النص المفهرس

صفحات 21-40

الخلق
بداية الخلق
تتناول هذه السطور نماذج من بدايات
الخلق، مثل: خلق السموات والأرض،
وخلق سيدنا آدم عليه السلام، وأن الله
تعالى خلق مخلوقات قبل السماوات
الأرض، وقبل سيدنا آدم عليه السلام، منه ما
علمه البشر، ومنه ما لم يعلموه.
أولًا: خلق السماوات والأرض:
لقد تحدثت آيات كثيرة من القرآن
الكريم عن خلق السماوات والأرض مع
مجموعة من المخلوقات الأخرى التي أنعم
الله تعالى بها على عباده.
ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِىِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَاْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْقُلْكِ أَلَّتِ
◌َّجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنَزَلَ اللهُ مِنَ
السَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَعْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَّوْتِهَا وَبَثَّ
فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَّحَابِ
اَلْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤].
﴿ وَمِنْ ءَايَئِهِ، خَلْقُ
وقوله تعالى:
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ
وَأَلَوْنِكُمَّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَنْتِ لِلْعَلِمِينَ ﴾ [الروم:
٢٢].
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍّ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ
إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩].
في حين حدّدت بعض الآيات المدة
الزمنية لخلق السماوات والأرض وما
بينهما، فكانت في ستة أيام.
ومن هذه الآيات: قوله تعالى: ﴿إِنَّ
رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي
يسِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِ الَّيْلَ
النَّهَارَ يَطْلُبُ، حَثِينًا وَالشَّمْسَ وَاَلْقَمَرَ وَالنُّجُومَ
مُسَخََّتٍِ بِأَمْرِهُ أَلَا لَّهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اَللَّهُ
رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
وقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى
عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَإِنٍ وَلَا شَفِيعَّ أَقْلَا
تَتَذَّكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤].
وعن ابتداء الخلق يروي أبو هريرة رضي
الله عنه قال: أخذ رسول الله صلی الله علیه
وسلم بيدي فقال: (خلق الله تعالى التربة
يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد،
وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه
يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث
فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه
السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر
الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة
فيما بين العصر إلى الليل) (١).
وإن هذا لا يعني أن هناك تعارضًا بين آية
خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وهذا
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة
والجنة والنار، باب ابتداء الخلق وخلق آدم
عليه الصلاة والسلام، ٢٤٩/٤، رقم ٢٧٨٩.
www. modoee.com
٦١

حرف الخاء
الحديث الذي يبين أنه خلق السماوات الألباب، كما أظلم ليلها، فعمّت الظلمة
والأرض وما بينهما في سبعة أيام؛ فتكون أرجاء السماء، وأظلم كذلك وجه الأرض،
الإجابة من عدة جوانب، منها:
إن العدد لا مفهوم له، ومن ثمّ فإنه قد لا
ینحصر الأمر عند ستة أيام.
إن الخلق الأساس قد یکون في ستة أيام،
أما التفاصيل فتقتضي أوقاتًا أكثر، والله أكبر
وأعز وأعلم؛ لأن الله تعالى خالق كل شيء
ومقدّره، وهو الذي خلق الأسباب، وله
القدرة المطلقة على تحويلها كيفما يشاء.
وعن مسألة أيّهما أسبق في الخلق:
السماء أم الأرض؟ ناقش هذه المسألة
موضعان من كتاب الله تعالى، وهما:
أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَهَا رَفَعَ سَمَّكَهَا فَسَوَّنَهَا )
وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُعَنِهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ
دَحَتَهَآَ أَخْرَ مِنْهَ مَآءُهَا وَمَرْ عَنْهَا وَاْجِبَالَ
أَرْسَهَا أَمَنَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُونَ﴾[النازعات:
٢٧-٣٣].
فهذه الآيات تبيّن أن السماء أسبق في
الخلق من الأرض، والمعنى: أن الله تعالى
يذكر دليلًا واضحًا بيًّا لمنكري البعث،
ومستبعدي إعادة إحياء الله تعالى للأجسام
الميتة، فيقول الله تعالى: أأنتم أيها البشر
أشد خلقًا أم السماء ذات الجرم العظیم،
والخلق القوي، والارتفاع الباهر، فقد
بناها الله سبحانه، ورفع جرمها وصورتها،
وسّاها بإحكام دقيق، وإتقان يذهل أولي
كما أخرج في السماء النور العظيم عندما
خلق فيها الشمس، فانتشر الناس في النهار
ينتفعون بمصالحهم، وأمور دينهم ودنياهم،
ثم بعد ذلك خلق الأرض، وأودع فيها
منافعها من الماء والمرعى، وتثبيت الجبال
لها، فالذي خلق السماوات العظام وما فيها،
وخلق الأرض الكثيفة وما فيها، لابد أن
يبعث الخلق المكلّفين بعبادته، فيجازيهم
على أعمالهم(١).
أما قوله: ﴿قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى
خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ وَّجْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادًا ذَلِكَ
رَبُّ الْعَلَمِينَ ، وَحَعَلَ فِيَهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا
وَبَكَ فِيهَا وَقَّدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِىْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءُ
لِلِسَّآيِلِينَ ، ثُمَّ أَسْتَوَى إِلَى السَّمَلِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ
لَا وَلِلْأَرْضِ أَقْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَآ أَنْيْنَا طَآيِعِينَ
(١) فَقَضَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى
فِ كُلِّ سَمٍِّ أَمْرَهَا وَزَيَّنَا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ
وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
[فصلت: ٩- ١٢].
ففيه يذكر أن الأرض أسبق في الخلق
من السماء، والظاهر أن هناك إشكالًا في
المعنى يتعارض مع آيات النازعات، ولکن
معنى آيات فصّلت: أن الله عزّ وجلّ أمر
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٩٠٩.
جوبيه
القرآن الكريم
٦٢

