النص المفهرس
صفحات 21-40
الخير
يرثونه، ﴿پِالْمَعْرُوفِ﴾: وهو ما أذن الله فيه
وأجازه في الوصية مما لم يجاوز الثلث،
ولم يتعمّد الموصي ظلم ورثته، ﴿حَقًّا عَلَى
الْمُنَّقِينَ﴾، يعني بذلك: فرض عليكم هذا
وأوجبه، وجعله حقًّا واجبًا على من اتقى الله
فأطاعه أن يعمل به. ((وجمهور المفسرين
علی أن هذه الآية منسوخة بالمواریث»(١).
تنمية أموال اليتيم.
حثّ القرآن على المحافظة على أموال
اليتامى، وعدم إهدارها أو الاستيلاء عليها
بغير وجه حق، ورغّب في تنميتها لهم، قال
تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَّىَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ
خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَاتُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
والمعنى: «ويسألونك یا محمد عن مال
اليتامى، وخلطهم أموالهم به في النفقة،
والمطاعمة، والمشاربة، والمساكنة،
والخدمة، فقل لهم: تفضّلكم عليهم
بإصلاحكم أموالهم من غير أخذ عوض
من أموالهم على إصلاحکم ذلك لهم، خيرٌ
لكم عند الله، وأعظم لكم أجرًا؛ لما لكم
في ذلك من الأجر والثواب، وخيرٌ لهم في
أموالهم في عاجل دنياهم؛ لما في ذلك من
توفر أموالهم عليهم» (٢).
التمسك بالكتاب والسنة.
قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَزَعْثُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى
(١) جامع البيان، الطبري ٣/ ٣٨٤.
(٢) المصدر السابق ٤ / ٣٥٤ - ٣٥٥.
اُللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِّ ذَلِكَ
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
والمعنى كما قال ابن كثير: ((ردّوا
الخصومات والجهالات إلى كتاب الله
وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر
بينكم إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر،
فدلّ على أنّ من لم يتحاكم في مجال النّزاع
إلى الكتاب والسّنّة، ولا يرجع إليهما في
ذلك، فليس مؤمنًا باللّه ولا باليوم الآخر.
وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾، أي: التّحاكم إلى
كتاب الله وسنة رسوله، والرّجوع في فصل
النّزاع إليهما خيرٌ وأصلح لكم في دنياكم؛
لأن ذلك يدعوكم إلى الألفة، وترك التنازع
والفرقة، ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، أي: وأحسن
عاقبةً ومالاً))(٣).
* القتال في سبيل الله.
وهو من أفضل الأعمال، قال تعالى:
﴿وَلَيْن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الَّهِأَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ
اللَّهِ وَرَحْمَةُ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران:
١٥٧].
قال الطبري: ((يخاطب جل ثناؤه عباده
المؤمنين، يقول لهم: لا تكونوا - أيها
المؤمنون- في شك من أن الأمور كلها
بيد الله، وأن إليه الإحياء والإماتة، كما
شك المنافقون في ذلك، ولكن جاهدوا
في سبيل الله وقاتلوا أعداء الله، على يقين
(٣) تفسير القرآن العظيم، ٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦.
www. modoee.com
٢٤٣
حرف الخاء
منكم بأنه لا يقتل في حرب ولا يموت في نشاط، وقيل: أقوياء وضعفاء، كهولًا وشبانًا،
في العسر واليسر، أو أغنياء وفقراء.
سفر إلا من بلغ أجله، وحانت وفاته، ثم
وعدهم على جهادهم في سبيله المغفرة
والرحمة، وأخبرهم أن موتًا في سبيل الله
وقتلًا في الله، خير لهم مما يجمعون في
الدنيا من حطامها، ورغيد عيشها الذي من
أجله یتثاقلون عن الجهاد في سبيل الله،
ويتأخرون عن لقاء العدو))(١).
وقد يكون القتال في سبيل الله فرض
عين على كل حال، في اليسر والعسر،
والغنى والفقر، والخفة والثقل، قال
تعالى: ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ
بِأَمْوَ لِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ
لَّكُمْ إِنْ كُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١].
وأصل النفر: الخروج إلى مكان لأمر
واجب، والمراد هنا: الحث على الجهاد،
والدعوة إليه عند غلبة العدو على بلد من
بلاد المسلمين، أو مقاربته ديار الإسلام.
قال ابن كثير: ((أمر اللّه تعالى بالنّفير
العامّ مع الرّسول صلوات الله وسلامه
عليه عام غزوة تبوك، لقتال أعداء اللّه من
الرّوم الكفرة من أهل الكتاب، وحتّم على
المؤمنین في الخروج معه علی کلّ حال، في
المنشط والمكره، والعسر واليسر))(٢).
﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، أي: نشاطًا وغير
(١) جامع البيان، الطبري ٧/ ٣٣٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ٤ / ١٥٦.
كما أن الجهاد تجارة تنجي صاحبها
من العذاب الأليم، كما قال تعالى: ﴿يَأَيَُّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَقُلْكُمْ عَلَى ◌َِزَقْ نُجِيْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيم
﴿٢ تُؤْمِنُنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِ. وَتُمَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِبِأَمْوَلِكُمْ
وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنَ كُنَعَلُونَ﴾ [الصف: ١٠
-١١].
قال الفخر: «وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُونُ
)، يعني: الّذي أمرتم به من الإيمان بالله
تعالى، والجهاد في سبيله، خيرٌ لكم من أن
تتبّعوا أهواءكم))(٣).
وفي الآية إشارة إلى أن الجهاد يقتضي
بذل الأموال والأنفس، قال ابن عاشور:
((وإذ قد كان الخطاب لقوم مؤمنين فإنّ
فعل ﴿تُؤْمِنُونَ بِالَّهِ﴾ مع ﴿وَتُهِدُونَ﴾ مرادٌ به:
تجمعون بين الإيمان بالله ورسوله، وبين
الجهاد في سبيل اللّه بأموالكم وأنفسكم؛
تنويهًا بشأن الجهاد، وأمّا ﴿وَتَُّهِدُونَ﴾: فإنّه
لإرادة تجدّد الجهاد إذا استنفروا إليه))(٤).
# الابتلاء بالخير.
الابتلاء كما يكون بما تكرهه النفس،
وهو الشر، کذلك یکون بما تحبه النفس،
وهو الخير.
قال تعالى: ﴿وَبْلُوكُمْ بِلشَّرٍّ وَالْخَيَرِ فِتْنَةٌ
(٣) مفاتيح الغيب، ٢٩/ ٣٥١.
(٤) التحرير والتنوير ٢٨/ ١٩٤.
٢٤٤
جَوَسُوعَة النفسية
القرآن الكريم
الخير
وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥].
وأصل البلاء في كلام العرب الاختبار
والامتحان.
قال الطبري في معنى الآية: ((أي:
ونختبركم - أيها الناس - بالشر: وهو الشدة
نبتليكم بها، وبالخير: وهو الرخاء والسعة
العافية فنفتنكم به))(١).
وقال الزمخشري: ((أي: نختبركم بما
يجب فيه الصبر من البلايا، وبما يجب فيه
الشكر من النعم، وإلينا مرجعكم فنجازيكم
على حسب ما يوجد منكم من الصبر أو
الشكر)»(٢).
فبخلوا به، ولم يؤدوا منه حقه، قال تعالى:
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن
فَضْلِهِ هُوَ خَيَالَمُّ بَلَّ هُوَ شَرٌّ لَهُمّ سَيُطَوَّقُونَ مَا
بَعْلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠].
قال الفخر في المسألة الثانية من تفسير
هذه الآية: ((اعلم أنّ الآية دالّةٌ على ذمّ البخل
بشيءٍ من الخيرات والمنافع، وذلك الخير
يحتمل أن یکون مالًا، وأن یکون علمًا»(٣).
وعليه، فالآية تدل على أن الله آتاهم
من فضله مالًا أو علمًا، ابتلاءً، أي: امتحانًا
واختبارًا لهم هل يؤدون حقه -وهو الزكاة-
(١) جامع البيان، ١٨/ ٤٣٩.
