تكتف بالأمر باجتنابها الدال على تحريمها، ولكنها عددت مفاسدها فقرنتها بأمور من الجاهلية قريبة من الشرك، ونصت على أنها من عمل الشيطان، وقررت أن في اجتنابها الفلاح، وذكرت أنها توقع العداوة والبغضاء، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة. وعليه ففي اقترانها بأعمال الجاهلية التي هي من مظاهر الشرك تخويف للمؤمن من وليس هذا موضع بسط هذه المسألة، ولكن المقصود معرفة أن هذه الأنصاب قد ارتبطت بعمل من أعمال الشرك كان في الشرك ومن مظاهر الجاهلية، فتحريم الخمر والميسر هو المقصود الأساس في الآية، الجاهلية، ثم قرنها القرآن الكريم بالخمر وذكر الأنصاب والأزلام التي تقدم النص عليها معها تأكيد لهذه الحرمة ((والمقصود (١) جامع البيان، الطبري ٥٠٨/٩. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/ ٥٧. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٣/٣. (٤) التفسير الوسيط، الواحدي ٢/ ١٥٢. ١٠٤ جوبيع لِلْقُرآن الكَرِيمِ الخمر نهيهم عن الخمر والميسر وإظهار أن هذه بها ما يليها في ذلك وهو القمار، ولما كان الميسر مفسدة المال، قرن به مفسدة الدين الأربعة متقاربة في القبح والمفسدة، فلما كان المقصود من هذه الآية النهي عن الخمر والميسر وإنما ضم الأنصاب والأزلام إلى الخمر والميسر تأکیدًا لقبح الخمر والميسر، لا جرم أفردهما في آخر الآية بالذکر)»(١). وهي الأنصاب، ولما كان تعظيم الأنصاب شركًا جليًّا إن عبدت، وخفيًّا إن ذبح عليها دون عبادة، قرن بها نوعًا من الشرك الخفي وهو الاستقسام بالأزلام: ثم أمر باجتناب الكل إشارة وعبارة على أتم وجه)» (٤). وفي ذلك زيادة تأكید لهذه الحرمة، قال ابن عاشور: ((ذكر الأنصاب والأزلام مع الخمر والميسر مقصود منه تأكيد التحريم الخمر والميسر))(٢). ويرى البقاعي أن الآية قد جمعت بين أسباب الضرر في الدين والدنيا، قال: ((ونبههم على ما يريد العدو بهم من الشر بقوله تعالى: ﴿إِنََّا الْخَتُ﴾ وهي كل ما أسكر سواء فيه قلیله و کثیره، وأضاف إليها ما واخاها في الضرر دینًا ودنیا وفي كونه سببًا للخصام وكثرة اللغط المقتضي للحلف والإقسام تأكيدًا لتحريم الخمر بالتنبيه على أن الکل من أفعال الجاهلية، فلا فرق بین شاربها والذابح على النصب والمعتمد على الأزلام)»(٣). کما یری أن في ترتيبها في الآية ترق من المفسدة الأدنى إلى المفسدة الأعلى، قال: «وحكمة ترتيبها هكذا أنه لما كانت الخمر غاية في الحمل على إتلاف المال، قرن (١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/ ٤٢٤. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣/٧. (٣) نظم الدرر، البقاعي ٢٩١/٦ وقد یلحظ وجه آخر: وهو أن واقع الناس یشهد باقتران الخمر بالمیسر كما تقدم، وقد كانت الأزلام أدوات للميسر: «قال مجاهد في قوله: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْبِالْأَزْلَمِ﴾ قال: هي سهام العرب، وكعاب فارس والروم، کانوا یتقامرون بها»(٥). وهذه الأزلام كانت موضوعة في الكعبة حيث الأصنام والأنصاب. غير أن ابن کثیر استشکل قول مجاهد، ثم افترض له تأويلاً، فقال: ((وهذا الذي ذکر عن مجاهد في الأزلام أنها موضوعة للقمار، فيه نظر، اللهم إلا أن يقال: إنهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة، وفي القمار أخرى، والله أعلم. فإن الله سبحانه وتعالى قد فرق بين هذه وبين القمار وهو الميسر، فقال في آخر السورة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَتَّرُ وَالْمَيْسُِ وَاْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَِّبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ (٤) المصدر السابق. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤/٣. www. modoee.com ١٠٥ حرف الخاء بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءُ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ فَهَلْ أَنتُم مُنْتَهُونَ وهكذا قال هاهنا: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمْ ذَلِكُمْ فِسْقُ ﴾ أي: تعاطيه فسق وغي وضلال وجهالة وشرك)) (١). التدرج في تشريع حكم الخمر مع أن حكم الخمر قد استقر على التحريم إلا أن الحكم لم يشرع في فترة مبكرة، ولا نزل الحكم مرة واحدة، (( قال بعض المفسرين: إن الله تعالى لم يدع شيئًا من الكرامة والبر إلا أعطاه هذه الأمة، ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب عليهم الشرائع دفعة واحدة، ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة، فكذلك تحريم الخمر. وهذه الآية -آية البقرة- أول ما نزل في أمر الخمر، ثم بعده: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]، ثم قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَعْضَآءَ فِيِ اَلْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةَ فَهَلْ أَنْتُ مُنْتَهُونَ﴾ ثم قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا ◌ٌلَْتَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ بِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾))(٢). ويسند ذلك ما روى البخاري في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: (إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا)(٣). (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣/ ٥٢. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل (١) المصدر السابق. جَوَسُوعَرَ النَفسِير القرآن الكريمِ ١٠٦ الخمس وإذا تأملنا جملة الآيات التي نصت على حكم الخمر أو أشارت إليه في القرآن الکریم وجدناها خمس آيات: قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَاَلْمَيْسِرِّ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلََّ عَابِى سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُواْ وَ إِنْ كُمْ مَرْضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْئُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءَ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ [النساء: ٤٣]. وقوله سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا أْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِ الْخَيْرِ وَالْمَّيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ فَهَلْ أَنُم ◌ُّنْنَهُونَ ﴾ [المائدة: ٩٠-٩١] (١). وقوله عز وجل: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ القرآن، باب تأليف القرآن ١٨٥/٦، رقم ٤٩٩٣. (١) قد نص القرطبي في النص السابق على أنهما نزلتا منفصلتين، وأن الثانية منهما نزلت قبل الأولى. وَالْأَعْنَبِ نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًّا حَسَنَّأَ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أَ ٦٧ [النحل: ٦٧]. هذا ترتيبها في المصحف، أما ترتيبها في النزول: فإن كانت آية النحل: ﴿وَمِنْ ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ متضمنة لحكم الخمر فهي أول الآيات نزولًا، وإلا فآية البقرة: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾، ثم آية النساء ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]، ثم آيتا المائدة: نزلتا معًا، أو نزلت الثانية ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَعْضَآءَ﴾، ثم الأولى ﴿ إِنََّا الْخَتُرُ وَالْمَيْسِرُ وَاْأَصَابُ وَاْأَزْلُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾. هل آية النحل أول آية نزلت في حكم الخمر؟ روى ابن جرير بسنده ((عن إبراهيم والشعبيّ وأبي رزين، قالوا: هي منسوخة في هذه الآية ﴿فَنَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنَا﴾ [النحل: ٦٧]))(٢)، وهو رأي طائفة من (٣) المفسرين منهم ابن العربي . (٢) جامع البيان، الطبري ١٧/ ٢٤٣. (٣) أحكام القرآن، ابن العربي ١٣٥/٣ . ونص الخازن على أنها أول آية نزلت فقال: «وجملة القول في تحريم الخمر أن الله عز وجل أنزل في الخمر أربع آيات نزلت بمكة: ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرًا فكان المسلمون يشربونها في أول الإسلام، وهي لهم حلال)) لباب التأويل، الخازن ١٤٨/١، www. modoee.com ١٠٧ حرف الخاء وعلى هذا القول فهي أول آية نزلت في وينسخ هذا الحكم، وهو خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ. حكم الخمر. وترى طائفة أخرى أن الآية غير منسوخة؛ لأن السكر في الآية غير الخمر؛ ولأن ما تضمنته الآية خبر والخبر لا يدخله النسخ. قال ابن عطية: ((والسكر أيضًا في كلام العرب ما یطعم، ورجح الطبري هذا القول، ولا مدخل للخمر فيه ولا نسخ من الآية شيء. وقال بعض الفرقة التي رأت السكر الخمر: إن هذه الآية منسوخة بتحريم الخمر، وفي هذه المقالة درك، لأن النسخ إنما یکون في حكم مستقر