النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الخَلقْ
عناصر الموضوع
مفهوم الخلق
٤٢
الخلق في الاستعمال القرآني
٤٣
الألفاظ ذات الصلة
٤٤
الله تعالى خالق كل شيء
٤٦
بداية الخلق
٦٦
معالم الخلق
٧٦
مقاصد الخلق
٨١
دلالة الخلق
٨٥
التفكر في المخلوقات
المُجَلَدُ الرَّابِع عَشَر
٦١

حرف الخاء
مفهوم الخلق
المعنى اللغوي والاصطلاحي:
الخاء واللام والقاف أصلان: أحدهما تقدير الشيء، كقولهم: فلان خليق بكذا، وأخلق
به، أي: ما أخلقه، أي: هو ممن يقدّر فيه ذلك، وأما الأصل الثاني فملاسة الشيء، كقولهم:
صخرة خلقاء، أي ملساء. ويقال: اخلولق السحاب، أي: استوى، ومن هذا الباب أخلق
الشيء وخلق، إذا بلي. وأخلقته أنا: أبليته (١).
((والخلق في كلام العرب: ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه، و كل شيء خلقه الله فهو
مبتدئه على غير مثال سبق إليه))(٢)، وعلى هذا فالخلق المقصود في هذا البحث على معنيين:
أحدهما: الإنشاء على غير مثال أبدعه، والآخر: التقدير.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لم یوقف على معنی الخلق اصطلاحًا عند أيٍّ من المتقدمین، ولا حتی المتأخرین، ومن
ثمّ فإنه تمّ وضع تعريف له بالاعتماد على أصله اللغوي، حيث يكون تعريفه اصطلاحًا: ((كل
ما أوجده الله سبحانه في العالمين، مما علمه البشر وما لم يعلموه، مع تقدير الله تعالى لكل
هذه الموجودات)»، وإنما ذكرت الشمولية في الإيجاد في قول الباحث: «كل ما أوجده الله
سبحانه))؛ حتى يجمع التعريف ذكر كل المخلوقات، وذكرت جملة ((العالمين، مما علمه
البشر وما لم يعلموه))؛ لبيان أن هناك عالمين لا يعلمها البشر، والله تعالى خالقها، فهو
﴿خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].
وذكرت جملة ((مع تقدير الله تعالى لكل هذه الموجودات))، فهو الله تعالى الذي نقرّ بأنه
خالق كل شيء، ومالكه، القادر على ما يشاء، المقدّر لجميع الأمور، المتصرف فيها، المدبّر
لها، ليس له في ذلك کله شريك(٣).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢١٣/٢.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ٨٥/١٠.
(٣) انظر: تسهيل العقيدة الإسلامية، عبد الله الجبرين، ص٤١.
٤٢
جَوَسُورَةُ النفسية
القرآن الكريم

الخلق
الخلق في الاستعمال القرآني
وردت مادة (خلق) في القرآن الكريم (٢٥٢) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١٥٧
[البقرة: ٢٩]
الفعل المضارع
٢٧
﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ [آل عمران: ٤٧]
اسم فاعل
١٢
﴿قُلِ اللَّهُ خَلِقُّ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]
﴿ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ أُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ
اسم مفعول
٢
[الحج:٥]
مصدر
٥٢
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]
صيغة المبالغة
٢
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَقُّ الْعَلِيمُ
[الحجر: ٨٦]
وجاء الخلق في القرآن على أربعة أوجه(٢):
الأول: الدّين: كما في قوله تعالى: ﴿لَا نَبْدِيَلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]. يعني: لدين الله.
الثاني: الكذب: قال تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكَا﴾ [العنكبوت: ١٧]. يعني: تخرصون كذبًا.
الثالث: التصوير: قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠]. يعني:
وإذ تصوّر من الطين كهيئة الطير.
الرابع: الإيجاد: قال تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَاْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]. يعني:
أوجدهما ولم یکونا شيئًا.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٢٤١ - ٢٤٤.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان، ص٩٢ - ٩٣، الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٢٠١-
٢٠٢، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٢٨٤- ٢٨٥.
www. modoee.com
٤٣
﴿هُوَ أَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِ اُلْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ أَسْتَوَىٌ
إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ يُكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ

حرف الخاء
الألفاظ ذات الصلة
١
التصوير:
التصوير لغةً:
صورة كل مخلوق: هيئة خلقته(١).
وصوّر الشيء: جعل له صورة مجسمة، أو رسمه على الورق أو الحائط ونحوهما بالقلم
أو بآلة التصوير (٢).
التصوير اصطلاحًا:
التصوير في حق الله عز وجل: جعل الشيء على هيئة معينة.
وفي حق المخلوقين: محاكاة صورة الشيء وتقريبها.
الصلة بين التصوير والخلق:
الخلق إيجاد من العدم، والتصوير جعل هيئة معينة لهذا المخلوق.
الذرء:
٢
الذّرء لغة:
ذرأ الله الخلق، أي: خلقهم (٣).
الذّرء اصطلاحًا:
لا يختلف معناه الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.
الصلة بين الذّرء والخلق:
الذرء مختص بخلق الذرية (٤)
.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣٢٠/٣.
(٢) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٥٢٨/١.
(٣) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص١١٢.
(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٢/ ١٥٦.
٤٤
جوسي
القرآن الكريمِ

الخلق
الإنشاء:
٣
الإنشاء لغةً:
الإنشاء يدلّ على ارتفاع وسموٍّ (١)، يقال: أنشأ الله الخلق، أي: أحدث وأوجد من عدم (٢).
الإنشاء اصطلاحًا:
إيجاد الله تعالى لكل المخلوقات من عدم، مع ما يبيّن عظيم قدرة الله تعالى وأنه يعلي
ويرفع من يشاء.
الصلة بين الإنشاء والخلق:
يشترك الإنشاء مع الخلق في أن في كل منهما إيجادًا من عدم.
٤
البعث:
البعث لغةً:
البعث: إحياء الله تعالى للموتى (٣).
البعث اصطلاحًا:
إحياء الله تعالى الأموات وإخراجهم من قبورهم وهم أحياء للحساب والجزاء(٤).
الصلة بين البعث والخلق:
بينهما عموم وخصوص؛ فالبعث خلق خاص، يستعمل في إحياء الموتى.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٤٢٨/٥.
(٢) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٢/ ٩٢٠.
(٣) انظر: تاج العروس، الزبيدي ١٦٩/٥.
(٤) مباحث العقيدة في سورة الزمر، ناصر الشيخ ص ٥٦٧.
www. modoee.com
٤٥