الخلق
نبيه محمدًا صلی الله عليه وسلم بتوبيخ
المشرکین الذین یکفرون بالله تعالى، وهو
خالق السماوات والأرض، وكما سبقت
الإشارة فإن المشركين يعترفون أن الله
تعالى هو الخالق، ولكنهم يشركون في
العبادة معه غيره من الأصنام والأوثان.
فبيّن الله تعالى في هذه الآيات أنه خلق
الأرض في يومين، ثم جعل الجبال في
الأرض رواسي لتثبيتها، وبارك الله تعالى
فيها بما خلق من المنافع وإنبات الشجر،
وخلق البحار والأنهار والدواب، كما قدّر
فيها أرزاق أهلها وما يصلح لعيشهم من
التجارات والأشجار والمنافع في کل بلدة
ما لم يجعله في بلدة أخرى، فكل هذه
الأمور خلقها الله تعالى في تتمة أربعة أيام
أخرى.
ثم خلق الله تعالى السماء، وسّاها، ثم
أمر السماء والأرض أن تأتیا بما خلق فيهما
من المنافع والمصالح للخلق.
ذلك لهما بعد خلقهما، وهو قول الجمهور،
فقالتا: أتينا طائعين، فانقادا وأجابا لأمر الله
تعالى، فقضى السماوات وجعلهن سبعًا،
وأكمل بناؤهن، ثم أوحى الله تعالى في
كل سماء أمرها، وزيّن السماء الدنيا بنجوم
تضيئها، وحفظها الله تعالى من الشياطين
(١)
الذين يسترقون السمع
٠
والناظر في هذين الموضعين يرى أن
آيات السورتين توهم في ظاهرهما الإشكال
والتعارض، ولكن حبر الأمة ابن عباس
رضي الله عنهما أزال هذا التعارض حين
أتى إليه رجل، وقال له: إني أجد في القرآن
أشیاء تختلف عليّ، وعدّ له أربع مسائل، كان
من ضمنها مسألة أيهما أسبق: خلق السماء
أم الأرض؟ وساق له الآيات التي ذكرناها،
فأجابه ابن عباس قائلًا: ((وخلق الأرض
في يومين ثمّ خلق السّماء، ثمّ استوى إلى
السّماء فسواهنّ في یومین آخرین، ثمّ دحا
الأرض، ودحوها أن أخرج منها الماء
والمرعى، وخلق الجبال والجمال والآكام
وما بينهما في يومين آخرين فذلك قوله:
﴿دَحَنَهَا﴾ وقوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ﴾
فجعلت الأرض وما فيها من شيءٍ في أربعة
أيّام، وخلقت السّماوات في يومين»(٢).
وخلاصة القول: إن خلق الأرض نفسها
وعلى هذا المعنى، فإن الله تعالى قال كان في يومين، وكان متقدمًا على خلق
السماء، ثم كان خلق السماء وما فيها من
أنوار وأجرام في يومين آخرين، ثم كان
دحو الأرض المخلوقة وخلق ما فيها من
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٣٤٢/١٥-٣٤٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه تعليقًا، كتاب
التفسير، باب قوله: (ومن آياته خلق السموات
والأرض وما بث فيهما من دابة)، ٦/ ١٢٧.
www. modoee.com
٦٣

حرف الخاء
ضروريات الخلق ومنافعهم في يومين
آخرين. وهكذا تكون السماوات خلقت
وما فيها في يومين، وخلقت الأرض وما
فيها في أربعة أيام، والله تعالى أعلم، وقد
سبقت الإشارة إلى عظيم قدرة الله تعالى
في تحويل الأسباب.
ثانيًا: خلق آدم عليه الصلاة والسلام:
بعد أن خلق الله تعالى السماوات
والأرض وما فيهما، خلق آدم عليه الصلاة
والسلام يوم الجمعة الذي هو خير أيام
الله تعالى كما قال الرسول صلى الله عليه
وسلم: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم
الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة،
وفيه أخرج منها)(١).
وکان الله تعالى قد خلقه من تراب، كما
قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ
ءَادَمّ خَلَفَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ ﴾[آل
عمران: ٥٩].
أي: خلقه من تراب دون أب ولا أم؛
فكان آدم عليه الصلاة
بل بكلمة
والسلام (٢).
وورد في حديث النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (إن الله خلق آدم من قبضة
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة،
باب فضل يوم الجمعة، ٥٨٥/٢، رقم ٨٥٤،
عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٦٣/٣.
قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على
قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض
والأسود، وبين ذلك، والسهل والحزن،
والخبيث والطيب)(٣).
وشّف الله تعالى آدم عليه الصلاة
والسلام حين خلقه بيده، ونفخ فيه من
قَالَ يَابْلِيسُ مَا مَنَعَكَ
روحه، فقال تعالى:
أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَقَ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ
اٌلْعَالِينَ﴾[ص: ٧٥].
والمعنى: ما منعك يا إبليس عن السجود
لآدم الذي تولّيت خلقه بنفسي من غير
واسطة أب أو أم؟ (٤)، فخلقه الله تعالى
في صورة بديعة وشكل حسن، حيث قال
تعالى: ﴿الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ، وَبَدَأَ خَلْقَ
اُلْإِنسَنِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧].
ثم علّمه الله تعالى جميع مسميات
الأسماء، فقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ
* [البقرة: ٣١].
ففضّله علی جمیع خلقه، حتى الملائكة،
فأمرها الله تعالى بالسجود له عليه الصلاة
والسلام سجود تكريم، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ
قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ أَسْجُدُ واْلَّدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِيسَ
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة،
باب في القدر، ٣٥٨/٤، رقم ٤٦٥٩، عن
أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١/ ٣٦٢، رقم ١٧٥٩.
(٤) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢٣١/٢٣.
٦٤
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الخلق
أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
وبعد ذلك خلق الله تعالى له زوجه
حواء، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ
الَّذِى خَلَقَكُ مِّن نَّفْسٍ وَبِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَ
مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءُ﴾ [النساء: ١].
فالله تعالى خلق حواء من ضلع آدم عليه
الصلاة والسلام کما في حديث النبي صلى
الله عليه وسلم: (استوصوا بالنّساء؛ فإنّ
المرأة خلقت من ضلعٍ، وإنّ أعوج شيءٍ في
الضّلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه کسرته، وإن
تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنّساء)(١).
ثم أمره الله تعالی هو وزوجه أن یسکنا
في الجنة، ويأكلا منها ما شاءا، ولكن الله
تعالی نهاهما عن أن یقربا شجرة عيّنھا لهم،
فإنهما إن قرباها وأكلا منها فسوف يكونان
من الظالمين لأنفسهم، لكن الشيطان
استزلّهما، وأوقعهما في الخطيئة، فأكلا من
الشجرة التي نهيا عنها، فخرجا من الجنة
التي كانا ينعمان فيها، حينئذ أمرهما الله
تعالى بالهبوط من الجنة إلى الأرض، فهي
موضع الاستقرار لهم، فلما شعر آدم عليه
الصلاة والسلام بالذنب، علّمه الله تعالى
کلمات یقولها، فیتوب الله تعالی علیه ويغفر
له ذنبه(٢).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء،
باب خلق آدم وذريته، ١٣٣/٤، رقم ٣٣٣١،
عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٧٩/١.
وقد ذكر القرآن الكريم هذه الحادثة،
فقال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ
اَلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا
هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿ فَأَزَلَّهُمَا
الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَا كَانَا فِيَةٍ وَقُلْنَا أَهْبِطُواْ
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ وَلَّكُمْ فِ الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌ وَمَتَعُ إِلَى
حِينٍ (٦) فَلَفَّىَ ءَادَمُ مِن زَيِّهِ كَلِمَتٍ فَنَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ.
هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٧)﴾ [البقرة: ٣٥-٣٧].
www. modoee.com
٦٥

