النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الخير عناصر الموضوع مفهوم الخير ٢٢٤ الخير في الاستعمال القرآني ٢٢٥ الألفاظ ذات الصلة ٢٢٦ الخير الإلهي ٢٢٨ ميادين الخير في القرآن ٢٣٥ الخيرية بين المتضادات ٢٥٤ ٢٦٣ الحث على فعل الخير في القرآن المُجَلَدُ الرَّابِع عَشَر حرف الخاء مفهوم الخير أولًا: المعنى اللغوي: تدل مادة (خير) على العطف والميل، فكل أحد يميل إلى الخير، ويعطف على صاحبه(١). والخير ضد الشر، وجمعه خيور، ويقال: رجلٌ خَيْرٌ وخَيٌّ -مشدّد ومخفّف-، أي: فاضل، والجمع أخيارٌ، وخيارٌ، والخيرات جمع خيرةٍ، وهي الفاضلة من كل شيء(٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: لا يختلف عن معناه اللغوي، فهو يطلق على («ما يرغب فيه كل الناس، كالعقل، والعدل، والفضل، والشيء النافع)»(٣). كما يصدق الخير أيضًا على كل ما يتقرّب به العبد إلى الله تعالى من فعل الطاعات، والبعد عن المعاصي والسيئات، لذا قيل في تعريفه: هو إتيان ما يوجب الثواب الجزيل، ويجنب العقاب الأليم(٤). (١) مقاييس اللغة ٢٣٢/٢. (٢) مختار الصحاح، الرازي ص ٩٩. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٠٠. (٤) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ١ / ٥٩٣. ٢٢٤ جَوَسُو لِلْقُرْآن الكَرِيمِ الخير الخير في الاستعمال القرآني وردت مادة (خير) في القرآن الكريم (١٩٦) مرة، يخص موضوع البحث منها (١٨٨) مرة(١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال المصدر ١٧٦ ﴿بَدَِّكَ الْخَيْرُّ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: ٢٦] الأسماء ١٢ ﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] وأطلق الخير في القرآن الكريم على أربعة أوجه(٢): الأول: كل ما هو طيب وممدوح ومرغوب فيه، ويشمل العافية والسعة والنفع والأجر وغير ذلك: ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُمْ مِن شَعَتِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦]، أي: لكم في البدن منافع كثيرة في الدنيا، والأجر في الآخرة إذا تقربتم إلى الله بذبحها. الثاني: الإسلام أو القرآن: ومنه قوله تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥]. الثالث: المال: ومنه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا أَلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] أي: إن ترك مالًا. الرابع: الأفضل: ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَأْ خَيْرٌمِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢] أي: أنا أفضل منه. (١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن، عبدالله جلغوم، ص٤٩١ - ٤٩٥. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص١٩٦-١٩٧، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٢/ ٥٧٢- ٥٧٥، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٢٨٥-٢٨٩. www. modoee.com ٢٢٥ حرف الخاء الألفاظ ذات الصلة البر: ١ البرّ لغة: الاتساع في الإحسان والزيادة فيه إلى الناس، ويقال: أبر على صاحبه في كذا، أي: زاد عليه(١)، وأصل معنى البر السعة، ومنه أخذ البر مقابل البحر، ثم شاع في الشفقة والإحسان والصلة (٢). البر اصطلاحًا: قال الطبري: ((كل طاعة لله تعالى تسمّى برًّا))(٣)، وقال الزمخشري: ((البرّ سعة الخير والمعروف، ومنه البر، لسعته، ويتناول كل خير. ومنه قولهم: صدقت وبررت))(٤). وقيل: هو اسم جامع لكل خير (٥). الصلة بين البر والخير: يشترك لفظ البر مع لفظ الخير في معان كثيرة، وبينهما فروق منها: ((أن الخير يقابله الشر، والبر يقابله العقوق، ومنها: أن البر هو الخير الواصل إلى الغير، مع القصد إلى ذلك، أما الخير فمطلق سواء كان عن قصد أو غير قصد، حتى لو وقع عن سهو لم يخرج عن استحقاق الصفة به)) (٦). النعمة: ٢ النعمة لغة: قال ابن فارس: ((النعمة: المنة، وكذلك النعماء. والنعمة: المال، يقال: هو واسع النعمة)»(٧)، يقال: نَعِمَ يَنْعَمُ نَعْمَةً، ونِعمة العيش: حُسْنه، ونعمة الله: مَنُّه وعطاؤه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةُ وَيَاطِنَةً ﴾ [لقمان: ٢٠](٨). (١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٣٨/١٥. (٢) انظر: تاج العروس، الزبيدي ١٠/ ١٥١. (٣) جامع البيان، الطبري ١/ ٧. (٤) الكشاف، الزمخشري ١/ ١٣٣. (٥) انظر: تحرير ألفاظ التنبيه، النووي ص ١٤٩. (٦) الفروق اللغوية، العسكري ص١٧٠. (٧) مجمل اللغة، ابن فارس ١/ ٨٧٤. (٨) تهذيب اللغة، الأزهري ٩/٣. صَوَسُور القرآن الكريمِ ٢٢٦ الخير النّعمة اصطلاحًا: الحالة