حرف الخاء
الله تعالى خالق كل شيء
أولًا: إثبات صفة الخلق لله عز وجل:
إن وجود هذا الكون الكبير، وعظمته
ودقته، وجماله الباهر، وما فيه من سماوات
وأرض، وشمس وقمر، ونجوم وكواكب،
وليل ونهار، وجبال وتلال، وبحار وأنهار،
إلى غير ذلك من المخلوقات التي لا تعد ولا
تحصی، سواء كانت مرئيةً لنا أو غير ذلك؛
لتدل على أن لهذا الكون المبهر خالقًا واحدًا
ينزّه عن كل صفات النقص والعيب، وينزه
كذلك عن كل ما يشبه صفات المخلوقين.
فهذا الخالق يتصف بكل صفات الكمال
المطلق في ذاته العلية، وصفاته الجليلة،
وفي أفعاله القديرة.
يقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُوا
رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ * الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا
وَالسَّمَآءَ بِنَآءُ وَأَنَزَّلَ مِنَالسَّمَآءِ مَآءُ فَأَخْجَبِهِ، مِنَ
الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ )
﴾[البقرة: ٢١ - ٢٢].
فالله سبحانه أمر العباد بعبادته جل
وعلا، وأتبع هذا الأمر بما يدل على وجوده
تعالى، -وهو الخالق الصانع - من خلق
الناس المخاطبين، وخلق الذين كانوا من
قبلهم، وخلق السماء، وخلق الأرض،
وخلق الثمرات من الماء النازل من السماء
إلى الأرض (١).
ويقول عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ
الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ
أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِ الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ، حَثِيثًا
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍِ بِأَمْرِهُ
أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ
[الأعراف: ٥٤].
ففي هذه الآية يبيّن الله سبحانه صفات
ربوبيته من خلق السماوات والأرض،
واستوائه سبحانه على العرش، وتغشية الليل
والنهار، وجعل الشمس والقمر والنجوم
مسخراتٍ بأمره جل وعلا، وبعد أن ذكر
تدبيره لهذا الكون، أتبعه بأن الخلق والأمر
له وحده سبحانه، حيث قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ
وَالأَمْرُ﴾.
ومعلومٌ أن تقديم شبه الجملة من
الجار والمجرور على المبتدأ يفيد الحصر
والقصر، فقد أخبر الله تعالى أن الخلق
والأمر له وحده، فيختصان به لا بأحدٍ
غيره(٢).
وقال الألوسي في تفسيره: ((ففي ذلك
إشارة إلى أنهما -الخلق والأمر - طبق
الحكمة وفي غاية الكمال، ولا يقال ذلك
في غيره تعالى، بل هو صفة خاصة به
سبحانه)»(٣).
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٢٣/٢.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٢/ ٢٤١.
(٣) روح المعاني، ٣٧٨/٤.
٤٦
جَوَسُور
القرآن الكريم

الخلق
ثم ختم الله تعالى الآية ببيان أنه رب ومشاق)»(١).
العالمين، الذي له صفات الكمال المطلق،
والمنزّه عن جميع النقائص والعيوب.
وإثبات صفة الخلق والأمر لله تعالى
وحده، يستلزم أن يكون خالقها متصفًا
بالقدرة التامة، والعلم الشامل، والحكمة
البالغة، والإرادة النافذة.
﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ أي: تنزه
وتقدّس عن کل نقص وعيب، ويدخل في
هذا تنزّهه تعالى عن أيّ نقص في خلقه
وأمره، وهذا مصداقٌ لقوله تعالى: ﴿الَّذِى
خَلَقَ سَبْعَ سَنَوَتٍ طِبَاقًاٌ مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ
مِن تَفَوُّتٍ فَأَرْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن قُطُورٍ﴾
[الملك: ٣].
والمعنى: لا ترى تفاوتًا، أي: نقصًا
أو عيبًا أو عدم تناسق في خلق الله تعالى
السماوات وغيرها من مخلوقاته عزّ وجلّ.
والمقصود من هذا هو التعريض
بالمشركين؛ لأنهم أضاعوا النظر في الكون،
والاستدلال بما فيه على وحدانية الله تعالى
بما تشاهده أعینهم من نظام دقیق ومحکم.
وإضافة الخلق إلى اسم (الرحمن) يدل
على ((أن هذا النظام مما اقتضته رحمته
بالناس؛ لتجري أمورهم على حالة تلائم
نظام عيشهم؛ لأنه لو كان فيما خلق الله
تفاوت، لكان ذلك التفاوت سببًا لاختلال
النظام، فيتعرض الناس بذلك لأهوال
وعند قوله تعالى: ﴿الَّذِى لَّهُ, مُلْكُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَّمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَُّ
شَرِيٌ فِ الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيرً﴾
[الفرقان: ٢] قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره:
فأفردوا أيها الناس لربكم الذي نزل الفرقان
على عبده محمد نبيه صلی الله عليه وسلم
الألوهية، وأخلصوا له العبادة دون كلّ
ما تعبدونه من دونه من الآلهة والأصنام
والملائكة والجنّ والإنس، فإن كلّ ذلك
خلقه وفي ملكه، فلا تصلح العبادة إلا لله
الذي هو مالك جميع ذلك. وقوله: ﴿فَقَدَّره
نقدیرًا﴾ يقول: فسوّى كل ما خلق، وهيّأه لما
يصلح له، فلا خلل فيه ولا تفاوت))(٢).
والغاية من ذكر الله تعالى البديع خلقه
وصنعه في الكون هي بيان أحقية الله تعالى
وحده بالعبادة، وإفراده سبحانه بالسمع
والطاعة، كما قال تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ
سَبْعَ سَمَوَّتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَنَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ
لِيَعْلُوْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ
بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق: ١٢].
قال السعدي: ((أخبر تعالى أنه خلق
الخلق من السماوات السبع ومن فيهن
والأرضين السبع ومن فيهن، وما بينهن،
وأنزل الأمر، وهو الشرائع والأحكام
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٨/٢٩.
(٢) جامع البيان، ١٩/ ٢٣٦.
www. modoee.com
٤٧