مشروع)»(١). وقال الخازن: «القول بالنسخ فیه نظر؛ لأن قوله: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ، ومن زعم أنها منسوخة رأى أن هذه الآية نزلت بمكة في وقت إباحة الخمر ثم إن الله تبارك وتعالى حرمها بالمدينة فحكم على هذه الآية بأنها منسوخة)»(٢) كان عن شيء له وجود في الحقيقة أو عن الثواب ونحوه فهو الذي لا يدخله النسخ، أما الخبر عن الحكم فليس كذلك، قال: ((فإن قيل: كيف يحرم ما أحل الله ههنا، (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٠٥/٣. (٢) لباب التأويل، الخازن ٨٥/٣. قلنا: هذا كلام من لم يتحقق الشريعة، وقد بينا حقيقته قبل، وأوضحنا أن الخبر إذا كان عن الوجود الحقيقي فذلك الذي لا يدخله نسخ، أو كان عن الفضل المعطى ثوابًا فهو أيضًا لا يدخله نسخ؛ فأما إن كان خبرًا عن حكم الشرع فالأحكام تتبدل وتنسخ جاءت بخبر أو بأمر، ولا يرجع ذلك إلی تکذيب في الخبر أو الشرع الذي کان مخبرًا عنه قد زال بغيره. وإذا فهمتم هذا خرجتم عن الصنف الغبي الذي أخبر الله عن الكفار فيه بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَكَانَ ءَايَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَزِّفُ قَالُواْ إِنَّمَآ أَنْتَ مُفْتَِّ بَلّ ﴾ [النحل: ١٠١]. أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ يعني أنهم جهلوا أن الرب يأمر بما يشاء، ویکلف ما يشاء، ويرفع من ذلك بعدله ما يشاء، ويثبت ما يشاء، وعنده أم الكتاب))(٣). ولئن اختلف في كون آية النحل أول ورد ذلك ابن العربي فقال: إن الخبر إن آية نزلت فإنه لم يختلف في أن آية البقرة: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، سبقت آية النساء ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]، وبعدهما آيتا المائدة، ومرد ذلك إلى الروايات الكثيرة في أسباب نزولها. لكنه أنکر نسخها بعد كما سيأتي. (٣) أحكام القرآن، ابن العربي ١٣٥/٣. ١٠٨ القرآن الكريم الخمر إسحاق، عن عمرو، عن عمر بن الخطاب، قال: (لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهم بین لنا في الخمر بيانًا شفاء، فنزلت الآية التي في البقرة ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِّ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]، قال: فدعي عمر فقرئت عليه، قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شفاء، فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]. فكان منادي رسول الله صلی الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة ينادي: (ألا لا يقربن الصلاة سكران)، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شفاء، فنزلت هذه الآية ﴿فَهَلْ أَنُم مُّنْنَهُونَ﴾، قال عمر: انتهينا)(١). وروى أحمد عن أبي هريرة، قال: حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله صلی الله عليه وسلم عنهما، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَفٍ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِّ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] إلى آخر الآية، فقال (١) أخرجه أبو داود، كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر، ٣٢٥/٣، رقم ٣٦٧٠. قال علي بن المديني: هذا إسناد صالح. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٧٨/١. فمن ذلك ما روى أبو داود عن أبي الناس: ما حرم علينا، إنما قال: ﴿فِيهِمَآ إِثْمٌّ كَبِيرٌ﴾، وكانوا يشربون الخمر. حتی إذا كان يوم من الأيام، صلى رجل من المهاجرين، أم أصحابه في المغرب، خلط في قراءته، فأنزل الله فيها آية أغلظ منها: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَىْ حَقَّ تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق. ثم أنزلت آية أغلظ من ذلك: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَتِّرُ وَالْمَيْسُِ وَاُلْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، فقالوا: انتهينا ربنا، فقال الناس: يا رسول الله، ناس قتلوا في سبيل الله، وماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسًا، من عمل الشيطان، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيَمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ﴾ إلى آخر الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم)(٢). (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٦٨/١٤. قال