(٢) الكشاف ٣/ ١١٦.
(٣) مفاتيح الغيب، ٩/ ٤٤٣.
أو لا؟
ومن الناس من إذا أنعم الله عليه بالخير
ابتلاءًا له أمسکه وضنّ به، كما قال تعالى:
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١].
أي: «إذا کثر ماله، ونال الغنی فهو منوع
لما في يده، بخيل به، لا ينفقه في طاعة الله،
ولا يؤدي حق الله منه)»(٤).
* تعظيم حرمات الله.
ومن الخير: تعظيم حرمات الله، المشار
إليه بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُّمَتِ
اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠].
أي: ((ومن يجتنب معاصيه ومحارمه،
ومن صور الابتلاء بالخير المذكورة في ويكون ارتكابها عظيمًا في نفسه، فهو خيرٌ
القرآن ما ورد في شأن الذين آتاهم الله مالًا له عند ربّه، أي: فله على ذلك خيرٌ كثيرٌ
وثوابٌ جزيلٌ، فكما على فعل الطّاعات
ثوابٌ جزيلٌ وأجرٌ كبيرٌ، فكذلك على ترك
المحرّمات واجتناب المحظورات)» (٥).
ونقل الطبري عن مجاهد قوله:
((الحرمات: مكة والحجّ والعمرة، وما نهى
الله عنه من معاصیہ کلها».
ونقل عن ابن زيد قوله: ((الحرمات:
المشعر الحرام، والبيت الحرام، والمسجد
الحرام، والبلد الحرام)»(٦).
وقال الفخر: ((والحرمة: ما لا يحلّ
هتكه، وجميع ما كلّفه اللّه تعالى بهذه الصّفة
(٤) جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٦١١.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٤١٩.
(٦) جامع البيان، ١٨/ ٦١٧.
www. modoee.com
٢٤٥
حرف الخاء
من مناسك الحجّ وغيرها، يحتمل أن يكون فيها، ومن الأخلاق التي دعا إليها الإسلام
ونصّ على خيريتها:
عامًا في جمیع تکالیفه، ویحتمل أن يكون
خاصًّا فيما يتعلّق بالحجّ. وقوله: ﴿َخَيْرٌ لَّهُ.
عِندَ رَبِّهِ﴾: يدلّ على الثّواب المدّخر؛
لأنّه لا يقال عند ربّه فيما قد حصل من
الخيرات)»(١).
وقال ابن عاشور: ((والحرمات: جمع
(حرمةٍ) بضمّتين، وهي ما يجب احترامه.
والاحترام: اعتبار الشّيء ذا حرمٍ، كنايةٌ عن
عدم الدّخول فیه. أي: عدم انتهاكه بمخالفة
أمر الله في شأنه. والحرمات یشمل کلّ ما
أوصى اللّه بتعظيم أمره، فتشمل مناسك
الحجّ كلّها)»(٢).
ثالثًا: الأخلاق:
الأخلاق میدان عظیم من میادین الخير،
وبسببها فضل الله هذه الأمة على غيرها من
الأمم؛ لتواصيها فيما بينها بالحق والصبر،
وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ
أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمَّ مِّنْهُمُ
اَلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْتَرُهُمُ الْفَسِقُونَ ﴾
[آل
عمران: ١١٠].
فلا بقاء لأمة من الأمم إلا ببقاء الأخلاق
(١) مفاتيح الغيب، ٢٣/ ٢٢٢.
(٢) التحرير والتنوير ١٧ / ٢٥٢.
* الصبر.
وهو حبس النفس على ما تكرهه؛ رضاءًا
بقضاء الله تعالى، وهو ضد الجزع والضجر
المذموم فاعله، وقد ذم الله بني إسرائيل؛
الجزعهم وتضجرهم مما رزقهم الله من
طعام المنّ والسلوى الذي طلبوا من موسى
علیه السلام آن یدعو الله لهم أن يبدلهم به
القثّاء والفوم والعدس والبصل، كما قال
تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَ طَعَامٍ
وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُلْبِتُ آلْأَرْضُ مِنْ
بَقْلِهَا وَقِشَّابِهَا وَقُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ
أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِالَّذِى هُوَ
﴾ [البقرة: ٦١].
قال ابن كثير في تفسيرها: ((واذكروا
نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المنّ
والسّلوى، طعامًا طيًّا نافعًا هنيئًا سهلًا،
واذكروا دبركم وضجركم ممّا رزقتكم
وسؤالكم موسى استبدال ذلك بالأطعمة
الدّنّة من البقول ونحوها ممّا سألتم، فبطروا
ذلك ولم يصبروا عليه، وذكروا عيشهم
الّذي كانوا فيه، وكانوا قومًا أهل أعداسٍ
وبصلٍ ويقلٍ وفوم))(٣).
ولاشك أن عاقبة الصبر کلها خیر، كما
قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ
(٣) تفسير القرآن العظيم، ١/ ٢٨٠.
٢٤٦
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ
الخير
[النساء: ٢٥].
رَّحِـ
والآية واردة في شأن نكاح الإماء بملك
اليمين لمن لم يستطع نكاح الحرائر من
النساء؛ خوفًا على نفسه من الوقوع في
الفاحشة.
قال ابن كثير، وغيره: ((وإن ترك تزوّج
الأمة وجاهد نفسه في الکفّ عن الزّنا فهو
خيرٌ له؛ لأنه إذا تزوجها جاء أولاده أرقّاء
لسيّدها، ولما فيهنّ من الدّناءة في العدول
عن الحرائر إليهن؛ ولهذا قال: ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ
خَيْرٌ لَّكُمْ﴾))(١).
وفي جانب العفو عن معاقبة المعتدي،
يقول تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ
بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِ وَلَيْنِ صَبّرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ
لِلصَّبِينَ﴾ [النحل: ١٢٦].
قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره
للمؤمنين: وإن عاقبتم - أيها المؤمنون- من
ظلمکم واعتدی علیکم، فعاقبوه بمثل الذي
نالكم به ظالمكم من العقوبة، ولئن صبرتم
عن عقوبته واحتسبتم عند الله ما نالکم به من
الظلم، وو کلتم أمره إلی الله حتی یکون هو
المتولي عقوبته ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِّلِصَّبِرِينَ﴾،
يقول: للصّبر عن عقوبته بذلك خير لأهل
الصبر؛ احتسابًا وابتغاء ثواب الله؛ لأن الله
يعوّضه عن الذي أراد أن يناله بانتقامه من
(١) المصدر السابق ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧.
ظالمه على ظلمه إياه من لذّة الانتصار))(٢).
والعفو من الأخلاق التي دعا إليها
الإسلام، وبيّن القرآن أن أجر العافين عند
الله عظيم، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا
وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ, عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠].
قال الطبري: ((فمن عفا عمن أساء إليه
إساءته إليه، فغفرها له ولم يعاقبه بها، وهو
على عقوبته عليها قادرٌ؛ ابتغاء وجه الله،
فأجر عفوه ذلك على الله، والله مثيبه عليه
ثوابه»(٣).
وقد ذم الله الأعراب الذين جاءوا إلى
بيوت النبي صلى الله عليه وسلم ينادونه
بصوت عال من وراء الحجرات ولم يصبروا
حتى يخرج إليهم النبي صلى الله عليه
وسلم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن
وَرَآءِ الْمُجُزَّتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) وَلَوْ
أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمَّ وَالهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٤-٥].
قال الطبري: «أي: أکثرهم جهال بدین
الله واللازم لهم من حقك وتعظيمك، ولو
أن هؤلاء الذین ینادونك یا محمد من وراء
الحجرات صبروا فلم ينادوك حتى تخرج
إليهم إذا خرجت، لکان خیرًا لهم عند الله؛
لأن الله قد أمرهم بتوقیرك وتعظيمك، فهم
بتركهم نداءك تاركون ما قد نهاهم الله
(٢) جامع البيان، ١٧/ ٣٢٢.
(٣) المصدر السابق ٢١ / ٥٤٨.
www. modoee.com
٢٤٧
حرف الخاء
عنه)»(١).
وقال الفخر: ((في الآية إشارة إلى حسن
الأدب الذي على خلاف ما أتوا به من سوء
الأدب، فإنّهم لو صبروا لما احتاجوا إلى
النّداء، وإذا كنت تخرج إليهم فلا يصحّ
إتیانهم في وقت اختلائك بنفسك، أو
بأهلك، أو برّك؛ فإنّ للنّفس حقًّا، وللأهل
حقًّا))(٢).
* السمع والطاعة.
وهما يدلان على الانقياد التام لله تعالى
ولرسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال
تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَسْمَعْ
وَأَنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ [النساء: ٤٦].
ولأهمية السمع والطاعة أمر الله تعالى
بهما أمرًا مباشرًا، فقال تعالى: ﴿فَأَنَّقُوا اللَّهَ
رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرفوا ما مَا أَسْتَطَعْتُمْ وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيْرًا
لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
والآية واردة في شأن اليهود الذين عاندوا
نزل إليهم على أنبيائهم.
قال الطبري: ((ولو أن هؤلاء اليهود الذين
وصف الله صفتهم، قالوا لنبي الله: «سمعنا
یا محمد قولك، وأطعنا أمرك، وقبلنا ما جئتنا
به من عند الله، واسمع منا، وانظرنا ما نقول،
وانتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا)، ﴿لَكَانَ
خَيْرًا هُمْ وَأَقْوَمَ﴾، يقول: لكان ذلك خيرًا
لهم عند الله، ﴿وآقوم﴾، يقول: وأعدل
وأصوب في القول))(٣).
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَلَوْعَلِم
(١) المصدر السابق ٢٢ / ٢٨٥.
(٢) مفاتيح الغيب، ٢٨/ ٩٧.
(٣) جامع البيان، ٨/ ٤٣٦.
اَللَّهُ فِيهِمْ خَبْرًا لَّأَسْمَعَهُمّ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَواْ وَّهُم
مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:
وهي في شأن المشركين.
قال الطبري: ((ولو علم الله فيهم خيرًا
لأسمعهم مواعظ القرآن وعبره؛ حتى يعقلوا
عن الله عز وجل حججه منه، ولكنه قد
علم أنه لا خیر فیھم وأنهم ممن کتب لهم
الشقاء فهم لا يؤمنون، ولو أفهمهم ذلك
حتى يعلموا ويفهموا لتولوا عن الله وعن
رسوله، وهم معرضون عن الإيمان بما دلّهم
على صحته مواعظ الله وعبره وحججه،
معاندون للحق بعد العلم به»(٤).
قال الطبري: ((أي: واسمعوا لرسول
الله صلى الله عليه وسلم، وأطيعوه فيما
أمركم به ونهاكم عنه، ﴿وَأَنفِقُوا خَيْرًا
لِأَنْفُسِكُمْ﴾، يقول: وأنفقوا مالًا من
أموالكم لأنفسكم؛ تستنقذوها من عذاب
الله، والخير في هذا الموضع المال»(٥).
● الصلح والإصلاح.
والصلح يكون بين متخاصمين
والإصلاح يكون بفعل ما يصلح المجتمع.
(٤) المصدر السابق ١٣ / ٤٦٣.
(٥) المصدر السابق ٢٣ / ٤٢٧.
٢٤٨
القرآن الكريمِ
الخير
قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِن
نَّجْوَمُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ
إِصْلَحِ بَيِّنَ النَّاسِِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَآءَ
مَرْضَاتِ اَللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْنِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:
١١٤].
قال الطبري: «أي: لا خير في کثیر من
نجوى الناس جميعًا ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ
أَوْ مَعْرُونٍ﴾، والمعروف: هو كل ما أمر
الله به أو ندب إليه من أعمال البر والخير،
﴿أَوْ إِصْلَحِ بَيِّنَ النَّاسِ﴾، وهو الإصلاح
بين المتباينين أو المختصمين بما أباح الله
الإصلاح بينهما؛ ليتراجعا إلى ما فيه الألفة
واجتماع الكلمة))(١).
وفي شأن تخاصم الأزواج قال تعالی:
﴿وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزَا أَوْ إِعْرَاضًا
فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلَحَاً
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ [النساء: ١٢٨].
وَالصُّلْحَ
قال ابن عطية: ((وقوله تعالى:
خَيْرٌ﴾ لفظ عام مطلق، بمقتضى أن الصلح
الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به
الخلاف خیر علی الإطلاق، ويندرج تحت
هذا العموم أن صلح الزوجین علی ما ذكرنا
خير من الفرقة)»(٢).
كما نهى القرآن عن الفساد في الأرض
بعد أن أصلحها الله تعالى، وذلك فيما حكاه
(١) جامع البيان، ٩/ ٢٠٢.
(٢) المحرر الوجيز ٢/ ١٢٠.
القرآن على لسان شعيب عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ
شُعَيْبَأْ قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم
مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، قَدْ جَآءَتَكُم بَيِّنَةٌ مِنْ
رَّبِّكُمْ فَأَوْقُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ
وَلَا نَبْخَسُواْالنَّاسَ أَشْيَاءَ هُمْ وَلَا نُفْسِدُوا
فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيرٌ
لَّكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:
٨٥].
قال الطبري في تفسيرها: ((أي: ولا
تعملوا في أرض الله بمعاصيه وما كنتم
تعملونه قبل أن یبعث الله إلیکم نبیه، من
عبادة غير الله والإشراك به، وبخس الناس
في الكيل والوزن، ﴿بَعْدَ إِصْلَحِهَا﴾،
أي: بعد أن قد أصلح الله الأرض بابتعاث
النبي عليه السلام فيكم، ينهاكم عما لا
يحل لكم وما يكرهه الله لكم، ﴿ذَلِكُمْ
خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾، أي: هذا الذي ذكرت لكم
وأمرتكم به من إخلاص العبادة لله وحده لا
شريك له، وإيفاء الناس حقوقهم من الكيل
والوزن، وترك الفساد في الأرض، خيرٌ لكم
في عاجل دنياكم وآجل آخرتكم عند الله
يوم القيامة))(٣).
قول معروف ومغفرة.
قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌمِّن
صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذَىُّ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة:
(٣) جامع البيان، ١٢ / ٥٥٦.
www. modoee.com
٢٤٩
حرف الخاء
٢٦٣].
والقول المعروف: هو الكلمة الطيبة،
والمغفرة: هي العفو عمن أساء إليه، قال
الطبري: «قولٌ جميلٌ ودعاء الرجل لأخيه
المسلم، ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾، يعني: وسترٌّ منه عليه
لما علم من خلّته وسوء حالته، خيرٌ عند الله
من صدقة يتصدقها علیه يتبعها أذى، يعني
یشتکیه علیها، ویؤذیه بسببها)»(١).
وقال ابن عطية: «هذا إخبار جزم من
الله تعالى أنّ القول المعروف، وهو الدعاء
والتأنيس والترجية بما عند الله، خيرٌ من
صدقة هي في ظاهرها صدقة، وفي باطنها
لا شيء؛ لأن ذلك القول المعروف فيه أجر،
وهذه لا أجر فيها))(٢).
قبول النصيحة.
والنصيحة: دعوة إلى ما فيه الصلاح
والنهي عما فيه الفساد (٣).
والنصيحة لا تكون إلا بخير، وقبولها
سبب من أسباب الفلاح؛ لأنها من أساسيات
الدین کما قال صلی الله عليه وسلم: (الدین
النصيحة) (٤).
وهي أيضًا من أهم السبل التي اتبعها
(١) المصدر السابق ٥/ ٥٢٠.
(٢) المحرر الوجيز ١/ ٣٥٧.
(٣) انظر: التعريفات، الجرجاني ص٢٤١.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان أن الدين النصيحة، ١/ ٧٤، رقم
٥٥.
الأنبياء في دعوة أقوامهم إلى الحق، فنوح
عليه السلام قال لقومه فيما حكى القرآن:
﴿أَبَلِّغُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّ وَأَصَحُ
[الأعراف: ٦٢].