حرف الخاء
الدينية التي أوحاها إلى رسله لتذكير العباد
ووعظهم، وكذلك الأوامر الكونية والقدرية
التي يدبّر بها الخلق، كل ذلك لأجل أن
يعرفه العباد ويعلموا إحاطة قدرته بالأشياء
كلها، وإحاطة علمه بجميع الأشياء، فإذا
عرفوه بأوصافه المقدسة وأسمائه الحسنى
وعبدوه وأحبوه وقاموا بحقه، فهذه الغاية
المقصودة من الخلق والأمر معرفة الله
وعبادته، فقام بذلك الموفّقون من عباد الله
الصالحين، وأعرض عن ذلك الظالمون
المعرضون))(١).
الذي له جميع صفات الكمال التي منها
القدرة الشاملة على خلق المخلوقات،
فأخبر عن ذلك بما يدل عليه؛ لأن الصنعة
تدل على الصانع، فهو وحده الذي أوجد
المخلوقات بشكل عام من عدم، وهذا
بقدرة الله تعالى على وفق ما دبّر بعلمه
سبحانه، فالناس يشاهدون عظمة هذه
المخلوقات، ویشهدون أنه لا يقدر عليها إلا
من هو تام العلم وكامل القدرة، ألا وهو الله
عزّ وجلّ (٢).
وأخبر الله تعالى في قوله: ﴿ وَأَلَّذِينَ
يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ
(٢٠) أَمْوَتُ غَيْرُ أَحْيَاءِ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٨٧٢.
(٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ٢٠/ ١٧٢.
يُبْعَثُونَ ﴾[النحل: ٢٠-٢١].
أن الأصنام التي يعبدها المشركون من
دون الله تعالى لا تتصف بالخلق؛ بل هي
مخلوقة وليست خالقة، فهي جمادات لا
أرواح فيها، ولا تسمع ولا تبصر، ولا تملك
لنفسها نفعًا ولا ضرًّا، فكيف يعبدها هؤلاء
المشركون، وهم أفضل منها بالحياة!(٣).
فأين العقول والأبصار التي تعتبر وتتّعظ
بیدیع خلق الله تعالی وصنعه المتقن، کما
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ أَلَّتِى تَخْرِى
وعبّر باسم الجلالة (الله) في بداية الآية فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَآءِ
مِن ◌َّآءٍ فَأَعْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا
مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الْرِّيَجِ وَالسَّحَابِ
الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ﴾[البقرة: ١٦٤].
أي: إن هذه المخلوقات الوارد ذكرها
في الآية هي لقوم ((ينظرون بعيون عقولهم
ويعتبرون بها، فيستدلون بهذه الأشياء على
قدرة موجدها، وحكمة مبدعها، ووحدانية
منشئها)»(٤).
ولما كانت صفة الخلق من أبرز صفات
الله عز وجل، کان له اسمان مشتقان منها،
وهما: الخالق والخلاق.
فأما الخالق:
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
١٠/ ٩٤.
(٤) مدارك التنزيل، النسفي، ١٤٨/١.
٤٨
القرآن الكريم

الخلق
قال الزجاج: ((الخالق: أصل الخلق
في الكلام: التقدير، يقال: خلقت الشيء
خلقًا، إذا قدّرته. فالخلق في اسم الله تعالى
هو ابتداء تقدير النشء، فالله تعالى خالقها
ومنشئها ومتمّمها ومدبرها))(١).
وقال د.سعيد القحطاني في معنى
الخالق: ((الذي خلق جميع الموجودات
وبرأها، وسواها بحكمته، وصوّرها بحمده
وحکمته، وهو لم يزل ولا يزال على هذا
الوصف العظيم))(٢).
إذًا فالخالق هو الذي أوجد جميع الأشياء
بعد أن لم تكن موجودة، وقدّر أمورها في
الأزل بعد أن كانت معدومة، ويكون أيضًا
بمعنی أنه هو الذي رگّب الأشياء تركيبًا،
ورتّبها بقدرته ترتیبًا.
وقد ورد اسم الله تعالى (الخالق) اثنتي
عشرة مرة في القرآن الكريم، وهو على
صيغة اسم الفاعل، وتدل مادته على معنیین
رئیسین:
الأول: إيجاد الشيء من العدم، أو ابتداع
مخلوق جدید لیس له سابق.
ولا شك أن هذا المعنى خاص بالله
تعالى، ولا يشاركه فيه أحد، ومن هذه
الآيات على سبيل المثال لا الحصر: قوله
تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلََّّ هُوَّ
(١) تفسير أسماء الله الحسنى، ص ٣٥، ٣٧.
(٢) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب
والسنة، ص ١٧١.
خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَاعْبُدُوّةً وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢].
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَلِقُ
وقوله:
كُلِّ شَىْءٍ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ فَنَّ تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر:
٦٢].
وقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَذَّكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ
هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٣].
الثاني: التهيئة والتقدير والتشكيل
والتجميع والتركيب والتصنيع والتكوين.
ومن هذه الآيات على سبيل المثال لا
الحصر: قوله تعالى: ﴿قَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ
اْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].
وقوله: ﴿أَنَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ
الْخَلِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥].
والخلق على هذا المعنى يدخل فيه
البشر، أي: أن الإنسان صنع الشيء من
المادة التي خلق الله تعالى أصلها، فما
ينسب إلى الإنسان وعقله البشري من خلق
أشياء مبهرة، فهذا يعني أنه صنعها ورگّبها من
أشياء موجودة مخلوقة من الله تعالى، ويبقى
العقل البشري من مخلوقات الله تعالى.
إذًا فالله تعالى هو الذي خلق المادة التي
هي أصل الأشياء، كما خلق عقل الإنسان،
وما أودع فيه من ذكاء وموهبة، استخدمها
ذلك العقل في مجال التكنولوجيا وغيرها،
ويبقى الله تعالى هو الخالق وحده.
www. modoee.com
٤٩

