النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الخيشِية 2 عناصر الموضوع مفهوم الخشية ٨ الخشية في الاستعمال القرآني ٩ الألفاظ ذات الصلة ١٠ أنواع الخشية ١٣ أسباب الخشية ٢١ ٢٧ الموصوفون بالخشية في القرآن ٣١ آثار الخشية المُجَلَدُ الرَّابِع عَشَر حرف الخاء مفهوم الخشية أولًا: المعنى اللغوي: تدل مادة (خشي) على خوفٍ وذعرٍ، فالخشية الخوف. ورجلٌ خشيان. وخاشاني فلانٌ فخشيته، أي: كنت أشّد خشيةً منه(١). ((والخشية: الرجاء، وبه فسّر حديث ابن عمر: قال له ابن عباس: لقد أكثرت من الدعاء بالموت حتى خشيت أن يكون ذلك أسهل لك عند نزوله، أي: رجوت» (٢). وجاءت بمعنى علمت، في قوله تعالى: ﴿فَخَشِينَآ أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا ا [الكهف: ٨٠] أي: فعلمنا(٣). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: («الخشية هي تألم القلب بسبب توقع مكروه في المستقبل، يكون تارة بكثرة الجناية من العبد، وتارة بمعرفة جلال الله وهيبته، وخشية الأنبياء من هذا القبيل)) (٤). وقيل هي: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون على علم بما يخشى منه. ((وأصل الخشية خوف من تعظيم، ولذلك خص بها العلماء في آية: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُا﴾ [فاطر: ٢٨])](٥). فالمعنيان: اللغوي والاصطلاحي متوافقان؛ إذ كلاهما يدوران حول الخوف إلا أن المعنى الاصطلاحي خص بالخوف من الله. (١) انظر: العين، الفراهيدي ٢٨٤/٤، تهذيب اللغة، الأزهري ١٩٤/٧، مقاييس اللغة، ابن فارس ١٨٤/٢، مختار الصحاح، الرازي ص٩١. (٢) تاج العروس، الزبيدي ٢٨٣/٣٧، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢٣٧/١. (٣) انظر: معاني القرآن، الفرّاء ٢/ ١٥٧، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٢٤١/٥. (٤) التعريفات، الجرجاني ١ / ٩٨. (٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٨٣، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص١٥٥. ٨ جوبيـ القرآن الكريمِ الخشية الخشية في الاستعمال القرآني وردت مادة (خشي) في القرآن الكريم (٤٨) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٦ ﴿َذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] الفعل المضارع ٢٩ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ﴾ [الأنبياء: ٤٩] فعل الأمر ٥ ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنٍ ﴾ [المائدة:٣] المصدر ٨ ﴿وَلَاَ نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] وجاءت الخشية في القرآن بمعناها اللغوي وهو: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خصّ العلماء بها (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص ٢٣٣-٢٣٤. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٨٣، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي ١/ ٥٠٥، بصائر ذوي التمییز، الفيروز آبادي ٢/ ٥٤٤. www. modoee.com ٩ حرف الخاء الألفاظ ذات الصلة ١ الخوف: الخوف لغةً: الخاء والواو والفاء أصلٌ واحدٌ يدلّ على الذّعر والفزع (١). الخوف اصطلاحًا: قال الراغب: ((الخوف: توقّع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، ويضادّه الأمن، ويستعمل ذلك في الأمور الدّنيويّة والأخرويّة))(٢). ويقول الجرجانيّ: ((الخوف توقّع حلول مكروه أو فوات محبوب(٣). وقيل: اضطراب القلب وحركته من تذكّر المخوف، وقيل: فزع القلب من مكروه يناله أو من محبوب يفوته»(٤) الصلة بين الخشية والخوف: الخشية أشد من الخوف؛ لأنّها مأخوذة من قولهم: شجرة خاشية: أي يابسة، وهو فوات بالكلّيّة، والخوف: النّقص، ولذلك خصت الخشية باللّه، والخشية تكون من عظم المَخْشِيّ وإن كان الخاشي قويًّا، والخوف يكون من ضعف الخائف، وإن كان المخوف أمرًا يسيرًا(٥). الوجل : ٢ الوجل لغة: ((الوجل خلاف الطّمأنينة، وجل الرجل يوجل وجلًا، إذا قلق ولم يطمئن))(٦). الوجل اصطلاحًا: ((الوجل استشعار الخوف عن خاطر غير ظاهر وليس له أمارة))(٧)، كذلك نجدها في كتاب الله تعالى تستعمل في سياق أخص من الخوف، وهو حالة نفسية تعرض للنفس عند (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٣٠/٢. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٠٣. (٣) التعريفات، الجرجاني، ص ١٠١. (٤) دليل الفالحين، البكري ٤/ ٢٨٣. (٥) انظر: الكليات، الكفوي ٤٢٨/١. (٦) المصدر السابق ص ٢٤٣. (٧) الذريعة إلى مكارم الشريعة، الراغب الأصفهاني ص ٢٣٤. جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِير القرآن الكريمِ ١٠ الخشية بداية شيء ما (١). الصلة بين الخشية والوجل: قال السعدي رحمه الله: ((الخوف، والخشية، والخضوع، والإخبات، والوجل معانيها متقاربة، فالخوف يمنع العبد من محارم الله، وتشاركه الخشية في ذلك، وتزيد أن خوفه مقرون بمعرفة الله، وأما الخضوع، والإخبات، والوجل، فإنها تنشأ عن الخوف، والخشية، فيخضع العبد لله، ويخبت إلى ربه منيبًا إليه بقلبه، ويحدث له الوجل))(٢). الشفقة: ٣ الشفقة لغةً: أشفقت من الأمر، إذا رققت وحاذرت(٣)، وهي((صرف الهمة إلى إزالة المكروه عن الناس))(٤). شفق: الشّفق والشّفقة: الاسم من الإشفاق. والشّفق: الخيفة (٥). الشفقة اصطلاحًا: الشفقة هي ضرب من الرقة وضعف القلب ينال الإنسان، وهي عناية مختلطة بخوف(٦). ((الإشفاق رقة الخوف، وهو خوف برحمة من الخائف لمن يخاف عليه، فنسبته إلى الخوف نسبة الرأفة إلى الرحمة، فإنها ألطف الرحمة وأرقها))(٧). الصلة بين الخشية والشفقة: ((إن الشفقة ضرب من الرقة وضعف القلب ينال الإنسان ومن ثم يقال للأم إنها تشفق على ولدها، أي: ترق له، وليست هي من الخشية والخوف في شيء. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةٍ رَبِّهِم مُشْفِقُونَ ﴾ [المؤمنون: ٥٧]. ولو كانت الخشية هي الشفقة لما حسن أن يقول ذلك، كما لا يحسن أن يقول يخشون من خشية ربهم))(٨). (١) انظر: الذريعة إلى مكارم الشريعة، الراغب الأصفهاني ص ٢٣٤، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ١٦٥/٥. (٢) تيسير اللطيف المنان ٢/ ٣٦٢. (٣) المصباح المنير، الفيومي ص ٣١٧. (٤) انظر: التعريفات، الجرجاني ص١٢٧. (٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٧٩/١٠. (٦) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ٥١٤/١، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٣٣١/٣. (٧) مدارج السالكين، ابن القيم ١/ ٥١٤. (٨) الفروق اللغوية، العسكري ٢٤١/١. www. modoee.com حرف الخاء الرهبة: ٤ الرهبة لغة: رهب: خاف رَهْبَةً وَرُهْبًا. ورجلٌ رَهَبوتٌ، أي: مرهوبٌ، يقال: رَهَبُوتٌ خيرٌ من رحموتٍ. أي: لأن تُرْهَب خيرٌ من أن تُرْحَم (١). الرهبة اصطلاحًا: الرهبة: هي الإمعان في الهرب من المكروه، وهي مخافة مع تحرز واضطراب، وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه (٢). الصلة بين الخشية والرهبة: الرهبة خوف وانزعاج من مكروه، والخشية خوف وسكون في محل الأمل، مقرون بمعرفة (٣). (١) مختار الصحاح، الرازي ١/ ١٣٠. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ١/ ٣٦٦، مدارج السالكين، ابن القيم ٥٠٨/١. (٣) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ١/ ٥٠٨. ١٢ جوسين القرآن الكريمِ الخشية أنواع الخشية تنقسم الخشية إلى أنواع، منها فطرية خارج التكليف يولد بها الإنسان، مثل: الخوف من الوحوش، ومن الموت، والمجهول، ومنها الخشية المحمودة التي تكون من الله، فتمنع صاحبها من الوقوع في المعاصي، أما الخشية المذمومة التي تكون من الناس، فتجعل صاحبها يقع في المحظورات، وتكون خشیته من الناس أشد من خشيته من الله، وهذا لا يفيده بشيء؛ لأن الله تعالى بيده الخير والنفع وليس البشر، مثل: الخشية من كساد التجارة، والخشية من الفقر، ومن الأعداء، ومن المخالفين، وهذه الخشية مذمومة تودي بصاحبها للتعرض لسخط الله، وعدم توفيقه له، ويكون في الدنيا والآخرة من الهالكين الخاسرين إن لم یتب. الخشية الفطرية: الخشية الفطرية تكون: كالخشية من الثعبان أن يلدغه، أو السقوط من مكان مرتفع، أو الخشية من شخص یحمل سکینًا، أو من الزلازل والبراكين، أو الخشية من غضب الوالد أو عقابه، فهذا شيء طبيعي سببي لا يأثم عليه الإنسان؛ لأنه خارج التكليف، فالخشية من الحيوانات الضارية المتوحشة مثل الذئب، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الخشية الفطرية في نفس يعقوب عليه السلام. ومن الآيات التي تدل على الخشية الفطرية: قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّ لَيَحْزُنُنِىَ أَنْ تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّثْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَفِلُونَ ﴾ [يوسف: ١٣]. ذكر ابن كثير: ((وأخشى أن تشتغلوا عنه برمیکم ورعیتکم، فیأتیه ذئب فیأکله وأنتم لا تشعرون))(١). وهذا أمر طبيعي خوف الوالد على أبنائه، وكذلك الحاكم على شعبه. ((ولو خافهم لما أرسله معهم، وإنما خاف الذئب؛ لأنه أغلب ما يخاف في الصحاري)) (٢) «اعتذر إليهم بأن ذهابهم به مما يحزنه؛ لأنه كان لا يصبر عنه ساعة؛ وأنه يخشى عليه من عدوة الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم»(٣). فهو كان يخاف عليه من إخوته بعدما قص عليه الرؤيا ولكنه لم يصرح لهم. (إن نبي الله يعقوب كان ينطق بفطرة الأبوة المحبة، وهو خوفه من أن یأكله الذئب، وهم عنه غافلون)» (٤) قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَبَنِىَّ لَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَحِدٍ وَأَدْخُلُواْ مِنْ أَبَوَبِ مُتَفَرِقَةٍ وَمَآ أُغْنِى (١) تفسير القرآن العظيم ٤/ ٣٧٣. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٤٠. (٣) مدارك التنزيل، النسفي ٢ / ٩٨. (٤) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٣٨٠٨/٧. www. modoee.com ١٣ حرف الخاء عَنِكُمْ مِنَ اللَّهِ مِن شَىٍِّ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّلِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌّ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَّيَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [يوسف: ٦٧]. («فإنه خاف من العين عليهم، والعين حق، أي: أنها سبب حق في الظاهر قد تؤدي إلى الضرر، ولكن بإذن الله وإرادته))(١). وهذا لا ينافي كونه نبيًّا، فالحسد أمر مفروغ منه ولابد من الأخذ بأسباب السلامة. «یا أولادي لا تدخلوا مصر من باب واحد ولكن ادخلوها من أبواب متفرقة حتى لا یحسدکم حاسد أو یکید لکم کائد فیحل بکم مکروہ)»(٢). يدخلوا من أبواب متفرقة، لحاجة في نفسه الله أعلم بها، لكن بعض المفسرين أخذها على محمل الخشية من الحسد والله أعلم. ((وقال السدي: أراد الطرق لا الأبواب، يعني: من طرق متفرقة، وإنما أمرهم بذلك؛ لأنه خاف عليهم العین؛ لأنهم كانوا قد أعطوا جمالًا وقوة وامتداد قامة و کانوا أولاد رجل واحد، فأمرهم أن يتفرقوا في دخولهم المدينة؛ لئلا يصابوا بالعين فإن العين حق، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وجمهور المفسرين»(٣). قال تعالى: ﴿وَ إِّ خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن (١) التفسير المنير، وهبة الزحيلي ٣٥/١٣. (٢) التفسير الواضح، محمد الحجازي ٢/ ١٩٢. (٣) لباب التأويل، الخازن ٢/ ٥٤٠. وَرَآءِى وَكَانَتِ امْرَأَنِ عَاقِرًا فَهَبْ لِ مِن لَّدُنِكَ وَلِيَّا ن﴾ [مريم:٥]. ذكر ما يخشاه، وعرض ما يطلبه، إنه يخشى من بعده، يخشاهم ألا يقوموا على تراثه بما يرضاه، وتراثه هو دعوته التي يقوم عليها، وهو أحد أنبياء بني إسرائيل البارزين، وأهله الذين يرعاهم، ومنهم مريم التي كان قيمًا عليها وهي تخدم المحراب الذي يتولاه، وهو یخشی الموالي من ورائه على هذا التراث كله، ويخشى ألا يسيروا فيه سيرته (٤) رأى أن قومه كانوا مهملين لأمر الدين، أراد أن يأخذ بالأسباب، فطلب منهم أن فخاف أن يضيع الدين بموته، فطلب وليًّا یقوم به بعد موته(٥). قال تعالى: ﴿فَأَجَاءَ هَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِثُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٢٣]. قالت مريم: يا ليتني مت قبل هذا الوقت، وتمنت الموت؛ لأنها خافت أن يظن بها السوء في دينها، أو لئلا يقع قوم بسببها في البهتان(٦). وهذا أمر طبيعي خوف الإنسان علی سمعته وسمعة أهله وشرفهم، و کان ما قالته وهي تعلم ما جرى بينها وبين جبريل عليه السلام من الوعد الكريم استحياء من الناس وخوفًا من لائمتهم أو حذرًا من (٤) انظر: نظم الدرر، البقاعي ١٢/ ١٦٢. (٥) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٣٨٠. (٦) انظر: المصدر السابق ٣٣٨/٣. ١٤ القرآن الكريمِ الخشية وقوع الناس في المعصية بما تكلموا فيها أو لا يراه أحد إلا أحبه، وأُلهمت في سرها، جريًا على سنن الصالحين عند اشتداد الأمر وألقي في خلدها، ونفث في روعها، كما قال (١). علیهم(١). وذكر بأنها تمنت الموت؛ خشية الاتهام الظالم، وهي البريئة الطاهرة التي اصطفاها رب العالمين(٢). وقالت استحياء من الناس: يا ليتني مت قبل هذا الکرب الذي أنا فيه، فاشتد بها الأمر هنالك، واحتضنت الجذع؛ لشدة الوجع، وولدت عیسی علیه السلام، فقالت عند ولادتها لما رأته من الآلام والتغرب وإنکار قومها وصعوبة الحال من غير ما وجه: يا ليتني مت قبل هذا. وتمنت مريم الموت من جهة الدين؛ إذ خافت أن يظن بها الشر في دینها وتعیر فیغبنها ذلك، وهذا مباح(٣). قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَةِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلِفِيهِ فِ الْبَرِ وَلَا ◌َخَافِى وَلَا تَحْزَبِّ إِنَّا رَآَدُوهُ إِلَيْكِ وَجَاِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: ٧]. فلما حملت أم موسی به، عليه السلام، لم يظهر عليها مخايل الحمل كغيرها، ولم تفطن لها الدايات، ولكن لما وضعته ذكرًا ضاقت به ذرعًا، وخافت عليه خوفًا شديدًا، وأحبته حبًّا زائدًا، وكان موسى عليه السلام (١) انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ١٢/٤. (٢) انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٩/ ٤٦٢٧. (٣) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢٥٢/٧. الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَىّ أَنْ أَرْضِعِيّةِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِيهِ فِ اَلْيَدِّ وَلَا تَخَافِوَلَا تَحْزَبِ إِنَّا رَآَدُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ● [القصص: ٧]. ٧ وذلك أنه کانت دارها على حافة النيل، فاتخذت تابوتًا، ومهدت فیه مھدا، وجعلت ترضع ولدها، فإذا دخل عليها أحد ممن تخاف جعلته في ذلك التابوت، وسيرته في البحر، فذهب مع الماء واحتمله، حتى مر به على دار فرعون، فالتقطه الجواري فاحتملنه، فذهبن به إلى امرأة فرعون، ولا يدرين ما فيه، فلما كشفت عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأحلاه وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها حین نظرت إليه، وذلك لسعادتها وما أراد الله من كرامتها وشقاوة بعلها (٤). وها هي ذي أمه حائرة به، خائفة عليه، تخشى أن يصل نبأه إلى الجلادين، وترجف أن تتناول عنقه السكين. ها هي ذي بطفلها الصغير في قلب المخافة، عاجزة عن حمايته، عاجزة عن إخفائه، عاجزة عن حجز صوته الفطري أن ينم عليه عاجزة عن تلقينه حيلة أو وسيلة .. ها هي ذي وحدها ضعيفة (٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦١٢. www. modoee.com ١٥ حرف الخاء عاجزة مسكينة. هنا تتدخل يد القدرة، فتتصل بالأم الوجلة القلقة المذعورة، وتلقي في روعها کیف تعمل، وتوحي إليها بالتصرف ﴿وَأَوْحَيْنَاْ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَّةِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِيهِ فِى الْبَيِّ وَلَا تَخَافِوَلَا تَحْزَبِيِّ إِنَّا رَآدُوهُ إِلَيْكٍ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ مشهد الأم الحائرة الخائفة القلقة الملهوفة تتلقى الإيحاء المطمئن المبشر المثبت المريح، وينزل هذا الإيحاء على القلب الواجف المحرور بردًا وسلامًا (١). ثانيًا: الخشية الممدوحة: إن القلوب لا تحيا إلا بقربها من الله تعالى والخشية منه، حيث إن الخشية تكون سببًا لبعد الإنسان عن المعاصي، ونجاته من النار، والفوز بالنعيم والراحة في الدنيا والآخرة، ومن أنواع الخشية الممدوحة: ١. الخشية من الله تعالى. الخشية من الله أعلى مراتب الإيمان، حيث إن الإنسان يبلغ مرتبة الإحسان حين یعبد الله كأنه يراه، ويشعر بمراقبة الله له في كل لحظة، وكلما تمكنت الخشية من القلب كان الإنسان لله أعبد، وكان مراقبًا لله في السر والعلن، وفي الغيب والشهادة. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الَّذِينَ اُلْفُرْقَانَ وَضِيَاءُ وَذَكْرًا لِلْمُنَّقِينَ (@) (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٦٧٩/٥. يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِلْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ﴾ [الأنبياء: ٤٨-٤٩]. قال ابن رجب: ((فأما خشية الله في الغيب والشهادة، فالمعني بهما: أن العبد يخشى الله سرًّا وعلانيةً، وظاهرًا وباطنًا، فإن أكثر الناس يرى أنه يخشى الله في العلانية وفي الشهادة، ولكن الشأن في خشية الله في الغيب إذا غاب عن أعين الناس، وقد مدح الله من یخافه بالغیب»(٢). ٢. خشية العذاب الدنيوي والأخروي. الخشية من الله تعالى تجعل الإنسان دائم الذکر لله تعالى، مبتعدًا عن ارتكاب المعاصي والمحرمات، حريصًا على عمل الخير، مبادرًا في الأعمال الصالحة، مسرعًا في التوبة والرجوع إلى الله تعالى، خشيةً من العقاب وطلبًا للنجاة من النّار وطمعًا في الجنة، بينما الذين لا يخشون الله تعالى نجد قلوبهم متعلقة بحب الدنيا وزخارفها، لا يلقون بالًا للعبادات والأعمال الصالحة التي ترضي الله عنهم، ويعيشون وقلوبهم بعيدة عن الله، نسأل الله السلامة. قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اَللّهُ يِة أَنْ يُوصَّلَ وَيَخْشَوْنَ رَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ اَلْحِسَابِ (١)﴾ [الرعد: ٢١]. ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾، «خشية جلالٍ وهيبة (٢) الجامع لتفسير ابن رجب ١/ ٧٠٢. ١٦ القرآن الكريم الخشية ورهبة فلا يعصونه فيما أمر به))(١). ٣. الخشية من الوقوع في الفاحشة. يجوز للمسلم أن يعدد بشرط العدالة، كذلك أباح الله تعالى تعدد الزوجات إذا كانت الزوجة مريضة أو عقيمًا أو إذا خشي على نفسه الوقوع في الفاحشة. قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ مِن فَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُمْ بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍٍّ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتٍ أَخْدَانٍّ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاَللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [النساء: ٢٥]. قال أبو الليث السمرقندي: ((وهو رخصة نكاح الأمة ﴿لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ يعني الإثم في دينه)»(٢). ((﴿لِمَنْ خَشِىَ أَلْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي: لمن خاف وقوعه في الإثم الذي تؤدي إليه غلبة الشهوة، وأصل العنت انكسار العظم بعد الجبر فاستعير لكل مشقة وضرر يعتري الإنسان، ولا ضرر أعظم من مواقعته المآثم بارتكاب أفحش القبائح، وقيل: أريد به (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٧/٥. (٢) تفسير السمر قندي ٢٦٩/١. الحد؛ لأنه إذا هويها يخشى أن يواقعها فيحد، والأول هو اللائق بحال المؤمن دون الثاني؛ لإبهامه أن المحذور عنده الحد لا ما یوجبە»(٣). ٤. الخشية من التقصير في الاسترشاد إلى الحق. كلما تمكنت الخشية من قلب الإنسان كلما كان أشد خشية من التقصير في جنب الله، فیکون دائمًا يقظًا محاسبًا لنفسه خوفًا من العذاب والعقاب. ﴿ إِنَّمَا نُنذِرُ مَنِ أَتَبَعَ قال تعالى: الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبٍّ فَبَشْرُهُ بِمَغْفِرَوْ وَأَجْرِ كَرِيمٍ (١﴾ [يس: ١١]. ((﴿وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: ما غاب من عذابه وناره، قاله قتادة. وقيل: أي: يخشاه في مغيبه عن أبصار الناس وانفراده بنفسه. ﴿قَبَشِرهُ بِمغفرة﴾ أي: لذنبه ﴿وَآَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ أي: الجنة))(٤). ٥. الخشية من محبة الذرية المضرة. أحيانًا يكون المال والولد فتنة شديدة للإنسان، فربما يرده عن دينه أو يرتكب جریمة، أو یظلم أحدًا، أو يسرق بسبب توفير الأموال لأبنائه. قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ٨٠ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا (٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٦٨/٢. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥/ ١١. www. modoee.com ١٧ حرف الخاء [الكهف: ٨٠]. إسرائيل ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِ﴾، يعني: لم تحفظ ﴿فَخَشِينَآ﴾ أي: خفنا والخشية خوف وصيتي حين قلت لك: اخلفني في قومي، أصلح وأرفق بهم))(٣). يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون عن علم بما يخشى منه. وقيل: معناه: فخشينا أن يحملهما حبه علی أن یتبعاه علی دینه. ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَيُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةٌ وَأَقْرَبَ رُخمًا ﴾ [الكهف: ٨١]. الإبدال: رفع الشيء ووضع آخر مكانه ﴿خَيْراًمِنْهُ زَگوہً ﴾ أي: صلاحًا وتقوى(١). وقال البيضاوي: ((أو يعديهما بعلته فيرتدا بإضلاله، أو بممالأته على طغيانه وكفره حبًّا له))(٢). ٦. الخشية من التفرق والتشرذم. في الاتحاد قوة وفي التفرق ضعف، لذا ينبغي على المسلمين أن يكونوا متحدين على كلمة الحق (لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم) خشية أن يتسلل الخور إلى صفوفهم، ويصبحوا أحزابًا وشيعًا، فيطمع بهم عدوهم ويصبحوا لقمة سائغة ويستبيح بيضتهم. قال تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَ لَا تَأْخُذْ بِلِحْتِ وَلَا بِرَأْسِىّ إِ خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ وَلَمْ تَرْقُّبْ قَوْلِ ﴾ [طه: ٩٤]. (يعني خشيت إن فارقتهم واتبعتك أن يصيروا أحزابًا فيتقاتلون، فتقول: فرقت بني (١) انظر: لباب التأويل ٣/ ١٧٤. (٢) أنوار التنزيل ٣/ ٢٩٠. ثالثًا: الخشية المذمومة: ١. الخشية من الناس. قال تعالى: ﴿لِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُبَّةُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلَا تَّخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِ عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَّهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠]. ((أي: لا تخشوا شبه الظلمة المتعنتين، وأفردوا الخشية لي، فإنه تعالى هو أهل أن یخشی منه»(٤). وقال أبو حيان: ((ونهى عن خشيتهم فيما يزخرفونه من الكلام الباطل، فإنهم لا يقدرون على نفع ولا ضر، وأمر بخشيته هو في ترك ما أمرهم به من التوجه إلى المسجد الحرام»(٥). قال تعالى: ﴿وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُّبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. ((أي: تخفي ما سيبديه الله وتخشى الناس من إبدائه. والخشية هنا كراهية ما يرجف به المنافقون، والكراهة من ضروب (٣) لباب التأويل، الخازن ٣/ ٢١١. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٦٤. (٥) البحر المحيط ٤٣/٢. ١٨ صَوْسُورَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم الخشية الخشية»(١). ٢. الخشية من الأعداء. قال تعالى: ﴿أَلَا تُقَئِلُونَ قَوْمًا نَّكَنُوا أَيْمَنَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَهُوَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمَّ فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُ مُؤْمِنِينَ ﴾ [التوبة: ١٣]. ((في الآية إيماء إلى أن المؤمن يجب أن يكون أشجع الناس وأعلاهم همة ولا يخشى إلا الله))(٢). وقال أبو بكر الجزائري: ((أتتركون قتالهم خشية منهم وخوفًا إن كان هذا ﴿فَلَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِن كُنتُ مُؤْمِنِينَ﴾؛ لأن ما لدى الله تعالى من العذاب ليس لدى المشركين فالله أحق أن يخشى))(٣). قال تعالى: ﴿أَلْيَوْمَ بَيِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنٍ ﴾ [المائدة: ٣]. ((إن الكافرين من المشركين وغيرهم قد یٹسوا من أن یردوکم عن دینکم کما كان ذلك قبل فتح مكة ودخول ثقيف وهوازن في الإسلام، وظهور کم علیھم في کل معركة دارت بينكم وبينهم؛ إذًا فلا تخشوهم بعد الآن أن یتمکنوا من قهر کم وردکم إلی الکفر واخشوني أنا بدلهم، وذلك بطاعتي وطاعة (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٣٤/٢٢. (٢) تفسير المراغي ١٠/ ٦٨. (٣) أيسر التفاسير ٢/ ٣٤٦. رسولي ولزوم حدودي والأخذ بسنتي في كوني حتى لا تتعرضوا لنقمتي بسلب عطائي، فإن نصرتي لأهل طاعتي وإذلالي لأهل معصيتي)»(٤). ٣. الخشية من الفقر. قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍ ◌َّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَنْلَهُمْ كَانَ خِعْئًا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: ٣١]. ((وذلك أن أهل الجاهلية، كانوا يئدون بناتهم خشية الفاقة أو يخافون عليهم من النهب والغارات، أو أن ينكحوهن لغير أكفاء لشدة الحاجة وذلك عار شديد عندهم، فنهاهم الله عن قتلهن، وقال: ﴿فَعْنُ نَرْزُقُّهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾، يعني: أن الأرزاق بيد الله؛ فكما أنه فتح أبواب الرزق على الرجال فكذلك يفتحه على النساء)»(٥). قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآيِنَ رَحْمَةِ رَبِّ إِذَا لَّأَمْسَكُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقْ وَكَانَ الْإِنسَنُ قَتُورًا (١٠)﴾ [الإسراء: ١٠٠]. ((قيل: لأمسكتم عن الإنفاق خشية الفقر)» (٦). على الإنسان أن يتوكل على الله مع الأخذ بالأسباب فهو الرزاق لا تنفد خزائنه سبحانه. (٤) أيسر التفاسير ١/ ٥٩١. (٥) لباب التأويل، الخازن ٣/ ١٢٩. (٦) معالم التنزيل، البغوي ٥/ ١٣٣. www. modoee.com ١٩ حرف الخاء ٤. الخشية من المخالفين. قال تعالى: ﴿أَلَتَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُواْ أَيْدِيَّكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِنَالُ إِذَا فِقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اَللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَنَبْتَ عَلَيْنَا الْفِنَالَ لَوْلَاً أَخَرْلَنَا إِلَى أَجَلِ قَرِبُ قُلْ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَئِيلًا ( VV [النساء: ٧٧]. ((وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كانوا بمكة استأذنوا في قتل کفار مکة سرًّا، لما كانوا يلقون منهم من الأذى، فقال لهم النبيّ صلّى الله عليه وسلم: مهلًا كفوا أيديكم عن قتالهم وأقيموا الصلاة فإني لم أؤمر بقتالهم، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أمره الله تعالى بالقتال، فكره بعضهم فنزلت هذه الآية: ﴿أَلْتَرَ إِلَى الَّذِينَ قِلَ لَمْ كُفُواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ أي: أتموها ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ ﴾ يعني: أقروا بها وأعطوها إذا وجبت عليكم ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِنَالُ﴾ أي: فرض عليهم القتال بالمدينة ﴿إِذَا فِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ أي: يخشون عذاب الكفار ﴿گخشية اللَّهِ﴾ أي: كخشيتهم من عذاب الله ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةٌ﴾ أي: بل أشد خشية، ويقال: معناه أو أشد خشية، يعني: أكثر خوفًا ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْفِنَالَ﴾ أي: لم فرضت علينا القتال؟! ﴿لَوْلَا أَخَّرْنَنَا﴾ أي: يقولون: هلّ أجلتنا ﴿إَِ أَجَلِ قَرِيبٍ﴾ وهو الموت، فبّن الله تعالى لهم أن الدنيا فانية، فقال: ﴿قُلّ مَنَعُ الدُّنْيَاقَلِيلٌ﴾ أي: منفعة الدنيا قليلة؛ لأنها لا تدوم)»(١). الخشية التي لا تكون من الله، أو لله، مذمومة ربما تنقص من إیمان صاحبها، وربما تؤدي إلى انضمامه لقائمة المتصفين بالنفاق