النص المفهرس
صفحات 21-33
الخشية
من النفاق، ﴿وَقَالُواْ لَا تَنْفِرُواْ فِى الْحَرِّ﴾ أي: قال
المنافقون لإخوانهم هذه المقالة تثبيطًا لهم،
وكسرًا لنشاطهم: وتواصيًا بينهم بالمخالفة
لأمر الله ورسوله، ثم أمر الله رسوله صلى
الله عليه وسلم أن يقول لهم: ﴿نَارُ جَهَنَّمَ
أَشَدُّحَرَّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾
قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌُّ
يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَوَ أَنْ تُصِيبَنَا دَآَبِرَةٌ
فَسَى اللّهُ أَن يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ
عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ ﴾
[المائدة: ٥٢].
((قال المفسرون: نزلت في المنافقين،
ثم لهم في ذلك قولان: أحدهما: أن
اليهود والنصارى كانوا يميرون المنافقين
ويقرضونهم فيوادونهم، فلما نزلت:
ولا
نَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَّةٍ﴾ قال المنافقون:
كيف نقطع مودة قوم إن أصابتنا سنة وسعوا
علينا، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن
ابن عباس. وممن قال: نزلت في المنافقين،
ولم يعين: مجاهد، وقتادة))(٢).
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤٤١/٢.
(٢) زاد المسير، ابن الجوزي ١ / ٥٥٨.
الموصوفون بالخشية في القرآن
ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز
أصناف الذين يخشونه وأوصافهم، منهم:
الملائكة والأنبياء والعلماء والصالحون،
حتى الجمادات تخشى الله عز وجل، فكل
شيء يسبح بحمد الله عز وجل، کما ذکر بعد
ذلك الذين لا يخشون الله، وهم: المنافقون
والمشركون والكفار.
أولًا: الملائكة:
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا
سُبْحَنَهُ، بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ) لَا
يَسْبِقُونَهُ، بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا
٢٧
يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ،
مُشْفِقُونَ(٢٨)﴾ [الأنبياء: ٢٦-٢٨].
﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ قال ابن
عباس: يريد من الملائكة، ﴿وَهُم مِّنْ
خَشْيَتِهِ،﴾ أي: من خشيتهم منه ﴿مُشْفِقُونَ﴾
خائفون لا يأمنون مكره(٣). والمراد بالولد:
﴿بَلَ عِبَادٌ
الملائكة، و کذلك المراد بقوله:
مُكْرَمُونَ﴾، والمعنى: بل عباد أكرمهم
الله واصطفاهم، ﴿وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ ﴾ أي:
من خشيتهم منه، فأضيف المصدر إلى
المفعول، ﴿مُشْفِقُونَ﴾ أي: خائفون(٤).
(٣) انظر: الوسيط، الواحدي ٣/ ٢٣٥.
(٤) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٣ / ١٨٨.
www. modoee.com
٢٧
حرف الخاء
ثانيًا: الرسل والأنبياء:
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُلِّفُونَ رِسَلَتِ
اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ, وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهُ وَكَفَى بِاللَّهِ
حَسِيبًا (٢٦)
﴾ [الأحزاب: ٣٩].
لقد وصف الله عز وجل الأنبياء بأنهم
لا يخشون إلا الله (١). ((فقال: إنّ ﴿اَلَّذِينَ
يُعَلِّفُونَ رِسَلَتِ اَللَّهِ﴾ كانوا أيضًا رسلاً
مثلك، ثم ذكر حالهم بأنهم جرّبوا الخشية
ووجدوها، فيخشون الله ولا يخشون أحدًا
سواه))(٢). ((ونبينا صلى الله عليه وسلم من
جملتهم ومن أشرفهم، ﴿وَكَفَ ◌ِاللَّهِ حَسِيبًا﴾
للمخاوف، أو: محاسبًا، فينبغي ألا يخشى
إلا منه تعالى))(٣).
ثالثًا: العلماء:
قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالذَّوَآبِ
وَالْأَنْعَمِ مُخْتَلِفُّ أَلْوَنُهُ، كَذَلِكَُّ إِنَّمَا يَخْشَى اللّهَ
مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْا إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ ﴾
[فاطر: ٢٨].
عز وجل.
وقال مسروق: كفى بخشية الله علمًا
و کفی بالاغترار جھلًا، فمن كان أعلم بالله
كان أخشاهم له.
قال الربيع بن أنس: من لم يخش الله
(١) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٣٤/٣.
(٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٥/ ٥٥٧.
(٣) البحر المديد، ابن عجيبة ٤ / ٤٣٨.
فليس بعالم)) (٤).
«قيل: عظموه و قدروا قدره و خشوه حق
خشیته ومن ازداد به علما ازداد به خشية» (٥).
وقال ابن عباس: العلماء بالله الذين
يخافونه.
وعن ابن مسعود قال: ليس العلم من
كثرة الحديث، لكن العلم من الخشية.
وعن حذيفة: بحسب المؤمن من العلم
أن يخشى الله (٦).
قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيهَا هُدًى
وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ
هَادُواْ وَالرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ
مِنْ كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاءً فَلَا
تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ
◌ِشَايَِّيِ ثَّمَنَّا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ ﴾ [المائدة: ٤٤].