المحقق: حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف لضعف أبي معشر، وهو نجيح بن عبد الرحمن السندي، ولجهالة أبي وهب مولى أبي هريرة، فقد روى عنه اثنان: أبو معشر وهو ضعيف، وجميل بن بشر أورده ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٥١٩/٢ وجهله، وأبو وهب ذكره ابن سعد في الطبقات ٥٦، وقال: كان قليل الحديث. www. modoee.com ١٠٩ حرف الخاء ففي هذين الأثرين ترتيب نزول الآيات وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَاْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [المائدة: ٩٠]))(٢). الثلاث وأن ذلك وقع إجابة عن أسئلة من الصحابة رضوان الله عليهم، ووقع في روایات أخرى أنها نزلت إثر حوادث: فمن ذلك ما روى أبو داود عن علي بن أبي طالب: (أن رجلاً من الأنصار دعاه وعبد الرحمن بن عوف فسقاهما قبل أن تحرم الخمر، فأمهم علي في المغرب فقرأ ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ نخلط فيها، فنزلت ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَقَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣])(١). وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: (وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعمك ونسقك خمرًا، وذلك قبل أن تحرم الخمر، قال: فأتیتهم في حش -والحش البستان- فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزق من خمر. قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم. فقلت: المهاجرون خير من الأنصار. قال: فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به فجرح أنفي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته فأنزل الله عز وجل في -يعني نفسه- شأن الخمر: ﴿إِنََّا الْخَّرُ وقال الواحدي: ((وكانت تحدث أشياء لرسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب شرب الخمر قبل تحريمها، منها قصة علي بن أبي طالب مع حمزة رضي الله عنهما))(٣). ثم ساق ما روى البخاري في صحيحه عن علي قال: (كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني مما أفاء الله عليه من الخمس يومئذ، فلما أردت أن أبتني بفاطمة عليها السلام، بنت النبي صلى الله عليه وسلم، واعدت رجلًا صواغًا في بني قينقاع أن يرتحل معي، فنأتي بإذخر، فأردت أن أبيعه من الصواغين، فنستعين به في وليمة عرسي، فبينا أنا أجمع لشارفي من الأقتاب والغرائر والحبال، وشارفاي مناخان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، حتى جمعت ما جمعت، فإذا أنا بشارفي قد أجبت أسنمتها، وبقرت خواصرهما، وأخذ من أكبادهما، فلم أملك عيني حين رأيت المنظر، قلت: من فعل هذا؟ قالوا فعله حمزة بن عبد المطلب، وهو في هذا البيت، في شرب من الأنصار، عنده قينة وأصحابه، فقالت في غنائها: ألا يا حمز (١) أخرجه أبو داود، كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر، ٣٢٥/٣، رقم ٣٦٧١. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٤١٦/٢، رقم ٣٦٧١. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل سعد بن أبي وقاص، ٤/ ١٨٧٧، رقم ١٧٤٨. (٣) أسباب النزول، الواحدي ص١٠٨. ١١٠ مَوَسُولَة النفسي الْقُرْآن الكَرِيمِ الخمس للشرف النواء. فوثب حمزة إلى السيف، فأجب أسنمتهما وبقر خواصرهما، وأخذ من أكبادهما، قال علي: فانطلقت حتى أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده زيد بن حارثة، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم الذي لقیت، فقال: (ما لك)؟ قلت: يا رسول الله، ما رأيت كاليوم، عدا حمزة على ناقتي، فأجب أستمتهما، وبقر خواصرهما، وها هو ذا في بیت معه شرب، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بردائه فارتدی، ثم انطلق يمشي، واتبعته أنا وزيد بن حارثة، حتى جاء البيت الذي فيه حمزة، فاستأذن عليه، فأذن له، فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة ثمل، محمرة عيناه، فنظر حمزة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم صعد النظر فنظر إلى ركبته، ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه، ثم قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟! فعرف النبي صلى الله علیه وسلم أنه ثمل فنکص رسول الله صلى الله عليه وسلم على عقبيه القهقري فخرج