حرف الخاء
معالم الخلق
نتناول هنا بعضًا من المعالم المتعلقة
بالخلق، والتي يشير إليها القرآن الكريم عند
حديثه عن الخلق، ومن تلك المعالم.
أولًا: الزوجية:
إن قاعدة الزوجية تمثّل قاعدة مهمة
من قواعد الخلق في هذه الأرض، وهناك
العديد من الآيات القرآنية التي جاءت تدلل
على هذه القاعدة، وهي في الوقت نفسه
دليل على صدق النبي عليه الصلاة والسلام،
وأن القرآن من لدن حكيم خبير.
فالمعرفة التي كانت موجودة في زمن
النبي عليه الصلاة والسلام لا تمكّن من
الكشف عن قاعدة الزوجية في الأحياء،
فضلًا عن ميادين الوجود المختلفة،
أما اليوم وفي ظل هذا التقدم العلمي
المشهود، والاكتشافات الكونية المتسارعة
في المجالات المختلفة، استطاع العلماء
الكشف عن أشكال التزاوج والارتباط في
كافة ميادين الحياة، ابتداءًا بالذرة وانتهاءً
بالمجرة؛ مما يؤكّد صدق الوحي والنبوة.
ومن الآيات التي تقرّر هذه القاعدة قوله
تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ
فَذَّ
رُونَ ﴾ [الذاريات: ٤٩].
ففي هذه الآية حقيقة عجيبة تكشف عن
قاعدة الخلق في هذه الأرض، وهي قاعدة
الزوجية في الخلق، وهي ظاهرة في الأحياء،
ولكن كلمة ﴿شَىْءٍ﴾ تشمل غير الأحياء
أيضًا، فالتعبير يقرّر أن الأشياء كالأحياء،
مخلوقة على أساس الزوجية (١).
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَىْءٍ
خَلَفْنَا زَوْجَيْنِ﴾: قيل: مصطحبين ومتلازمين،
إشارة إلى المتضادات والمتقابلات من
الأشياء كالليل والنهار، والشقوة والسعادة،
والهدى والضلالة، والأرض والسماء،
والسواد والبياض، والصحة والمرض،
والكفر والإيمان ونحو هذا.
وقيل: هي إشارة إلى الأنثى والذكر من
كل كائن حي، ويدل على ذلك قوله تعالى:
﴿وَأَنَّهُ, خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ اَلْذَكَرَ وَالْأَنَى﴾ [النجم:
٤٥](٢) .
ورجّح الطبري القول الأول؛ لأنه
دليل على قدرته تعالى على خلق الشيء
وخلافه (٣).
وختمت الآية بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ
نَذَكَّرُونَ﴾ أي: لتعلموا أيها المشركون أن
الخالق الذي يستوجب العبادة واحد لا
شريك له، هو القادر على خلق الشيء
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب،
٣٣٨٥/٦.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ١٨١/٥،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٢٤/٧،
الجواهر الحسان، الثعالبي ٣٠٥/٥.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٤٣٩/٢٢.
٦٦
جوية
القرآن الكريم

الخلق
وخلافه، وابتداع زوجين من كل شيء، وخلق فيه الأشجار خلق من كل نوع من
بخلاف ما لا يقدر على ذلك.
وهو دليل على المغايرة بين المخلوق
والخالق، فهو المتفرد في ذاته وصفاته
وأفعاله، حيث يدرك الناس تفرّد الخالق
من خلال ما يشاهدون من ظواهر تزاوج
الأشياء وتركيبها، وارتباطاتها، وتوازناتها
على نحو يستحيل معه العبث، والارتجال،
والمصادفة(١).
وخلق الكون يقوم على مبدأ الزوجية،
وقد جاءت الآيات مدللة على ذلك، ومن
مخلوقات الكون التي يتمثل فيها مبدأ
الزوجية النباتات.
قال تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ جَعَلَ فِيَا
زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣].
یقول سید قطب: «إن کل الأحياء وأولها
النبات تتألف من ذكر وأنثى، حتى النباتات
التي كان مظنونًا أن ليس لها من جنسها
ذكور، تبين أنها تحمل في ذاتها الزوج
الآخر، فتضم أعضاء التذكير وأعضاء
التأنيث مجتمعة في زهرة، أو متفرقة في
العود، وهي حقيقة تتضامن مع المشهد في
إثارة الفكر إلى تدبر أسرار الخلق بعد تملي
ظواهر»(٢).
و((قيل: إنه تعالى أول ما خلق العالم
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٤٣٩/٢٢،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧ / ٤٢٤.
(٢) في ظلال القرآن، ٢٠٤٦/٤.
الأنواع اثنين فقط، فلو قال: خلق زوجين،
لم يعلم أن المراد النوع أو الشخص، أما
لما قال: ﴿أَثْتَيْنِ﴾ علمنا أن الله تعالى أول
ما خلق من كل زوجين اثنين، لا أقل ولا
أزيد، والحاصل أن الناس فيهم الآن كثرة إلا
أنهم لما ابتدءوا من زوجين اثنين بالشخص
هما آدم وحواء، فكذلك القول في جميع
الأشجار والزرع))(٣).
ثانيًا: الأطوار:
يعد خلق الإنسان من آيات الله العظيمة،
خاصة إذا علمنا أن كل طور من الأطوار
التي مرّ فيها خلق الإنسان هو آيةٌ ودليلٌ
على صدق الوحي والنبوة، فالقرآن الكريم
أخبر عن هذه الأطوار قبل أن تتوصل إليها
الاكتشافات العلمية الحديثة.
وإذا أردنا الحديث عن المراحل
والأطوار لخلق الإنسان لابد لنا من تقسيمه
إلى قسمين:
الأول: مراحل خلق الإنسان الأول (آدم
عليه الصلاة والسلام).
والثاني: مراحل خلق نسله (خلق الإنسان
في بطن أمه)، وذلك كما يأتي:
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٩/ ٧.
www. modoee.com
٦٧

حرف الخاء
١. مراحل خلق الإنسان الأول (آدم ببعض، واللازق: هو الذي يلتزق بما أصابه،
وقيل: اللازب اللزج (٢).
عليه الصلاة والسلام).
١. الطين.
وهو ذلك المرگّب من تراب وماء الذي
يتكوّن منه جسد الإنسان، فبداية خلق
الإنسان من التراب كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ
مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمٌّ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ
ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩].
ومن الماء الذي يدخل في خلق كل شيء
حي، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَامِنَ الْمَآءِ كُلّ شَىْءٍ
حَيَّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
فإذا اختلط التراب مع الماء أصبح طينًا،
٦٠٠٠ ٢٠٠٠
قال تعالى: ﴿الَّذِىَ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ
خَلَقَ الْإِسَنِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧].
وقال أيضًا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ
سُلَلَةٍ مِن طِينٍ ﴾ [المؤمنون: ١٢].
((والمراد به جنس الإنسان وأصله من
خلاصة سلّت من طين، أو أول أفراده وهو
آدم عليه الصلاة والسلام، وهذا دليل كاف
على قدرة الله تعالى ووحدانيته، واتصافه
بكل صفات الكمال))(١).
وقد وصف الله تعالى هذا الطين
باللازِب، ﴿فَأَسْتَفْئِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَنْ
خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّن طِينٍ لَّأَزِبٍ﴾ [الصافات:
١١]. أي: اللاصق، وقيل: اللازق، والفرق
بينهما أن اللاصق: هو الذي قد لصق بعضه
(١) التفسير المنير، الزحيلي، ١٨/١٨.
ویذکر سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم
أن قبضة التراب التي خلق منها آدم كانت من
جميع الأرض؛ لذلك خرجت ذريّته متفرّعة
متنوّعة مختلفة، منها الأسود والأبيض،
والطويل والقصير، والصالح والطالح، قال
عليه الصلاة والسلام: (إنّ اللّه تعالى خلق
آدم من قبضةٍ قبضها من جميع الأرض،
فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم
الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك،
والسّهل والحزن والخبيث والطّب)(٣).
٢. الحمأ المسنون.
وهي المرحلة الثانية بعد الطين، فإذا
ترك الطين أصبح حماً مسنونًا، قال سبحانه:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَ آلْإِنسَانَ مِن صَلْصَلٍ مِنْ حَلٍ
مَسْئُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦].
والحمأ: الطين الذي تغيّر واسودّ لونه
من طول مجاورة الماء، ومسنون: اختلف
أهل التفسير في معناه، فقيل: مصوّر من سنة
الوجه، أو منصوب لييبس ويتصوّر، كأنه
أفرغ الحما فصوّر منها تمثال إنسان أجوف،
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
١٥/ ٦٩.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب التفسير،
باب ومن سورة البقرة، ٥٤/٥، رقم ٢٩٥٥.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٣٦٢/٢، رقم ١٧٥٩.
٦٨
جَوْسُورَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ

الخلق
أو منتن من سننت الحجر على الحجر إذا
حککته به، فإن ما یسیل بينهما یکون منتنا (١).
٣. الصلصال.
فبعد أن أصبح الطين حماً مسنونًا
يجف بعدها، ويصبح صلصالًا كالفخار،
قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن صَلّصَلٍ
كَاَلْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤].
فالصلصال: الطين اليابس، والفخار:
الخزف الذي طبخ بالنار، والمعنى: أنه خلق
الإنسان من طین یشبه في یبسه الخزف(٢).
٤. نفخ الروح.
في المراحل الثلاث الأولى لا روح
في آدم عليه السلام، فإن الله تعالى خلق
آدم عليه السلام من طین وصوّره، ثم صار
صلصالًا؛ أي: ييس الطين بعد تصويره، ثم
نفخ الله الروح في جسد آدم عليه الصلاة
والسلام.
قال تعالى: ﴿إِذْقَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِنِّ خَلٌِّ
بَشَرًا مِّنِ طِينٍ ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن
رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ ()﴾[ص: ٧١ - ٧٢].
وإضافة الروح إلى نفسه تعالى دليل على
أنه جوهر شريف علوي قدسي (٣).
[انظر: آدم: خلق آدم]
(١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ٢١٠/٣،
لباب التأويل، الخازن، ٥٤/٣.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ١٦١/٥،
محاسن التأويل، القاسمي ١٠٣/٥.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٤١٠/٢٦.
٢. مراحل نسل آدم عليه الصلاة
والسلام (خلق الإنسان في بطن أمّه).
بيّنت لنا الآيات الكريمة المراحل
والأطوار التي يمر فيها خلق الإنسان وهو
في بطن أمه، فكما أن القرآن الكريم تحدّث
عن مراحل خلق الإنسان الأوّل، كذلك
تدرّج في الحديث عن خلق سلالة هذا
الإنسان، ومن الآيات التي تشير إلى هذه
المراحل قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن
كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَقْنَكُم مِّنْ تُرَابٍ
ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ أُخَلَّفَةٍ
وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِ آلْأَرْحَامِ مَا
نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ تُسَنَّى ثُمَّ نُخْرِحُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ
لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَن يُوَلَّ
وَمِنكُمْ مَن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا
يَعْلَمَ مِنْ بَعْدٍ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً
فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ
[الحج: ٥].
مِن كُلِّ زَوْعِ بَهِيجَ﴾
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ
وقوله تعالى:
مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلْتَهُ نُطْفَةٌ فِ قَرَارِ
مَّكِينِ ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا
اُلْعَلَقَةَ مُضْغَةٌ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا
فَكَسَوْنَا الْمِظَمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَاءَاخَرْ
فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ -
١٤].
فهذه الآيات وغيرها توضّح الأطوار
التي يمرّ فيها خلق الإنسان، فبعد أن خلق
www. modoee.com
٦٩

حرف الخاء
آدم عليه الصلاة والسلام وخلقت حواء وهو:
من ضلعه، تبيّن الآيات مراحل خلق نسله،
وأول هذه المراحل:
١. النطفة الأمشاج.
وهي اختلاط ماء الرجل -الذي يحمل
ملايين الحيوانات المنوية- مع ماء المرأة في أول أمرها تكون غير مخلّقة، أي: غير
فتكون النطفة.
قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ تُطْفَةٍ
فَإِذَا هُوَ خَصِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [النحل: ٤].
وقال أيضًا: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن نُّطْفَةٍ
أَمْشَاجٍ تَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:
٢].
أمشاج: أي ماء الرجل، وماء المرأة
يختلطان في الرحم فيكون منهما الولد (١)،
وهي أول مرحلة من مراحل خلق الإنسان،
ثم تأتي المرحلة الثانية وهي:
٢. العلقة.
لکونها تعلق في جدار الرحم، فبعد أن يلقح
الحيوان المنوي البويضة في رحم المرأة
في مدة أربعين يومًا، تتحوّل النطفة إلى دم
متجمد، يلتصق بجدار الرحم مدة أربعين
يومًا أيضًا، حتى تتحول إلى الطور الثالث
٣. المضغة.
وهي القطعة الصغيرة من اللّحم بقدر ما
يمضغ، وهذا الطور يمر بمرحلتين: المضغة
غير المخلّقة، والمضغة المخلّقة، فالمضغة
ظاهر فيها شكل الخلقة، ثم تكون مخلّقة،
والمراد: تامة الخلقة بتشكيل الوجه ثم
الأطراف (٣)، ثم يأتي الطور الرابع وهو:
٤. العظام.
وفي هذا الطور تتحول قطعة اللحم إلى
هيكل عظمي، ثم يأتي الطور الخامس وهو:
٥. كساء العظام باللحم.
حيث يغطّى العظم بما يستره ويشدّه
ويقوّيه، وهو اللحم؛ لأن اللحم يستر العظم،
فجعل کالکسوة له.
يقول سيد قطب في معرض حديثه عن
وهي الدم المتجمد(٢)، وسميت بذلك هذا الطور: ((وهنا يقف الإنسان مدهوشًا
أمام ما كشف عنه القرآن من حقيقة في
تكوين الجنين لم تعرف على وجه الدقة إلا
أخيرًا بعد تقدّم علم الأجنة التشريحي؛ ذلك
أن خلايا العظام غير خلايا اللحم، وقد ثبت
أن خلايا العظام هي التي تتكوّن أولًا في
الجنين، ولا تشاهد خلية واحدة من خلايا
اللحم إلا بعد ظهور خلايا العظام، وتمام
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٨/ ٢٨٥، لباب التأويل، الخازن، ٣٧٦/٤.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٥١٥/٣، البحر
المديد، ابن عجيبة، ٥١٢/٣، في ظلال
القرآن، سيد قطب، ٢٤١٠/٤.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور،
١٩٨/١٧، التفسير المنير، الزحيلي،
١٥٦/١٧.
٧٠
القرآن الكريمِ