((وأما أهل العلم فكما أنهم مطالبون
بالقيام بما عليهم، فإنهم مطالبون أن يعلموا
الناس وينبهوهم على ما يحتاجون إليه من
((قال مجاهد: إنما العالم من خشي الله أمور دينهم، خصوصًا الأمور الأصولية
والتي یکثر وقوعها وأن لا يخشوا الناس بل
يخشون ربهم»(٧).
((قال ابن زيد: الربانيون: الولاة،
والأحبار: العلماء. وقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوُا
(٤) فتح القدير، الشوكاني ٣٩٩/٤.
(٥) لباب التأويل، الخازن ٣ / ٤٥٦.
(٦) انظر: فتح البيان، القنوجي ٢٤٥/١١.
(٧) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٣٢.
٢٨
جوسى
القرآن الكريم
الخشية
النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ ﴾ هذا خطاب للربانيين
والأحبار، أمرهم ألا يخشوا الناس في
تنفيذ حکمه وإمضائه على ما في كتابه، وأن
يخشوه في ذلك، قاله السدي وغيره))(١).
رابعًا: الصالحون:
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ يِة
أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَّهُمْ وَتَخَافُونَ سُوْءَ الْحِسَابِ
[الرعد: ٢١].
((إن أولي الألباب هم الذين يخافون
ربّهم فيما يأتون، وفيما يتركون من أعمال،
ويراقبون الله في السر والعلن، يخلصون
النّية والقصد لوجه الله، ويحذرون من شدّة
العذاب، وسوء الحساب في الآخرة؛ لأن
عاقبة ذلك وخيمة، وهي الزّج في نيران
جهنم)(٢) . والعياذ بالله.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ
اُلْفُرْقَانَ وَضِيَآءَ وَذِكْرًا لِلْمُنَّقِينَ (٨) الَّذِينَ
يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ
مُشْفِقُونَ ﴾ [الأنبياء: ٤٨-٤٩].
((أما أوصاف المتقين فهي واحدة قديمًا
وحديثًا، ذكر تعالى منها هنا وصفين: خشية
الله تعالی في السر وفي العلن، والخوف من
يوم القيامة وأهوالها، وما يجري فيها من
(١) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب
٣ / ٠١٧٣٠
(٢) التفسير الوسيط، وهبة الزحيلي ٢/ ١١٦٢.
الحساب والسؤال قبل التوبة)»(٣).
الصفة الأولى للمتقين: يخشون الله في
حال الغيب والخلوة، حيث لا يطلع عليهم
أحد، ويخافون عذاب ربهم، وخشية الله في
السر كخشيته في العلن من أصول الإيمان
وثوابته، والصفة الثانية للمتقين: الخوف
الشديد من الساعة، أي: القيامة، والإشفاق
على النفس من أهوالها، وسائر ما يحدث
فيها من الحساب والسؤال، والإشفاق: أشد
الخشية (٤)
خامسًا: الجمادات:
قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ
فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا
يَنَفَجُِّ مِنْهُ الْأَنْهَدُّ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَفَّقُ فَيَخْرُجُ
مِنْهُ الْمَلَهُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللَّهِ وَمَا
اللّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(
﴾ [البقرة: ٧٤].
VE
القساوة عبارة عن الغلظ مع الصلابة،
كما في الحجر، وأن الحجارة تتأثر وتنفعل؛
فإن منها ما يتشقق فينبع منه الماء، وتنفجر
منه الأنهار، ومنها ما يتردى من أعلى الجبل
انقيادًا لما أراد الله تعالى به، وقلوب هؤلاء
لا تتأثر ولا تنفعل عن أمره تعالى، والتفجر
التّفتح بسعة وكثرة، والخشية مجاز عن
الانقياد(٥).
(٣) التفسير المنير، وهبة الزحيلي ١٧ / ٧١.
(٤) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي ١٥٨٨/٢.
(٥) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ٨٨.
www. modoee.com
٢٩
حرف الخاء
((وقيل: المراد به حقيقة الخشية على
معنى أنه يخلق فيها الحياة والتمييز، وليس
شرط خلق الحياة والتمييز في الجسم
أن يكون على بنية مخصوصة عند أهل
السنة)»(١).
وقال الخازن: ((﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ
خَشِيَةِ اللَّهِ﴾ أي: ينزل من أعلى الجبل إلى
أسفله، وخشيتها عبارة عن انقيادها لأمر
الله، وأنها لا تمتنع عما يريد منها، وقلوبكم
یا معشر اليهود لا تلين ولا تخشع. فإن
قلت: الحجر جماد لا يعقل ولا يفهم فكيف
يخشى؟ قلت: إن الله تعالى قادر على إفهام
الحجر والجمادات فتعقل وتخشى بإلهامه
لها، ومذهب أهل السنة إن الله تعالى أودع
في الجمادات والحيوانات، علمًا وحكمة
لا يقف عليهما غيره فلها صلاة وتسبيح
وخشية يدل عليه قوله: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا
يُسَبِّحُ بِهِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].
وقال تعالى: ﴿وَأَلَّيْرُ صَفَّتٍ كُلُّ قَدْ عَلِمَ
صَلَنَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١].
فيجب على المرء الإيمان به، ويكل
علمه إلى الله تعالى))(٢).
قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ
أَرَأَيْتَهُ، خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ
اْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ
(١) مدارك التنزيل، النسفي، ١/ ١٠٢.
(٢) لباب التأويل، الخازن ٥٥/١.
٢)﴾ [الحشر: ٢١].
((من شأن القرآن وعظمته أنه لو جعل في
الجبل تمييز، وأنزل عليه القرآن، لخشع،
أي: لخضع وتطأطأً وتصدع، أي: تشقق من
خشية الله))(٣).
((ولو كان المخاطب بالقرآن جبلًا، وكان
الجبل يفهم الخطاب لتأثر بخطاب القرآن
تأثرًا ناشئًا من خشية لله خشية تؤثرها فيه
معاني القرآن» (٤).
و («للقرآن عظمته البالغة ومواعظه
المؤثرة، فلو أنزلنا هذا القرآن على جبل
من الجبال، لرأيته مع كونه بالغ الصلابة،
في غاية الخشوع والخضوع والانقياد لأمر
الله، يكاد يتشقق من خوف الله وخشية
عذابه)»(٥).
وقد جعل الله عز وجل القرآن مرشدًا
عظيمًا وإمامًا هاديًا، يجب أن تخشع لهييته
القلوب، وتتصدع لدى سماع عظاته الأفئدة؛
لما فيه من وعد ووعيد، وبشارة وإنذار،
وحِكَم وأحكام، فلو كان للجبل عقلٌ، وفهم
القرآن وتدبر ما فیه لخشع وتصدع من خوف
الله عز وجل، فكيف بكم أيها البشر لا تلين
قلوبكم، ولا تخشع وتتصدع من خشيته؟
وقد فهمتم عن الله أمره، وتدبرتم كتابه(٦).
(٣) مدارك التنزيل، النسفي، ٣ / ٤٦٣.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨/ ١١٦.
(٥) التفسير الوسيط، وهبة الزحيلي ٢٦٣١/٣.
(٦) انظر: تفسير المراغي ٢٨/ ٥٧.
٣٠
جَوَسُولُ النَّفِيَة
القرآن الكريمِ
الخشية
آثار الخشية
للخشية المحمودة آثار كثيرة، منها:
الانتفاع بالدعوة، البعد عن الغفلة، حيث
نجد المسلم الحق يستغل كل دقيقة في
طاعة الله ويحرص على عدم إضاعة وقته
دون الانتفاع به، تاليًا لكتاب الله تعالى،
منتفعًا بآياته مطبقًا لها، يحل حلاله ويحرم
حرامه، واصلًا لرحمه، مبادرًا للجهاد، باذلاً
نفسه وماله في سبيل الله، ويقوم بالدعوة
إلى الحق لا يخشى في الله لومة لائم،
بينما الخشية المذمومة من آثارها: موالاة
الأعداء، والإمساك عن الإنفاق، والفرار من
الزحف، وقتل الذرية، والحكم بغير الحق.
آثار الخشية الممدوحة:
١. الانتفاع بالدعوة.
: مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ
قال تعالى:
الْقُرْءَانَ لِتَشْقَ لْ إِلَّا نَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى
﴾ [طه: ١ - ٣].
٣
﴿إِلَّا نَذْكِرَةُ لِّمَنْ يَخْشَى﴾ أي: أنزلنا عظة
لمن يخشى، وخص من يخشى بالتذكرة؛
لأنهم هم المنتفعون بها (١). «وفيه وجهان:
أحدهما: إلا إنذارًا لمن يخشى الله. والثاني:
إلا زجرًا لمن يتقي الذنوب»(٢).
قال تعالى: ﴿فَذَّكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىِ
(١) لباب التأويل، الخازن ٣/ ٢٠٠.
(٢) النكت والعيون، الماوردي ٣٩٣/٣.
سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ﴾ [الأعلى: ٩-١٠].
((﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى﴾ يعني: يتعظ بالقرآن
من يخشى الله تعالى ويسلم، ويقال: معناه
سيتعظ ويؤمن ويعمل صالحًا من يخشى
قلبه من عذاب الله تعالى))(٣). وايخشى
الله، وقد يتذكر من يرجوه، إلا أن تذكرة
الخاشي أبلغ من تذكرة الراجي)» (٤).
٢. خشية الله وحده في تبليغ الحق.
فهؤلاء يقولون الحق، ولا تمنعهم سطوة
أحد عن تبليغ أمر الله، وكفى بالله ناصرًا
ومعینًا.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّفُونَ رِسَلَتِ
اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ، وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى ◌ِاللَّهِ
حَسِيبًا ﴾ [الأحزاب: ٣٩].
تحول خشيتهم من الله بينهم وبين
المعصية، لا يخشون قالة الناس ولائمتهم
فيما أحل الله لهم(٥). وقد وصف الأنبياء
بأنهم لا يخشون إلا الله.
كما «أثنى الله على الأنبياء بقوله:
﴿الَّذِينَ يُلْغُونَ رِسَلَتِ اللَّهِ﴾ يعني:
فرائض الله وسننه وأوامره ونواهيه إلى من
أرسلوا إليهم ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ يعني: يخافونه
﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللّهَ﴾ يعني: لا يخافون
قالة الناس ولائمتهم فيما أحل الله لهم
(٣) تفسير السمر قندي ٣/ ٥٧١.
