النص المفهرس
صفحات 21-40
الخوف توكّل على الله كفاه))(١). وقد خوّف المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوثانهم؛ كما قال تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَةٌ، وَيُحَوِفُونَكَ ◌ِأَلَّذِينَ مِن دُونِهِ، وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ [الزمر: ٣٦]. وهذا من ضلال المشركين إذ يحسبون أن آلهتهم الزائفة تلك تملك ضرًّا أو نفعًا، وتستطيع أن تلحق الأذى والسوء بمن يريدون .. فالله عز وجل هو الذي يتولى رعاية نبيه وحفظه كما يتولى رعاية عباده الصالحين، فمن ذا الذي يجرؤ أن يمس أولياء الله بسوء وهم في كنفه وعنايته؟ ومن ذا الذي يصيبه القلق أو الخوف من أوثان المشرکین على اختلاف صورها وأشكالها وهو یتوکل علی من بيده ملكوت السماوات والأرض؟ وقد أعلن إبراهيم عليه السلام هذه الحقيقة في وجه المشركين في يقين جازم وحسم قاطع، في قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَتِىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِلْأَمْنِّ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٥)﴾ [الأنعام: ٨١]. (١) فتح القدير، الشوكاني ٢/ ٥٠٥. نفي الخوف عن الله من لوازم الإيمان بالله: الإيمان بأسمائه وبصفاته، والإيمان بهذه الصفات يشمل إثبات كل صفات الكمال والجلال والجمال لله عز وجل، وتنزيهه عن كل صفات النقص وعن مشابهته شيئًا من مخلوقاته، وقد وصف الله تعالى نفسه بأنه له المثل الأعلى، فقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءٌ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [النحل: ٦٠]. وقال تعالى في موضع آخر: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ اُلْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧]. يقول الشوكاني: ((ولله المثل الأعلى وهو أضداد صفة المخلوقين من الغنى الكامل والجود الشّامل والعلم الواسع، أو التّوحيد وإخلاص العبادة، أو أنّه خالقٌ رازقٌ قادرٌ مجازٍ))(٢). وأضاف الشيخ السعدي رحمه الله: ((﴿وَلَّهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِىِ السَّمُوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ وهو كل صفة كمال، والكمال من تلك الصفة والمحبة والإنابة التامة الكاملة في قلوب عباده المخلصين والذكر الجليل والعبادة منهم. فالمثل الأعلى هو وصفه الأعلى وما ترتب عليه)) (٣) . (٢) المصدر السابق ٣/ ١٧٠ -١٧١. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٢٢. www. modoee.com ١٥٩ حرف الخاء ومن الصفات المنفية عن الله عز وجل: صفة الخوف، ((فالخوف يتضمن نقصان عبد اللّه المزنيّ، وغيرهم. وقال الضّحّاك العلم والقدرة والإرادة، فإن العالم بأن والسّدّيّ: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا﴾ أي: لم يخف الّذي عقرها عاقبة ما صنع. والقول الأوّل أولى؛ لدلالة السّياق عليه، والله أعلم)»(٢). الشيء لا یکون، لا يخافه، والعالم بأنه يكون ولا بد قد يئس من النجاة منه فلا يخاف، وإن خاف فخوفه دون خوف الراجي، وأما نقص القدرة فلأن الخائف من الشيء هو الذي لا یمکنه دفعه عن نفسه، فإذا تیقن أنه قادر على دفعه لم يخفه. وأما نقص الإرادة فلأن الخائف يحصل له الخوف بدون مشيئته واختياره، وذلك محال في حق من هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، ومن لا يكون شيء إلا بمشيئته وإرادته، فما شاء کان وما لم يشأ لم یکن، وهذا لا ينافي كراهته سبحانه وبغضه وغضبه، فإن هذه الصفات لا تستلزم نقصًا لا في علمه ولا في قدرته ولا في إرادته، بل هي كمال؛ لأن سببها العلم بقبح المكروه المبغوض المغضوب عليه، وكلما كان العلم بحاله أهم کانت کراهته وبغضه أقوى ولهذا يشتد غضبه سبحانه على من قتل نبيه أو قتله نبیه))(١). قال الله تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم يِذَنِيِهِمْ فَسَوَّنَهَا وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا (٥)﴾ [الشمس: ١٤-١٥]. «قال ابن عبّاسٍ: لا يخاف الله من أحدٍ (١) الصواعق المرسلة، ابن القيم ٤ / ١٤٤٥. تبعة. وكذا قال مجاهد، والحسن، وبكر بن وقال أبو السعود: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا﴾ «أي: عاقبتها وتبعتها كما يخاف سائر المعاقبين من الملوك فيبقي بعض الإبقاء وذلك أنّه تعالى لا يفعل فعلًا إلاّ بحق وكلّ من فعل بحق فإنه لا يخاف عاقبة فعله وإن كان من شأنه الخوف»(٣). ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا﴾ وهذا يعني: ((أن الله لا يخاف من عاقبة هؤلاء الذين عذبهم، ولا يخاف من تبعتهم؛ لأن له الملك وبیده کل شيء، بخلاف غيره من الملوك لو انتصروا على غيرهم، أو عاقبوا غيرهم تجدهم في خوف يخشون أن تكون الكرة عليهم. أما الله عز وجل فإنه لا يخاف عقباها. أي: لا يخاف عاقبة من عذبهم؛ لأنه سبحانه وتعالى له الملك كله، والحمد كله، فسبحانه وتعالى ما أعظمه، وما أجل سلطانه)) (٤). وخلاصة القول إن الخوف صفة نقص تتصف بها المخلوقات الحية من أجل تحقيق افتقارها وفرارها وحاجتها الدائمة إلى مولاها .. أما الخالق جل وعلا فإنه (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١٥/٨. (٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٥٣٩/٦. (٤) تفسير جزء عم، ابن العثيمين ص ٢٢٩. ١٦٠ ـمُالبَشِيَّة جَوَسُور القرآن الكريم الخوف متنزه عن الخوف، فهو صاحب الإرادة التامة والمشيئة النافذة والقدرة الكاملة والهيمنة التامة والقوة القاهرة، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه .. فهل يستطيع أحد من البشر الضعاف المهازيل أن يحول بينه سبحانه وبين تصرفه المطلق في شئون كونه بالحساب والمجازاة ؟! ((سبحانه وتعالى ومن ذا يخاف؟ وماذا يخاف؟ وأنى يخاف؟ إنما يراد من هذا التعبير لازمه المفهوم منه. فالذي لا يخاف عاقبة ما يفعل، يبلغ غاية البطش حين يبطش. وكذلك بطش الله كان: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)﴾ [البروج: ١٢]، فهو إيقاع يراد إيحاؤه وظله في النفوس)) (١). ألا فلترتدع وترعوي نفوس الطغاة التي استمرأت العدوان والظلم والطغيان، ولتستفق من نشوة سكرتها واغترارها بإمهال الله عز وجل لها واستدراجها! ولتتأمل في حال المكذبين على مر العصور الماضية كانوا أشد منهم قوة، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر وجعلهم أثرًا وَكُمْ أَهْلَكْنَا بعد عين، كما قال تعالى: قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْتَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ﴾ [مريم: ٩٨]. الخوف طبيعة إنسانية الخوف شعور فطري أوجده الله تعالی في النفس البشرية؛ ليعين الإنسان على اتقاء الأخطار التي تهدده مما يساعده على الحياة والبقاء، يقوى ويضعف حسب الحالة التي یکون فيها الإنسان والمؤثر الذي يتعرض له، فلا يخلو شخص من هذا الشعور مهما علت منزلته. وهذا ما يؤكده علماء النفس: ((فالخوف حالة انفعالية داخلية طبيعية يشعر بها الإنسان فى بعض المواقف، ويسلك فيها سلوگا یبعده عادة عن مصادر الضرر، وهذا كله ينشأ عن استعداد فطري أوجده الخالق فى الإنسان والحيوان، ويسمى الغريزة، ولابد أن يكون الخالق قد أوجد هذا الاستعداد الغريزي لحكمة تتعلق بصالح الكائن الحي، فالخوف هو الذي يدفعنا لحماية أنفسنا وللمحافظة عليها، فإذا كنا لا نخاف النار مثلًا فقد تحرقنا، وإذا كنا لا نخاف الحشرات والحيوانات الضارية فقد تقتلنا، وإذا كنا لا نخاف الجراثيم فقد تفتك بنا، وهناك كذلك الخوف من الزلل، وخوف الإنسان على سمعته وما إلى ذلك، ومن الطبيعي أن تقترن الحالة الشعورية الانفعالية (وهي الخوف) بالسلوك الملائم (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٩١٩. www. modoee.com ١٦١ حرف الخاء وهو الخلاص من الخطر))(١). يقول د. محمد بني يونس: ((الخوف: ظاهرة طبيعية أو سوية، و لا يدل على أي اضطراب نفسي أو انحراف في الشخصية وطالما أن هناك أسبابًا معقولة له، وأن مستوى الخوف الذي يبديه الشخص الخائف يتناسب مع حجم المثير المخوف، والخوف في حد ذاته لیس شيئًا رديئا يجب القضاء عليه، أو يجب الاستغناء عنه في مجالات التربية والمجالات الاجتماعية العادية»(٢). أما إذا تجاوز الخوف الحد المطلوب فإنه يصبح حالة مرضية تنغص على المرء معيشته، وتشل ذاكرته وتصيبه بالشلل الحرکي، وتدفعه إلى الاستسلام والجمود. ولقد وصف القرآن الكريم انفعال الخوف عند بعض الأنبياء عليهم السلام نتيجة تعرضهم لمؤثرات مختلفة(٣)، نتناولها بإيجاز: ١. الخوف نتيجة شدة الموقف وعامل المباغتة. ويتجلى ذلك بصورة واضحة في قصص (١) أسس الصحة النفسية، عبد العزيز القوصي ص ٣٣٦. (٢) سيكولوجية الدافعية والانفعالات، محمد بني یوسف ص ٢٤٤ -٢٤٥. (٣) ذكر أنواع هذه المؤثرات رمضان القذافي في كتابه علم النفس في الإسلام ص ١١٦ . جوسيس القرآن الكريمِ موسى وداود ولوط عليهم السلام: ١. خوف موسى عليه السلام. ويتجلى ذلك في موقفین: الموقف الأول: عندما تحولت العصا في يده إلى ثعبان يتحرك يميناً وشمالاً، قال تعالى: ﴿يَمُوسَىَ إِنَّهُهُ أَنَا اَللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) وَلِّقِ عَصَالٌ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهَرُّ كَأَنَّهَا جَانٌ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبَّ يَمُوسَى لَا تَّخَفْ إِ لَا يَضَافُ لَّدَىَّ الْمُرْسَلُونَ ﴾ [النمل: ٩-١٠]. قال عز وجل: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكٌ فَلَمَّا رَءَاهَا نَهْتَرُ كَأَنَّهَا جَانٌ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبَّ يَمُوسَى أَقِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْأَمِنِينَ ٣١ [القصص: ٣١]. لقد فوجىء موسى عليه السلام بمجرد أن ألقى العصا أنها صارت حية كبيرة هائلة مخيفة، تهتز وتضطرب، تسعى وتسير، وتتحرك حركة سريعة مخيفة. وقوله تعالى: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ ((أي: انطلق مسرعًا، فأعطاها ظهره، وأطلق ساقيه للريح فرارًا من هذا الهول الذي طلع عليه من تلك العصا التي كانت خشبة جامدة في يده منذ لحظات)»(٤). لقد كان الأمر بالغ الصعوبة خاصة أن موسى عليه السلام فى مثل هذا الموقف كان يحوطه القلق والاضطراب، وتغمره (٤) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١٠ / ٢١٧. ١٦٢ الخوف الوحشة، ويحتويه الظلام وهو عائد من يخيّل للناظر إليها أنها حيات تسعى. مدين إلى مصر يبحث عن الأنس والدفء فى ظلمة الليل، ووحشة الصحراء، كما قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ مُوسَىَ )) إِذْ رَءَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُنُواْ إِنَّ مَانَسْتُ نَارًا لَّعَلَّى ءَائِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدَى ) [طه: ٩ - ١٠]. لذا طمأنه الله عزوجل فقال له: ﴿يَمُوسَى أَقِلْ وَلَا تَخَفٌّْ إِنَّكَ مِنَ الْأَمِينَ﴾ ((وهذا أبلغ ما يكون في التأمين، وعدم الخوف. فإن قوله: ﴿أَقْبِلْ﴾ يقتضي الأمر بإقباله، ویجب علیه الامتثال، ولكن قد يكون إقباله، وهو لم يزل في الأمر المخوف، فقال: ﴿وَلَا تخف﴾ أمر له بشیئین، إقباله، وأن لا يكون في قلبه خوف، ولکن یبقی احتمال، وهو أنه قد يقبل وهو غیر خائف، ولکن لا تحصل له الوقاية والأمن من المكروه، فقال: ﴿إِنّك مِنَ آلآمِنین﴾ فحينئذ اندفع المحذور من جميع الوجوه، فأقبل موسى عليه السلام غير خائف ولا مرعوب، بل مطمئنًا، واثقًا بخبر ربه، قد ازداد إيمانه، وتم يقينه، فهذه آیة، أراه الله إياها قبل ذهابه إلى فرعون، لیکون علی یقین تام، فیکون أجراً له، وأقوى وأصلب))(١). الموقف الثاني: عند لقاء السحرة، وإذا حبالهم وعصيّهم بما عمل فيها من حيل (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢١. قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَمُوسَىّ إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَنْ تَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى: ﴿ قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالَهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَّا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى )﴾ [طه: ٦٥-٦٨]. ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ، خِيفَةٌ مُوسَى﴾ ((أي: أحسّ، وقيل: وجد، وقيل: أضمر، وقيل: خاف، وذلك لما يعرض من الطّباع البشريّة عند مشاهدة ما یخشی منه، وقيل: خاف أن يفتتن النّاس قبل أن يلقي عصاه، وقيل: إنّ سبب خوفه هو أنّ سحرهم کان من جنس ما أراهم في العصا، فخاف أن يلتبس أمره على النّاس فلا يؤمنوا، فأذهب اللّه سبحانه ما حصل معه من الخوف بما بشره به بقوله: ﴿قُلْنَا لَا تَّخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾))(٢). إن خوف موسى عليه السلام في هذا المشهد ليس خوف جبن أو خوفًا على حياته، بل كان خائفًا من أن يقع الناس تحت تأثير هذا المنظر بصورة يصعب معها إرجاعهم إلى الحقّ. ((فالتعبير عن الحالة العرضية التي مرت بموسى عليه السلام «خِيفَةً﴾ بدل (خوف)، وتعيين هذه بكلمة الحالة بأنها كانت في نفسه، يشير إلى أنها كانت حالة نفسية عرضية سريعة، سرعان مازالت وتلاشت، وحلَّ محلها يقينه وثقته (٢) فتح القدير، الشوكاني ٣٧٤/٣-٣٧٥. www. modoee.com ١٦٣ حرف الخاء وثباته، وهذا التوجس النفسي لم يؤثر على السلام مع ما أتاه الله من الحكم، والملك، والسلطان، والجاه، والجيوش والحراس. موقفه وتحديه، ولم يتحول إلى خوف وجودي، ينتج آثارًا عملية سيئة))(١). يفزع ويخاف، ويتوقع الشر، وحصول المكروه. مما يؤكد أن الخوف انفعال فطري لا يخلو منه أحد مهما كانت قوته وسلطانه أو علت مكانته ومنزلته. فما أروع عناية الله عز وجل بأوليائه تربط على قلوبهم وتثبت أقدامهم في أحلك المواقف وأصعب اللحظات لتسكب في قلوبهم السكينة والطمأنينة. ٢. خوف داود عليه السلام في موقفه مع الخصمين. قال الله عز وجل: وَهَلْ أَتَنْكَ نَبَوْأ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ) إِذْدَ خَلُواْ عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمَّ قَالُوا لَا تَخَفّْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَأَهْدِنَا إِلَى سَوَآءِ الصِّرَاطِ ﴾ [ص: ٢١-٢٢]. ((تتحدّث الآيات عن قصة حدثت لداود عليه السلام، وتذكر أن خصمین دخلا عليه مجلسه فى صورة غیر مألوفة، إذ تسورا علیه السور، ولم يدخلا من المدخل الطبيعي إليه. ففزع منهما، وتوقع الشر من دخولهما على تلك الصورة، التي يقتحمان عليه فيها مجلسه اقتحامًا، من غير استئذان، وهو الملك، ذو البأس والسلطان، الذي تقوم على حراسته الجنود، والحجّاب))(٢). وكأن هذه الآيات تبين لنا أن داود عليه (١) القصص القرآني عرض وقائع وتحليل أحداث، صلاح الخالدي ٢/ ٤٥٣. (٢) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٠١٠٦٦/١٢ ٣. خوف لوط عليه السلام على ضيوفه من قومه المجرمين. قال الله عز وجل: ﴿وَلَمَّآ أَنْ جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطَا مِنَءَ بِهِمْ وَضَافَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُواْ لَا تَّخَفْ وَلَا تَّحْزَنُّ إِنَّا مُنَجُوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا أَمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَيِنَ ٣٣ إِنَّا مُنْزِلُونَ عَ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ [العنكبوت: ٣٣-٣٤]. تصور هذه الآيات الكرب والضيق والهم والأسى والحزن والخوف الذي أصاب لوطًا عليه السلام عندما جاءته الملائكة في صورة سويّة من صور البشر، فيهم الشباب، والنضارة، والجمال. فخاف عليهم من تعرض قومه الشاذین لهم و قد اشتهروا بفعل الفاحشة دون تحرج أو حياء، فأحس لوط عليه السلام وهو في هذا الموقف العصيب بأنه عاجز عن حماية ضيوفه والتصدي لقومه الذين أعمتهم سكرة الشهوة عن الاستجابة ١٦٤ جوسين القرآن الكريم الزف لنداءاته المتكررة عبر استثارة النخوة الآدمية أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْأَنْ يَطْغَى﴾، فقد خاف موسى علیه السلام من أن یعجل فرعون بعقابه قبل أن يسمع منه ما أرسل به إليه، وهكذا شأن الطاغية دومًا إذا سمع شيئًا لا يعجبه ولا يتفق مع هواه، تعجل الأمر بالقتل. فيهم أو استجاشة وجدان تقوى الله فيهم، فقول الملائكة للوط عليه السلام: ﴿وَقَالُواْ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾ يدل على ظهور أمارات الخوف علیه مع ما أصابه من الهم والأسی. ٢. الخوف نتيجة الضغوط المتنوعة والشعور بالألم. ويتجلى ذلك في خوف موسى عليه السلام من ضغط فرعون وإفراطه في التعدي. قال تعالى: ﴿أَذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوَكَ بِشَايَتِى وَلَا ◌َنِيَا فِى ذِكْرِى ◌َ أَذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ٤٣ فَقُولَا لَهُ، قَوْلاً لَيْنَا لَعَلَّهُ يَنَذَّكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) قَالًا رَبَّنَا إِنَّنَا تَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ) قَالَ لَا تَّخَافَاْ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ٤٦ [طه: ٤٢ - ٤٦]. لما كلف الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام بالذهاب إلى فرعون ودعوته إلى الحق، تذكر موسى عليه السلام -وقد تربى في قصره - بطش فرعون وطغيانه وجبروته، كما أن موسى قد قتل القبطي بطريق الخطأ، فهناك احتمال كبير أن يتعرض للمساءلة والحساب، كما قال ﴿وَهُمْ عَلَىَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ تعالی: [الشعراء: ١٤]. فعندها توجه موسى وهارون عليهما السلام إلى الله عز وجل: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا غَخَافُ وهنا تأتي المعية الربانية بالحفظ والتأييد والرعاية والعناية نی قَالَ لَا تَّخَافَ مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾. قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: «لا تخافا منه، فإنّني معكما أسمع كلامكما وكلامه، وأری مکانکما ومكانه، لا يخفى عليّ من أمركم شيءٌ، واعلما أنّ ناصيته بيدي، فلا يتكلّم ولا يتنفّس ولا يبطش إلّا بإذني وبعد أمري، وأنا معكما بحفظي ونصري وتأييدي))(١). فأي ثقة وطمأنينة يستشعرها القلب المؤمن وهو يوقن أنه في معية من بيده ملكوت كل شيء، ومن يقول للشيء كن فيكون! فيا لقرة أعين المؤمنين بمعية ربهم تحفظهم في أشد المواقف وتحميهم من كيد الطغاة وبطش المجرمين! ٣. الخوف من المجهول أو غير المعلوم. ويتجلى ذلك فى هذه المواقف الثلاثة: ١. خوف إبراهيم عليه السلام من ضيوفه. قال تعالى: ﴿هَلْ أَنَنْكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٦/٥. www. modoee.com ١٦٥ حرف الخاء الْمُكْرَمِينَ ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَا قَالَ سَلَمٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ (٥) فَرَغَ إِلَى أَهْلِ، فَجَلَّ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ١ فَقَرَّةُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُونَ ) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لَا تَخَفٌْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَِ عَلِيمٍ ﴾ [الذاريات: ٢٤-٢٨]. يصور هذا المشهد القرآني وصول مجموعة من الملائكة على صورة رجال إلى منزل إبراهيم عليه السلام، وكان إبراهيم لا یعرفهم، دخلوا علیه منزله، فقام من فوره وقدم لهم طعامًا شھیًّا، فلم تمتد