وخرجنا معه)(١). وليس في هذه الرواية تصریح بسبب النزول. و دل عموم الروايات السابقة على أن آیتا المائدة نزلتا معًا، ونص القرطبي على أن (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، ٨٢/٥، رقم ٤٠٠٣. الثانية منهما نزلت قبل الأولى فقال: ((وهذه الآية - آية البقرة- أول ما نزل في أمر الخمر، ثم بعده: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]، ثم قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِاللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةِ فَهَلْ أَنْثُم مُّنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، ثم قوله: ﴿إِنََّا الْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]»(٢). غير أنه لم يذكر على ذلك رواية أو يستدل عليه بدليل إلا أنه قال عند تفسيره لآية المائدة: «روي أن قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر وانتشوا، فعبث بعضهم ببعض، فلما صحوا رأى بعضهم في وجه بعض آثار ما فعلوا، وکانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فجعل بعضهم يقول: لو كان أخي بي رحيما ما فعل بي هذا، فحدثت بينهم الضغائن، فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْتَكُمُ اُلْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ ﴾ [المائدة: ٩١] الآية))(٣). وفيها أيضًا أن حرمة الخمر لم تستقر إلا بعد نزول آية المائدة، وأنه حرم بصفة متدرجة ولم تنزل آية التحريم إلا في المدينة، وأن من الصحابة من توفي وهو یشرب الخمر لما تنسخ إباحتها. وقد ذکر الجصاص کلامًا لا یجری علی (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٥٢/٣. (٣) المصدر السابق ٦/ ٢٩٢. www. modoee.com ١١١ حرف الخاء ظاهره فقال: ((قال الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِّ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]: هذه الآية قد اقتضت تحريم الخمر ولو لم يرد غيرها في تحريمها لكانت كافية مغنية وذلك لقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ والإثم كله محرم بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ ﴾[الأعراف: ٣٣]. فأخبر أن الإثم محرم، ولم يقتصر على إخباره بأن فيها إثمًا حتى وصفه بأنه کبیر تأكيدًا لحظرها. وقوله: ﴿وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ لا دلالة فيه على إباحتها؛ لأن المراد منافع الدنيا وأن في سائر الحرمات منافع لمرتكبيها في دنياهم إلا أن تلك المنافع لا تفي بضررها من العقاب المستحق بارتكابها، فذكره لمنافعها غير دال على إباحتها لا سيما وقد أكد حظرها مع ذکر منافعها بقوله في سياق الآية: ﴿وَإِنْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ يعني أن ما يستحق بهما من العقاب أعظم من النفع العاجل الذي ينبغي منهما. ومما نزل في شأن الخمر قوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. وليس في هذه الآية دلالة على تحريم ما لم يسكر منها، وفيها الدلالة على تحريم ما يسكر منها؛ لأنه إذا كانت الصلاة فرضًا نحن مأمورون بفعلها في أوقاتها، فکل ما أدى إلى المنع منها فهو محظور، فإذا كانت الصلاة ممنوعة في حال السكر وکان شربها مؤديًا إلى ترك الصلاة كان محظورًا؛ لأن فعل ما یمنع من الفرض محظور. ومما نزل في شأن الخمر مما لا مساغ للتأويل فيه قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَتَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةِ فَهَلْ أَنُم ﴾ [المائدة: ٩٠- ٩١]. مِنْهُوَنَ فتضمنت هذه الآيات ذكر تحريمها من وجوه: أحدها قوله: ﴿رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾ وذلك لا یصح إطلاقه إلا فیما کان محظورًا محرمًا، ثم أكده بقوله: ﴿فَاجْتَِّبُوهُ﴾ وذلك أمر يقتضي لزوم اجتنابه، ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ أَمْثُم ◌ُّنْتَهُونَ﴾ ومعناه فانتهوا))(١). وهذا الذي ذكره لو قصد منه أن الآيات التي نزلت أولًا أشارت إلى أن مآل الخمر التحريم، وأن الأمر سيستقر على تحريمها فصحيح، وأما لو قصد أن آية البقرة ثم آية النساء نصتا على التحريم فغير صحيح؛ لأن الصحابة رضوان الله علیھم لم يفهموا ذلك، ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم. قال القرطبي: «هذه الأحاديث تدل على (١) أحكام القرآن، الجصاص ٢/٢. ١١٢ جوبيع القرآن الكريمِ