وقال هود عليه السلام لقومه:
﴿أَلِّفُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّ وَأَنَاْ لَكُنْ نَامِعُ أَمِينٌ﴾
[الأعراف: ٦٨].
وقال صالح عليه السلام: ﴿يَقَوْمِ لَقَدْ
أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾
[الأعراف: ٧٩].
وكان قبول بني إسرائيل لنصيحة موسى
علیه السلام سببًا لقبول توبة الله منهم؛ حيث
نصحهم بأن يتوبوا إلى الله من عبادتهم
العجل.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَّوْمِ
إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِتْخَاذِكُمُ الْعِجْلَ
فَتُوبُوْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ
عِندَ بَارِيكُمْ فَنَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤].
ولا يخفى ما لقبول النصيحة من الخير
الكثير في حياة الفرد والمجتمع على السواء.
فعل الموعظة.
قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَءَتَّكُمْ
مَوْعِظَةٌ مِّن رَّيَّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِ الصُّدُورِ وَهُدَى
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ { قُلْ بِفَضْلِ اَللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ.
فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ﴾
[يونس: ٥٧ - ٥٨].
والمراد بالموعظة هنا: القرآن الكريم،
٢٥٠
جوبيير
لِلْعُرْآن الكَرِيمِ
الخير
کما قاله كثير من المفسرين (١).
((والباء في قوله: ﴿يِفَضْلِ اَللَّهِ﴾
و﴿وَبِرَحْمَتِّهِ﴾ يجوز أن تكون متعلقة بما
دل عليه المعنى، أي: قد جاءتكم الموعظة
مصاحبة أو ملتبسة بفضل الله وبر حمته، وأن
ذلك خير مما يجمعون من حطام الدنيا.
ويجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿بِفَضْلِ
﴿مَوْعِظَةٌ﴾ وما
اللَّهِ﴾ صفة لقوله:
عطف عليها من شفاء الصدور والهدى
والرحمة))(٢).
فإن ما يحصل للعبد من فضل الله من غير أن يفحص كذب ما قالوا، ونسوا أن
ورحمته بهذا القرآن العظيم من الهدى،
والرحمة، والموعظة، وشفاء ما في
الصدور، لهو الجدير بأن يفرح به العبد؛
لأنه سعادة دنياه وآخرته، وليس من الجدير
بالعبد ان یفرح بحطام الدنيا ليحصّله على
حساب عمل الآخرة؛ لأن المال لا يخلّد
أصحابه، وأصحابه لا يخلدون له، أما ما
يحصل من فضل الله ورحمته بهذا القرآن
الکریم فهو خالد لأصحابه باقٍ لهم، وهو
خير ممّا يجمعون من الدنيا كلّها؛ لأن غايته
الوصول إلى الجنة.
السماع المحمود.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠٥/١٥،
الكشاف، الزمخشري ٢/ ٣٥٣، المحرر
الوجيز، ابن عطية ٣ / ١٢٦، تفسير القرآن
العظیم، ابن کثیر ٤/ ٢٧٤.
(٢) الدر المصون، السمين الحلبي ٦/ ٢٢٤.
قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّقِّ
وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنْ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ
ءَامَنُواْ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٦١].
والآية الكريمة هنا تسجل على المنافقين
أذاهم للرسول صلى الله عليه وسلم بقولهم
هذا في حقه. ومعنى قولهم: ﴿هُوَ أُذُنَّ﴾:
((أنه يأخذ العلم من مسمعه من غير أن
یفحصه، بل يقبله مصدقا له، فما عليهم إلا
أن يحلفوا أنهم ما قالوه حتى يصدق أيمانهم
الله یعلمه بما تبلبل به ألسنتهم، ویجیش في
صدورهم، فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلّ أُذُنُ
خَيْرٍلَّكُمْ﴾، فقد سلّم بأنه أذن، يستمع
إلى الأقوال التي تصل إليه، ولكن لا يقبلها
بإطلاقها كما يتقوّلون، ولكن يفحصها
ويعالج نفوسكم على مقتضاها، ويتدبر
الأمر لهدایتکم، ولا یبادرکم بشر يناسبكم،
ولا يفضحكم؛ لأن الله تعالى أمره بذلك؛
ولأنه يقصد إلی خیرکم»(٣).
* العفّة.
قال تعالى: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِقْنَ خَيْرٌ لَّهُنَُّ
وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠].
والآية الكريمة تتحدث عن القواعد من
النساء اللاتي قعدن عن طلب الزواج؛ لعدم
رغبتھن فیہ لکبر سنھن، أنه لا حرج علیھن
(٣) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٦/ ٣٣٥١.
www. modoee.com
٢٥١
حرف الخاء
يكون فوق الخمار، أو الرداء الذي يكون
فوق الثياب، إذا کن غير متبرجات بزينة،
وكن بحضرة محارمهن من الرجال، وأن
الاستعفاف عن فعل ذلك خير لهن، قال في
الکشاف: (ولکن التخفّف إذا احتجن إلیه،
والاستعفاف من الوضع خير لهنّ، لما ذکر
الجائز عقبه بالمستحب؛ بعثًا منه على اختيار
أفضل الأعمال وأحسنها))(١).
الصدق.
قال تعالى: ﴿ قَالَ اَللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّْدِقِينَ
٤
صِدْقُهُمْ لَمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَمْتِهَا الْأَنْهَرُ خَالِينَ
فِهَا أَبْدًا رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
[المائدة: ١١٩].
((وهذه الآية بيان لما يحصل للصادقين
من الخير؛ جزاءًا لصدقهم وانتفاعهم به،
وهو دخولهم الجنة ورضوان الله عليهم،
والمراد باليوم: يوم القيامة، وإنما خصّ نفع
الصدق به؛ لأنه يوم الجزاء. وفي الصدق
هنا قولان: أحدهما: أنه صدقهم في الدنيا
ينفعهم في الآخرة. والثاني: صدقهم في
الآخرة ينفعهم هنالك))(٢).
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا
اللَّهَ لَكَانَ خَيْرَاً لَّهُمْ﴾ [محمد: ٢١].
والآية الكريمة تتحدث عن المنافقين
(١) الكشاف، الزمخشري ٣/ ٢٥٥.
(٢) زاد المسير، ابن الجوزي ١ / ٦٠٦.
أن يتخففن من ملابسهن، كالقناع الذي وكرههم للقتال، وجبنهم من لقاء الأعداء،
﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾، أي: «جدّ الحال وحضر
القتال، ﴿فَلَوَ صَدَقُوا اللَّهَ﴾، أي: أخلصوا له
النية في الجهاد والقتال، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾،
أي: لكان خيرا لهم في عاجل دنياهم،
وآجل معادهم، وهو الاستشهاد أو الظفر
بالغنيمة)»(٣).
إعطاء القريب حقه من الصلة والصدقة.
قال تعالى: ﴿فَشَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ.
وَأَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ
يُرِيدُونَ وَحْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[الروم: ٣٨].
قال البغوي في معالم التنزيل: ((قوله
تعالى: ﴿فَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ﴾، من البرّ
والصّلة، ﴿وَأَلْمِسْكِينَ﴾، وحقّه أن يتصدّق
عليه، ﴿وَأَبْنَ السَّبِيلِ﴾، يعني: المسافر،
وقيل: هو الضّعِيف، ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ
يُرِيدُونَ وَحْدَ اللَّهِ﴾، يطلبون ثواب اللّه بما
يعملون، ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾))(٤).
عدم السخرية.
قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ
قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَمَوَ أَن يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَآءُ مِّن
نِسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرٌمِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١].
والمعنى كما قال الطبري: ((لا يهزأ قوم
مؤمنون من قوم مؤمنين ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُواْ
(٣) جامع البيان، الطبري ٢٢/ ١٧٧.
(٤) معالم التنزيل، ٣ / ٥٧٩.
٢٥٢
مَوَسُولَهُ النَّفِي
القرآن الكريمِ
الخير
خَيْرًامِنْهُمْ﴾، يقول: عسى أن يكون المهزوء
منهم خيرًا من الهازئين، ﴿وَلَاَ نِسَآءُ مِّنْ نِسَآءِ﴾
يقول: ولا يهزأ نساء مؤمنات من نساء
مؤمنات، عسى المهزوء منهنّ أن یکنّ خیرًا
من الهازئات)»(١). وهذا نهي صريح عن
السخرية بالناس والاستهزاء بهم.