الحسنة(١). وهي في أصل وضعها الحالة الّتي يستلذها الإنسان(٢). الصلة بين النعمة والخير: أنها سبيل إليه، فنعمة المال سبيل للإنفاق منه في وجوه الخير، ونعمة الصحة سبيل للقيام بواجبات العبودية لله تعالى من صلاة وصيام وحج وهكذا. وقد ذكر أبو هلال العسكري الفرق بين لفظ الخير ولفظ النعمة، فقال: ((والفرق بينها: أي: النعمة وبين الخير، أن الإنسان يجوز أن يفعل بنفسه الخير كما يجوز أن ينفعها، ولا يجوز أن ينعم عليها))(٣). (١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٨١٤. (٢) الكليات، الكفوي ص٩١٢. (٣) الفروق اللغوية، العسكري ص ١٩٧. www. modoee.com ٢٢٧ حرف الخاء الخير الإلهي من الحقائق الثابتة التي لا مراء فيها أن الله تعالى خالق كل شيء، وهو خالق الخير يهدي إليه من يشاء من خلقه، ولا يعلم حقيقة الخير إلا الله. والناظر في القرآن الكريم يجد أن لفظ الخير ورد في بعض الآيات مقرونًا خَيْرُ ببعض أسماء الله تعالى وصفاته: كـ النَّصِرِينَ﴾، و﴿خَيْرُ الْغَفِرِينَ﴾ ونحوهما، کما أن هناك میادین کثيرة للخير: کالإيمان، والعبادات، والأخلاق؛ وضّحها القرآن الكريم ليرشد المسلمين إليها. والحديث حول هذا الموضوع يشتمل على ما يأتي: أولًا: مصدر الخير: مصدر الخير هو الله سبحانه وتعالى فهو الذي خلقه ويسّره لأهله، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلِّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيْرً﴾ [الفرقان: ٢]. فالخير بيد الله تعالى هو خالقه وملهمه، قال تعالى: ﴿قُلِ اَللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ قَشَآءُ وَتُعِزُ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرٌّ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]. قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: كيف قال: ﴿بِيَدِّكَ اَلْخَيْرُ﴾ فذكر الخير دون الشر؟ قلت: لأنّ الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين، وهو الذي أنكرته الكفرة، فقال: بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك، ولأن كل أفعال اللّه تعالى من نافع وضارّ صادر عن الحكمة والمصلحة، فهو خير كله، كإيتاء الملك ونزعه)»(١). وقال الفخر: ((والألف واللام في الخير يوجبان العموم، فالمعنى: بقدرتك تحصل كلّ البركات والخيرات، وأيضًا فقوله: ﴿بَيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ يفيد الحصر، كأنّه قال بيدك الخير لا بيد غيرك)»(٢). ومما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في افتتاح الصلاة بعد التكبير وقبل القراءة: (اللّهمّ أنت الملك لا إله إلّ أنت، أنت ربّ وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي إنّه لا يغفر الذّنوب إلّ أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلاّ أنت، واصرف عنّي سيّتها إنّه لا يصرف سيّئها إلاّ أنت، لبّيك وسعديك، والخیر بیدیك، أستغفرك وأتوب إليك، لا منجا منك إلاّ إليك)(٣). ثانيًا: الخير في أسماء الله وصفاته: اقترن الخير في مواضع من القرآن الكريم بأسماء الله تعالى وصفاته، کـ ﴿خَيْرُ النَّصِرِينَ﴾ ونحوه. ومعلوم أن أفعل (١) الكشاف، الزمخشري ٣٥٠/١. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٩٠/٨. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، ١/ ٥٣٤، رقم ٧٧١. ٢٢٨ القرآن الكريمِ الخير التفضيل هنا ليس على بابه، بل من قبيل قوله فالله سبحانه هو الغالب الذي لا يغلب جنده وصاحب القدرة المطلقة، فلا نصر تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ. وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ [الروم: ٢٧]. إلا منه تعالى، ومهما بلغت قوة العدو وعدته وعتاده، فلا قيمة لكل ذلك أمام قدرة الله وبيان ذلك كما يأتي: تعالی، نصر رسوله صلی الله عليه وسلم في ١. خير الناصرين. هجرته وهزم الأحزاب وحده. ومعناه في حق الله تعالى أنه سبحانه ينصر من يستنصره، ويجازيه على استنصاره به(١). وورد هذا الوصف في القرآن مرةً واحدةً، وذلك في قوله: ﴿بَلِ اَللَّهُ مَوْلَمُكُمٌّ وَهُوَ خَيْرُ النَّصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠]. قال الفخر: ((وإنّما كان تعالى خير النّاصرين؛ لأنّه تعالى هو القادر على نصرتك في كلّ ما تريد، والعالم الّذي لا يخفى عليه دعاؤك وتضرّعك، والكريم الّذي لا يبخل في جوده، ونصرة العبيد بعضهم لبعضٍ بخلاف ذلك في كلّ هذه الوجوه، واعلم أنّ قوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ اَلنَّصِرِينَ﴾ ظاهره يقتضي أن یکون من جنس سائر النّاصرین وهو منزه عن ذلك، لكنّه ورد الكلام على حسب تعارفهم»(٢). وقال الألوسي: ((وهو خير النّاصرين؛ لأنه القوي الذي لا يغلب، والناصر في الحقيقة فينبغي أن يخص بالطاعة والاستعانة)) (٣)، (١) لطائف الإشارات، القشيري ١/ ٢٨٤. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٣٨٤. (٣) روح المعاني، الألوسي ٢/ ٣٠٠. قال تعالى: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠]. وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (لا إله إلاّ الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)(٤). ٢. خير الرازقين. وهذا الوصف معناه في حق الله تعالى: ((أنّه سبحانه مختصّ بأن يرزق ما لا يقدر عليه غيره، وأنه تعالى هو الأصل في الرزق»(٥). وقد ورد هذا الوصف في خمسة مواضع من القرآن، منها قوله تعالى: ﴿وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤]. أي: أعطنا من عطائك؛ فإنك یا رب خير من يعطي، وأجود من تفضّل (٦). ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا عِندَاللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ النِّجَزَوَّوَاللّهُ خَيْرُ الزَِّقِينَ﴾ [الجمعة: (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، ٢/ ٨٨٦، رقم ١٢١٨. (٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٣/ ٢٤٣. (٦) جامع البيان، الطبري ١١/ ٢٢٦. www. modoee.com ٢٢٩ حرف الخاء ١١]. قال ابن الجوزي في تفسيرها: ((والله خیر الرازقین؛ لأنه يرزق من يؤمن به ویعبده، ومن يكفر به ویجحده، فهو يعطي من سأل يرجو منفعته، ويقبل على خدمته))(١). وقال ابن عاشور: «وذیّل الكلام بقوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الزَِّقِينَ﴾؛ لأنّ اللّه يرزق الرّزق لمن يرضى عنه سليمًا من الأكدار والآثام؛ ولأنّه يرزق خير الدّنيا وخير الآخرة، وليس غير اللّه قادرًا على ذلك، والنّاس في هذا المقام درجاتٌ لا يعلمها إلّا اللّه، وهو العالم بالسّرائر))(٢). ٣. خير الفاصلين. وهو من الفصل في الخصومات، ومعناه في حق الله تعالی أنه سبحانه خیر من یفصل ویحکم بين الخلق کلهم. قال الراغب: ((الفصل: إبانة أحد الشيئين عن الآخر حتی یکون بينهما فرجة، وسمّي يوم القيامة يوم الفصل؛ لأنّه يبيّن الحق من الباطل، ويفصل بين الناس بالحكم، وفصل الخطاب ما فيه قطع الحكم)»(٣). وورد هذا الوصف مرةً واحدةً في القرآن في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِى عَلَ بَيِّنَةِ مِن ◌َّبِی (١) زاد المسير، ٢٨٥/٤. (٢) التحرير والتنوير ٢٣٠/٢٨. (٣) المفردات، ص٦٣٨. وَكَذَبْتُم بِةٍّ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْبِلُونَ ◌ِهُ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُ الْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ اُلْفَصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]. ومعنى الآية: ((أنه هو خير من بيّن ويبتدئ من لا يسأل، وغيره إنما يرزق من وميّز بين المحق والمبطل وأعدلهم؛ لأنه لا یقع في حکمه وقضائه حیف إلی أحد لوسيلة له إليه، ولا لقرابة ولا مناسبة، ولا في قضائه جور؛ لأنه لا يأخذ الرشوة في الأحكام فيجور، فهو أعدل الحكام وخير الفاصلين» (٤). قال صاحب الكشاف: ((يقصّ الحقّ: أي: القضاء الحق، وهو خير الفاصلين: أي: القاضين)» (٥). ٤. خير الحاكمين. ومعناه في حق الله تعالى أنه سبحانه أفضل من يحكم بين الناس. وورد هذا الوصف في ثلاثة مواضع من القرآن، منها قوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اَللَّهُ بَيْنَنَأْ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧]. قال الطبري: ((والله خير من يفصل وأعدل من يقضي؛ لأنه لا يقع في حكمه ميلٌ إلى أحد ولا محاباة لأحد»(٦). ٥. خير الفاتحين. قال الراغب: ((الفتح: إزالة الإغلاق (٤) جامع البيان، الطبري ١١/ ٣٩٨. (٥) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٣٠. (٦) جامع البيان، ١٢ / ٥٦١. ٢٣٠ ضوي ـمُ النَّفْسِيَةْ جَوْسُور القرآن الكريم الخير والإشكال، فتح القضيّة فتاحًا: أي: فصل فذلك الغفران يكون لطلب نفعٍ، أو الدفع الأمر فيها، وأزال الإغلاق عنها، والفاتح والفتّاح القاضي بلغة حمير))(١). ومعناه في حق الله تعالى هنا أنه تعالى خير القاضين. وورد هذا الوصف في موضع واحد من القرآن هو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِينَ ﴾ [الأعراف: ٨٩]. بالقضاء والحكم)»(٢). وبذلك يعلم أنّه تعالى خير الفاتحين، أي: خير الحاكمين؛ لأنّ حكمه هو العدل والقسط، وعلمه هو النافذ غير الخاطئ أبدًا، بخلاف حکم الآخرین، فهم بین