حرف الخاء
فالإنجازات العلمية العديدة ما هي إلا ومن ثم فإن صفة الخلّاق أبلغ من صفة
مكتشفات صنعها وركّبها العقل البشري، أما الخالق.
أصل هذه الإنجازات فالله تعالى هو خالقها
من العدم.
وإن معنى الخالق قائمٌ على المعنيين
معًا.
وأما الخلاّق:
ورد ذكر هذا الاسم مرتين في القرآن بما دلّت عليه هذه الصفات من المعاني
الكريم، وهما: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَقُ اَلْعَلِيمُ﴾
[الحجر: ٨٦].
وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمَّ بَلَى وَهُوَ
اْخَلَّقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١].
وكلمة (الخلاق) صيغة مبالغة على وزن
(الفعّال).
قال ابن عاشور في تفسير آية سورة يس:
((أي: هو يخلق خلائق كثيرة، وواسع العلم
بأحوالهم ودقائق ترتيبها))(١).
والفرق بين الاسمين أن (الخالق): اسم
فاعل، وهو الذي ينشئ الشيء من العدم
بتقدير وعلم، ثم بتصنيع وخلق عن قدرة.
فالخالق هو الذي قدّر بعلم، وصنع بقدرة،
فخلق من عدم.
أما (الخلاّق): صيغة مبالغة من الخالق
الموصوف بخلق غيره، وهو الذي يبدع في
الخلق كمَّا وكيفًا بقدرته الشاملة المطلقة،
(١) التحرير والتنوير، ٧٩/٢٣.
فَضْو
جوسى
القرآن الكريمِ
ومن المعلوم أن منهج السلف الصالح
في أسماء الله تعالی الحسنى هو التسليم بها
دون تکییف أو تأويل أو تعطیل أو تشبیه، فإن
شرح هذين الاسمين قائم على معرفة معناه
بما يتعبّد به، وبما يكون الإيمان من خلاله
العظيمة؛ فهو مختص بالذات العليّة
. (٢)
يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ
مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةٌ فِي قَرَارِ
◌َّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ
مُضْغَةٌ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا
اَلْمِظَمَ ◌َحْمًا ثُمَّ أَنشَأَتَهُ خَلْقَاءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اَللّهُ
أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ -١٤].
والمعنى: إن الله تعالى شرع في بيان
أصل النوع الإنساني، وهو آدم عليه الصلاة
والسلام، فقد خلقه الله تعالى، ثم جعل نسله
نطفًا في أصلاب الآباء، ثم قذفت في أرحام
الأمهات، فصارت في حرزٍ حصین من أول
وقت الحمل إلى حين وقت الولادة، ثم
تطور خلق النطفة فأصبحت علقة، وهي الدم
الجامد المتعلق بجدار الرحم، ثم أصبح هذا
الدم الجامد مضغة، أي: قطعة لحم صغيرة
بمقدار ما يمضغ، ثم صارت هذه المضغة
(٢) انظر: العقيدة الصحيحة وما يضادها، ابن باز
ص٦.
٥٠

الخلق
عظامًا، ثم جعل الله تعالى اللحم كسوة
لهذه العظام، ثم أنشأه الله تعالى وخلقه
خلقًا آخر مباينًا ومختلفًا عن الخلق الأول،
حيث نفخ فيه الروح، فصار كائنًا حيًّا بعد أن
کان جمادًا لا روح فیه، وأصبح سمیعًا بصیرًا
ناطقًا، کما أودع فيه الله عزّ وجلّ من غرائب
الخلق و عجائبه ما لا يعد ولا يحصى ظاهرًا
وباطنًا(١).
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ ﴾ أي: تعالی شأنه في علمه
الشامل، وقدرته الباهرة، وذكر اسم الجلالة
(الله)؛ وذلك (التربية المهابة، وإدخال
الرّوعة، والإشعار بأنّ ما ذكر من الأفاعيل
العجيبة من أحكام الألوهيّة، وللإيذان بأنّ
حقّ كلّ من سمع ما فصّل من آثار قدرته
عزّ وعلا أو لاحظه أن يسارع إلى التكلّم به
إجلالا وإعظامًا لشؤونه تعالى))(٢).
وكلمة ﴿أَحْسَنُ﴾: على وزن (أفعل)
التفضيل، أي: أحسن الخالقين خلقًا، بمعنى
المقدّرين تقديرًا، وحذف المميز لدلالة
كلمة ﴿اَلْخَلِقِينَ ﴾ عليه(٣).
وإن هذا لا يعني أن هناك خالقين غيره،
وأن الله تعالى هو الأفضل فهذا كفر، ولن
يكون ذلك مراد القرآن، وإنما يعني إعطاء
البرهنة الكاملة على عظيم قدرة الله تعالى،
وأنه خلق فأحكم وأتقن.
(١) انظر: تفسير المراغي، ٨/١٨.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٦/ ١٢٦.
(٣) انظر: المصدر السابق.
ومعنى البركة في قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اَللّهُ
أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ يرجع إلى المعاني الآتية:
١. الامتداد والزيادة، فكل ما زاد على
الشيء فقد علاه.
٢. البركات والخيرات، فكلها من الله
تعالی.
٣. قيل: أصله من البروك، وهو الثبات،
فكأنه قال: والبقاء والدوام والبركات
كلها من الله تعالى، فهو المستحق
للتعظيم والثناء (٤).
ثانيًا: إقرار المشركين بالخلق لله
تعالى:
سبقت الإشارة إلى أن الخلق صفة من
الصفات الربوبية لله تعالى، وهو يدخل
تحت القسم الأول من أقسام التوحيد، وهو
توحيد الربوبية، ويقصد به: ((توحيد العبد
ربه سبحانه بأفعاله الصادرة منه، كالخلق،
والرزق، والإحياء، والإماتة، وإنزال المطر،
وإنبات النبات، والنفع والضرر، وتدبير
جميع الأمور إلى غير ذلك من أفعال الرب
سبحانه ))(٥).
وقد كان المشركون في عصر النبوة
يعتقدون أن هذه الأمور هي من خصائص
الله تعالى، ويقرّون ويعترفون أن أصنامهم
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٦٥/٢٣.
(٥) الصواعق المرسلة الشهابية، سليمان بن
سحمان ص٣٠٤.
www. modoee.com