الإنفاق.
قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ خَيْرًّا لِأَنْفُسِكُمْ
وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[التغابن: ١٦].
أي: ((وابذلوا ممّا رزقكم اللّه على
الأقارب والفقراء والمساكين وذوي
الحاجات، وأحسنوا إلى خلق اللّه كما
أحسن إليكم، يكن خيرًا لكم في الدّنيا
والآخرة، وإن لا تفعلوا یکن شرًّا لكم في
الدّنيا والآخرة))(٢).
رابعًا: المعاملات:
العدل في الکیل والوزن.
لا شك أن تحقيق العدل في الكيل
والوزن فيه المصلحة للناس جميعًا، وهي
قضية أمانة وعدالة جاءت الشريعة بإقرارها،
ودعت الناس إليها.
قال تعالى في قصة شعيب مع قومه: ﴿قَدْ
جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِن رَّبِّكُمْ فَأَوْقُواْ
اَلْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا نَبْخَسُواْالنَّاسَ
(١) جامع البيان، ٢٢/ ٢٩٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ١٤١.
أَشْيَاءَ هُمْ وَلَا نُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ بَعْدَ
إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم
مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥].
((وهنا يأمر شعيب عليه السلام قومه
بالعدل في الكيل والوزن، ويذكرهم بأن
توفيتهم الكيل والوزن، وتركهم البخس
والفساد هو خير لهم في طلب المال؛ لأنّ
النّاس إذا علموا منهم الوفاء والصّدق
والأمانة رغبوا في المعاملات معهم فكثرت
أموالهم)) (٣).
وقال تعالى آمرًا عباده بتوفية الكيل:
﴿وَأَوْقُوْ اَلْكَّلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِئُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُتَّقِيِّ
ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٥].
أي: «ذلك الوفاء خير لكم في معاشكم
ومعادکم، وخير عند الله وأقرب إليه،
وأحسن عاقبةً وجزاءً)» (٤).
# الاستئذان في الدخول على البيوت.
قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْ خُلُواْ
بُيُوتًا غَرَ بُيُوتِكُمْ حَقَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ
عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
[النور: ٢٧].
قال العلامة أبو زهرة في زهرة التفاسير:
(«الاستئناس أدق في التعريف وأدل على
الاستعلام؛ لأن الاستئذان الإذن المجرد،
وتتحقق الإجابة بالإذن، أما الاستئناس
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٣١٤.
(٤) زاد المسير، ابن الجوزي ٣/ ٢٤.
www. modoee.com
٢٥٣
حرف الخاء
فطلب الأنس وإزالة الوحشة وذلك لا
يتحقق بمجرد الإذن بل لابد لتحققه من
إيجاد الألفة، وهو يتضمن في تحقيق طلب
الإذن والاستجابة بالإذن فعلًا))(١).
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، أي: ((استئناسكم
وتسليمكم على أهل البيت الذي تريدون
دخوله خير لكم؛ لأنكم لا تدرون أنكم إذا
دخلتموه بغير إذن على ماذا تهجمون؟ على
ما يسوءكم أو يسرّكم؟ وأنتم إذا دخلتم
بإذن لم تدخلوا على ما تكرهون، وأدّيتم
بذلك أيضًا حقّ الله عليكم في الاستئذان
والسلام، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي: لتتذكروا
بفعلکم ذلك أوامر الله علیکم واللازم لكم
من طاعته، فتطيعوه)) (٢)
الخيرية بين المتضادات
قابل القرآن الكريم بين المتضادات في
کثیر من آیاته، ونصّ علی أن بعضًا منها خير
من الآخر؛ لتثبيت الناس على الخير منها،
وإبعادهم عن الشر منها، والحديث عن ذلك
يشتمل على الآتي:
أولًا: المقابلة بين الإله الحق والآلهة
الباطلة:
أقام القرآن الكريم الحجج القاطعة الدالة
على وحدانية الله تعالى وأحقيته سبحانه
بالألوهية والطاعة والعبادة، ومن بين هذه
الحجج مقابلته بين الإله الحق سبحانه
وتعالى وبين الآلهة الباطلة.
قال تعالى في قصة يوسف عليه السلام
وهو يدعو إلى الله في السجن: ﴿يَصَحِ
السِّجْنِ ءَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ
اَلْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩].
قال الطبري: ((ذكر أن يوسف -صلوات
الله عليه- قال هذا القول للفتيين اللذين
دخلا معه السجن؛ لأن أحدهما كان
مشركاً، فدعاه بهذا القول إلى الإسلام وترك
عبادة الآلهة والأوثان، فقال: ﴿يَصَحِ
السِّجْنِ ءَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِقُونَ خَيْرُ أَمِ اللَّهُ
الْوَحِدُ الْقَهَّارُ﴾، يقول: أعبادة أربابٍ شتى
متفرقين وآلهة لا تنفع ولا تضر، خيرٌ، أم
عبادة المعبود الواحد الذي لا ثاني له في
(١) زهرة التفسير، ١٠/ ٥١٧٥.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٩/ ١٤٩.
٢٥٤
صَوْسُور
القرآن الكريمِ
الخير
قدرته وسلطانه الذي قهر كل شي فذلّله الخلق ثم يعيده.
وسخّره؛ فأطاعه طوعا وكرها))(١).
وقال الشيخ أبو زهرة: ((هذا استفهام
إنكاري توبيخي توجيهي، فليس بمعقول
أن تكون أرباب متفرقة ليس لها فضل
المنشئ المنعم لیس لواحد منها ذلك، ولا
لها مجتمعة قدرة، لا تنفع ولا تضر، وتكون
عبادتها مع ضعفها وعدم قدرتها، خيرًا من
عبادة الواحد الأحد الخالق للكون وحده
والقهار الغالب عليه، والذي لا يكون في
الكون شيء إلا بأمره»(٢).
وقال تعالى: ﴿ءَاللَّهُ خَيْرُّ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
[النمل: ٥٩].
قال ابن كثير: ((استفهام إنكارٍ على
المشرکین في عبادتهم مع الله آلهة أخرى،
ثم شرع تعالى يبين أنه المنفرد بالخلق
والرزق والتدبير دون غيره))(٢
فذكر تعالى خلق السموات والأرض وما
فيهما من بدائع صنعه وعظيم قدرته، وإنزاله
المطر وما ينبت به من النباتات والحدائق
التي لم تستطع آلهتهم أن تنبت أشجارها
ولا تخرج ثمارها، وخلق الجبال والبحار
والأنهار، وجعل الحاجز بين المالح منها
والعذب، و کونه تعالی یجیب دعاء المضطر
ويكشف السوء، ويهدي الخلق، ويبدأ
(١) جامع البيان، ١٦/ ١٠٤.
(٢) زهرة التفاسير ٧/ ٣٨٢٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٢٠١.
كما أنه تعالى قد اتصف بجميع صفات
الكمال المطلق الذي يليق بذاته المقدسة،
فاتصف بالقدرة المطلقة، فلا يعجزه شيء
في الأرض ولا في السماء، واتصف بالإرادة
﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِدُ﴾ [البروج: ١٦]، ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ:
إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس:
٨٢].
واتصف بالعلم المطلق ﴿وَإِنَّكَ لَذُلَقَّى
اُلْقُرْءَانَ مِن لَُّنْ حَكِيٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦].
وقال: ﴿قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِ صُدُورِكُمْ أَوْ
تُبُّدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ
وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْ ءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩].
وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ﴾
[الحجر: ٨٦].
وإليه تعالى وحده المرجع والمآب قال
تعالى: ﴿ إِلَى اللَّهِ مَرْ جِمُّكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِرٌ﴾
[هود: ٤].
وغير ذلك من صفات الكمال والجلال
الثابتة لله تعالى، بخلاف هذه الآلهة الأخرى
التي يعبدها الجاهلون من دون الله، فإنها لا
تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، بل هي
من مخلوقات الخالق سبحانه، فصفاتها
دائمًا النقص المطلق، والضعف التام.