(٤) النكت والعيون، الماوردي ٦/ ٢٥٤.
(٥) انظر: الوسيط، الواحدي ٤٧٤/٣.
www. modoee.com
٣١
حرف الخاء
وفرض عليهم ﴿وَكَفَ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي:
حافظًا لأعمال خلقه ومحاسبهم))(١).
٣. المبادرة إلى الطاعات.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِهِم
◌ُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِثَايَتِ رَبِهِمْ يُؤْمِنُونَ
وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٦) وَالَّذِينَ
٥٨
يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ
أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخََّتِ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ
٦٠
[المؤمنون: ٥٧ -٦١].
٦١
(يرغبون في الطاعات فيبادرونها))(٢).
﴿أُوْلَئِكَ يُرِعُونَ فِ الْخَلََّتِ﴾ فيه معنيان:
أحدهما: أنهم يبادرون إلى فعل الطاعات،
والآخر: أنهم يتعجلون ثواب الخيرات(٣).
إنّ المؤمنين بما هم عليه من خشية
الله خائفون من عقابه، يعملون ما عملوا
من أعمال البر، قال الحسن: عملوا والله
بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد
علیھم(٤).
((وهم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم
الصالح، مشفقون من الله خائفون منه،
وجلون من مکره بهم»(٥).
(١) لباب التأويل، الخازن ٢٤٩/٣.
(٢) مدارك التنزيل، النسفي ٢/ ٤٧٣.
(٣) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢/ ٥٣.
(٤) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢٧٣/٣.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٤٨٠.
٤. التأثر بالقرآن.
قال الله تعالى: ﴿اَللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ
كِتَبًا مُتَشَبِهَا مَثَانِىَ نَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ
يَخْشَوْنَ رَتَهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ
إِلَى ذِكْرِ اللَّهَ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يهدِی پِهِ، مَن
يَشَلَةُ وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَمَا لَهُ، مِنْ هَادٍ
[الزمر: ٢٣].
(هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله بأن
تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن
قلوبهم إلى ذكر الله))(٦).
((والمستحب من التالي للقرآن أن يتأثر
قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات،
فيكون له بحسب كل فهم حال يتصف به
قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغير
ذلك، ومهما تمت معرفته كانت الخشية
أغلب الأحوال على قلبه)»(٧).
و« هذا نعت أولياء الله نعتهم الله تعالی،
قال: تقشعر جلودهم وتبکي أعينهم وتطمئن
قلوبهم إلى ذكر الله تعالى))(٨).
والمعني أنهم إذا سمعوا القرآن وقوارع
آيات وعيده أصابتهم هيبة وخشية تقشعر
منها جلودهم وإذا ذكروا رحمة الله تعالى
تبدلت خشیتهم رجاء ورهبتهم رغبة، ثم
تصبح ساكنة مطمئنة إلى ذكر رحمته (٩).
(٦) المصدر السابق، ٧ / ٩٥.
(٧) الجواهر الحسان، الثعالبي ٥/ ٨٩.
(٨) الدر المنثور، السيوطي ٢٢١/٧.
(٩) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
مَسُوعَةُ الـ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٣٢
الخشية
٥. المبادرة إلى الجهاد.
إذا وجدت أسباب القتال فلا خوف
ولا خشية من العدو؛ لأن الخشية لا تكون
إلا من الله وحده، ولكن ضعاف الإيمان
يخشون الناس.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ
النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا
وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَيِعْمَ الْوَكِيلُ ()﴾ [آل
عمران: ١٧٣].
يقول الحق جل جلاله: الذين قال لهم
الناس وهم رکب عبد قيس حيث قالوا
للمسلمين: إن الناس، يعني: أبا سفيان ومن
معه، قد جمعوا لكم ليرجعوا ليستأصلوكم
فاخشوهم، وارجعوا إلى دياركم؛ فزادهم
ذلك إيمانًا ويقينًا وتثبيتًا في الدين، ولما
قال لهم الركب ذلك ليخوفهم، قالوا:
حسبنا الله، أي: كافينا الله وحده، فلا
نخاف غيره، ونعم الوكيل، أي: نعم من
یتوكل عليه العبد، وهي كلمة يدفع بها ما
يخاف ویکره، فانقلبوا راجعين من حمراء
الأسد، متلبسين بنعمة من الله وهي العافية
والسلامة، وفضل، وهي: زيادة الإيمان
وشدة الإیقان، لم يمسسهم سوء من جراحة
وکید عدو، واتبعوا رضوان الله، الذي هو
مناط الفوز بخير الدارين، والله ذو فضل
عظيم؛ فقد تفضل عليهم بالتثبيت وزيادة
الإيمان، والتوفيق إلى المبادرة إلى الجهاد
مع الرسول صلی الله عليه وسلم، الذي هو
موجب الرضوان (١).
((لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم
من أحد إلى المدينة، وسمع أن أبا سفيان
ومن معه من المشركين قد هموا بالرجوع
إلى المدينة، ندب أصحابه إلى الخروج،
فخرجوا، على ما بهم من الجراح، استجابة
لله ولرسوله، وطاعة لله ولرسوله، فوصلوا
إلى حمراء الأسد، وجاءهم من جاءهم
وقال لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾
وهموا باستئصالكم؛ تخويفًا لهم وترهيبًا،
فلم يزدهم ذلك إلا إيمانا بالله واتكالًا عليه،
﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ﴾ أي: کافینا كل ما أهمنا
﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ المفوض إليه تدبير
عباده، والقائم بمصالحهم»(٢).