حرف الخاء
تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًّا، فكيف تمتلكه
لمن يعبدها، فهي لا تنزل الغيث، ولا تأتي
بالرزق، ولا تملك موتًا ولا حياة ولا نشورًا،
کما أنها لا تسمع ولا تبصر، فكانوا يعترفون
أن الله تعالی هو وحده المتفرد بهذه الأمور،
لكنهم جعلوا لله تعالی شرکاء یعبدونهم من
دونه عزّ وجلّ، فيزعمون أنهم ما يعبدونها
إلا لتقربهم إلى الله زلفى، فتشفع لهم عند
الله تعالى في الرزق والنصر وسائر الأمور
الدنيوية، فقال الله تعالى فيهم: ﴿وَأَلَّذِينَ
أَخَذُواْ مِن دُونِهِ: أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا
لِيُقَرِيُونَآَ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
والمعنى: إن هؤلاء المشركين لم
يخلصوا العبادة لله تعالى وحده؛ بل كانت
شائبةً بعبادة غيره من الأصنام والملائكة
وعيسى عليه الصلاة والسلام معتقدين أنهم
لا يعبدونها لشيء من الأشياء إلا لتقرّبهم
إلى الله تعالى تقريبًا (١).
ولما كان حال المشركين في ناحية العبادة
متخذين الأنداد والشركاء من دون الله
تعالی، یدعونهم ويستغيثون بهم، ويطلبون
منهم حاجاتهم الدنيوية، استخدم معهم
القرآن الكريم أسلوب تقرير المخاطبين
بطريق الاستفهام عن الأمور التي يسلمون
بها حتى يعترفوا بما يشركون، وهو صورة
(١) انظر: فتح البيان، القنوجي، ٧٩/١٢.
التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى لا من صور المناظرات التي استخدمها القرآن
في الرد على الخصوم ليلزم به أهل العناد (٢).
ومن الأمثلة على ذلك: الاستدلال
بالخلق على وجود الخالق كما في قوله
تعالى: ﴿أَمْ خُلِّقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ
﴿ أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضََّ بَل لَّا يُوقِنُونَ
(٦) أَمْ عِندَهُمْ خَزَآَيْنُ رَيِّكَ أَمَّ هُمُ الْمُهَيْطِرُونَ
(٦) أَمْ لَمْ سُلٌَّ يَسْتَمِعُونَ فِيهٌ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم
بِسُلْطَانِ تُِّينٍ ) أَمْ لَهُ الْبَتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ
أَمْ تَسْلُهُمْ أَجْرًا فَهُم ◌ِن ◌َّغْرَمٍ مُتَّقَلُونَ أَمْ عِندَهُ
الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أَمْ يُرِدُونَ كَيّدًا فَالَّذِينَ كَفَرُواْ
هُوْمَكِيدُونَ ﴿٢ أَمْ ◌َهُمْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَنَ اَلَّهِ عَمَّا
شركون (٤٣)+
*[الطور: ٣٥- ٤٣].
وكذلك الاستدلال بالمبدأ على المعاد،
كما في قوله تعالى: ﴿أَفَعَِّنَا بِالْخَلْقِ اُلْأَوَّلِّ بَّ
مُرْفِ لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾[ق: ١٥].
كما دلّ القرآن الكريم في مواطن عدة
من سوره على إقرار المشركين بربوبية الله
تعالی مع إشراکهم به في العبادة، ومن هذه
الآيات: قوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَّهُم مَنْ خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ قُلْ أَفَرَءَ يْتُم مَّا
تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللّهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ
كَشِفَتُ ضُرِِّهِ أَوْ أَرَادَنِ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَ
مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ
الْمُتَوَكِلونَ
[الزمر: ٣٨].
(٢) انظر: مباحث في علوم القرآن، مناع القطان،
ص٣١٣.
مَوْسُو ◌َر النفسية الموضو
القرآن الكريم
٥٢

الخلق
وقوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْنَهُم مَّنْ خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ
الْعَلِيمُ﴾، وقوله: ﴿فَأَسْتَفْنِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ
خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَاْ إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّن طِينٍلَازِهِ ﴾
[الصافات: ١١].
ويظهر من هذا أن جميع الخلق
مفطورون على الإقرار والاعتراف بربوبية
الله عزّ وجلّ، حتى المشركين أنفسهم،
كما مرّ في الآيات السابقة وغيرها، ويصدّق
هذا الكلام قوله تعالى على لسان أنبيائه
ورسله حين قالوا لأقوامهم الذين بعثوا
إليهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِ اللّهِ شَكٌّ فَاطِرٍ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن
ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىَّ أَجَلٍ مُسَتَّى﴾
[إبراهيم: ١٠].
حتى فرعون نفسه الذي قال: ﴿أَنَاْ رَبِّكُمُ
الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤].
كان مقرًّا ومعترفًا بربوبية الله تعالى
في قرارة نفسه، لكنه تجاهل هذه الفطرة،
وتظاهر بإنكار الله تعالى، ويدل على هذا
قوله تعالى على لسان موسى عليه الصلاة
والسلام حين قال له: ﴿ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنْزَلَ
هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ وَإِنِ
لَأَظُنُكَ يَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ﴾ [الإسراء: ١٠٢].
وقوله تعالى عن فرعون وقومه:
﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّ﴾
[النمل: ١٤].
لكن مع هذا الإقرار العام من المشركين
إلا أن توحيدهم كان ناقصًا، لا ينقلهم إلى
دائرة الإيمان؛ بل حكم الله تعالى عليهم
بأنهم كافرون مشركون، فقال تعالى:
﴿ وَمَا يُؤْ مِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاَللَّهِ إِلَّ وَهُم مُشْرِكُونَ ﴾
[يوسف: ١٠٦].
فقد ذكر القرطبي أن الآية نزلت في تلبية
مشركي العرب، فكانوا يقولون في تلبيتهم:
لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك،
تملكه وما ملك(١)، وورد أنهم كانوا إذا
قالوا هذه التلبية، يقول الرسول صلى الله
علیه وسلم: (ویلکم قد قد)(٢).
قال ابن كثير (٣): ((أي حسب حسب،
وقال اللّه تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
وهذا هو الشّرك الأعظم أن يعبد المرء
مع الله إلهًا آخر، كما في الصّحيحين
عن ابن مسعودٍ قلت: يا رسول الله، أيّ
الذّنب أعظم؟ قال: (أن تجعل للّه ندًّا وهو
خلقك)(٤))).
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، ٩/ ٢٧٢.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج،
باب التلبية وصفتها ووقتها، ٨٤٣/٢، رقم
١١٨٥، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ٤١٨/٤.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قوله تعالى: (الذي جعل لكم
الأرض فراشًا)، ١٨/٦، رقم ٤٤٧٧، ومسلم
في صحيحه، كتاب الإيمان، باب كون الشرك
أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده، ١/ ٩٠،
www. modoee.com
٥٣