حاكم عادل أو جائر، ومصيب أو مخطئ. ٦. خير الغافرين. قال صاحب اللسان: ((الغفور الغفّار جلّ ثناؤه وهما من أبنية المبالغة، ومعناهما: الساتر لذنوب عباده، المتجاوز عن خطاياهم (٣) وذنوبهم» . كلّ من سواك فإنّما يتجاوز عن الذّنب: إمّا طلبًا للثّناء الجميل، أو للثّواب الجزيل، أو دفعًا للرّبقة الخسيسة عن القلب؛ وبالجملة (١) المفردات، ص٦٢١. (٢) التحرير والتنوير ٩/ ١١. (٣) لسان العرب، ابن منظور ٥/ ٢٥. ضررٍ، أمّا أنت فتغفر ذنوب عبادك لا لطلب عوضٍ وغرضٍ، بل لمحض الفضل والكرم، فوجب القطع بكونه خير الغافرين)» (٤). وورد هذا الوصف فى القرآن مرّةً واحدةً في قوله تعالى: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. ومعنى الآية كما قال الطبري: ((﴿فَأَغْفِرْ قال ابن عاشور: ((فسّروا الفتح هنا لَنَا﴾، أي: فاستر علينا ذنوبنا بتركك عقابنا عليها، ﴿وَآَرْحَمْنَا﴾ تعطف علينا برحمتك، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ﴾، أي: أنت خير من صفح عن جرم، وستر علی ذنب»(٥). ٧. خير الماکرین. قال الراغب: ((المكر: صرف الغير عمّا يقصده بحيلة، وذلك ضربان: مکر محمود، وهو أن يتحرّى بذلك فعل جميل، ومذموم، وهو أن یتحرّی به فعل قبيح»(٦). وقد ورد هذا الوصف في موضعين من القرآن : الأول: في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا قال الفخر: ((خير الغافرين، معناه: أنّ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]. والثاني: في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُولٌ (٤) مفاتيح الغيب، ١٥/ ٣٧٨. (٥) جامع البيان، ١٣/ ١٥٢. (٦) المفردات ص٧٧٢. www. modoee.com ٢٣١ حرف الخاء وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ بالشّيء يحفظه، كالحافظ)»(٢). [الأنفال: ٣٠]. وقد اتّفق المفسّرون على أنّ المراد من مكره سبحانه هو المجازاة على مكرهم. قال ابن عاشور: ((ومعنى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ اٌلْمَكِرِينَ﴾، أي: أقواهم عند إرادة مقابلة مکرهم بخذلانه إيّاهم. ويجوز أن يكون معنى ﴿خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾: أنّ الإملاء والاستدراج الّذي يقدّره للفجّار والجبابرة والمنافقين الشبيه بالمکر في آنّه حسن الظاهر سيّئ العاقبة، هو خیرٌ محضٍّ لا یترتّب علیه إلّا الصّلاح العامّ، وإن كان يؤذي شخصًا أو أشخاصًا، فهو من هذه الجهة مجرّدٌ عمّا في المکر من القبح، ولذلك كانت أفعاله تعالی منزّهةً عن الوصف بالقبح أو الشّناعة؛ لأنّها لا تقارنها الأحوال الّتي بها تقبّح بعض أفعال العباد من دلالةٍ على سفاهة رأي، أو سوء طویّةٍ، أو جبنٍ، أو ضعفٍ، أو طمعٍ، أو نحو ذلك، أي: فإن کان في المکر قبحٌ فَمکر اللّه خيرٌ محضٍّ، ولك على هذا الوجه أن تجعل ﴿خيرٌ﴾ بمعنى التّفضیل وبدونه))(١). ٨. خيرٌ حافظًا. («الحفظ له معنى واحد يدل على مراعاة الشيء، والتحفّظ: قلّة الغفلة، والحفاظ: المحافظة على الأمور. والحفيظ: الموكّل (١) التحرير والتنوير ٣/ ٢٥٧. ورد هذا الوصف في القرآن مرةً واحدةً في قوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَفِظَاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ﴾ [يوسف: ٦٤]. والآية تحكي ما قاله يعقوب عليه السلام لأبنائه عندما طلبوا منه أن يأخذوا أخاهم للملك؛ لیأذن لهم في الکیل. ومعنى الآية كما قال ابن عاشور: ((أي: خيرٌ حفظًا منكم؛ فإن حفظه اللّه سلم، وإن لم یحفظه لم يسلم، كما لم يسلم أخوه من قبل حین أمنتكم عليه))(٣). ٩ - خير الوارثين. قال في اللسان: ((الوارث صفة من صفات الله عز وجل وهو الباقي الدائم الذي يرث الخلائق ويبقى بعد فنائهم، والله عز وجل يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، أي: يبقى بعد فناء الكل ويفنى من سواه؛ فیرجع ما كان ملك العباد إليه وحده لا شريك له»(٤). وورد هذا الوصف في القرآن أيضًا مرةً واحدةً في قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِتَّ إِذْ نَادَى رَبَّهُرَبِّ لَا تَذَرْ فِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩]. قال البغوي: ((﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ﴾: (٢) مجمل اللغة، ابن فارس ١/ ٢٤٤. (٣) التحرير والتنوير ١٣ / ١٦. (٤) لسان العرب، ابن منظور ١٩٩/٢. ٢٣٢ القرآن الكريم الخير ثناءٌ على اللّه بأنّه الباقي بعد فناء الخلق، وأنّه واحدةً أيضًا في شأن يوسف عليه السلام أفضل من بقي حيًّا))(١). ١٠. خير المنزلين. قال الفخر: ((الإنزال في الأمكنة قد يقع من غير الله، كما يقع من اللّه تعالى وإن كان هو سبحانه