قال تعالى: ﴿أَلَّا تُقَيِّلُونَ قَوْمًا
نَّكَنُواْ أَيْمَنَهُمْ وَمَنُّواْ بِإِخْرَاجِ
الرَّسُولِ وَهُمٍ بَدَهُوَكُمْ أَوَّكَ
مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمَّ فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُرُ
مُؤْمِنِينَ ﴾ [التوبة: ١٣].
حرضهم الله تعالى أبلغ تحريض، فقال:
﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أي: أيمنعكم من قتالهم
أنكم تخشونهم؟ أي: تخافونهم فزعين من
قتالهم. والله أحق أن تخافوه وتفزعوا من
(١) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٤٣٨/١،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦٩/٤.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٥٧.
٢٥١/٧.
www. modoee.com
٣٣
حرف الخاء
غضبه، فإن المؤمن لا يخشى إلا الله، ولا يخشون ربهم بالغيب، وهم الذين يؤمنون
يبتغي في أموره كلها إلا رضا الله والخوف بالغيب))(٣).
من غضبه وعذابه(١).
٦. البعد عن الفواحش.
الخشية هي التي تحول بين الإنسان وبين
معصية الله، ونجد صاحبها دائم الدعاء:
اللهم ارزقنا من خشيتك ما يجنبنا معصيتك.
قال تعالى: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىّ
وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ
كَانَ ذَا قُرْبَةُ إِنَّمَا نُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ نَّهُم
◌ِالْغَيْبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَمَن تَزَّكَّ فَإِنَّمَا يَتَزََّّى
لِنَفْسِهِّ، وَ إِلَى اَللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾ [فاطر: ١٨].
((إنما تنذريا رسولنا ويقبل إنذارك وينتفع
به من يخشون ربهم ويخافون عذابه بالغيب
وأقاموا الصلاة، أما غيرهم من أهل الكفر
والعناد والجحود فإنهم لا يقبلون إنذارك
ولا ينتفعون به لظلمة جهلهم وكفرهم
وقساوة قلوبهم، ومع هذا فأنذر ولا عليك
في ذلك شيء، فإن من تزكى بالإيمان
والعمل الصالح مع ترك الشرك والمعاصي
فإنما يتزكى لنفسه لا لك ولا لنا، ومن أبىٍ
فعليه إباؤه، وإلينا مصير الكل وسنجزي كلّا
بما کسب من خیر وشر»(٢).
((إنما يهتدي بك ويسمع لك الذين
(١) انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة
٣٢٤٦/٦.
(٢) أيسر التفاسير، الجزائري ٣٤٨/٤.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ
لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [الملك: ١٢].
أي: يخافونه وهم لا يرونه، وكذا وهم
في غيبة عن الناس فيطيعونه ولا يعصونه،
هؤلاء لهم مغفرة لما فرط من ذنوبهم وأجر
كبير عند ربهم، أي: الجنة))(٤).
إن الذين يخشون ربهم فيخافون عذابه،
ویعبدونه کأنهم يرونه، مع أنهم لا يرونه
بأعينهم، وهذه الصفات تدل على قوة
الإيمان، وعلى طهارة القلب، وصفاء
النفس(٥).
٧. الفوز في الدنيا والآخرة.
الفوز برضا الله سبحانه وتعالى ومحبته،
والفوز بالجنة ثمرة من ثمار الخشية.
يقول تعالى: ﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ غَيْرَ
ج ◌َهَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ
٣٢
بَعِيدٍ
مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَآءَ يِقَلْبٍ مُّنِيبٍ
٣٣
أَدْ خُلُوهَا بِسَلَمٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ٦ لَمُ مَّا يَشَآءُ ونَ
فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ [ق:٣١-٣٥].
هذا هو الثواب الذي وعدتم به على
ألسنة الرسل، لكل من خشي وخاف عقاب
ربه، مخلص مقبل على طاعة الله، وهذا
(٣) التفسير الواضح، الحجازي ٣/ ١٦٢.
(٤) أيسر التفاسير، الجزائري ٣٩٨/٥.
(٥) انظر: الوسيط، طنطاوي ١٥ / ١٧.
٣٤
جوية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الخشية
الثواب هو الجنة للمتقين التائبين من ذنوبهم
ويلقون الله بقلوب منيبة إليه، خاضعة له(١).
قال أبو السعود: إشارة إلى أنهم مع
خشيتهم عقابه راجون رحمته تعالى،
ووصف القلب بالإنابة لما أن العبرة برجوعه
إلى الله تعالى، ثم يقال لهم: ادخلوها
ملتبسين بسلامة من العذاب وزوال النعم،
أو بسلام من جهة الله تعالى وملائكته(٢).
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَِّحَتِ أُوْلَكَ هُمْ خَبُ الْبَرِيَّةِ ( جَزَاؤُهُمْ
عِندَ رَبِهِمْ جَثَّتُ عَدْنٍ تَّجْرِىٍ مِن ◌َِّهَا الْأَنْهُرُ خَالِدِينَ
فِيهَا أَبَدًا رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ
ربه﴾ [البينة: ٧-٨].