حرف الخاء
ويكون معه توحيد الألوهية؛ حتى ينجو
صاحبه من عذاب الله تعالى، بل هو حجة
على صاحبه؛ إذ كيف يؤمن بتوحيد الربوبية
ويشرك بتوحيد الألوهية! فتوحيد الألوهية
من لوازم توحيد الربوبية، وهذا ما نعاه الله
تعالى على المشركين إذ قال: ﴿أَيُتْرِكُونَ مَا
لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١].
فينبغي على المرء أن يخلص العبادة لله
تعالى وحده. قال ابن القيم: «فما كان له
سبحانه فهو متعلق بألوهیته، وما کان به فهو
متعلق بربوبيته، وما تعلق بألوهيته أشرف
مما تعلق بربوبيته، ولذلك كان توحيد
الألوهية هو المنجى من الشرك دون توحيد
الربوبية بمجرده، فإن عبّاد الأصنام كانوا
مقرّین بأن الله وحده خالق كل شيء وربه
ومليكه، ولكن لما لم يأتوا بتوحيد الألوهية
وهو عبادته وحده لا شريك له لم ينفعهم
توحید ربوبیته»(١).
ثالثًا: تنزيه الله تعالى عن التعب
والنصب في الخلق:
إن القدرة والخلق صفات كمال، وقد
يعتريها النقص بالنسبة للمخلوقين، فعندما
يصنع الإنسان شيئًا ما، فإنه يعتريه التعب
والإعياء، فيكون هذا نقصًا في الكمال.
رقم ٨٦.
(١) عدة الصابرين، ص٤٦.
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
فتوحيد الربوبية وحده لا يكفي إلا أما بالنسبة لله عزّ وجلّ، فإنه قد خلق هذا
الكون العظيم، وما فيه من مخلوقات عظيمة
بما فيها الإنسان الذي يعجز عن إحصائها
وعدّها، وخلقه تعالى للكون كان في مدة
وجيزة جدًّا، وهي ستة أيام، ومع ذلك لم
يصب الله تعالى تعب ولا نصب ولا إعياء.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ
وَاْلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَبَّامٍ وَمَا مَسَّنَا
مِن ◌ُّغُوبٍ ﴾[ق: ٣٨].
فالآية دليل على عظمة الله سبحانه الذي
يقول للشيء: كن فيكون، حيث إن المعنى:
ما تعبنا بالخلق الأول حتى نعجز عن الإعادة
في الخلق الثاني، كما قال تعالى: ﴿أَفَعِينَا
بِالْخَلْقِ اْأَوَّلِّ بَلْ هُمْ فِ لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق:
١٥](٢) .
هذا وقد دلّل الله تعالى على قدرته على
الإعادة بعد الموت بأنه خلق السماوات
والأرض على عظمهما وسعتهما، وإتقان
خلقهما وما فيهما دون أن یکترث بذلك،
ولم يصب الله تعالى بخلقها إعياء ولا
نصب، فكيف يعجز عن إعادة الناس بعد
الموت وهو على كل شيء قدير؟!(٣).
فقال عزّ وجلّ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ
◌ِقَدَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحْفِىَ الْمَوْقَ بَلَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٨/ ١٥٢.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٨٧٣.
٥٤

الخلق
قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣].
كما ردّ عليها في موضع آخر بقوله: ﴿قَالَ
قال الشوكاني: ((الرّؤية هنا هي القلبيّ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٢١].
الّتي بمعنى العلم، والهمزة للإنكار، والواو
للعطف على مقدّرٍ، أي: ألم يتفكّروا ولم
يعلموا أنّ الّذي خلق هذه الأجرام العظام
من السّماوات والأرض ابتداءًا ولم يعي
بخلقهنّ أي: لم یعجز عن ذلك ولا ضعف
عنه))(١).
وإن في الآية ردًا على اليهود الذين زعموا
أن الله سبحانه تعب من الخلق، فاستراح في
اليوم السابع وهو يوم السبت.
رابعًا: يخلق ما يشاء:
تكرر قوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ في
القرآن الكريم في ستة مواضع.
الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ
أَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِ بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ
اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَىَ أَمْرًّا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَّهُ, كُنّ
فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧].
فعندما بشّر الله تعالى مريم عليها السلام
بعيسى عليه الصلاة والسلام، تعجّبت
واستغربت هذا الأمر؛ وذلك لأنها علمت
أنها لن تتزوج أبدًا؛ لأنها كانت محرّرة لله
تعالى، مخلصةً له في العبادة، والولد لا
يأتي إلا بالزواج، فتمت الإجابة على سؤالها
بقوله تعالى: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾
(١) فتح القدير، ٣٢/٥.
والتعبير في هذه الآية عن تکوین سیدنا
عيسى عليه الصلاة والسلام بالفعل (يخلق)؛
لأن الخلق هو إيجادٌ من عدم، ولا يكون هذا
إلا لله تعالى، أما في حق المخلوق فلا يقال:
خلق، بل صنع واکتشف ورگّب وغير ذلك
مما يحمل المعنی نفسه.
الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ
كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ
أَبْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا
إِنْ أَرَادَأَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ
وَأُنَّهُ, وَمَن فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًاُ وَلِلَّهِ
مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَأْ
يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾
[المائدة : ١٧].
فهذه الآية فيها ذم من الله تعالى للنصارى
الذين حادوا عن الطريق المستقيم، فيقسم
الله تعالی أنهم كافرون، و کفرهم متمثل في
تغطيتهم الحق في تركهم نفي الولد عن الله
تعالى، وادعائهم أن المسيح هو الله فریةً
و کذبًاعلیه،فیأمر اللهتعالى نبيهمحمدًا صلى
الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء الجهلة: لو
كان عيسى عليه الصلاة والسلام إلهًا كما
تزعمون لاستطاع أن يردّ أمر الله تعالى إذا
جاءه بإهلاکه، وإهلاك أمه التي هلکت، ولم
يقدر على دفع ما نزل بها، فهذا حجة عليكم
www. modoee.com
٥

حرف الخاء
في أن المسيح عليه الصلاة والسلام هو بشرٌ لهم.
كسائر البشر، وأن الله تعالى هو الذي لا يردّ
له أمر، ولا یغلب، ولا يقهر؛ بل هو الحي
القيوم الذي يحيي ويميت، وهو حيٌّ لا
يموت، كما أن الله تعالى له تصريف ما في
السماوات وما في الأرض وما بينهما، يبقي
من يشاء، ويهلك من يشاء، لا يمنعه من ذلك
مانع، ولا يردّه عن ذلك راد؛ بل ينفّذ فيهم
أمره، ويمضي فيهم قضاءه، وليس المسيح
کما زعموا، فمن کان عاجزًا عن دفع ضر أو
سوء أراده به غيره، فكيف يكون إلها؟!
بل الإله المعبود بحق هو الذي ملك كل
شيء، وبيده تصريف كل ما في السماوات
والأرض وما بينهما(١).
الموضع الثالث: قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ
يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
سُبْحَنَ اَللَّهِ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:
٦٨].
والمعنى: أن الله تعالى يخلق ويختار ما
يشاء، فالله تعالى: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ
يُسْتَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
وذكر المفسرون احتمال الآية للمعاني
الآتية:
یعبدونهم من دون الله تعالی واختاروهم،
والمعنى: الاختیار لله تعالی وحده، ولیس
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٤٦/١٠.
جَوْسُورٌ
القرآن الكريم
الثاني: المراد من الآية: أنه ليس لأحد
من الخلق أن يختار؛ بل الاختيار هو لله
تعالی وحده.
الثالث: إن هذه الآية نزلت جوابًا عن
اليهود حين قالوا: لو الرسول إلى محمد غير
جبريل لآمنّا به(٢).
والآية مكية، ولم يكن اليهود وجدالهم
في الفترة المكية! فالقول الثالث مستبعد!
الموضع الرابع: قوله تعالى: ﴿اَهُ الَّذِى
خَلَقَكُمْ مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ ضَعْفٍ قُوَّةً
ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ يَخْلُقُ مَا
يَشَآءٌ وَهُوَ الْعَلِيمُ اَلْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤].
يخاطب الله تعالى عباده، ويقول لهم:
إن الإله الذي يستحق أن یعبد هو الله تعالی
الذي ابتدأ خلقكم من ضعف، فكان الضعف
أساس خلقكم، أو خلقكم من أصل ضعيف
وهو النطفة، ثم انتقل بكم إلى حال الشباب
وبلوغ الأشدّ، ثم جعل بعد القوة حال
الضعف والشيخوخة.
وقوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءٌ وَهُوَ الْعَلِيمُ
اَلْقَدِيرُ﴾ أي: يخلق ما يشاء من ضعف
وقوة وشباب وشيبة، فهو العليم بأحوالهم،
الأول: أن هذا متصل بذكر الشركاء الذين والقدير على تدبيرهم، والاختلاف في
هذه الأحوال دليلٌ بيّن وواضح على وجود
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٤ / ٢١١.
٥٦