والكفر والعياذ بالله. ٥. الخشية من كساد التجارة. قال تعالى: ﴿قُلٌ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجَكٌ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَتَجَرَّةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى اللَّهُ بِأَمْيِهُ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ [التوبة: ٢٤]. ٢٤) الْفَسِقِينَ ((﴿وَأَمْوَالُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا ﴾ يعني: اكتسبتموها بمكة، ﴿وَتَجَرَةٌ تَخْشَوْنَ گسادها ﴾ يعني: تخشون أن تبقی علیکم فلا تنفق)) (٢) (وفي قوله تعالى: ﴿حَّ يَأْتِيَ اللَّهُ يأَمْرِهِ﴾ قولان: أحدهما: أنه فتح مكة، قاله مجاهد والأكثرون، ومعنى الآية: إن كان المقام في أهاليكم، وكانت الأموال التي اكتسبتموها ﴿وَتَجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ الفراقكم بلدكم ﴿وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ (١) تفسير السمر قندي ١ / ٣١٩. (٢) المصدر السابق، ٢ / ٤٨. ٢٠ جَوَسُو ◌َرُ النَفسِير القرآن الكريم الخشية إِلَيْكُم ﴾ من الهجرة، فأقيموا غير مثابين، حتى تفتح مكة، فيسقط فرض الهجرة. والثاني: أنه العقاب، قاله الحسن))(١). ٦. الخشية على الأولاد بعد موت العائل. قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْتَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفَا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواْ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ [النساء: ٩]. («أمر للأوصياء بخشية الله تعالى ويتقوه في أمر اليتامى فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم، أو للحاضرين المريض عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم، أو يخشوا على أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم فلا يتركوه يضرّ بهم بصرف المال عنهم، أو للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافًا مثلهم هل يجوزون حرمانهم، أو للموصين بأن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية ولو بما في حيزه)»(٢). و(كما كنتم تخشون على ورثتکم وذریتکم بعدكم، فكذلك فاخشوا على ورثة غيركم وذريتهم)) (٣). (١) زاد المسير، ابن الجوزي ٢٤٥/٢. (٢) أنوار التنزيل، البيضاوي، ٢/ ٦٢. (٣) المحرر الوجيز، ابن عطية، ٢/ ١٤. أسباب الخشية للخشية أسباب عدة، تختلف باختلاف نوع الخشية، وبيان ذلك في النقاط الآتية: أولًا: أسباب الخشية الممدوحة: ١. تعظيم الله تعالى. الخشية من الله تكون مرتبطة بتعظيم الله سبحانه وتعالى، فالخاشى لله تكون خشيته نابعة من تعظيمه لله عز وجل. قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. (﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ لا تخفى عليه خافية مما قدموا وأخروا، وهو كالعلة لما قبله والتمهيد لما بعده، فإنهم لإحاطتهم بذلك يضبطون أنفسهم ويراقبون أحوالهم. ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى﴾ أن يشفع له مهابة منه، ﴿وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ﴾ عظمته ومهابته ﴿مُشْفِقُونَ﴾ مرتعدون، وأصل الخشية خوف مع تعظيم ولذلك خص بها العلماء))(٤). قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِلِه أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَّهُمْ وَتَخَافُونَ سُوْءَ الْحِسَابِ ٥)﴾ [الرعد: ٢١]. وذكر أبو حفص الحنبلي أن معنى قوله: (﴿وَخْشَوْنَ رَّهُمْ﴾ أنّ العبد، وإن قام بكلّ (٤) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ / ٥٠. www. modoee.com ٢١ حرف الخاء ما جاء عليه من تعظيم الله، والشفقة على خلق الله إلا أنه لا بد وأن تكون الخشية من الله عزّ وجلّ والخوف منه مستويان، ثم ذكر أن الخوف: هو مخافة الهيبة والجلال والتعظيم)) (١). (﴿وَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ خشية جلالٍ وهيبة ورهبة فلا يعصونه فيما أمر به))(٢). قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ ◌ََّأَيْتَهُ، خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]. ((أي: من شأنه، وعظمته))(٣). ٢. العلم. لقد مدح الله العلماء وخصهم بخشيته، وذلك لأنهم عارفون بالله تعالى؛ بأسمائه وصفاته وقدرته. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ اَلْعُلَمَوْإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ ﴾ [فاطر: ٢٨]. إنما يخشاه سبحانه بالغيب العالمون به، وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله الجميلة، قال مجاهد: إنما العالم من خشي الله عز وجل. وقال مسروق: كفى بخشية الله علمًا وكفى بالاغترار جهلًا، فمن كان أعلم بالله كان أخشاهم له. قال الربيع بن أنس: من لم يخش الله (١) انظر: اللباب في علوم الكتاب ١١/ ٢٩٤. (٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٥/ ١٧. (٣) فتح القدير ٥/ ٢٤٦. لِلْقُرْآن الكَرِيمِ فلیس بعالم. وقال الشعبي: العالم من خاف الله (٤). (وقال ابن عباس في تفسير الآية: كفى بالزهد علمًا. وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله علمًا، وبالاعتذار جهلاً. وفي الحكم: خير علم ما كانت الخشية معه، وقال في التنوير: اعلم أن العلم حيثما تكرر في الكتاب والسنّة فإنما المراد به العلم النافع، الذي تقارنه الخشية، وتكتنفه المخافة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمُوا﴾، بيّن سبحانه أن الخشية تلازم العلم، وفهم من هذا أن العلماء إنما هم أهل الخشية))(٥). ٣. النجاة من العذاب في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوَءَ الْحِسَابِ ﴾ [الرعد: ٢١]. «ويخشون ربهم وعیده عمومًا. ويخافون سوء الحساب خصوصًا فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا))(٦). وقال سيد قطب: ((فهي خشية الله ومخافة العقاب الذي يسوء في يوم لقائه الرهيب. وهم أولو الألباب الذین يتدبرون الحساب قبل يوم الحساب)»(٧). (٤) انظر: المصدر السابق ٤ / ٣٩٩. (٥) البحر المديد، ابن عجيبة ٤ / ٥٣٧. (٦) أنوار التنزيل، البيضاوي ٣/ ١٨٦. (٧) في ظلال القرآن ٤ / ٢٠٧٥. ٢٢ الخشية وقال أبو بكر الجزائري: ((أي: خافه فلم كما أنه رحيم غفار (٣). یعصه وهو لا يراه، کما لم يعصه عندما يخلو بنفسه ولا يراه غيره، فمثل هذا بشره بمغفرة منا لذنوبه، وأجر کریم علی صالح عمله؛ وهو الجنة دار المتقين)»(١). قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَكَ يَسْعَى ) وَهُوَ يَخْشَى ﴾﴾ [عبس: ٨-٩]. «جاءك مسرعًا يجري وراءك يناديك بأحب الأسماء إليك: يا رسول الله، والحال أنه يخشى الله تعالى ويخاف عقابه؛ فلذا هو يطلب ما يزكي به نفسه ليقيها العقاب والعذاب»(٢). ٤. الرغبة في المغفرة والثواب. الهدف الأسمى الذي يسعى إليه المسلمون، هو نيل رضا الله سبحانه وتعالى والفوز بجنته، وذلك يتأتى بإذن الله لمن شاء فهو غفار الذنوب، والمكافئ بالثواب الجزيل. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُنْذِرُ مَنِ أَتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِّ فَبَشْرُهُ بِمَغْفِرَوْ وَأَجْرِ كَرِيمٍ ﴾ [يس: ١١]. معنى ﴿وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: خاف عقابه وهو غائب عنه، أو خافه في سريرته ولم يغتر برحمته؛ فإنه منتقم قهار (١) أيسر التفاسير ٤/ ٣٦٧. (٢) المصدر السابق ٥ / ٥١٨. فبشر من اتبعك وانتفع بك بمغفرة واسعة وجنة عرضها السماوات والأرض، وبأجر علی ذلك کریم(٤). ﴿وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ خاف عقابه قبل حلوله ومعاينة أهواله، أو في سريرته ولا يغتر برحمته؛ فإنه كما هو رحمن، منتقم قهار. ﴿فَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾(٥). ثانيًا: أسباب الخشية المذمومة: ١ . ضعف الإيمان. ضعيف الإيمان يخلو قلبه من الخشية، فتجده لاهيًا في صلاته أو مضیعًا لها، قاسيًا في معاملته للآخرين، فالمؤمن الذي يخشى الله يكون حريصًا على كسب رضا الله، رحيم القلب، قلبه وجلّا من خشية الله، فهو يرى ذنبه كالجبل فيداوم على الذكر والاستغفار، بينما ضعيف الإيمان والمنافق دائم الطمأنينة، قاسي القلب، لا يوجل ولا پخشی الله، تکون خشیته من الناس ولیس من الله، وذلك بسبب جهله وعدم معرفته بقدر الله وعظمته و جلاله سبحانه. قال تعالى: ﴿أَلَمْتَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَمْ كُّواْ (٣) انظر: إرشاد العقل السليم ٧/ ١٦١، تفسير المراغي ٢٢/ ١٤٥. (٤) انظر: التفسير الواضح، محمد الحجازي ١٧٦/٣. (٥) أنوار التنزيل ٤ / ٢٤٦. www. modoee.com ٢٣ حرف الخاء أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِنَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اَللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا اُلْفِنَالَ لَوْلًاً أَخَّرَلَنَا إِلَى أَجَلِ قَرِيبٍ قُلْ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اَلَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَبِيلًا ()﴾ [النساء: ٧٧]. قال المراغي: الخطاب لجماعة المسلمين وفيهم المنافقون والضعفاء، أمرهم الله بحقن الدماء وكف الأيدي عن الاعتداء، وإقامة الصلاة والخشوع لله، وإيتاء الزكاة التي تمكن الإيمان في القلوب، وتشد أواصر التراحم بين الخلق، وقد كانوا من قبل ذوي إحن وأحقاد وتخاصم وتلاحم وحروب مستمرة. فلما جاء الإسلام أحبوا أن یکتب عليهم القتال ليسيروا على ما تعودوه، ولكن حين كتب عليهم كرهه الضعفاء منهم وخافوا أن يقاتلهم الكفار وينزلوا بهم النكال والوبال، کما خافوا أن ينزل الله بهم بأسه و عقابه، بل رجحوا خوفهم من الناس على خوفهم من الله، وقالوا: ربنا لماذا كتبت علينا القتال في هذا الوقت؟ هلا أخرتنا حينا من الدهر نموت حتف أنوفنا موتًا طبيعيًّا، فبيّن الله تعالى أن طلبهم للإنظار إنما هو خشية الموت والرغبة في متاع الدنيا ولذاتها، مع أن كل ما يتمتع به في الدنيا فهو قليل بالنسبة إلى متاع الآخرة؛ لأنه محدود فان، ومتاع الآخرة کثیر باق ولا يناله إلا من اتقى الله وابتعد عن الأسباب التي تدنس النفس بالشرك والأخلاق الذميمة، فحاسبوا أنفسكم واعلموا أنكم ستجزون بأعمالكم، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر (١). ٢. محبة الذرية. من الناس من يفني حياته في سبيل توفير الراحة والحياة الرغيدة لأولاده، فيجتهد في كنز الأموال ويصبح الشح والبخل صفة ملازمة له، وينسى أن يقدم لآخرته ببذل الصدقات ولو بأقل القليل، كذلك يخشى على نفسه الموت، فيتقاعس عن الجهاد في سبيل الله، وذلك نتيجة جهلهم أن أولادهم وأموالهم لا تغني عنهم من الله شيئًا، وأن الأعمار والأرزاق بيد الله سبحانه. قال تعالى: ﴿لَّنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَقْوَهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُم ◌ِنَ اللَّهِ شَيْئَاْ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (١٧)+ [المجادلة: ١٧]. کان عبد الله بن أبي ابن سلول مهيأ لأن يملكوه على المدينة قبيل إسلام الأنصار، فكانوا يفخرون على المسلمين بوفرة الأموال وكثرة العشائر وذلك في السنة الأولى من الهجرة، ومن ذلك قول عبد الله بن أبي ابن سلول: ﴿يَقُولُونَ لَيْن رَّجَعْنَاً إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَ الأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَإِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ (١) انظر: تفسير المراغي ٥/ ٩٥. ٢٤ جَوَسُبـ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الخشية الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [المنافقون: ٨]. يريد بالأعز فريقه وبالأذل فريق المسلمين، فآذنهم الله بأن أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم مما توعدهم الله به من المذلة في الدنيا والعذاب في الآخرة))(١). ﴿يَأَيُّهَا الَِّينَ ءَامَنُوا قال تعالى: لَا تَتَّخِذُوَأْ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَتَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنَّ وَمَن يَنَّوَلَّهُم مِنْكُمْ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿ قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤَّكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجَكُمْ وَعَشِيرَتُُّ وَأَمْوَالُ أَقْتَّرَفْتُمُوهَا وَعْجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى اَللَّهُ بِأَمْيِهُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ ﴾ [التوبة: ٢٣ -٢٤]. نجد في الآيات تحذيرًا من العلائق التي قد تفضي إلى التقصير في القيام بواجبات الإسلام، ومن الأسباب التي تتعلق بها نفوس الناس فيحول تعلقهم بها بينهم وبين الوفاء ببعض حقوق الإسلام، فلذلك ذكر الأبناء هنا؛ لأن التعلق بهم أقوى من التعلق بالإخوان. ثم تحذير من التهاون بواجبات الدين مع الكناية عن جعل ذلك التهاون مسببًا على تقديم محبة تلك العلائق على محبة الله، وفيه إيقاظ إلى ما يؤول إليه ذلك من مهواة (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥١/٢٨. في الدین. وهذا من أبلغ التعبير، وجعل التفضيل في المحبة بين هذه الأصناف وبين محبة الله ورسوله والجهاد؛ لأن تفضيل محبة الله ورسوله والجهاد يوجب الانقطاع عن هذه الأصناف، فإيثار هذه الأشياء على محبة الله يفضي موالاة إلى الذين يستحبون الكفر، وإلى القعود عن الجهاد، ووصفهم الله تعالى حين تقاعسهم بالفاسقين(٢). ٣. حب الدنيا. إنّ حب الدنيا وتقديمها على الآخرة من أعظم البلايا التي تصيب الأمة في دينها ودنياها، والناظر إلى تاريخ الأمة يجد أنّه لا يمكن أن تستباح أراضيها وأعراضها وحرماتها إلا عندما تتخلى عن دينها، ولا تتخلى عن دینها إلا إذا رغبت في دنياها. قال تعالى: ﴿كَلَّابَلْ تُحِبُّونَ الْعَلِلَةَ ، وَتَّذَرُونَ الْأَخِرَةَ ﴾ [القيامة: ٢٠-٢١]. (كلا: معناه حقًّا، أي: حقًّا تحبون العاجلة وتذرون الآخرة، أي: أنهم يحبون الدنيا ويعملون لها، ويتركون الآخرة ويعرضون عنها))(٣). قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا. وَاْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَ ﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧]. ((قوله عز وجل: بل تؤثرون الحياة الدنيا (٢) انظر: المصدر السابق، ١٠ / ١٥٠. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٠/ ٧٣٠. www. modoee.com ٢٥ حرف الخاء والآخرة خير وأبقى، يعني: أن الدنيا فانية نبيه أن يخبر المنافقين الذين يوالون الكفار ويناصرونهم على المسلمين بأنّ لهم عذابًا والآخرة باقية، والباقي خير من الفاني، وأنتم تؤثرون الفاني على الباقي»(١). أليمًا، فهل هم يطلبون منهم العزة والمنعة، لکن العزة والمنعة لله جمیعًا، فهم لا يملكون ٤ . النفاق. لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاء العزة عندهم، هم قال الجرجانيّ: النّفاق: ((إظهار الإيمان باللّسان وكتمان الكفر بالقلب))(٢). والنفاق كالكفر والشرك والفسق، على مراتب ومنه ما هو مخرج من الملة، وهو النفاق الاعتقادي، ومنه ما ليس مخرجًا من الملة، وهو النفاق العملي. قال ابن رجب: ومن أعظم خصال النّفاق العمليّ، أن يعمل الإنسان عملًا ويظهر أنّه قصد به الخیر، وإنّما عمله لیتوصّل به إلى غرض له سيء، فيتمّ له ذلك ويتوصّل بهذه الخديعة إلى غرضه، ويفرح بمكره وخداعه وحمد النّاس له على ما أظهره، ویتوصّل به إلى غرضه السيء الّذي أبطنه))(٣). ومن صفاتهم: مظاهرة الأعداء على المسلمين. قال تعالى: ﴿ بَشْرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْنَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا(٣)﴾ [النساء: ١٣٨-١٣٩]. قال الطبري: إن الله تعالى يطلب من (١) لباب التأويل، الخازن ٤ / ٤١٨. (٢) التعريفات ص٢٤٥. (٣) جامع العلوم والحكم ٢/ ٣٤٩. من الأذلاء الأقلاء، فهلا اتخذوا الأولياء المؤمنين، فيلتمسوا العزّة والمنعة والنصرة من عند الله الذي له العزة والمنعة، الذي يعزّ من يشاء ويذل من يشاء (٤). ومن صفاتهم: كراهية ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من حث على الجهاد، والفرح بالقعود مع الخوالف. قال تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّقُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُواْ أَنْ يُجَهِدُواْ يَأَمْوَِّهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لَا نَنْفِرُواْ فِي الْخَرُّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَّأْ لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ (٨١ ﴾ [التوبة: ٨١]. فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله، وهم من المنافقين، فأذن لهم، وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك، أو الذين خلفهم الله وثبطهم، أو الشيطان، وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، سبب ذلك الشح بالأموال والأنفس، وعدم وجود باعث الإيمان وداعي الإخلاص ووجود الصارف عن ذلك، وهو ما هم فيه (٤) جامع البيان ٩ / ٣١٩. ٢٦ جوسين القرآن الكريمِ