((فإن الخشية التي هي من خصائص
العلماء بشؤون الله عز وجل مناط لجميع
الكمالات العلمية والعملية المستتبعة
للسعادة الدينية والدنيوية))(٣).
فنجد أن رضا الله عن العبد یکون مقرونًا
بهذه الخشية، التي تكون سببًا في التوفيق
في الدنيا والآخرة والنصر على الأعداء،
والنجاة من النار، والفوز برضا الله والجنة.
ثانيًا: آثار الخشية المذمومة:
١. موالاة الأعداء.
قال تعالى: ﴿﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ
(١) انظر: تفسير المراغي ٢٦ / ١٦٧.
(٢) انظر: إرشاد العقل السليم ١٣٣/٨.
(٣) المصدر السابق، ٩ / ١٨٧.
اَلُْهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَاءُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ وَمَن يَتَوَلَّم
مِّنَكُمْ فَإِنَُّ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الَِّلِينَ
فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ
٥١
فِهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَفَ أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ
بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُواْ فِىّ
أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ ﴾ [المائدة: ٥١-٥٢].
ينهى تعالى عباده المؤمنين عن موالاة
اليهود والنصارى، الذين هم أعداء الإسلام
وأهله، لأنهم إذا اتخذوهم أولياء في النصر
والمعونة صاروا أمثالهم، فهم إذا نصروا
الكفار على المسلمين وأعانوهم فقد کفروا،
ومضمون الآيات أن الله تعالی ینھی عباده
المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى الذين
هم أعداء الإسلام وأهله.
ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد
وتوعد من یوالیهم. ومن ینصرهم أو یعینھم
أو يستنصر بهم، فإنه في الحقيقة منهم، أي:
من جملتهم، وليس من صف المؤمنين
الصادقين.
وهذا تغليظ من الله وتشديد على
المنافقين، الذين يتصادقون مع اليهود
والنصارى المخالفين في الدين؛ لأن
موالاتهم تستدعي الرضا بدینهم، وأن من
يوالي هؤلاء في شؤون الدين وقضاياه
ومقتضيات الدعوة ونشاطها، فینصرهم أو
يستنصرهم بهم، فهو ظالم لنفسه بوضعه
الولاية في غير موضعها، والله لا یهدیه إلى
www. modoee.com
٣٥
حرف الخاء
خير أو حق بسبب موالاة الكفر.
وسبب موالاة هؤلاء المنافقين لأعداء
قال تعالى: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍّ
الإسلام: أنهم يتأولون في مودتهم أنهم إلى ◌َّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَنْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا
خير أو حق بسبب موالاة الكفر، وذلك لأنهم كبيرًا ﴾ [الإسراء: ٣١].
يخشون انتصار الكافرين على المسلمين،
فتکون لهم أيادٍ عند اليهود والنصارى،
فينفعهم ذلك. وهذا شأن المنافقين
المستضعفين في كل زمان ومكان، يتخذون
صداقات ومودات عند زعماء الكفر
لتأییدهم ودعمهم أثناء الأزمات، وقد أثبت
الواقع تخليهم عنهم وقت المحنة الشديدة
وبيع صداقتهم بثمن بخس (١).
ويقول الخازن في معنى الآية: ﴿فَتَرَى
الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ يعني: شك ونفاق
يسارعون في مودة اليهود وموالاتهم
ومناصحتهم؛ لأنهم كانوا أهل ثروة ويسار،
فكانوا يغشونهم ويخالطونهم؛ لأجل ذلك
يقول المنافقون: إنما نخالط اليهود؛ لأنا
نخشى أن يدور علینا الدهر بمكروه، ویعنون
بذلك المكروه الهزيمة في الحرب والقحط
والجدب والحوادث المخوفة، فعسى الله
أن يأتي بالنصر والفتح لرسوله صلى الله
عليه وسلم فيصبح المنافقون على ما أسروا
في أنفسهم من الكفر والنفاق، ومن مظاهرة
اليهود نادمین(٢).
(١) انظر: التفسير المنير، وهبة الزحيلي، ٦/
٢٢٦.
(٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ٥٣/٢.
٢. الإمساك عن الإنفاق.
خطاب للموسرين، نهاهم الله سبحانه
عن أن يقتلوا أولادهم خشية الفقر، حاصله:
أن قتل الأولاد إن کان لخوف الفقر فهو من
سوء الظن بالله، فإن الله سبحانه هو الرازق
لعباده، يرزق الأبناء کما یرزق الآباء، فقال:
﴿فَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾، ولستم لهم برازقين
حتى تصنعوا بهم هذا الصنع، ونهى سبحانه
عن قتل الأولاد المستدعي لإفناء النسل (٣).
قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآيِنَ
رَحْمَةٍ رَبِ إِذَا لَّأَمْسَكُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِّ وَكَانَ
اُلْإِسَنُ قَتُورًا ﴾ [الإسراء: ١٠٠].
(«قال الزجاج: أعلمهم الله أنهم لو ملكوا
خزائن الأرزاق لأمسكوا شخًّا وبخلًا، وهو
﴿خَشْبَةَ الْإِنفَاقِ﴾، أي: خشية أن ينفقوا
فيفتقروا))(٤).