الخلق
الهيكل العظمي للجنين))(١)، ثم يأتي الطور
السادس وهو:
٦. الخلق الآخر.
وهو جنين الإنسان ذو الخصائص
المتميزة، التي تميّزه عن غيره من
المخلوقات، فيكون مستعدًّا للارتقاء
والتمييز والتكليف (٢)، فتبارك الله أحسن
الخالقين.
أما عن المدة الزمنية لكل طور من
الأطوار فقد جاء تحديدها في السنة النبوية،
كما في حديث ابن مسعود، وهي أربعون
يومًا لكل مرحلة، حتى يكسو الله العظام
لحمًا وينشأ خلق آخر، فيستمر هذا الخلق
في بطن أمه بقية زمن الحمل، حتى يخرج
طفلًا، قال صلّى الله عليه وسلّم: (إنّ
أحدكم يجمع خلقه في بطن أمّه أربعين
يومًا نطفة، ثمّ يكون علقةً مثل ذلك، ثمّ
يكون مضغةً مثل ذلك، ثمّ يبعث الله ملكًا
فیؤمر بأربع كلماتٍ، ویقال له: اكتب عمله،
ورزقه، وأجله، وشقيُّ أو سعيدٌ، ثمّ ينفخ
فيه الرّوح، فإنّ الرّجل منكم ليعمل حتّى ما
يكون بينه وبين الجثّة إلّا ذراعٌ، فيسبق عليه
كتابه، فيعمل بعمل أهل النّار، ويعمل حتّى
ما يكون بينه وبين النّار إلّا ذراٌ، فيسبق عليه
الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنّة)(٣).
(١) في ظلال القرآن، ٢٤٥٩/٤.
(٢) انظر: المصدر السابق.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
وهكذا خلق الله تعالى الإنسان في عدة
أطوار؛ حيث أنشأه بالتدرج طورًا بعد طور
حتى صار في أحسن تقويم، وهو -جلّ
شأنه- قادر على أن يقول له: كن فيكون،
ولكنه سبحانه اختار لنفسه سنة التدرج
في الإنشاء، وهذه هي سنة الله في خلقه؛
لذلك وجب علينا أن نأخذ هذا التدرج بعین
الاعتبار في تربية الإنسان وتنشئته.
[انظر: الإنسان: خلق الإنسان]
ثالثًا: الأجل:
خلق الله تعالی الإنسان و کتب أجله في
الدنيا، فالآجال بيد الله تعالى.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَلَى الْأَنفُسَ حِينَ
مَوْتِهَا وَأَِّى لَمْ تَمُتْ فِ مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ
الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى
أَجَلٍ مُسَمَّىّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ
يَنَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢].
أي: أن الله يقبض النفس البشرية عند
انتهاء آجالها، ويمسك الأنفس التي قضى
عليها بالموت الحقيقي، ولا يردها إلى
الدنيا، ويرد الأنفس النائمة إلى وقت الموت
الحقيقي (٤).
والأجل: المدة المحدّدة والمضروبة
الخلق، باب ذكر الملائكة، ١١١/٤، رقم
٣٢٠٨.
(٤) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي،
٢/ ٢٢٢، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٢٦٠/١٥.
www. modoee.com
٧١

حرف الخاء
للشيء(١)، وقد أخبر الله تعالى أنه قضى
لعباده أجلین، أجلا لمدة حياة كل فرد منهم،
ينتهي بموت ذلك الفرد، وأجلًا لإعادة
الأموات بعد موتهم، وانقضاء عمر الدنيا.
قال تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ
قَضَوَ أَجَلًاٌ وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِندَةٌ، ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ}
[الأنعام: ٢](٢).
واختلف أهل التفسير في معنى الأجلين،
فقيل: عن مجاهد وابن عباس: الأول مدة
الدنیا، والثاني عمر الإنسان إلی حین موته.
وقيل: الأول قبض الأرواح في النوم،
والثاني: قبض الروح عند الموت.
وقيل: الأول ما يعرف من أوقات الأهلة
والبروج وما يشبه ذلك، والثاني: أجل
الموت.
وقيل: الأول لمن مضى، والثاني لمن
بقي ولمن يأتي (٣).
والآية حمّالة لكل المعاني، والله أعلم
بمراده.
وقد جاءت كلمة الأجل في العديد من
الآيات القرآنية وتحمل المعاني السابقة،
ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ
اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمِ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِنْ
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ١٣١/٧.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٣/ ٢٤٠، فتح القدير، الشوكاني، ٢/ ١١٣.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٥٦/١١، البحر
المديد، ابن عجيبة، ٢/ ٩٦.
يُؤَخِرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ تُسَتَّىٌّ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا
يَسْتَشْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِعُونَ ﴾[النحل:
٦١].
أي: ولكن يؤخّرهم إلى أجل مسمى
ليتوالدوا، وفي تفسير هذا الأجل قولان:
القول الأول: وهو قول عطاء عن ابن
عباس: أنه يريد أجل القيامة، والقول الثاني:
أن المراد منتهى العمر، ووجه القول الأول
أن معظم العذاب يوافيهم يوم القيامة، ووجه
القول الثاني أن المشركين يؤاخذون بالعقوبة
إذا انقضت أعمارهم وخرجوا من الدنيا (٤).
وقد يأتي الأجل ويحمل معنى وقت
نزول العذاب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ قُل
لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِىِ ضَرّاً وَلَا نَفْعًا إِلَّ مَا شَآءَ اللّهُ لِكُلِّ
أُمَّةٍ أَجَلٌّ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَشْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا
يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩].
وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمٍَّ أَجَلٌّ فَإِذَا جَآَّةَ
أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخُرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
[الأعراف: ٣٤].
((أي: وقت معين محدودينزل فيه عذابهم
من الله))(٥).
كما أن الآجال محسومة لا يزاد فيها ولا
ينقص منها، ولن يموت حي حتی یکمل ما
له من عمر، وذلك لما روي عن الصادق
المصدوق أنه قال: (إنّ أحدكم يجمع خلقه
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢٩/٢٠.
(٥) فتح القدير، الشوكاني ٢٣١/٢.
جَوَبُوالَةُ النَّفِيَّة
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
٧٢