ثانيًا: المقابلة بين الدنيا والآخرة:
قابل القرآن بين الدنيا الفانية والآخرة
www. modoee.com
٢٥٥
حرف الخاء
الباقية؛ للترغيب في العمل للآخرة، وعدم الآخرة))(٢).
الانهماك في الدنيا بما ينسي الآخرة؛ لأن
قَلْ مَنَعُ الدُّنْيَا
متاعها قليل، كما قال تعالى:
قَلِيلٌ وَاُلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى وَلَا نُظْلَمُونَ فَئِيلًا ﴾
[النساء: ٧٧].
قال الطبري: ((يعني بقوله جل ثناؤه:
﴿قُلْ مَنُ الدُّنْيَاقَلِيلٌ﴾، قل یا محمد لهؤلاء
القوم الذين قالوا: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَثَبْتَ عَلَيْنَا اُلْفِنَالَ
لَوْلًا أَخَّرلنا إِلَى آجَلِ قَریپٍ﴾ عیشکم في الدنيا
وتمتعكم بها قليل؛ لأنها فانية وما فيها فانٍ،
﴿وَالآخِرَةُ خيرٌ﴾، يعني: ونعيم الآخرة خير؛
لأنها باقية ونعيمها باق دائم، ﴿لِمِنِ اُنَّقَى﴾،
يعني: لمن اتقى الله بأداء فرائضه واجتناب
معاصيه، فأطاعه في كل ذلك، ﴿وَلَا نُظْلَمُونَ
فَئِيلاً﴾، يعني: ولا ينقصكم الله من أجور
أعمالكم فتيلًا))(١).
وقد صرح القرآن بأن کثیرًا من الناس
يؤثرون الدنيا الفانية على الآخرة الباقية.
قال تعالى: ﴿بَلَ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا(١)
وَاُلْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧].
قال ابن عطية: ((أخبر تعالى الناس أنهم
يؤثرون الحياة الدنيا، فالكافر يؤثرها إيثار
كفر يرى أن لا آخرة، والمؤمن يؤثرها
إیثار معصية وغلبة نفس إلا من عصم الله،
وسبب الإيثار حب العاجل، والجهل ببقاء
وقال تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله
عليه وسلم: ﴿وَلَلَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾
[الضحى: ٤].
قال الطبري: ((يقول -تعالى ذكره:
وللدار الآخرة وما أعد الله لك فیھا خير لك
من الدار الدنيا وما فيها، فلا تحزن على ما
فاتك منها؛ فإن الذي لك عند الله خير لك
منها))(٣).
أي: خير لك من الدنيا وما فيها؛ ولذلك
کان النبي صلی الله عليه وسلم لا يستكثر
منها، وكان يقول: (مالي وللدنيا؟! ما أنا في
الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم
راح وتر کھا)(٤).
ثالثًا: المقابلة بين نعيم الآخرة وعذابها:
قابل القرآن بين نعيم الآخرة وعذابها،
وما على العاقل إلا أن يختار النعيم المقيم.
قال تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ
﴾ [الصافات: ٦٢].
ومعنى الآية كما قال الطبري: ((يقول
(٢) المحرر الوجيز ٥/ ٤٠٧.
(٣) جامع البيان ٢٤/ ٤٨٧.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد،
٥٨٨/٤، رقم ٢٣٧٧، وابن ماجه في سننه،
كتاب الزهد، باب في مثل الدنيا، ٢/ ١٣٧٦،
رقم ٤١٠٩.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٩٨٩/٢، رقم ٥٦٦٨.
(١) جامع البيان ٨/ ٥٥١.
جَوَسُولَةُ النَّفي
القرآن الكريم
٢٥٦
الخير
-تعالى ذكره -: أهذا الذي أعطيت هؤلاء يلحدون في آيات الله يلقون في النار،
والذين يؤمنون بآيات الله يأتون آمنين يوم
المؤمنين الذين وصفت صفتهم من كرامتي
في الجنة ورزقتھم فیها من النعيم خير، أو ما
أعددت لأهل النار من الزّقّوم؟!
القيامة، والمعنى: هل يستوي من يلقى في
النار قسرًا وقهرًا؛ لإلحاده بالآيات وتكذيبه
للرسول، ومن يكون آمنًا يوم القيامة من
والزّقّوم: ثمرة شجرةٍ خبيئةٍ مرّةٍ كريهة
الطّعم، يكره أهل النّار على تناولها، فهم
يتزقّمونه على أشدّ كراهيةٍ، ومنه قولهم:
تزقّم الطّعام، إذا تناوله على كرهٍ ومشقّةٍ))(١).
العذاب؟ والمراد: أن الملحدين في الآيات
يلقون في النار، وأن المؤمنين بها يأتون
يوم القيامة آمنين، فاحكموا - أيها العقلاء-
أيّ الحالين أفضل؟ ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ,
بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أي: اعملوا أي شيء
تريدون فعله من خير أو شر؛ فإنّ الله عالم
بکم، وبصیر بأعمالکم، ومجازیکم بحسب
ما تعملون، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر،
وهذا وعيد وتهديد صرف فيه الأمر إلى
التهديد)»(٣).
وقال ابن عاشور: «والاستفهام مکنی به
عن التنبيه على فضل حال المؤمن وفوزه
وخسار الكافر، وهو خطاب لکل سامع،
والإشارة بـ ﴿أَذَلِكَ﴾ إلى ما تقدم من حال
المؤمنين في النعيم والخلود، وجيء باسم
الإشارة مفردًا بتأويل المذكور، بعلامة بعد
المشار إليه لتعظيمه بالبعد، أي: بعد المرتبة
وسموّها؛ لأن الشيء النفيس الشريف
يتخيل عاليًا، والعالي يلازمه البعد عن
المكان المعتاد، وهو السفل)»(٢).
كما قابل القرآن أيضًا بين الآمنين من
العذاب وبين المعذبين يوم القيامة، وذلك
في قوله تعالى: ﴿أَفَنْ يُلْقَى فِى النَّارِ خَيْرٌ أَم
مَّنْ يَأْتِىّ ءَامِنًا يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠].
((والاستفهام في الآية الكريمة بمعنى
التقرير، والغرض التنبيه على أن الذين
(١) جامع البيان، ٢١ / ٥٢.
(٢) التحرير والتنوير ٢٣/ ٣٩.
وقال ابن عاشور: ((الآية لبيان أن الوعيد
بنار جهنم تعریض بالمشرکین بأنهم صائرون
إلى النار، وبالمؤمنین بأنهم آمنون من ذلك،
والاستفهام تفريع مستعمل في التنبيه على
تفاوت المرتبتين)» (٤).
٠
رابعًا: المقابلة بين الأقوام الهالكين:
قابل القرآن بين الأقوام الهالكين؛
للاتعاظ بأحوالهم، ولبيان عاقبة المتقدمين
منهم والمتأخرين، وبيان عاقبة أقويائهم
وضعفائهم، ومن ذلك المقابلة بين مشركي
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧/ ٥٦٨.
(٤) التحرير والتنوير ٢٥/ ٦٨.
www. modoee.com
٢٥٧
حرف الخاء
مکة وما قبلهم من الأمم، کقوم تبع، يقول
الله تعالى: ﴿أَهُمّ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعَ وَلَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِنَ﴾ [الدخان:
٣٧].
وتبّع هو تبّع الحميري، كان مؤمناً وقومه
کافرین، ولذلك ذمّ الله قومه ولم یذمّه، قال
في الکشاف: «فإن قلت: ما معنى قوله تعالى
﴿أَهُمْخَيْرٌ ﴾ ولا خير في الفریقین؟ قلت:
معناه: أهم خير في القوّة والمنعة، وفي
تفسیر ابن عباس رضي الله عنهما: أهم أشدّ
أم قوم تبع))(١).