٣. الفرار من الزحف.
قال تعالى: ﴿أَلَمْتَرَ إِلَى الَّذِينَ قِلَ لَمْ كُفُّواْ
أَيْدِيَّكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ فَلَمَا كُتِبَ
عَلَتِهِمُ الْفِنَالُ إِذَا فِقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اَللَّهِ
أَوْ أَشَدَّ خَشْيَّةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَثَبْتَ عَلَيْنَا اَلْفِنَالَ
لَوْلً أَخَرْنَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِتٍ قُلْ مَنَحُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٢٦٥.
(٤) انظر: المصدر السابق ٣١٠/٣.
٣٦
جوسين
القرآن الكريمِ
الخشية
وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَبِيلًا ﴾
[النساء: ٧٧].
(«هذا السياق اشتمل على أمور تدل على
أنها مختصة بالمنافقين؛ لأنه تعالى قال في
وصفهم: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اَللَّهِ أَوْ أَشَدَّ
خَشْيَةً﴾ ولا یکون هذا الوصف إلا لکافر
أو منافق. وحكى تعالى عنهم أنهم قالوا:
﴿رَبَّنَا لِمَ كَثَبْتَ عَلَيْنَا اَلْفِنَالَ﴾ ولم يعهد هذا
عن المؤمنين، بل المحفوظ مبادرتهم
للجهاد)»(١).
ترى المنافقين الذين اعتل إيمانهم
ولم يصل إلى مرتبة اليقين؛ كعبد الله بن
أبى وغيره من المنافقين يمتون إلى اليهود
بالولاء والعهود، ويسارعون في هذه السبيل
التي سلكوها، وكلما سنحت لهم الفرصة
لتوثيق ولائهم وتأكيده ابتدروها ليزيد تمكنًا
وثباتًا. يقولون بألسنتهم: نحن نخشى أن
تقع بنا مصيبة من مصائب الدهر فنحتاج إلى
نصرتهم لنا، فعلينا أن نتخذ لنا أيادي عندهم
في السراء، ننتفع بها إذا مستنا الضراء وهكذا
شأن المنافقين في كل زمان ومكان، فكثير
من وزراء بعض الدول الضعيفة يتخذ له
يدًا عند دولة قوية يلجأ إليها إذا أصابته
دائرة فتغلغل نفوذ هذه الدول في أحشاء
هذه الدولة، وضعف استقلالها في بلادها
(١) محاسن التأويل، القاسمي ٢٢٨/٣.
بعملهم، ولله الأمر من قبل ومن بعد (٢).
﴿فَلَمَا كُتِبَ عَلَتِهِمُ الْفِنَالُ﴾ بالمدينة أي:
فرض ﴿إِذَا فِقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ يعني:
مشركي مكة ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشِيَةً﴾.
واختلفوا في قوله تعالى: ﴿إِذَا فِقٌّ
مِّنْهُمْ﴾، فقال قوم: نزلت في المنافقين؛
لأن قوله: ﴿لَ كَثَبْتَ عَلَيْنَا الْفِنَالَ﴾ أي: لم
فرضت، لا یلیق بالمؤمنین، وكذلك الخشية
من غير الله(٣).
٤. كتمان الحق.
قال تعالى: ﴿أَلَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ
يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمْ وَلِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ
الحقُّ مِن
١٤٦
لَيَكْثُمُونَ الْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
وَلِكُلِّ وِجْهَؤُ
١٤٧)
رَّبِكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (
هُوَ مُوَلِّهَا فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ
بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلٍ وَجْهَكَ شَطْرَ
١٤٨
الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ وَإِنَّهُ، لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكُ وَمَا اللَّهُ
بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ () وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِ
وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِّ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ
فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، لِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ
عَلَيْكُمْ حُجَّةُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوْمِنْهُمْ فَلَا تَّخْشَوْهُمْ
وَأَخْشَوْنِ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
[البقرة: ١٤٦ -١٥٠].
١٥٠
والمعنى: أن علماء اليهود والنصارى
(٢) انظر: تفسير المراغي ٦/ ١٣٧.
(٣) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٣٤٥/٣.
www. modoee.com
٣٧
حرف الخاء
يعرفون أن القبلة التي صرفتك إليها هي
قبلة إبراهيم وقبلة الأنبياء قبلك؛ كما
يعرفون أبناءهم لا يشكون في ذلك. ﴿وَإِنَّ
فَيْئًا مِّنْهُمْ﴾، أي: من علماء أهل الكتاب
﴿لَكُْمُونَ الْحَقَّ ﴾، يعني: صفة محمد صلّى
الله عليه وسلّم، وقيل: أمر القبلة، ﴿وَهُمْ
يَعْلَمُونَ﴾، يعني: أن كتمان الحق معصية(١).
قال تعالى: ﴿يَبَنِّ إِسْرَّهِ يلَ أَذْكُرُواْ نِصْبَقِىَ
اَلَِّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌّ أُوفِ بِمَهْدِكُمْ
وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ
وَإِتَّىَ فَرْهَبُونِ )
مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَاِرٍ بِّ وَلَا
تَشْتَرُواْ بِقَابَتِى ثَمَنَا قَلِيلًا وَإَِنَىَ فَاتَّقُونِ ) وَلَا
تَلْبِسُواْ الْحَقّ بِالْبَطِلِ وَتَكْثُمُواْ أَلْحَقَّ وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ (١) ﴾ [البقرة: ٤٠- ٤٢].
((قوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ﴾
الآية: أي لا تلبسوا بأمر الدنيا أمر الآخرة.
وأراد لا يحل لأهل الحق كتمان الحق عن
أهله خاصة، عمن یرجون هدایته إلى الله عزّ
وجلّ، فأما أهله فإنهم يزدادون بصيرة به،
وأما من كان من غير خاصة أهله فإن قول
الحق لهم هداية وإرشاد إلى الله تعالى)) (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّنَ فَأَرْهَبُونِ ﴾ أي:
فاخشون، يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما
أنزلت مصدقًا لما معكم، يقول: لأنهم
یجدون محمدًا صلی الله عليه وسلم مكتوبًا
(١) لباب التأويل، الخازن ١ / ٩٠.
(٢) تفسير التستري ٣١/١.
عندهم في التوراة والإنجيل.
ومعنى قوله: ﴿وَإِقَنَ فَاتَّقُونِ﴾ أنه تعالى
يتوعدهم فيما يتعمدونه من كتمان الحق
وإظهار خلافه ومخالفتهم الرسول صلوات
الله وسلامه عليه.
عن ابن عباس: ﴿وَتَكْثُمُوا أَلْحَقَّ وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ﴾ أي: لا تكتموا ما عندكم من
المعرفة برسولي وبما جاء به، وأنتم تجدونه
مكتوبًا عندكم فيما تعلمون من الكتب التي
بأیدیکم.
ويجوز أن يكون المعنى: وأنتم تعلمون
ما في ذلك من الضرر العظيم على الناس،
من إضلالهم عن الهدى المفضي بهم إلى
النار، إن سلكوا ما تبدونه لهم من الباطل
المشوب بنوع من الحق لتروجوه عليهم (٣).
٥. قتل الذرية.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍّ
◌َّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِنَّاكُنْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِْئًا
كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: ٣١].
(( كان أهل الجاهلية يقتلون البنات خشية
الفاقة فوعظهم الله في ذلك وأخبرهم أن
رزقهم ورزق أولادهم على الله فقال:
﴿فَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِْئًا
کبیرًا ﴾ أي: إثمًا کبیرًا)»(٤).
(٣) مختصر تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
الصابوني ٥٨/١.
(٤) الدر المنثور، السيوطي ٥/ ٢٧٨.
٣٨
مَنُور
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
الخشية
ولا تقتلوا أولادكم خوف الفقر، فنحن جاحدًا به فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم
نرزقهم لا أنتم، ونرزقكم أيضًا، إن قتلهم به فهو ظالم فاسق. وهذا قول ابن عباس
خوف الفقر أو العار كان إثمًا وذنبًا عظيمًا،
وخطأ جسيمًا. وقدم الإخبار برزق الأولاد
العناية برزقهم، وقدم الإخبار برزق الآباء في
﴿فَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١].
لأنه خاطب الفقراء، ونهاهم عن قتلهم
من فقر، فالأرزاق للآباء والأولاد بيد الله،
وقتل الأولاد خوف الفقر من سوء الظن
بالله، وإن کان خوفًا على البنات، فهو سعي
في تخريب العالم، والآية دالة على أن الله
تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده لأنه نھی
عن قتل الأولاد(١).
٦. الحكم بغير الحق.
قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَ فِيَهَا هُدًى
وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ
هَادُواْ وَالرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أَسْتُحْفِظُواْ
مِنْ كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاءً فَلَا
تَخْشَواْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ
◌ِكَايَتِ ثَّمَنَا قَلِيلًاً وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ
[المائدة : ٤٤].
٤٤
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ {
قال مجاهد: من ترك الحكم بما أنزل
الله ردًّا لكتاب الله فهو كافر ظالم فاسق.
وقال عكرمة: ومن لم يحكم بما أنزل الله
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣/ ١٢٩،
التفسير المنير، وهبة الزحيلي ٦٨/١٥.
أيضًا، وقال ابن مسعود والحسن والنخعي:
هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه
هنا؛ لأنه خاطب الموسرين منهم وذكر الأمة؛ فكل من ارتشى وبدل الحكم فحكم
بغير حكم الله فقد كفر وظلم وفسق، وإليه
ذهب السدي؛ لأنه ظاهر الخطاب، وقيل:
هذا فیمن علم نص حکم الله ثم رده عيانًا
عمدًا وحكم بغيره(٢).
و «نهي للحكام عن خشیتهم غير الله في
حكوماتهم وإمضائها على خلاف ما أمروا
به من العدل خشية سلطان ظالم أو خيفة
أذية أحد، ولا تستبدلوا بآيات الله وأحكامه،
وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس))(٣).
موضوعات ذات صلة:
التقوى، الحذر، الخوف، الرجاء
(٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢/ ٤٨، النكت
والعيون، الماوردي ٢/ ٤٣.
(٣) مدارك التنزيل، النسفي ١/ ٤٤٩.
www. modoee.com
٣٩