الخلق
الخالق العليم القدير (١).
الموضع الخامس: قوله تعالى: ﴿لَوْآَرَادَ
اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّأَصْطَفَى مِمَا تَخْلُقُ مَا يَشَآءُ
سُبْحَنَةُ هُوَ اَللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَارُ﴾ [الزمر: ٤].
هذه الآية مسوقةٌ لإحقاق حق، وإبطال
باطل، فقد زعم النصارى أن عيسى عليه
الصلاة والسلام هو الله تعالى، كما زعم
المشرکون أن الملائكة بنات الله، تعالی عن
ذلك علوًّا كبيرًا، فبيّن الله تعالى استحالة
اتّخاذ الولد في حقه تعالى، فلو أراد الله
سبحانه أن يتخذ ولدًا لاتّخذ من جملة ما
يخلق ما يشاء، ثم أكّد الله تعالی تنزّهه عن
ذلك، فهو الله المتنزه عما زعموه وافتروا به
علیه کذبًا وبهتانًا، وهو القهار لکل الكائنات
المخلوقة، فكيف يتصوّر أن يتخذ من
الأشياء الفانية ما يقوم مقامه؟! (٢).
الموضع السادس: قوله تعالى: ﴿اللَّهِ
مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِِّ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ
لِمَن يَشَآُ إِنَثًا وَبَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُرَ﴾
[الشورى: ٤٩].
والمعنى: أن الملك الأعظم هو لله
عزّ وجلّ وحده، فله ملك السماوات كلها
على عظمها وارتفاعها وعلوّها، وله ملك
الأرض جميعها على تباينها واتساعها
وتكاثف طبقاتها، فهو تعالى يخلق ما يشاء،
(١) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة، ٣٥٤/٤.
(٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود،
٧/ ٢٤٢.
وإن كان على غير اختيار العباد، واستدل
على مسألة الخلق بما يشاهد من أحوال
الناس في تفضيلهم للأولاد الذكور على
الإناث اللواتي كانوا يعدونهن من البلاء في
الجاهلية، فبيّن الله تعالی أنه یھب لمن يشاء
إناثًا فقط دون أن یکون بینھن ذکر، کما یھب
لمن يشاء الذكور فقط دون أن يكون بينهم
أنثى، أو لا يهب أيّ الصنفين لأحد فيجعله
عقيمًا لا يولد له. وبهذه الأصناف الأربعة
تمت الدلالة على أن الله تعالى هو القادر
على كل شيء(٣).
وبعد استعراض هذه المواضع الستة،
يتبيّن أن الخلق من صفات الربوبية لله عزّ
وجلّ، وهي صفة كمال، فالله سبحانه إذا
أراد شيئًا كان ولا رادٌ له، وما لم يشأ لم
یکن ولا مكوّن له، ولا مانع لما أعطی، ولا
معطي لما منع. ويلاحظ من ذلك أيضًا أن
مفعول المشيئة محذوف في كل المواضع،
ويقدر حسب السیاق الذي ورد فيه.
خامسًا: يخلق ما لا يعلمون:
إن الله تعالى كما كانت له القدرة التامة
على خلق ما يشاء، فكذلك له القدرة على
خلق ما لا يعلمه الناس.
يقول الله تعالى فى هذا:
وَأَلْخَيَّلَ
وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا
(٣) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ٣٥٣/١٧.
www. modoee.com
٥٧

حرف الخاء
لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: ٨].
فبعد أن عدّد الله تعالى مجموعة من
النعم التي أنعمها على عباده من خلق
السماوات والأرض، وخلق الإنسان، وخلق
الأنعام، وعدّد ما فيها من منافع ومصالح
للناس، ففيها دفء من ناحية اتخاذ أصوافها
وأوبارها وأشعارها وجلودها من الثياب
والفرش والبيوت، کما تنتفعون بها بالأكل،
ولكم فيها جمال تتجمّلون به في وقت
راحتها وسكونها، ووقت حركتها وسرحها،
کما ذلّلها لکم بر کوبها فتحملکم إلی البلد
الذي تقصدونه، وتحمل أحمالكم الثقيلة
إلى البلاد البعيدة، فسبحانه هو الذي سخّر
لكم ما تحتاجونه، فله الحمد على ذلك،
ثم خصّ الخيل والبغال والحمير بالذكر
لاستخدامها في الركوب تارة، ولأجل
الجمال والزينة تارة أخرى.
ثم قال: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، أي:
(مما يكون بعد نزول القرآن من الأشياء،
التي يركبها الخلق في البر والبحر والجو،
ويستعملونها في منافعهم ومصالحهم، فإنه
لم یذکرها بأعیانها؛ لأن الله تعالی لا یذکر
في كتابه إلا ما يعرفه العباد، أو يعرفون
نظيره، وأما ما ليس له نظير في زمانهم فإنه
لو ذكر لم يعرفوه ولم يفهموا المراد منه،
فیذکر أصلا جامعًا يدخل فيه ما يعلمون وما
لا یعلمون»(١).
ويقول في موضع آخر: ﴿ سُبْحَنَ الَّذِى
خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ
أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَايَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦].
ويذكر النخجواني في تفسيرها:
((﴿ سُبْحَنَ أَلَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا﴾
وقدّر الأصناف المتوالدة المتزايدة برمتها
﴿مِمَّا تُنْبِتُ اَلْأَرْضُ﴾ من الشجر والنبات
بأجناسهما وأنواعهما وأصنافهما، ﴿وَمِنْ
أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ذكورهم وإناثهم أنواعًا
وأصنافًا وأشخاصًا، وكذا من جميع ما
يعلمون من أجناس الحيوانات وأنواعها
وأصنافها، وممّا لا يعلمون أيضًا من
المخلوقات التي لا اطلاع لهم عليها؛ إذ ما
من مخلوق إلا وقد خلق شفعًا، إذ الفردية
والوترية والصمدية لواجب الوجود،
والقيومية المطلقة من أخص أوصاف
الربوبية والألوهية لا شركة فيها للمصنوع
المربوب أصلًا))(٢).
وهكذا فإن الله عزّ وجلّ يخلق ما يشاء
مما نعلم ومما لا نعلم، فهناك مخلوقات
عديدة لله تعالى يقصر العقل البشري عن
علمها وتعدادها وحصرها، ومهما بلغ هذا
العقل من التقدم والرقي إلا أنه یبقی عاجزًا
عن علم جميع مخلوقات الله تعالى التي
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٤٣٦.
(٢) الفواتح الإلهية ٢/ ٢٠٢.
٥٨
جَوَسُوع
القرآن الكريم