الخلق
في بطن أمّه أربعين يومًا، ثمّ يكون علقةً
مثل ذلك، ثمّ يكون مضغةً مثل ذلك، ثمّ
یبعث الله ملكًا فیؤمر بأربع كلماتٍ، ويقال
له: اکتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقيُّ أو
سعيدٌ)(١).
[انظر: الأجل: أجل الإنسان]
رابعًا: التفاضل:
شّف الله تعالى بني آدم وكرّمهم،
وفضّلهم، ورفع درجاتهم على غيرهم من
سائر مخلوقاته.
قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ مَادَمَ
وَخَلْنَهُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الَّيِّبَتِ
وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾
[الإسراء: ٧٠].
ولقد جعل الله تعالى الإنسان خليفته
في الأرض، وكان من لوازم كون الإنسان
خلیفة أن یعمر الأرض في تكافل بين الناس
وترابط، ولا يكون ذلك وهم في درجة
واحدة.
يقول المولى تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى
جَعَلَكُمْ خَلَيْفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَبِكُمْ فَوْقَ
بَعْضِ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَّكُمْ فِى مَآ ءَاتَّنَكُمْ إِنَّ رَبَّكَ
سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام:
١٦٥].
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الخلق، باب ذكر الملائكة، ٤ /١١١، رقم
٣٢٠٨.
كأن من الخلافة أن لا نكون متماثلين
متطابقين، بل أراد سبحانه أن نكون
مختلفين في المواهب؛ لأن الناس لو كانوا
صورة مكررة في المواهب، لفسدت الحياة،
فلابد أن تختلف مواهبنا؛ لأن مطلوبات
الحياة متعددة، إذًا فلابدّ من أن تتحقق إرادة
الله في قوله سبحانه: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ
بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾، أي: أنه تعالى خالف بين
عباده فجعل بعضهم فوق بعض في الرزق،
والعقل، والقوة، والعلم، وهذا التفاوت بين
الخلق في الدرجات ليس لأجل العجز،
فالله تعالى منزّه عن صفات النقص، وإنما
لأجل الابتلاء، فيكون الجزاء أو العقاب منه
سبحانه(٢).
يقول الإمام الشعراوي عند تفسيره لهذه
الآية: ((إن كل واحد فيكم مرفوع في جهة
مواهبه، ومرفوع عليه فيما لا مواهب له فيه؛
لأن الحق يريد أن يتكاتف المخلوقون، ولا
ينشأ التكاتف تفضلًا، وإنما ينشأ لحاجة،
فلابد أن تكون إدارة المصالح في الكون
اضطرارًا، وهذه هي هندسة المكون الأعلى
سبحانه))(٣).
وقد بيّن الله تعالى الهدف والغاية من هذا
التفاضل بين الخلق في العديد من الآيات.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٤/ ١٩٢،
لباب التأويل، الخازن، ١٧٩/٢، الوسيط،
طنطاوي، ٢٣١/٥.
(٣) تفسير الشعراوي، ٤٠٢٧/٧.
www. modoee.com
٧٣

حرف الخاء
قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَّ وفريق في السعير، وأهل الجنة درجات،
وأصحاب النار درکات، وشتّان ما بین الدنيا
والآخرة، وما بين النار والجنة، ﴿وَلَلْأَخِرَةُ
أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ نَفْضِيلًا﴾ فهي دار البقاء
والخلود(٢).
نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِ الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا
بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم
بَعْضًا سُخْرِّنًا وَرَحْمَتُ رَيِّكَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ﴾
[الزخرف: ٣٢].
فالتفاوت في الرزق جعل هذا مسخّرًا
لهذا، والعكس، فعلنا ذلك؛ ليستخدم
بعضهم بعضًا في حوائجهم، ويعاون
بعضهم بعضًا في مصالحهم، وبذلك تنتظم
الحياة، وينهض العمران. ويعم الخير بين
الناس، ويصل كل واحد إلى مطلوبه على
حسب ما قدّر الله تعالى(١).
وبيّن سبحانه أن التفاضل بين البشر
كما هو في الدنيا فهو في الآخرة أيضًا،
قال تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى
بَعْضِّ وَلَلَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ تَّفْضِيلًا﴾
[الإسراء: ٢١].
ففي هذه الآية إشارة إلى هذه الدرجات
المتفاوتة بين الناس، فيما أمدّهم به الله
سبحانه وتعالى في هذه الدنيا، إذ فيهم من
وسّع الله له في الرزق، فملك القناطير
المقنطرة من الذهب والفضة، وفيهم من لا
يملك شيئاً من ذلك، وبين هؤلاء وأولئك
درجات، هذا كلّه في الدنيا، وهم في الآخرة
كذلك، درجات متفاوتة، فريق في الجنة،
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٢٢٦/٧، في ظلال القرآن، سيد قطب،
٣١٨٧/٥، الوسيط، طنطاوي، ١٣ / ٧٧.
خامسًا: التنوع في مادة الخلق:
خلق الله تعالى الكون في أبدع صورة،
وخلق فيه المخلوقات في صورة تظهر كمال
القدرة وتنفي الألوهية عن غيره، فتنوّعت
مخلوقاته في مادة الخلق، أما الجن فإن
أصل خلقها من نار كما تقرر ذلك الآيات.
قال تعالى: ﴿وَلَنَّ خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ
السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧].
قال ابن عباس في قوله: ﴿مِن نَّارِ
السَّمُومِ﴾ الحارة التي تقتل، وقال ابن
مسعود: ﴿السَّمُورِ﴾ التي خلق منها الجان
جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم(٣).
وقال أيضًا: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِچ
مِّن نَّارٍ﴾ [الرحمن: ١٥].
والمارج: اللهب الصافي الذي لا دخان
فيه، وقيل: هو المختلط بسواد النار(٤).
أما الملائكة فقد بيّن لنا الرسول صلى
الله عليه وسلم أنها مخلوقة من نور، فعن
(٢) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة، ١٩٠/٢،
التفسير القرآني للقرآن، الخطيب، ٤٦٩/٨.
(٣) انظر: الدر المنثور، السيوطي، ١٢٨/١.
(٤) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٤ /٤٤٥.
٧٤
جوبيبو
القرآن الكريم

الخلق
عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله
صلی الله علیه وسلم: (خلقت الملائكة من
نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق
آدم مما وصف لكم)(١).
أما باقي الأحياء على وجه الأرض فقد خلق آدم عليه الصلاة والسلام في أكثر من
خلقت من ماء، فالماء هو العنصر الذي خلق
الله منه كل شيء سوى الملائكة والجن مما
هو حي؛ لأن الملائكة خلقوا من النور،
والجانّ خلق من النار كما بيّنا.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَا رَتْقًا فَفَتَقْنَهُمَا"
وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَىْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾
[الأنبياء: ٣٠].
ويدخل في قوله تعالى: ﴿كُلَّ شَىْءٍ﴾
جسم الإنسان، بل يمكن لنا أن نقول: وقد
خلقه الله تعالى من الماء.
يقول الله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى خَلَقَ مِنَ
اُلْمَآَِّ بَشَرَا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًاً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾
[الفرقان: ٥٤].
فعند الحديث عن مراحل خلق الإنسان
تبيّن أن الإنسان مخلوق من تراب.
قال تعالى: ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن
تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُم بَشَرٌ تَنَشِرُونَ﴾ [الروم:
٢٠].
وأضيف إليه الماء فأصبح طينًا، قال
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد
والرقائق، باب في أحاديث متفرقة،
٢٢٩٤/٤، رقم ٢٩٩٦.
سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَقَ
أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَنَّى عِندَهُ، ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾
[الأنعام: ٢].
وقد تحدثت آيات القرآن الكريم عن
موضع، تمّ تناولها فیما سبق.
www. modoee.com
٧٥

حرف الخاء
مقاصد الخلق
إنّ الله سبحانه وتعالى لم يخلق الخلق
سدىّ ولا عبثًا؛ وإنّما خلق سبحانه الخلق
لغاية عظيمة، وحكمة جليلة، خلق سبحانه
الخلق بالحقّ.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ مَا خَلَقْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ
[الدخان:
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
٣٨ - ٣٩].
وقال سبحانه: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِالْمَقِّ وَأَجَلٍ مُسَتَّىَّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّاً
أُنْذِرُواْ مُعْرِضُونَ )﴾ [الأحقاف: ٣].
فالخلق كلّه قد خلقه الله تعالى بالحقّ،
ولا يخلو خلقٌ خلقه الله من حكمة، علمها
من علمها، وجهلها من جهلها، وإنّ من أجلّ
تلك الحكم التّنبيه على أنّ لها خالقًا قادرًا
حكيمًا(١).
إنّ الله سبحانه وتعالی حکیم في فعله
وخلقه، عليم بمصالح عباده، لا يصدر عنه
إلا الحقّ، فهو العليم الحكيم، وهو اللطيف
الخبير، وما خلق الخلق باطلًا، قال سبحانه:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلَاْ ذَلِكَ
ظَنّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ﴾ [ص:
٢٧].
قال السعدي رحمه الله: ((يخبر تعالى
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٢٧٦/١١.
أنّه ما خلق السماوات والأرض عبثًا،
ولا لعبًا من غير فائدةٍ؛ بل خلقها بالحقّ
وللحقّ؛ ليستدل بها العباد على أنّه الخالق
العظيم، المدبّر الحكيم، الرحمن الرحيم،
الذي له الكمال كلّه، والحمد كلّه، والعزة
كلّها، الصادق في قيله، الصادقة رسله فيما
تخبر عنه، وأنّ القادر على خلق السماوات
والأرض -مع سعتهما وعظمهما- قادر
على إعادة الأجساد بعد موتها؛ ليجازي
المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته»(٢).
فهذه بعض الحكم من خلق السماوات
والأرض؛ أمّا خلق الإنس والجن فقد بيّن
الله سبحانه الغاية من خلقهم، فقال: ﴿وَمَا
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّاّ لِيَعْبُدُونِ ( مَا أُرِيدُ
مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ
الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: ٥٦-
٥٨].
وقد أنكر سبحانه على من ظنّوا أنّهم
خلقوا عبثًا مهملین، لا حساب عليهم، ولا
ثواب ولا عقاب فقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا
خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْحَعُونَ
١١٥
فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ اَلْحَّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ
الْعَرْشِ الْكَرِيرِ ﴾ [المؤمنون: ١١٥-
١١٦].
وقد بيّن الله تعالى في آيات كثيرة من
كتابه العزيز الغاية من خلق الكون، وعرّف
(٢) تيسير الكريم الرحمن، ص٥٢٠.
٧٦
مَوْسُور
القرآن الكريم

الخلق
عباده مقاصد إيجادهم، وعلة خلقهم،
وفيما يأتي بيان لمقاصد خلق الثقلين من
الجن والإنس خاصة، أمّا مقاصد خلق
المخلوقات الأخرى فنكتفي بما أشرنا إليه.
أولًا: العبادة:
إنّ الله تعالى ما خلق الجنّ والإنس إلا
لعبادته، وقد بيّن سبحانه ذلك لعباده أعظم
بيان، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ لَلِنَّ وَاَلْإِنسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ
أَنْ يُطْعِمُونِ ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ
الْمَتِينُ ®
﴾ [الذاريات: ٥٦-٥٨].
فعبادة الله هي الغاية العظمى لخلق
الجنّ والإنس؛ فما خلقوا إلا ليستجيبوا
لربّهم، وليذعنوا له سبحانه بالطاعة والعبادة؛
وذلك من خلال طاعة رسله، والتزام أمره،
(١)
واجتناب نهيه، والخضوع لشرعه تعالى
٠
فهذا هو المقصد الأعظم من خلق الجنّ
والإنس، وهذه هي الغاية الكبرى، وما عدا
ذلك من المقاصد والغايات لخلق الثقلين
إنّما هو مندرج تحت هذه الغاية الكبرى،
وعلى العباد - إن أرادوا الفوز برضوان الله
تعالى- أن يحقّقوا تلك الغاية من خلقهم؛
فعليهم أن يعرفوا ربّهم، ويعلموا دينه
وشرعه، ويطيعوا رسله، ويسلّموا لأمره،
ويجتنبوا معصيته، فإن فعلوا ذلك فقد
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٠٥٥/١٧
استجابوا لما أمرهم به ربّهم تعالى، وأصابوا
الحكمة من خلقهم في ملكه سبحانه
وتعالى.
وقد ذكر المفسرون عدّة أقوال في معنى
قوله تعالى: ﴿إِلَّ لِيَعْبُدُونِ﴾، فقال بعضهم:
المعنى ما خلقتهم إلا ليعبدني السعداء منهم
ويعصيني الأشقياء؛ فالحكمة المقصودة من
إيجاد الخلق - والتي هي عبادة الله تعالی-
حاصلة بفعل السعداء منهم دون الأشقياء،
وقال بعضهم: معنى ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي:
إلا ليقرّوا لي بالعبودية طوعًا أو كرهًا؛ لأنّ
المؤمن يطيع باختياره، والكافر مذعن منقاد
لقضاء ربه جبرًا عليه، وقال بعضهم: معنى
﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إلا لآمرهم بعبادتي؛
فيعبدني من وفّقته منهم لعبادتي دون
غيره(٢).
وقد رجّح الإمام الطبري رحمه الله
القول الثاني، والذي ذهب إلى أنّ المراد من
الآية: أنّ الله تعالى ما خلق الجنّ والإنس
إلا ليذعنوا له سبحانه بالعبوديّة طوعًا أو
كرهًا(٣).
ورجّح القول الأخير جماعة من
المفسرين، منهم الإمام الشنقيطي رحمه
الله إذ قال: ((التحقيق إن شاء الله في معنى
هذه الآية الكريمة: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، أي: إلا
(٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، ٨/ ٤٢.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٢/ ٤٤٤.
www. modoee.com
٧٧

حرف الخاء
بالتكاليف، ثمّ أجازيهم على أعمالهم؛ إن
خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وإنّما قلنا: إنّ
هذا هو التحقيق في معنى الآية؛ لأنّه تدل
عليه آيات محكمات من كتاب الله؛ فقد
صرّح تعالى في آيات من كتابه أنه خلقهم
ليبتليهم أيهم أحسن عملاً، وأنه خلقهم
ليجزيهم بأعمالهم، فتصريحه جل وعلا
في هذه الآيات بأنّ حكمة خلقه للخلق،
هي ابتلاؤهم أيهم أحسن عملًا، يفسّر قوله:
﴿إِلَّ لِيَعْبُدُونِ﴾، وخير ما يفسّر به القرآن
القرآن)»(١).
وما رجّحه الشنقيطي هو الراجح -والله
أعلم-؛فالله تعالى خلق الجنّ والإنس وأراد
منهم أن يعبدوه، وهذه إرادة شرعيّة، أي أنّه
سبحانه أمرهم بعبادته؛ فيطيعه من وفّقوا
للطاعة، ويعصيه من لم يوفّقوا لها، وليست
إرادة الله تعالى في الآية إرادة کونیّة؛ إذ لو
کانت کذلك للزم أن یکون العباد جمیعھم
عابدين لله تعالى؛ لأنّ الإرادة الكونية لا
تخالف ولا تعارض.
[انظر: العبادة: مكانة العبادة]
ثانيًا: الاستخلاف:
أراد الله تعالى أن يجعل في الأرض
خليفة، خلقًا من خلقه يخلف بعضهم
لآمرهم بعبادتي، وأبتليهم، أي: أختبرهم بعضًا، قرنًا بعد قرن، وجيلاً بعد جيل(٢)،
يقومون بتنفيذ أمر الله تعالى على أرضه،
وإمضاء أحكامه(٣)، واختار الله تعالى آدم
عليه الصلاة والسلام وذريّته لتلك المهمة
العظيمة، وقد أخبر سبحانه ملائكته بذلك
الأمر، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ
لِلْمَلَتَبِكَةِ إِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوا
أَتَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ
وَحْنُ نُسَبِحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَّ قَالَ إِّ
أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
فالمراد بالخليفة في الآية الكريمة: إمّا
آدم بتنفيذ أوامره سبحانه، وإمّا أن يكون
المراد آدم عليه الصلاة والسلام وذريته،
وقال بعض المفسرين: سمّى الله آدم عليه
الصلاة والسلام خليفة؛ لأنّه صار خلفًا من
الجنّ الذین کانوا یسکنون الأرض قبله(٤).
ولا شكّ أنّ مقصد استخلاف الإنسان
في الأرض تابع لمقصد العبادة لله تعالى؛
إذ إنّ الله تعالى أراد من عباده أن يعبدوه،
وجعلهم خلفاء في الأرض ليقوموا عليها
بالعبادة المطلوبة منهم، والعبد بعمارته
لأرض الله تعالى من خلال تنفيذ شرعه
سبحانه، وفعل ما أمر، واجتناب ما نهى
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٣٣٧/١.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٢٦٣/١.
(٤) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، ٢١/١.
(١) أضواء البيان، ٤٤٥/٧.
جوبي
القرآن الكريمِ
٧٨