ومعنى الآية: ((أكفار قريش الذين هم
عرب من عدنان خير في القوة والمنعة،
أم قوم تبّع الحميري الذين هم عرب من
قحطان، الذين كانوا أقوى جندًا وأكثر
عددًا، وكان لهم دولة وحضارة عريقة
ومجد، و کذلك الأمم الذين سبقوهم، كعاد
وثمود ونحوهم؛ أهلكناهم جميعًا لكفرهم
وإجرامهم، فإهلاك من هو دونهم لجرمه
وضعفه وعجزه بالأولى، فهم ليسوا بخير
من قوم تبع في العدد والعز والمنعة)) (٢).
وقد ذكر ابن كثير أن الله تعالى أهلك
قوم تبع وخرب بلادهم وشردهم وفرقهم
في البلاد(٣).
وكذلك قوله تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ
(١) الكشاف، الزمخشري ٤ / ٢٧٩ - ٢٨٠.
(٢) التفسير المنير ٢٥/ ٢٢٩.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٧ / ٢٥٦.
أُوْ لَئِكُمْ أَمْ لَكُ بَرَآءَةٌ فِ الزُّبْرِ﴾ [القمر: ٤٣] فيه
مقابلة بين مشركي مكة ومن قبلهم.
والمعنى: ((أکفارکم -معشر قریش- خير
من أولئكم الذين أحللت بهم نقمتي من قوم
نوح وعاد وثمود، وقوم لوط وآل فرعون،
فهم يأملون أن ينجوا من عذابي ونقمي
علی کفرهم بي، وتکذیبھم رسولي، يقول:
إنما أنتم في کفرکم بالله وتکذیبکم رسوله،
كبعض هذه الأمم التي وصفت لكم أمرهم،
وعقوبة الله بكم نازلة علی کفركم به کالذي
نزل بهم، إن لم تتوبوا وتنییوا))(٤).
قال في الكشاف: ((يعني: أكفّاركم
-يا أهل مكة- خيرٌ من أولئكم الكفار
المعدودین: قوم نوح، وهود، وصالح،
ولوط، وآل فرعون، أي: أهم خير قوّة وآلة
ومكانة في الدنيا؟ أو أقل كفرًا وعنادًا؟
يعني: أنّ كفاركم مثل أولئك بل شر منهم،
أم أنزلت عليكم -يا أهل مكة- براءةٌ في
الكتب المتقدّمة أنّ من كفر منكم وكذب
الرسل كان آمنًا من عذاب الله فأمنتم بتلك
البراءة؟!))(٥).
خامسًا: المقابلة بين ما عند الله وحطام
الدنيا:
ركزت بعض آيات القرآن الكريم على
صرف همم الناس عن الدنيا إلى ما عند الله
(٤) جامع البيان، الطبري ٢٢ / ٦٠١،٦٠٠.
(٥) الكشاف ٤/ ٤٤٠.
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
٢٥٨
الخير
من الأجر والثواب، ومن ذلك قوله تعالی:
﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنَّا قَلِيلًاً إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ
هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٥) مَا
عِندَكُمْ يَنْفَذُّ وَمَا عِنْدَ اَللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٥-
٩٦].
أي: «ولا تنقضوا عهودکم -أيها الناس-
وعقودكم التي عاقدتموها من عاقدتم
مؤكّديها بأيمانكم، تطلبون بنقضكم ذلك
عرضًا من الدنيا قليلًا، ولكن أوفوا بعهد الله
الذي أمر کم بالوفاء به؛ یثبکم الله على الوفاء
به؛ فإن ما عند الله من الثواب لكم على
الوفاء بذلك، هو خير لكم إن كنتم تعلمون
فضل ما بين العوضين اللذين أحدهما الثمن
القليل الذي تشترونه بنقض عهد الله في
الدنيا، والآخر الثواب الجزيل في الآخرة
على الوفاء به.
ثم بَيَّنَ -تعالى ذكره- فرق ما بين
العوضين وفضل ما بين الثوابين، فقال:
ما عندكم -أيها الناس- مما تتملكونه في
الدنیا، وإن کثر فنافدٌ فانٍ، وما عند الله لمن
أوفى بعهده وأطاعه من الخيرات باق غير
فانٍ، فلما عنده فاعملوا، وعلى الباقي الذي
لا يفنى فاحرصوا، وليثیینّ الله الذين صبروا
على طاعتهم إياه في السّراء والضّاء ثوابهم
يوم القيامة على صبرهم عليها، ومسارعتهم
في رضاه بأحسن ما كانوا يعملون من
الأعمال دون أسوئها، وليغفرنّ الله لهم
سيّئها بفضله))(١).
قال ابن عطية: ((أخبر تعالى أن ما عنده
من نعيم الجنة ومواهب الآخرة خير لمن
اتقی وعلم واهتدی، ثم بیّن الفرق بين حال
الدنيا وحال الآخرة بأن هذه تنفد وتنقضي
عن الإنسان، أو ينقضي عنها، ومنن الآخرة
باقية دائمة))(٢).
وقال تعالى: ﴿قُلَّ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ
وَمِنَ اْلِنِّجَزَّةَّوَاَللَّهُ خَيْرُ الزَّرِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١].
ومعنى الآية كما قال الطبري: «قل لهم
یا محمد: الذي عند الله من الثواب لمن
جلس مستمعًا خطبة رسول الله صلى الله
عليه وسلم وموعظته يوم الجمعة إلى أن
یفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم منها،
خير له من اللهو ومن التجارة التي ينفضّون
إليها، ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الزَِّقِينَ﴾ يقول: والله خير
رازق، فإليه فارغبوا في طلب أرزاقكم،
وإیاه فاسألوا أن یوسع علیکم من فضله دون
غيره»(٣).
والآية نزلت في شأن من خرجوا من
المسجد لطلب التجارة، وتركوا النبي صلى
الله عليه وسلم قائمًا يخطب الجمعة.
قال ابن كثير: «يعاتب تبارك وتعالى على
ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم
الجمعة إلى التّجارة الّتي قدمت المدينة
(١) جامع البيان، الطبري ١٧/ ٢٨٩.
(٢) المحرر الوجيز ٣/ ٤١٩.
(٣) جامع البيان، ٢٣/ ٣٨٩.
www. modoee.com
٢٥٩
حرف الخاء
يومئذ»(١).
الثاني: أنّه وإن كانت النّار خيرًا من
ولا ريب في أن ذلك يشمل كل عمل الطّين، فلا يجب أن يكون المخلوق من
الأفضل أفضل؛ فإنّ الفرع قد يختصّ بما لا
یکون في أصله، وهذا التّراب يخلق منه من
الحيوان والمعادن والنّبات ما هو خيرٌ منه.
یلهي عن طلب ما عند الله تعالى.
سادسًا: المقابلة الفاسدة بين خلق
إبليس وخلق آدم:
تحدث القرآن الكريم عن قصة خلق
آدم عليه السلام وأمر الملائكة بالسجود له،
وتكبّر إبليس -عليه اللعنة- وامتناعه عن
السجود زاعمًا أنه خير منه؛ لأنه خلق من نار
وآدم من طین.
قال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتٌُ
قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِ مِن ◌َّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾
[الأعراف: ١٢].
وادعاء إبليس هذه الخيرية لنفسه باطل
من وجوه ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية،
فقال رحمه الله: ((حجّة إبليس في قوله:
﴿أَنَّأْ خَيْرٌّ مِنْهُ خَلَقْتَنِ مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾
باطلةٌ؛ لأنّه عارض النّصّ بالقياس؛ ولهذا
قال بعض السّلف: أوّل من قاس إبليس.
ويظهر فسادها بالعقل من وجوهٍ خمسةٍ:
أحدها: أنّه ادّعى أنّ النّار خيرٌ من الطّين،
وهذا قد يمنع؛ فإنّ الطّين فيه السّكينة والوقار
والاستقرار والثبات والإمساك، ونحو ذلك،
وفي النّار الخفّة والحدّة والطّيش، والطّين
فيه الماء والتراب.
(١) تفسير القرآن العظيم ٨/ ١٢٣.
الثالث: أنّه وإن كان مخلوقًا من طينٍ،
فقد حصل له بنفخ الرّوح المقدّسة فيه ما
شرّف به؛ حيث علّق السّجود بأن ينفخ فيه
من روحه تعالى، فالموجب للّفضيل هذا
المعنی الشریف الذي لیس لإبلیس مثله»(٢).