الخلق
خلقها أول الخلق، والتي يخلقها إلى قيام
الساعة.
سادسًا: الحكمة من اقتران الخلق
بالحق:
ورد ذكر الحق مرتبطًا بخلق السماوات
والأرض في اثنتي عشرة آية، وجميع السور
الواردة فيها تلك الآيات مكية، كما وردت
آية مكية تثبت أن خلق السماوات والأرض
لم يكن باطلًا، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا
السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ خَنُّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧].
فمعنى هذه الآية كما ((قال ابن عبّاسٍ:
لا لثوابٍ ولا لعقاب. ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾
يعني أهل مكة هم الذين ظنوا أنهما خلقا
لغير شيءٍ، وأنّه لا بعث ولا حساب، ﴿فَوَيْلُ
لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ﴾))(١).
وهذا يدلل على أن خلق السماوات
والأرض بالحق في مفهومها الواضح العام
تعالى:
ناسبت العهد المكي؛ لتناسبه مع الملامح
العامة له، ويمكن التمثيل على ذلك بقوله
﴿وَهُوَ أَلَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ
قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِّ
عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ وَهُوَ لَلَكِيمُ
الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣].
(١) معالم التنزيل، البغوي، ٤ /٦٦.
فيكون معنى الآية: ((وهو الذي خلق
السماوات والأرض بقوله: (كن) المقترنة
بالقدرة التي بها يقع إيجاد المخلوق بعد
عدمه، فعبّر عن ذلك بالحقّ))(٢)، حيث إن
أعظم ملامح العهد المكي في آياته القرآنية
هو إثبات البعث والخلود، وبالتالي فإن خلق
السماوات والأرض يثبت عمليًّا لأصحاب
العقول أن الذي خلقهما حال كونها بالحق
الراسخ قادرٌ على إحياء الخلق بعد مماتهم،
ومن ثم مجازاتهم، وقد ورد الخلق مقترنًا
بالحق في معرض الحديث عن تنزيه الله
تعالى عن الشريك، ومن ثم إنكار البعث،
كما في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
[النحل: ٣].
فمعنى هذه الآية أن الله تعالى خلق
السماوات والأرض، وهما إلى زوال
وفناء، ولكن خلقهما بالحق؛ للدلالة على
قدرته عزّ وجلّ، وأنه من حقه على عباده أن
يطيعوه، ومن الحق الذي له أنه يحيي الخلق
بعد الموت، فهو الخالق تنزّه عما يشركون
من الأصنام، التي لا تقدر على خلق أي
شيء(٣).
وقد وردت آيتان مكيتان تثبتان أن الله
تعالى لم يخلق السماوات والأرض عن
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية، ٣٠٩/٢.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٦٨/١٠.
www. modoee.com
٥٩

حرف الخاء
لعب، ولا تعب من خلقهما، فالآية الأولى هو تلك السمات العقدية التي ذكرت، وقد
وردت آيةٌ مدنيةٌ تثبت أن خلق السماوات
هي قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءُ وَالْأَزْضَ
وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦].
والأرض لم یکن باطلا، ولكن السياق يدلل
أي: لم يخلق السماوات والأرض وما هذا الرّسوخ الإيماني الذي تمتع به أولو
بینهما (إلا حجة علیکم أيها الناس، ولتعتبروا
بذلك کله، فتعلموا أن الذي دبره وخلقه لا
يشبهه شيء، وأنه لا تکون الألوهية إلا له،
ولا تصلح العبادة لشيء غيره، ولم يخلق
ذلك عبثًا ولعبًا))(١).
الألباب أصحاب العقول النّرة، جعلهم
يقرّون بهذه الحقيقة الإيمانية، بأن الله
رب كل شيء ما خلق السماوات والأرض
باطلًا، فإن ذلك سيصير بإذن الله تعالى
إلى الميعاد، وربّنا سبحانه هو المنزّه عن
أي نقص، ثم يدعو هؤلاء المتفكرون في
خلقهما بأن ينجوا من عذاب النار، مع كامل
الخضوع والتذلل والانكسار والتفويض
لأمر الله تعالى(٣)، والآية هي قوله تعالى:
﴿أَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى
أي: ما مسّ الخالق وما أصابه إعياء؛ لأن
الذي يستريح هو المريض المرهق، وتعالى
الله عزّ وجلّ عن ذلك علوًّا كبيرًا (٢).
جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ
وَاْلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا
عَذَابَالنَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١].
وأما الآية الثانية فهي قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا
بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ ﴾
[ق: ٣٨].
وهذه الآية دليل واضح على قدرته
تعالى على كل شيء، وأنه لا يعجزه شيء
في الأرض ولا في السماء، وبالتالي ليس
غريبًا أن يكون البعث الذي يجازى فيه
الخلق جميعًا.
وليس معنى ما ذكر في الآيات المكية من
مدلولات وحكمٍ وأحكام أن الآيات المدنية
خلت من ذلك، ولكن ذلك يعني أن ما تمتاز
به الآيات المكية المذكورة، وما لم تذكر
(١) جامع البيان، الطبري، ٤١٩/١٨.
(٢) انظر: تفسير السمر قندي، ٣٣٩/٣.
(٣) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين،
٣٤١/١.
جَوْسُورَة التَّقْتَ
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٦٠