الخلق
عنه وزجر، يكون بذلك قد حقّق العبودية بهم ما يفعل المبتلي (٢).
المطلوبة منه لله تعالى؛ إذ إنّ العبادة اسم
جامع لكلّ ما يحبه الله تعالى ويرضاه من
الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة.
ثالثًا: الابتلاء:
لقد ذكر الله تعالى في غير آية من كتابه
العزيز أنّ المقصد والحكمة من خلق
السماوات والأرض، والموت والحياة،
هي ابتلاء العباد واختبارهم أيهم أحسن
عملًا، فمن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ
اَلَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ
وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
وقوله تعالى في سورة الكهف: ﴿إِنَّا
جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لَّا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ
أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧].
وفي مطلع سورة الملك: ﴿تَرَكَ الَّذِى
بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُّ ل ◌ُ الَّذِى خَلَقَ
الْمَوْتَ وَالْخَيَوَةَ لِبْلُوَّكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًاً وَهُوَ الْعَزِزُ
الْغَفُورُ﴾ [الملك: ١-٢].
أي:
ومعنى قوله تعالى:
يختبرکم، والاختبار من الله تعالى هو إظهار
ما يعلم سبحانه من خلقه(١)، فهو سبحانه
بأمره ونهيه للعباد أراد أن يظهر ما قد علم
منهم من طاعة وعصيان، فهو سبحانه يفعل
(١) تفسير السمر قندي، ١٣٩/٢.
ومعنى قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًاً ﴾
أي: كل الصفات التي تجعل العمل أحسن
في میزان الحق فهي واردة هنا، بلا تخصيص
بصفة دون غيرها، ولم يقل: أکثر عملا، بل
أحسن عملًا، ولا يكون العمل حسنًا حتى
يكون خالصًا لله عز وجل، على شريعة
رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فمتى
فقد العمل واحدًا من هذين الشرطين حبط
وبطل (٣).
وهذا المقصد من الخلق تابع للمقصد
الأكبر، وهو العبادة؛ إذ إنّ أمر الله تعالى
عباده بعبادته وطاعته والاستسلام لأمره
ونهيه بمنزلة الاختبار والامتحان لهم؛ فمن
استجاب لربّه فقد فاز وأفلح، ومن عصى
وأدبر فقد خاب وخسر.
رابعًا: الاختلاف:
إنّ من مقاصد خلق الله تعالى للعباد أنّه
سبحانه وتعالى أرادهم أن يكونوا مختلفين؛
ولو أراد سبحانه أن يجعلهم مجتمعين على
أمّة واحدة لفعل؛ ولكنّه سبحانه أرادهم
مختلفین.
وقد أخبر سبحانه وتعالى عن ذلك في
قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةٌ
(٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل،
٤٤١/١٠.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤١٨/٧.
www. modoee.com
٧٩

حرف الخاء
وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١٨) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّك
وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمُ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨-
١١٩].
و قد اقتضت حكمته أن لا يزالوا مختلفین،
مخالفين الصراط المستقيم، متّبعين للسبل
الموصلة إلى النار، کل یری الحقّ، فيما قاله،
والضلال في قول غيره، وقوله: ﴿وَلِذَلِكَ
خَلَقَهُمْ﴾ أي: اقتضت حكمته أنّه خلقهم
مختلفين؛ منهم المؤمن ومنهم الكافر؛
ليكون منهم السعداء والأشقياء، والمتفقون
والمختلفون، والفريق الذين هدى الله،
والفريق الذين حقّت عليهم الضلالة؛ ليتبيّن
للعباد عدل الله سبحانه وحكمته، ولتقوم
سوق الجهاد والعبادات التي لا تتم ولا
تستقيم إلا بالامتحان والابتلاء(١).
وعلى هذا يمكن الجمع بين الآيتين:
الآية الأولى، قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ
وَاُلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
والآية الأخرى، قوله تعالى: ﴿وَلَوْ
شَآءَ رَبُّكَ ◌َجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةٌ وَلَا يَزَالُونَ
مُخْلِفِينَ ﴿ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَإِذَلِكَ
خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨- ١١٩].
بأنّ الإرادة -التي أرادها الله تعالى من
عباده- في الآية الأولى إرادة شرعيّة، حيث
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
١١٤/٩، تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٣٩٢.
أمر الله تعالى عباده بعبادته وطاعته، والآية
الأخرى تدل على الإرادة الكونيّة القدريّة (٢)؛
فالله سبحانه قدّر من الأزل، و کتب عنده في
اللوح المحفوظ أنّ الناس سيختلفون، وهذا
ما أراده الله تعالى، أراد سبحانه أن يكون له
أهل إيمان وطاعة، يجزيهم الجنّة والنعيم،
وأراد أن یکون من عباده أهل کفر وضلال،
یملأ بهم جهنّم، والله تعالى يفعل ما يريد،
﴿وَاللهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١].
وهذا المقصد لخلق العباد تابع للمقصد
الأكبر وهو العبادة؛ فإنّ الله تعالى خلق العباد
وأراد منهم أن يعبدوه، وهو سبحانه يعلم أنّ
منهم من يستجيب ويطيع، ومنهم من يأبى
ويعصي، ويعلم سبحانه أنّهم سيختلفون،
وسيفترقون إلى فريقين؛ فريق السعداء الذین
أطاعوا ربّهم، وفريق الأشقياء الذين عصوا
أمر ربّهم، و کلّ ذلك أراده الله تعالى.
[انظر: الاختلاف: الاختلاف سنة الله في
الخلق]
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، ٤٤٨/٧.
٨٠
جوبيين
القرآن الكريم