وقال أبو زهرة: ((وإبليس في هذا غافل
ومدّع ما لا دليل فيه على دعواه، أما غفلته
فهو أن الله تعالى خالق النار وخالق الطين،
وما في خلقه تفاوت، فهما خلق الله تعالى
وهو الذي اختار النار له، واختار الطين
لآدم، واختار أن يسجد إبليس الناري لآدم
الذي هو من طين، فكيف يعترض عليه
بخلقه؟!
وإن هذا ضلال في الفهم، وغفلة في
الإدراك؛ ولذا قال بعض العلماء: أشد
العالمین غفلة إبليس، ودعواه أن النار خير
من الطين، وأنه بذلك خير من آدم، هذه
دعوى لا دليل عليها، بل الدليل يناقضها؛
لأن الطین خلق الله منه الخصب، و کان من
الخصب الزروع والثمار والأشجار والنخيل
وكل طعام أهل الأرض، والماء ينزل عليه
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٥/ ٥-٦.
جَوَسُو ◌َرَ النَفسَّةِ المَضوي
القرآن الكريم
٢٦٠
الخير
غیئا فیکون منه ثمر كل شيء وطعام الإنسان
والحيوان، والنار تدمر وتحرق، فإذا كان من
الطين العمران، فمن النار الدمار))(١).
سابعًا: المقابلة الفاسدة بين فرعون
وموسى:
ادعى فرعون عليه لعنة الله أنه خير من
موسى عليه السلام ؛ لما له من ملك وسلطان
وجنود وخدم وبیان لسانه.
قال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿أَمْ
أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينٌ ﴾
[الزخرف: ٥٢].
قال الطبري: ((يقول -تعالى ذكره-
مخبرًا عن قيل فرعون لقومه بعد احتجاجه
عليهم بملكه وسلطانه، وبيان لسانه وتمام
خلقه، وفضل ما بينه وبين موسى بالصفات
التي وصف بها نفسه وموسی: آآنا خیر أيها
القوم، وصفتي هذه الصفة التي وصفت
لكم؟ أم ﴿هَذَا الَّذِى هُوَمَهِينٌ﴾ لا شيء له من
الملك والأموال، مع العلة التي في جسده،
والآفة التي بلسانه، فلا یکاد من أجلها يبين
كلامه؟))(٢).
وقال الفخر: ((وعنى بكونه مهينًا كونه
فقيرًا ضعيف الحال، وبقوله: ﴿وَلَا يَكَادُ
◌ُّنُ﴾ حبسةً کانت في لسانه»(٣).
(١) زهرة التفاسير ٥/ ٢٧٩٥.
(٢) جامع البيان ٢١ / ٦١٧.
(٣) مفاتيح الغيب، ٢٧ / ٦٣٧.
وقال ابن كثير: «إنّما يعني فرعون -عليه
اللّعنة- أنّه خيرٌ من موسى عليه السلام، وقد
كذب في قوله هذا كذبًا بيّنًا واضحًا، فعليه
لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة)) (٤).
وهذه سفاهة من فرعون أن يدعي أنه خير
من نبي الله وكليمه موسى عليه السلام، وقد
سمی ابن عاشور کلام فرعون هذا في حق
موسى عليه السلام سفسطة عندما تعرض
لتفسير هذه الآية، فقال: ((ومقصوده تصغير
شأن موسی في نفوسهم بأشياء هي عوارض
ليست مؤثّرةً، انتقل من تعظيم شأن نفسه
إلى إظهار البون بينه وبين موسی الّذي جاء
يحقّر دينه وعبادة قومه إيّاه، فقال: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ
مِنْ هَذَا﴾.
والإشارة هنا للتّحقير، والمهين -بفتح
الميم -: الذّليل الضّعيف، أراد أنّه غريبٌ
لیس من أهل بیوت الشّرف في مصر، ولیس
له أهلٌ يعتزّ بهم، وهذا سفسطةٌ وتشغيبٌ إِذ
ليس المقام مقام انتصارٍ حتّى يحقّر القائم
فيه بقلّة النّصير، ولا مقام مباهاةٍ حتّى ينتقص
صاحبه بضعف الحال.
وأشار بقوله: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ إلى ما
كان فى منطق موسى من الحبسة والفهاهة،
وليس مقام موسى يومئذٍ مقام خطابةٍ ولا
تعليم وتذكيرِ حتّى تكون قلّة الفصاحة نقصًا
في عمله، ولكنّه مقام استدلالٍ وحجّةٍ،
(٤) تفسير القرآن العظيم ٧/ ٢٣١.
www. modoee.com
٢٦١
حرف الخاء
فيكفي أن يكون قادرًا على إبلاغ مراده، والنّديّ: المجلس، والأثاث: المتاع،
والرّئي: المنظر))(٢).
وقد أزال اللّه عنه ذلك حين تفرّغ لدعوة بني
إسرائيل))(١).
ثامنًا: المقابلة الفاسدة بين مقام أهل
الشرك ومقام أهل الإيمان في الدنيا:
وذلك عندما افتخر المشركون بمنازلهم
وديارهم وأثاثهم على المؤمنين الفقراء؛
وظنوا أنهم على حق وأنّ المؤمنين على
باطل لفقرهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ
ءَيَتُنَا بَيِّنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَىُّ
اَلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣].
قال ابن كثير: ((يخبر تعالى عن الكفّار
حين تتلى عليهم آيات اللّه ظاهرة الدّلالة
بيّنة الحجّة واضحة البرهان، أنّهم يصدّون
عن ذلك ويعرضون ويقولون عن الّذين
آمنوا مفتخرين عليهم ومحتجّين على
صحّة ما هم عليه من الدّين الباطل بأنّهم:
﴿خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾، أي: أحسن منازل
وأرفع دورًا، ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾، وهو مجمع
الرّجال للحديث، أي: ناديهم أعمر وأكثر
واردًا وطارقًا، يعنون: فكيف نكون ونحن
بهذه المثابة على باطلٍ، وأولئك الّذين هم
مختفون مستترون في دار الأرقم بن أبي
الأرقم ونحوها من الدّور على الحقّ؟
عن ابن عبّاسٍ قال: المقام: المنزل،
(١) التحرير والتنوير ٢٥/ ٢٣٠ - ٢٣١.
وهذا الذي أعطاهم الله إياه من النعيم
في الدنیا لیس تکریمًا لهم كما يزعمون، إنما
هو استدراج.
قال تعالى: ﴿أَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُم بِهِمِن
مَّالٍ وَبَنِيِنَ ® ◌َُارِعُ لَهْ فِى الْخَيْرَتِّ بَلَ لََّ يَشْعُرُونَ﴾
[المؤمنون: ٥٥-٥٦].
قال في الكشاف: ((والمعنى: أنّ
هذا الإمداد ليس إلا استدراجًا لهم إلى
المعاصي، واستجرارًا إلى زيادة الإثم، وهم
يحسبونه مسارعةً لهم في الخيرات وفيما
لهم فيه نفع وإكرام، ومعاجلة بالثواب قبل
وقته)) (٣).
كما أن نعيم الدنيا لا قيمة له إذا كان
صاحبه من أهل النار يوم القيامة؛ فقد جاء
في صحيح مسلم بسنده عن أنس بن مالك
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (یؤتی بأنعم أهل الدنيا من أهل
النّار يوم القيامة، فيصبغ في النّار صبغةً، ثمّ
يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قطّ؟ هل مرّ
بك نعیمٌ قطّ؟ فیقول: لا والله يا ربّ، ویؤنی
بأشدّ النّاس بؤسًا في الدّنيا من أهل الجنّة،
فیصبغ صبغةً في الجنّة، فيقال له: يا ابن آدم
هل رأيت بؤسًا قطّ؟ هل مرّ بك شدّةٌ قطّ؟
(٢) تفسير القرآن العظيم ٥/ ٢٥٧.
(٣) الكشاف، الزمخشري ٣/ ١٩١.
٢٦٢
جَوَسُورَة النفسية
القرآن الكريمِ