أیدیهم إليه، فلما رأی إبراهیم ذلك منهم نکرهم. يقول الشيخ محمد رشيد رضا: ((نكر الشيء وأنکره: ضد عرفه، أي: نکر ذلك منهم، ووجده علی غیر ما يعهد من الضيف، فإن الضيف لا يمتنع من طعام المضيف إلا لريبة، أو قصد سيء، وأحس في نفسه خیفة منهم وفزعًا، أو أدرك ذلك وأضمره إذ شعر أنهم ليسوا بشرًا، أو أنهم ربما كانوا من قلبه، وتمكين وجدانه من روح الأمن من ملائكة العذاب، والوجس يطلق على ما والسلام)) (٢). يعتري النفس من الشعور والخواطر عند الفزع)»(١). وقد عبر الله عز وجل عن هذا الموقف نفسه في سورة هود بقوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا رَءَا أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لَا تَّخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (١) تفسير المنار، الشيخ محمد رشيد رضا ١٢٨/١٢. ﴾ [هود: ٧٠]. ثم اكتشف إبراهيم حقيقة ضيوفه وأنهم ملائكة الرحمن جاءوا لإهلاك قوم لوط كما بشروه بغلام عليم يكون له من زوجه العجوز العقيم. ((والجميل في التعبير أنه بمجرد ما داخل إبراهيم الخوف، وظهرت علاماته على وجهه، بادر الملائكة إلى طمأنته، وطرد الشعور بالخوف من فؤاده، بالكشف عن هويتهم الملائكية الكريمة، وتعزيزها بإلقاء بشرى الولد، بردًا وسلامًا على إبراهیم، فالرسول آمن عند ربه، وما كان ليروعه شيء ولا أحد أبدًا، وإنما كان خوف إبراهيم توجسًا، أي: شعورًا خفيًّا، فقوله: ﴿وَأَوْجَسَ﴾ من الوجس، وهو إضمار الشعور بالخوف في النفس. ومع ذلك سارعت الملائكة إلى طرد ذلك الخاطر ٢. خوف يعقوب عليه السلام على يوسف من الذئب. منذ اللحظة الأولى التي قصَّ فیھا یوسف رؤياه على أبيه يعقوب عليهما السلام، أدرك يعقوب أنه سيكون ليوسف مستقبل مشرق زاهر، فطلب من يوسف ألا يقص رؤياه على إخوته خوفًا من كيدهم ومكرهم، (٢) مجالس القرآن، فريد الأنصاري ٢/ ١٠٧. ١٦٦ جوسين القرآن الكريم الخوف خاصة وأنهم كانوا يرون تعلق يعقوب به وإيثاره عليهم في زعمهم، ثم جاءت اللحظة التي طلب فيها إخوة يوسف من أبيهم أن یرسل معهم یوسف في نزهة للهو واللعب، ووعدوه بحفظه وحمايته، كما حكى القرآن في قوله سبحانه: ﴿قَالُواْ يََّأَ بَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَئِنَا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَصِحُونَ ﴿ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ، لَحَفِظُونَ قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيّ أَنْ تَذْهَبُواْ بِهِ، وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَفِلُونَ ١٣ [يوسف: ١١ - ١٣]. ((لقد سلّم لهم أبوهم بما طلبوه، ولكنه أظهر لهم بعض مخاوفه، إذا هو أجابهم إلى ما طلبوا .. فهو یحزن لبعد یوسف عنه، ولو لیوم أو بعض يوم، إذ كان سلوته، وأنسه. ثم هو يخشى أن يصيبه مكروه إذا هم غفلوا عنه، فيعدو عليه ذئب من تلك الذئاب المتربّصة لصيد تناله من إنسان أو حيوان في هذه الفلاة التي يرعون فيها! وفي قوله: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّثْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَفِلُونَ﴾ قد وضع بين أيديهم السلاح الذي يستعملونه في تنفيذ أمرهم الذي دبّروه، وليكون لهم منه ما يصدّق ظنون أبيهم ومخاوفه فيما ظنّه وتخوّفه؛ فكانت قصّة الذئب التي جاءوا أباهم بها، هي من وحي هذه الظنون وتلك المخاوف التي أعلنها أبوهم لهم. قَالُواْ لَيِنْ أَكَلَهُ الذِّثْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذَا تَّخَسِرُونَ ﴾ [يوسف: ١٤]. إنهم التقطوا من أبيهم كلمة ﴿الذِّثْبُ﴾ وجعلوها العدوّ المتربص بهم، وأنهم سيأخذون حذرهم منه، وهم عشرة رجال، وإنه لن يستطيع أن ينال شيئًا منهم))(١). ((وهذا المشهد يؤكد حصول انفعال الخوف عند يعقوب عليه السلام تجاه ولده وقرّة عينه يوسف عليه السلام، وهذا الأمر طبيعي جدًّا، وهو فطرة بشرية مغروزة في أعماق الآباء تجاه أولادهم، فالخطر قد يدهم يوسف عليه السلام من غيرة إخوته وحسدهم، أو من بطشهم به من خلال وسوسة الشيطان لهم، فجاء تحذير يعقوب عليه السلام له. ومن حق يعقوب عليه السلام أن يخاف وينفعل، سواء خوفه من الذئب، أو من إهمالهم أخاهم فيأكله الذئب، أو من إخوته أنفسهم، وهو يستشعر تغلغل الحسد إلی قلوبهم»(٢). ٣. خوف موسى عليه السلام من فرعون وزبانيته بعد قتله القبطي بطريق الخطأ. قال الله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِ الْمَدِينَةِ خَيِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِى اُسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ. (١) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٦ / ١٢٤٣ - ١٢٤٤. (٢) الانفعالات النفسية عند الأنبياء في القرآن الكريم، إبراهيم عبد الرحيم مصطفى، رسالة ماجستیر، ص ٦٨ -٦٩ باختصار. www. modoee.com ١٦٧ حرف الخاء قَالَ لَهُمُوسَىَ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُبِينٌ ﴿ فَلَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ بَمُوسَى أَثُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِى كُمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِنِّ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِ اْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا اُلْعَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ ١٩ يَمُوسَىَ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوَكَ فَاخْرُجْ ◌َرَجَ مِنْهَا خَلِفًا إِ لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ )) يَتَرَقَّبِّ قَالَ رَبِّ نَجِى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ ٢١ [القصص: ١٨-٢١]. لأن معهم أمرًا بالقبض عليه وقتله. وخوف موسی طبیعي، لا یلام ولا یعاب عليه، وليس جبنًا ولا ضعفًا، ألا تريد من رجل مطلوب القبض عليه وقتله أن يخاف من ذلك؟ ولكن خوف موسى الطبيعي من الخطر الفرعوني المحدق به لم يؤثر على إيمانه بالله وتو كله علیه وثقته به، فکل حياته كانت هكذا، وکان یری فضل الله علیه وحفظه له، تصور هذه الآيات لحظات الحيرة في كل ما مربه من أحداث))(١). والاضطراب التي انتابت موسى بعد قتله للقبطي بطريق الخطأ وانتشار الخبر في قصر فرعون، وخوف موسى من اكتشاف أمره، خاصة بعدما نصحه أحد الناصحين من آل فرعون بالخروج من مصر قبل أن تصل إليه أیدی زبانية فرعون. ((وقد صور القرآن حالة موسى عندما خرج من المدينة. قال تعالى: ﴿فَرَجَ مِنْهَا خَلِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ ◌َِّى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١]. خرج من المدينة خائفًا، وكان قد أصبح في المدينة خائفًا، وخرج من المدينة يترقب، وكان قد أصبح في المدينة يترقب. كان في المرة الأولى خائفًا أن يتعرف عليه أحدهم؛ لأنه قتل قبطیًّا بالأمس، وكان يترقب ويتلفت وينظر يمنة ويسرة. أما الآن فهو خائف من جنود فرعون، (١) القصص القرآني عرض وقائع وتحليل أحداث، صلاح الخالدي ٢/ ٣٢٣. ١٦٨ جوبيع القرآن الكريمِ الخوف أسباب الخوف المحمود أولًا: معرفة الله بصفات جلاله وعظمته و کبریائه: إن التفكر في عظمة الله تعالى عبر التدبر في أسمائه وصفاته، يفتح للقلب البشري نافذة يطل منها على أوصاف العظمة والكبرياء لله عز وجل، بما يسكب في القلب الخوف منه والحرص على خشيته وتقواه، فالقلب اليقظ حين يتأمل في صفات مولاه ويعلم أنه هو القوي المتين، الكبير المتعال، الواحد القهار، الحميد المجيد، القادر المقتدر والجبار المتكبر، ذو العرش المجيد، الفعال لما يريد، ذو الجبروت والملكوت، عندها تنتابه قشعريرة ووجل تدفعه إلى سلوك سبيل الهدى. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اَللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]. إنها الارتعاشة الوجدانية التي تنتاب القلب المؤمن حین یذکر بالله في أمر أو نھي فيغشاه جلاله، وتنتفض فيه مخافته ويتمثل عظمة الله ومهابته، إلى جانب تقصيره هو وذنبه، فينبعث إلى العمل والطاعة، وهي الحال التى يجدها القلب المؤمن حين يذكر بالله في صدد أمر أو نهي فيأتمر معها وينتهي كما يريد الله؛ وَجَلًا وتَقْوَى لله(١). وقد نعی الله عز وجل على أولئك الذين لا يتفكرون في عظمة ربهم في قوله تعالى: ﴿مَّا لَكُمْلَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴾ [نوح: ١٣]. وقد ذکر الماوردي في هذه الآية خمس تأويلات نذكر منها: ((أحدها: ما لكم لا تعرفون للّه عظمة، قاله مجاهد، وعكرمة. الثاني: لا تخشون لله عقابًا وترجون منه ثوابًا، قاله ابن عباس في رواية ابن جبير. الثالث: لا تعرفون لله حقه ولا تشکرون له نعمه، قاله الحسن. الرابع: لا تؤدون للّه طاعة، قاله ابن زيد)»(٢). فما أعجب من يرى آيات الله مبثوثة في الكون والأنفس تنبىء عن عظمته وجلاله، ثم ينصرف دون أن يخشع قلبه أو تنتفض جوارحه أو يسكن الإيمان واليقين وجدانه! قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّتْ بِيَمِينِهِ، سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الزمر: ٦٧]. بتصرف. (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٤٧٥/٣ (٢) النكت والعيون، الماوردي ١٠١/٦. www. modoee.com ١٦٩ حرف الخاء ثانيًا: الشعور بالتفريط في جنب الله، ومعرفة قبح عواقب الذنوب والمعاصي: إن القلب اليقظ المترع بالخوف من مولاه ينتفض وجلًا وخشية كلما وقع في المعصية أو قصّر في الطاعة؛ لأنه يعلم ما للمعاصي والذنوب من أضرار سيئة وعواقب وخيمة في الدنيا والآخرة، وأنها قد تشکل -مع إلفها والتعود عليها- حجابًا يحرمه تذوق حلاوة الإيمان ولذة العبادة، ويقوده إلى الغفلة واتباع الهوى. ((إن الخوف منه تعالى مانعٌ للذنب، عاصمٌ من الخطأ، حافظٌ من الزلل، مبعدٌ عن الخلل، حافزٌ للنفس، موقظٍ للضمير، حاتٌ على الاجتهاد، وأنى لقلب لم يزرع فیه خوف الله أن يرتدع عن الهوى، ويرعوي عن الجهل، وكيف لفؤادٍ لم تسكنه خشية الله والهيبة لجلاله، والوجل من بطشه، والإشفاق من وعيده؛ كيف له أن يعمر بالطاعة، ويتجافى عن المعصية، ويتنكر للخطيئة، ويستوحش من الذنب))(١). فالخوف من الله يجعل العبد في حساسية وتوق للذنوب؛ لأنه يعلم أن كل ما يفعله من طاعات ومعاصٍ مسجل في صحیفته، منشور في ديوانه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسِ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ؟ أَمَدَأُ بَعِيدًاً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ, وَاَللَّهُ رَءُوفٌ بَلْعِبَادِ ﴾ [آل عمران: ٣٠]. كما أخبر تعالى أن الميزان دقيق يزن أصغر الأشياء وأحقرها، من خير أو شر. قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوْزِنَ الْقِسْطَ لِيَّؤْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنْتِنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِينَ ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. قال ابن القيم: ((العبد إما أن يكون مستقيمًا أو مائلاً عن الاستقامة، فإن كان مائلًا عن الاستقامة فخوفه من العقوبة على ميله، ولا يصح الإيمان إلا بهذا الخوف، وهو ينشأ من ثلاثة أمور: أحدها: معرفته بالجناية وقبحها. والثاني: تصديق الوعيد وأن الله رتب على المعصية عقوبتها. والثالث: أنه لا يعلم لعله يمنع من التوبة ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب. فيهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف، وبحسب قوتها وضعفها تكون قوة الخوف وضعفه، فإن الحامل على الذنب إما أن يكون عدم علمه بقبحه، وإما عدم علمه بسوء عاقبته، وإما أن يجتمع له الأمران لکن يحمله عليه اتكاله على التوبة، وهو الغالب (١) الله أهل الثناء والمجد، ناصر الزهراني ص من ذنوب أهل الإيمان، فإذا علم قبح ٦٤٣. ١٧٠ جوبيبو القرآن الكريمِ الخوف الذنب، وعلم سوء مغبته، وخاف أن لا يفتح له باب التوبة بل يمنعها ویحال بينه وبينها اشتد خوفه هذا قبل الذنب، فإذا عمله کان خوفه أشد. وبالجملة، فمن استقر فى قلبه ذكر الدار الآخرة وجزائها، وذكر المعصية والتوعد عليها، وعدم الوثوق بإتيانه بالتوبة النصوح هاج فى قلبه من الخوف ما لا يملكه ولا يفارقه حتى ينجو))(١). ثالثًا: مراقبة الله تعالى في السر والعلن: إن علم المؤمن بسعة علم الله تعالى وإحاطته وشموله ومراقبته، وأنه لا تخفی عليه خافية، ولا تغيب عنه ذرة، وأنه معه أينما كان، وأنه لا تأخذه سنة ولا نوم، يعلم خلجات الأنفس، وخواطر القلب، وخائنة الأعين وما تخفي الصدور، كل هذه الحقائق إذا تمثلها القلب المؤمن غرست فيه شجرة الخوف من الله وامتدت فروعها إلى الجوارح، فأتت أكلها الطيبة بإذن ربها وأثمرت عملاً صالحًا، وقولًا رابحًا، وسلوگًا قويمًا، وفعلا کریمًا. قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَتَكُمُ اللّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُ: أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمُ اللَّهُ مَن يَخَافُّهُ بِالْغَيْبٍ، فَمَنِ أَعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ. عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المائدة: ٩٤]. (١) طريق الهجرتين، ابن القيم ص ٦١٦. ابتلى عباده المؤمنين بصيد البر يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح سرًّا وجهرًا،ويقع في متناول أیدیھم من غیر معاناة، أو بحث عنه، إذ هو قريب دان، يغري بصیده، وذلك امتحان للتقوى في قلوبهم واختبار للخشیة في نفوسهم، حيث لا يمنع المرء من الصيد في هذا الموطن إلا تقوى الله والخوف منه. رابعًا: تذكر الموت وشدته والقبر وظلمته: من أهم أسباب الخوف التفكر في الموت، المصير المحتوم، والأجل المكتوب، والخاتمة المنتظرة، لا مهرب منه ولا مفر، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَقِيَكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]. لايفرق بين غني وفقير، ملك أو مملوك، عظيم أو حقير، الموت هو موعد ظهور نتيجة امتحان الدنيا وعندها ينقسم الناس إلى فريقين: فريق ينتظره التكريم والإحسان، كما قال تعالى: ﴿تَنَّنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. وفريق آخر ينتظره الخزي والهوان كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىَّ إِذْيَتَوَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يخبر الله عز وجل في هذه الآية أنه اٌلْمَلَمِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ وَذُوقُواْ ﴾ [الأنفال: ٥٠]. ٢٥٠ عَذَابَ الْحَرِيقِ www. modoee.com ١٧١ حرف الخاء اللحظات العصيبة: «اعلم أنه لو لم یکن بین یدي العبد المسکین کرب، ولا هول، ولا عذاب سوی سكرات الموت بمجردها لكان جديرًا بأن ينغص عليه عيشه، ويتكدر عليه سروره، ويفارقه سهوه وغفلته، وحقیقًا بأن یطول فيه فكره، ویعظم له استعداده، لا سيما وهو في کل نفس بصدده، كما قال بعض الحكماء: کرب بيد سواك لا تدري متى يغشاك. والعجب أن الإنسان لو كان في أعظم اللذات، وأطيب مجالس اللهو فانتظر أن يدخل عليه جندي فيضربه خمس خشبات لتكدرت علیه لذته، وفسد عليه عيشه وهو في كل نفس بصدد أن يدخل عليه ملك الموت بسكرات النزع وهو عنه غافل))(١). وقد عرض القرآن الكريم صورة لحظة الموت وخروج الروح بما يبث الخشية في القلب، ويغرس المراقبة في النفوس، وذلك في قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِذَا بَلَغَتِ التََّابِ ) وَقِيلَ مَنّ رَقٍ﴿ وَظَنَّ أَنَهُ الْفِرَقُ (٢٥) وَاُلْتَقَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ٢٩ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَيِذٍ الْسَاقُ ﴾ [القيامة: ٢٦-٣٠]. ﴿وَالْنَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ ((أي: اجتمعت الشدائد والتفت، وعظم الأمر وصعب الكرب، وأريد أن تخرج الروح التي ألفت (١) إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي ١٨٣٩/٣ - ١٨٤٠. يقول أبو حامد الغزالي مصورًا هذه البدن ولم تزل معه، فتساق إلى الله تعالى، حتى يجازيها بأعمالها، ويقررها بفعالها. فهذا الزجر الذي ذكره الله يسوق القلوب إلى ما فيه نجاتها، ويزجرها عما فيه هلاکھا)»(٢). ويلحق بالخوف من الموت الخوف من القبر وضمته وظلمته ووحشته .. عن عبدالله ابن عمر رضي اللّه عنهما: أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم قال: (إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ، إن كان من أهل الجنّة فمن أهل الجنّة، وإن كان من أهل النّار فمن أهل النّار، فيقال: هذا مقعدك حتّى يبعثك اللّه يوم القيامة)(٣). خامسًا: التفكر في القيامة وأهوالها: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ قال تعالى: رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ [الحج: ١]. ((أي: اخشوه في أوامره أن تتركوها، ونواهيه أن تقدّموا عليها. والاتّقاء: الاحتراس من المكروه، والمعنى: احترسوا بطاعته عن عقوبته. قوله تعالى: زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ الزلزلة: شدّة (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٥٢٨. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، رقم ١٣٧٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، رقم ٢٨٦٦. ١٧٢ جوبيبو القرآن الكريمِ الخوف الحركة، وأصل الكلمة من زلّ عن الموضع، أي: زال عنه وتحرّك، وهذه اللّفظة تستعمل في تهويل الشّيء. وقيل: هي الزلزلة المعروفة الّتي هي إحدى شرائط السّاعة، الّتي تكون في الدّنيا قبل يوم القيامة، هذا قول الجمهور)) (١). إنه يوم عصيب شدید الأهوال «ومن هنا کان الذين يؤمنون بالآخرة، ولا یعملون لها، مطالبين بأن ينتبهوا، وأن يعملوا أكثر مما عملوا .. فإنهم على يقظتهم، وعلى خوفهم من لقاء ربّهم، وعلى إعدادهم ليوم اللقاء، إنهم مع هذا کله أشبه بالغافلین، فإن الهول شدید، والموقف لا یمکن تصوره، ومن هنا أيضًا کان المؤمن فى حاجة دائمة إلى تذکر هذا اليوم، وإلى الحياة معه، وإلى العمل له، وإنه مهما أكثر من عمل، فإنه قليل إلى المطلوب منه لهذا اليوم، لو علم هوله، وتصور صورته)» (٢). ولقد تعددت النصوص القرآنية التي تصف أهوال ذلك اليوم العصيب، منها على سبيل المثال قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيَبًا السَّمَآءُ مُنْفَظِرٌ بِدََّ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا ﴾ [المزمل: ١٧ -١٨]. وقوله سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَاخْشَوْاْ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدُّ عَنِ وَلَدِهِه وَلَا مَوْلُودٌ (١) فتح القدير، الشوكاني ٤٣٥/٣. (٢) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٩/ ٠٩٧٣ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًاْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَنَّكُمْ بِاللّهِ الْغَرُورُ ﴾ [لقمان: ٣٣]. وقوله سبحانه: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ إِلَّ مَن شَآءَ اللّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ [الزمر: ٦٨]. روى الترمذي وأحمد من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي العين فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ [التكوير: ١]، و﴿إِذَا السَّمَآءُ أَنفَطَرَتْ O [الانفطار: ١]، ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ )﴾ [الانشقاق: ١])(٣). إن تنوع النصوص القرآنية التي تصف أهوال ذلك الیوم و کثرتھا یهدف إلی بث الخوف في قلوب العباد حتى يستقيم سيرهم على الصراط المستقيم في رحلتهم في الحياة الدنيا، ويسهل عليهم تقوى الله في السر والعلن، فتصبح التقوى هي أقوالهم جمیع الميزان الذي يزنون به وأفعالهم، ويحتكمون إليه في خلافاتهم وخصوماتهم، ولا ينتفع بهذه الآيات إلا (٣) أخرجه الترمذي، كتاب القراءات عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، باب ومن سورة (إذا الشمس كورت)، رقم ٣٣٣٣. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم ١٠٨١. www. modoee.com ١٧٣ حرف الخاء أصحاب القلوب الحية الذين لا تشغلهم الدنيا بزخارفها وزينتها عن ذكر ربهم وعبادته، ابتغاء رضوانه، وخوفًا من لقائه في يوم تضطرب فيه القلوب هولًا وفزعًا، وتزيغ فیه الأبصار، کربًا وجزعًا كما وصفهم ربهم ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ بقوله: وَالْأَبْصَرُ﴾ [النور: ٣٧]. سادسًا: التفكر في النار وشدة عذابها: إن المتدبر للنصوص القرآنية يجد القرآن قد عرض صورًا متكررة لعذاب النار من أجل بث الخوف في نفوس العباد وحمل القلوب على الاستقامة على طاعة الله والفرار من معصيته. قال تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبِ نَذِيرًا لِلْبَشَّرِ [المدثر: ٣٥-٣٦]. ((أي: إنّ هذه النّار لإحدى الكبر، أي: لإحدى الدّواهي، و﴿اَلْكُرِ﴾: هي العظائم من العقوبات، وقال الحسن: واللّه ما أنذر الخلائق بشيءٍ أدهى منها))(١)، كما وصف الله تعالى النار بأنها تلهب وتتوقّد وذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَكَفَّى ﴾ [الليل: ١٤]. كما أخبر سبحانه أن ما أعده لأهل الشقاء من العذاب داع يدعو عباده إلى التقوى وزاجر عما يوجب العذاب، وذلك في قوله (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٩٣/٢١. جَوَسُوبَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم تعالى: ﴿لَهُم مِّنْ فَوْقِهِمْ ظَلَلٌ مِنَ النَّارِ وَ مِنْ تَعْنِهِمْ ◌َُلٌ ذَلِكَ يُخَوّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَةُ يَعِبَادٍ فَأَّقُونِ ( ١٦ [الزمر: ١٦]. كما تنوعت الآيات التي تصف عذاب أهل النار، فقد ذكر تعالى أن حرها شدید، وقعرها بعید، ومقامعها من حديد، ثيابهم من قطران، يصب فوق رؤوسهم الماء المغلي، فلا يفتر عنهم العذاب، ولا هم ينظرون، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَّمْ نِيَابٌ مِّنْ ثَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ٢٠ ١٩ وَلَهُمْ مَّقَيِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَيرٍ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ اْحَرِيقِ ﴾ [الحج: ١٩-٢٢]. ويكفي في وصف عذاب النار أن غمسة واحد فيها تنسي المرء كل ألوان النعيم والمتاع في الدنيا، فما بالك بالخلود الأبدي والعذاب السرمدي. عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (يؤتى بأنعم أهل الدّنيا من أهل النّار يوم القيامة، فیصبغ في النّار صبغةً، ثمّ يقال له: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قطّ، هل مرّ بك نعيمٌ قطّ؟ فیقول: لا والله يا ربّ)(٢). (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب صبغ أنعم أهل الدنيا في النار، وصبغ أشدهم بؤسًا في الجنة، رقم ٢٨٠٧. ١٧٤ الخوف يا لها من أهوال وشدائد يود المرء لو والسلام بصحبة أولياء الله تعالى المريدين يفتدي في سبيل الخلاص منها بكل ما لوجهه والمبتغين لفضله، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْمَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨]. يملك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ، مَعَهُ, لِيَفْتَدُواْ بِهِ، مِنْ عَذَابٍ يَوْمِ اٌلْقِيَامَةِ مَا نُقُئِلَ مِنْهُمْ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المائدة: ٣٦]. ولکن هیهات هيهات! ولما تدبر عباد الرحمن صور عذاب أهل النار وما يقاسونه من الألم والحرمان، دعوا الله عز وجل في ضراعة وخشوع أن يصرف عنهم عذابها وينجيهم من أهوالها، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَرَبَّنَا اُصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَتَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرَّا وَمُقَامًا ٦٥ [الفرقان: ٦٥-٦٦]. وهكذا يفعل الخوف في نفوس الصالحين يمنحهم يقظة دائمة تجعلهم يفكرون كثيرا في عذاب النار، حتى تصبح النجاة منها شغلهم الشاغل. سابعًا: مجالسة الصالحين والاستماع لنصائحهم: فالجليس لا يخفى أثره سلبًا أو إيجابًا على أحد، فمجالسة الخائفين تورث الخوف من الله، ومجالسة الغافلين تورث الغفلة عن الله. ألم يوص الله تعالى نبيه عليه الصلاة فهي دعوة للنبي عليه الصلاة والسلام -ولأمته من بعده- بالمداومة على مجالسة الذين يذكرون الله ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه ويسألونه ويدعونه في كل وقت يبتغون وجهه ويطلبون مرضاته، ومجاهدة النفس على صحبتهم ومخالطتهم، فإن صحبتهم ترقق القلب، وتزكي النفس، وتحفز على العمل للآخرة، وتثبّت المرء على الطاعة والعبادة، فشتان شتان بين صحبة تذكرك بالله، وتغرس الخشية منه تعظيمًا وإجلالًا لمقامه، وبين صحبة تزين لك شهوات الدنيا، وتغريك بالإقبال على مغرياتها، وتضعف رغبة القلب في السير إلى الآخرة. عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّما مثل الجليس الصّالح والجليس السّوء، کحامل المسك ونافخ الکیر. فحامل المسك إمّا أن يحذيك(١)، وإمّا أن تبتاع منه، وإمّا أن تجد منه ريحاً طيّةً. ونافخ الكير إمّا أن (١) أي: يعطيك. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٣٩٥/٨. www. modoee.com ١٧٥ حرف الخاء یحرق ثيابك، وإمّا أن تجد ربحًا خبیئةً)(١). ((قال الراغب: نبه بهذا الحديث على أن حق الإنسان أن يتحری بغاية جهده مصاحبة الأخيار ومجالستهم فهي قد تجعل الشرير خيرًا كما أن صحبة الأشرار قد تجعل الخير شريرًا، وليس إعداء الجليس جليسه بمقاله وفعاله فقط بل بالنظر إليه والنظر في الصور يورث في النفوس أخلاقًا مناسبة لخلق المنظور إليه)) (٢) وهكذا فمجالسة الصالحين سبب للتشبه بهم، والأخذ عنهم والاتعاظ بأحوالهم. ثامنًا: تدبر القرآن: وتدبر القرآن يجمع كل ما سبق من أسباب الخوف، ففيه تدبر صفات الجلال والعظمة والكبرياء لله تعالى مما يثمر المراقبة له سبحانه، وفيه آیات الوعيد وما أعده الله عز وجل للعصاة من العذاب الأليم، وفيه وصف لأهوال الموت والقيامة والنار، وفيه ذكر عاقبة التفريط في جنب الله واستمراء الذنوب، وفيه عقوبات الله تعالى الدنيوية للأمم السابقة لما أصرت على التکذیب والعناد. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الذبائح والصيد، باب المسك، رقم ٥٥٣٤، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب مجالسة الصالحين، رقم ٢٦٢٨. (٢) فيض القدير، المناوي ٥/ ٥٠٧ بتصرف. جوسين القرآن الكَرِيمِ قال الإمام ابن القيم: «فليس شيء أنفع للعبد فى معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته؛ من تدبر القرآن وإطالة التأمل وجمع الفكر على معاني آياته، فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل، وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل، وتحثه على التضمر والتخفف للقاء اليوم الثقيل»(٣). قال الله تعالى: ﴿فَذَّكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ ﴾ [ق: ٤٥]. «قال ابن عبّاسٍ: قالوا: يا رسول اللّه لو خوّفتنا، فنزلت: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ ﴾ أي: ما أعددته لمن عصاني من العذاب»(٤). وهكذا ((إن كلمات القرآن إنما تقع موقع الإيمان من القلوب المشفقة من اليوم الآخر، ومن الفطر السليمة التي تصغي إلى وعيد الله ونذيره، فتدرك أنه الحق، ولا تعميها الأهواء والشهوات عن الاستجابة لله ولرسوله» (٥). وقد بين الله عز وجل أن لآياته المجيدة أعظم أثر في تخويف القلوب من باريها وتحذيرها سطواته، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ لْحَدِيثِ كِنَبًا مُّتَشَبِهَا مَّثَانِىَ نَقْشَعُِ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣]. (٣) مدارج السالكين، ابن القيم ١١٦٠/٢- ١١٦٣ بتصرف. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩/ ٤٦٧. (٥) مجالس القرآن، فريد الأنصاري ٢/ ٧١. ١٧٦ الخوف ((والقشعريرة، حال تعتري الجسد من أثر رهبة أو خوف، فیموج الجلد بموجات أشبه بمسّة الکھرباء. واقشعرار جلود الذین يخشون ربّهم من هذا الحديث المنزل من عند اللّه، هو لما يقع فى قلوبهم من رهبة وجلال لما يسمعون من كلام اللّه، الذي يقول سبحانه وتعالى فيه: ﴿لَوْ أَنْنَا هَذَا اٌلْقُرْءَانَ عَلَى جَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَّصَدِّعًا مِنْ خَشِيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]. فإذا نزل هذا القرآن على القلوب المؤمنة اهتزت لجلاله، وزلزلت أقطارها لرهبته)» (١). فيا لروعة القلوب المؤمنة تتلقى آيات ربها في وجل وارتعاش، وفي تأثر شديد تقشعر منه الجلود، فيستشعرون الرهبة منه عز وجل في حالة عصيانه أو التقصير في طاعته، فتعيدهم هذه الرهبة إلى الصراط المستقيم، لينعموا بالأمن والسلام والأمان. (١) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٠١١٤٥/١٢ آثار الخوف المحمود للخوف المحمود آثار إيجابية منها: أولًا: الاستقامة على طاعة الله، واجتناب الكبائر والموبقات. إن الخوف من الله يمنح القلب يقظة تعينه على توقّي عثرات ومزالق الطريق، وتدفعه للاستقامة على طاعة ربه واجتناب كل ما حرمه من الكبائر والصغائر، كما تسوقه إلى التوبة إذا شرد عن الطريق أو غشيته سحب الغفلة. وقد قص الله علينا في كتابه الكريم خبر ابني آدم عندما تقبل الله قربان أحدهما لصلاحه ولم يتقبل من الآخر لفساده، فعزم الأخير على قتل أخيه حسدًا وحقدًا، فأخبره الأخ الصالح أنه لا يريد أن يتعرض لقتله، لا ابتداء ولا مدافعة بسبب خوفه من الله، كما قال تعالى: ﴿لَبِنْ بَسَطْتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِنَقْتُلَنِى مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكٌ إِّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴾ [المائدة: ٢٨]. والعبرة في هذا الموقف أن الخوف من الله إذا استقر في القلب أورث مراقبة الله عز وجل، والتي بدورها تمنعه من ارتكاب المحرمات، وفعل المعاصي والمنكرات. فالخوف هو صمام الأمان في حياة الأفراد والجماعات، وإنه أقوى حارس لهم، يمنعهم من الاعتداء والظلم والطغيان. www. modoee.com ١٧٧ حرف الخاء فالمؤمن عندما يواجه طوفان المغريات ثانيًا: المسارعة إلى الخيرات والتنافس في الأعمال الصالحات: والموبقات، أو يزين له الشيطان الوقوع في المحرمات، يرفع دائمًا شعار ﴿إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾، فيثبت على الطاعة، ويلزم الاستقامة. يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله: ((اعلم أن الشهوات لا تنقمع بشيء كما تقمع بنار الخوف، فالخوف هو النار المحرقة للشهوات، فإن فضيلته بقدر ما يحرق من الشهوات، وبقدر ما يكف عن المعاصي ويحث على الطاعات، ويختلف ذلك باختلاف درجات الخوف، وكيف لا يكون الخوف ذا فضيلة وبه تحصل العفة والورع والتقوى والمجاهدة وهي الأعمال الفاضلة المحمودة التي تقرب إلى الله زلفى))(١). وقد ذكر ابن القيم بعض الأقوال التي تؤكد على أهمية الخوف في تحقيق الاستقامة منها: ((قال أبو سليمان: ما فارق الخوف قلبًا إلّا خرب، وقال إبراهيم بن شيبان: إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشّهوات منها، وطرد الدّنيا عنها، وقال ذو النّون: النّاس على الطّريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلّوا الطّريق))(٢). (١) إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي ١٥٠٩/٣. (٢) مدارج السالكين، ابن القيم ٢ / ١٣٠٥. تنوعت النصوص القرآنية التي تبين أن الخوف من الله باعث على المسارعة إلى الخيرات والتنافس في القربات .. فقد أثنى الله تعالى على أنبيائه لما كانوا عليه من الخوف من عذابه والخشوع لعظمته وجلاله والطمع فی رحمته. ﴿إِنَّهُمْ وذلك في قوله تعالى: كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّ وَكَانُواْ لَنَا خَشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَتِ﴾ ((أي: في عمل القربات وفعل الطّاعات، ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ قال الثّوريّ: ﴿رَغَبًا﴾ فيما عندنا، ﴿وَرَهَبَا﴾ ممّا عندنا، ﴿وَكَانُواْ لَنَا خَشِعِينَ﴾ قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: أي: مصدّقين بما أنزل اللّه. وقال مجاهدٌ: مؤمنين حقًّا. وقال أبو العالية: خائفين. وقال أبو سنان: الخشوع هو الخوف اللازم للقلب، لا یفارقه أبدًا»(٣). كما مدح الله عز وجل عباده الصالحين الذين دفعهم الخوف منه سبحانه إلى هجر مضاجعهم ليذكروا اللّه ويدعوه، خائفين من عذابه، طامعين في رحمته، كما في (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧٠/٥. ١٧٨ القرآن الكريم