خير من أنزل؛ لأنّه يحفظ من أنزله في سائر أحواله، ويدفع عنه المكاره بحسب ما يقتضيه الحکم والحكمة»(٢). قال صاحب اللسان: ((الرحمة: الرّقّة ورد هذا على أنه صفة لله تعالى مرةً والتّعطّف، والرحمة: المغفرة، والرّحمة في واحدةً في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ بني آدم عند العرب: رقّة القلب وعطفه، ورحمة الله: عطفه وإحسانه ورزقه»(٥). أَنْزِلْنِى مُنًَّا مُبَارَكًا وَأَنتَ خَيرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩]. قال الطبري في تفسير هذه الآية: ((يقول تعالی ذکره لنبيه نوح عليه السلام: وقل إذا سلّمك الله، وأخرجك من الفلك، فنزلت عنها: ﴿رَّبِّ أَنْزِلْنِ مُنْزَلًا﴾ من الأرض ﴿مُّبَارَكا وأنتخيرُ المُنزِلِينَ﴾: أنت خير من أنزل عباده المنازل)»(٣). وفي هذه الآية توجیه من الله تعالى لنبيه نوح عليه السلام أن يطلب من الله تعالى أن یتفضّل علیه بإنزاله منزلًا مباركًا، بأن يكون ذات ماء وشجر، أو غير ذلك ممّا يمهّد الحياة. وورد قوله تعالى: مرة خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ. (١) معالم التنزيل ٥/ ٣٥٢. (٢) مفاتيح الغيب، ٢٣/ ٢٧٤. (٣) جامع البيان، ١٩/ ٢٧. حينما قال لإخوته -فيما حكى القرآن -: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنّ أُوْ فِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ﴾ [يوسف: ٥٩]، أي: خير المضيفين، ((وعدهم بأن یوفي لهم الکیل، ویکرم ضيافتهم، إن أتوا بأخيهم)) (٤). ١١. خير الراحمين. ورد هذا الوصف في القرآن مرتين: الأولى: في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ، كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّحِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩]. والثانية: في قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّاغْفِرْ وَأَرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّحِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨]. أي: أنت یا ربّ خیر من رحم ذا ذنب، فقبل توبته، ولم يعاقبه على ذنبه (٦). ثالثًا: حقيقة الخیر لا يعلمها إلا الله: إن الخير بيد الله تعالى فهو سبحانه خالقه وملهمه ولا يعلم حقيقته إلا هو، فقد يقع للإنسان شيء من الأقدار المؤلمة والمصائب الموجعة التي تكرهها نفسه، (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣/ ١٣. (٥) لسان العرب، ابن منظور ٢٣٠/١٢. (٦) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٨٥. www. modoee.com ٢٣٣ حرف الخاء فربما جزع أو أصابه الحزن وظنّ أن ذلك المقدور هو الضربة القاضية والفاجعة المهلكة لآماله وحياته، فإذا بذلك المقدور منحة من الله في ثوب محنة، وعطية منه تعالی في رداء بلیة، و کم أتی نفع الإنسان من حيث لا يحتسب، والعكس صحيح، فکم من إنسان سعى إلى شيءٍ ظاهره الخیر، واستمات في سبيل الحصول علیه، وبذل الغالي والنفيس من أجل الوصول إليه، فإذا بالأمر یأتي على خلاف ما یرید. وهذا هو ما يقرره القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَكُزَهُ لَكُمّ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمُّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْلًا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. والآية وإن كانت ورادة في شأن القتال والجهاد إلا أن العبرة بعموم اللفظ. ومعنى الآية: («عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة ﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ في أنکم تغلبون وتظهرون و تغنمون وتؤجرون، ومن مات مات شهيدًا، ﴿وَعَسَقَ أَنْ تُحِبُّواْ﴾ الدعة وترك القتال ﴿وَهُوَشَرٌّلَّكُمْ﴾ في أنكم تغلبون وتذلّون ويذهب أمركم، ﴿وَاللَّهُ يَمْلَمُ﴾ ما يصلحكم وما هو خير لكم ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك))(١). وكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ (١) الكشاف، الزمخشري ١/ ٢٥٨. جوبيبو القرآن الكريمِ فَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]. والآية ورادة في كراهية الرجل لزوجته، والمعنى: «فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله في ذلك الشيء الذي تكرهونه خیرًا كثيرًا، والمراد بالخير الكثير -كما فسره ابن عباس- أن يعطف عليها فيرزق الرجل ولدها، ویجعل الله في ولدها خيرًا كثيرًا)»(٢). وفي القرآن الكريم شواهد كثيرة تدل على ذلك، منها قصة الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام بأمر من الله تعالى ؛ فإنه علّل قتله إياه بقوله: ﴿وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنٍ فَخَشِينَآ أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِ لَهُمَا رَيُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةً ٨٠ وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨٠- ٨١]. قال الطبري: ((وأما الغلام، فإنه كان كافرًا، وكان أبواه مؤمنين، فعلمنا أنه يرهقهما. يقول: يغشيهما طغيانًا -وهو الاستكبار على الله- وكفرًا به. وعن قتادة أنه ذكر الغلام الذي قتله الخضر، فقال: قد فرح به أبواه حین ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب، وقوله: مِنْهُ زَكَوَةٌ﴾ يقول: خيرًا من الغلام الذي قتله (٢) جامع البيان، الطبري ٨/ ١٢٢ - ٠١٢٣ ٢٣٤ الخير صلاحًا ودينًا))(١). ومنها كذلك قصة أم موسى عندما ألقته في اليمِّ بأمر من الله تعالى، فظاهره شر، ولكنه خير لنجاة موسى عليه السلام وهو طفل، من بطش فرعون. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَةِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِيهِ فِى الْبَرِّ وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَبِّ إِنَّا رَآَدُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ اُلْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]. والوحي هنا وحي إلهام لا وحي نبوة، قال قتادة: قذفنا في قلبها ﴿أَنْ أَرْضِعِيَةٍ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾، يعني: من الذبح ﴿فَأَلْفِيهِ فِي الْبَيِّ﴾، أي: البحر، ﴿وَلَا تَخَافِ﴾ عليه من الغرق أو من الضيعة، ﴿وَلَا تَحْزَبِ﴾ على فراقه ﴿إِنَّا رَآَدُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾(٢). (١) المصدر السابق ١٨/ ٨٥ - ٧٨. (٢) معالم التنزيل، البغوي ٦/ ١٩٠. ميادين الخير في القرآن للخير ميادين كثيرة، دل عليها القرآن الكريم، وأرشد المسلمين إليها وأمرهم بها؛ ليحصل لهم بسببها الفوز والفلاح، والسعادة في الدنيا والآخرة، كدعوته إلى الإيمان والتقوى، والطاعة والعبادة، والأخلاق الفاضلة وحسن المعاملة، إلى غير ذلك من الميادين الكثيرة التي أرشد إليها القرآن الكريم، والحديث حول هذا الموضوع يتضمن ما يأتي: أولًا: الإيمان: الإيمان من أعظم ميادين الخير التي أرشد إليها القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتَبِّكَتِهِ. وَكُبِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ اٌلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٥ ((وقد اتّفق أهل العلم من اللّغويّين وغيرهم على أن الإيمان معناه التصديق)) (٣). أما معناه الشرعي فهو كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأله جبريل: ما الإيمان؟ فقال: (الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، (٣) لسان العرب، ابن منظور ٦/ ١٩٠. www. modoee.com ٢٣٥ حرف الخاء وتؤمن بالقدر خيره وشره)(١). وقد أمر الله به الناس جميعًا، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَقَامِنُواْ خَيْرً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيًّا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧٠]. ومعنى الآية: ((﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَ كُمُ الرَّسُولُ﴾، يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم، ﴿يِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ﴾، يقول: مِن بالإسلام الذي ارتضاه الله لعباده دینًا، زَّيَّكُمْ﴾، يعني: من عند ربكم، ﴿فَامِنُواْ خَيْرًا لَّكُمْ﴾، يقول: فصدّقوه وصدّقوا بما جاءكم به من عند ربكم من الدين؛ فإن الإیمان بذلك خير لكم من الكفر به، ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ﴾، يقول: وإن تجحدوا رسالته وتكذّبوا به وبما جاءكم به من عند ربكم، فإن جحودکم ذلك وتكذیبکم به، لن يضرّ غیرکم»(٢). فالإيمان خير في الدنيا؛ لأنه تصديق بالله ورسوله، وخير في الآخرة؛ لأنه أول وأهم سبب من أسباب دخول الجنة. ولا بد أن يكون الإيمان مقرونًا بالعمل؛ لينفع صاحبه عند الله. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان، والإسلام، والقدر وعلامة السّاعة، ١/ ٣٦، رقم ٨. (٢) جامع البيان، الطبري ٩/ ٤١٢. يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَالَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْكَسَبَتْ فِى إِيَنِهَا خَيْرَاً قُلِ أَنْتَظِرُوَ إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]. والإيمان بالله وتوحيده هو دعوة الأنبياء جميعًا، ومنهم يوسف عليه السلام حينما قال لصاحبيه في السجن: ﴿يَصَحِبِى السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَغَرِّقُونَ خَيْرُّ أَمِ اَللَّهُ الْوَحِدُ اٌلْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]. ومن أعظم ميادين الخير أيضًا: التقوى، ومعناها إجمالًا: الائتمار بما أمر، والانتهاء عما نهى عنه وزجر. وهي من مستلزمات الإيمان، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَثَّقَوْاْ لَعَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌّ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣]. قال ابن کثیر: «ولو آنّهم -أي: اليهود- آمنوا بالله ورسله واتّقوا المحارم، لكان مثوبة اللّه على ذلك خيرًا لهم ممّا استخاروا لأنفسهم ورضوا به))(٣). وقال عز وجل: وَلِيَاسُ الثّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]. والمراد بلباس التقوى، قيل: هو الإيمان، وقيل: هو العمل الصالح، وقيل: هو خشية الله، وقيل: السمت الحسن، وقيل: هو الورع، والكل محتمل. قال في الكشاف: «وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدوّ السّوآت (٣) تفسير القرآن العظيم، ١/ ٣٦٤. ٢٣٦ جَوَسُوع القرآن الكريمِ الخير وخصف الورق عليها؛ إظهارًا للمنة فيما الآخرة يوصلك إلى لذّاتٍ باقيةٍ خالصةٍ عن شوائب المضرّة، آمنةٍ من الانقطاع والزّوال. خلق من اللباس، ولما في العرى وكشف العورة من المهانة والفضيحة، وإشعارًا بأنّ التسترباب عظيم من أبواب التقوى))(١). ورابعها: أنّ زاد الدّنيا وهي كلّ ساعةٍ في الإدبار والانقضاء، وزاد الآخرة يوصلك إلى الآخرة، وهي كلّ ساعةٍ في الإقبال والقرب والوصول. وقال ابن عباس: ((لباس التّقوى: العمل الصّالح، وقيل: هو السّمت الحسن، وقيل: هو العفاف والتّوحيد)) (٢). وخامسها: أنّ زاد الدّنيا يوصلك إلى وقد أمر الله تعالى بالتزود منها فقال: منصّة الشّهوة والنّفس، وزاد الآخرة يوصلك إلى عتبة الجلال والقدس. فثبت بمجموع ما ذكرنا أنّ خير الزّاد التّقوى))(٣). ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَنَّ وَأَنَّقُونِ يَتَأُولِي الْأَلْبَبِ﴾ [البقرة: ١٩٧]. قال الفخر: ((وتحقيق الكلام فيه أنّ الإنسان له سفران: سفرٌ في الدّنيا، وسفرٌ من الدّنیا، فالسّفر في الدّنیا لا بدّ له من زادٍ، وهو الطّعام والشّراب والمركب والمال، والسّفر من الدّنيا لا بدّ فيه أيضًا من زادٍ، وهو معرفة اللّه ومحبّته والإعراض عما سواه، وهذا الزاد خير من زاد الأوّل؛ لوجوهٍ: الأول: أنّ زاد الدنیا یخلّصك من عذابٍ موهوم، وزاد الآخرة يخلّصك من عذابٍ متيقّنٍ. وثانيها: أنّ زاد الدنیا یخلّصك من عذابٍ منقطعٍ، وزاد الآخرة يخلّصك من عذابٍ دائم. وَثالثها: أنّ زاد الدّنيا يوصلك إلى لذّةٍ ممزوجةٍ بالآلام والأسقام والبليّات، وزاد (١) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٩٧. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٢٢٢. ﴿وَإِبْرَهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ وقال تعالى: أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوَةٌ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦]. أي: «اعبدوا الله دون غيره، واتقوا سخطه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه)) (٤). ومن مفاتيح الخير كذلك الانتهاء عن الكفر والشرك، قال تعالى: ﴿يَأَهْلَ اٌلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِىِ دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنَهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُواْ ثَثَةُ أَنْتَهُواْ خَيْرً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَنَّهُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ، وَلَدٌّ لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١]. وهذا نهي عن قول ذلك أو اعتقاده؛ لأنه (٣) المصدر السابق ٥/ ٣٢١. (٤) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ١٨. www. modoee.com ٢٣٧ حرف الخاء كفر بوحدانية الواحد سبحانه، وقد سمّى الله هؤلاء كفارًا؛ لقولهم واعتقادهم ذلك، وتهددهم بالعذاب الأليم إن لم ينتهوا عنه. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةُ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدُّ وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣]. والانتهاء عن ذلك القول يكون بالتوبة والرجوع إلى الله عز وجل واعتقادهم وحدانيته، وإلاّ فالله ورسوله منهم براء. قال تعالى: ﴿وَأَذَنُّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِىٌّ مِّنَ الْمُشْرِكِينٌّ وَرَسُولُهُ، فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللَّهِ وَبَشْرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣]. قال الطبري: ((قوله تعالى: ﴿﴿فإِن تَبـ من كفركم -أيها المشركون- ورجعتم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأنداد، فالرجوع إلى ذلك ﴿خيرٌ لَكُمْ﴾ من الإقامة على الشرك في الدنيا والآخرة))(١). وقال تعالى أيضًا: ﴿يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِمَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلَّ أَنْ أَغْنَمُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ مِن فَضْلِهِ، فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ (١) المصدر السابق ١٤/ ١٣١. خَيْرًا لَهُمٌّ وَإِن يَتَوَلَّوْاْ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِيِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِّ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ٧٤]. والآية الكريمة نزلت في المنافقين الذين حلفوا بالله کذبًا علی کلمة کفر تكلموا بها أنهم لم يقولوها، ثم تأمرهم بالتوبة منها والرجوع عنها والندم على قولها، فذلك خير لهم من الاستمرار على ما هم عليه من الكفر والنفاق، وإن يتولوا ويدبروا عن التوبة ويصروا على كفرهم؛ فإنّ الله يعذبهم عذابًا أليمًا موجعًا في الدنيا والآخرة(٢). وكلمة الخير في الآية تدل على أن توبتهم إلى الله أفضل مما هم عليه من كلمة الكفر، وهمّهم بما لم ینالوا ونقمتهم، فتكون توبتهم سببًا لنجاتهم من العذاب الذي يصيبهم إذا تولوا ولم يتوبوا ويرجعوا عن قولهم كلمة الكفر. قيل: نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول. فالتوبة كلها خير بالنسبة لمن يتوب من کفره وشرکه ونفاقه؛ لأنه يعود إلى طريق الحق والإيمان، وخير لمن يتوب من ذنبه؛ لأنه يعود إلى رشده وصوابه، والعمل بطاعة ربه، وإتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (كلّ بني آدم خطّاءٌ، وخير الخطائين التّابون)(٣). (٢) المصدر السابق ١٤ / ٣٦٤ - ٣٦٥ باختصار. (٣) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، ١٤٢٠/٢، رقم ٤٢٥١. ٢٣٨ مَهُوَة التفسيرالقصوي جوديير القرآن الكريم الخير کما حثّ عليها بقوله صلی الله علیه وسلم: (يا أيّها النّاس توبوا إلى الله، فإنّي أتوب إليه في اليوم مائة مرّةٍ) (١). ثانيًا: العبادة: من ميادين الخير التي أرشد إليها القرآن: العبادات بأنواعها: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة. قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَمَا نُقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ﴾ [البقرة: ١١٠]. ومعنى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾، أي: حافظوا عليها؛ لتحفظكم، وتحصلوا الخير بسبب حفاظکم علیھا. وفي بيان ما يحصل للعبد من خيرات بسبب إقامتها، يقول الفخر: ((واعلم أنّ حفظ الصّلاة للمصلّي على ثلاثة أوجهٍ: الأول: أنّ الصّلاة تحفظه عن المعاصي، قال تعالى: ﴿إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ اٌلْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. فمن حفظ الصّلاة حفظته الصّلاة عن الفحشاء والمنكر. والثاني: أنّ الصّلاة تحفظه من البلايا والمحن، قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٨٣١/٢، رقم ٤٥١٥. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الدعوات، باب في التوبة ٨/ ٧٢، رقم ٢٧٠٢. أَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾ [البقرة: ١٥٣]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ اللّهُ إِّ مَعَكُمْ لَيِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ﴾ [المائدة: ١٢]. ومعناه: إنّي معكم بالنّصرة والحفظ إن كنتم أقمتم الصّلاة وآتيتم الزّكاة. والثالث: أنّ الصّلاة تحفظ صاحبها وتشفع لمصلّيها؛ ولأنّ الصّلاة فيها القراءة، والقرآن يشفع لقارئه، وهو شافعٌ مشفّعٌ))(٢). وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَّوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَفْرِضُواْ اللَّهُ قَرْضًا حَسَنَّاً وَمَا تُقَيِّمُواْ لِأَنْفُسِكُ مِنْ خَيْرٍ ◌َجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرً وَأَسْتَغْفِرُواْ اللّهُ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [المزمل: ٢٠]. ((أي: وما تقدّموا -أيها المؤمنون- لأنفسكم في دار الدنيا من صدقة أو نفقة تنفقونها في سبيل الله، أو غير ذلك من نفقة في وجوه الخير، أو عمل بطاعة الله من صلاة أو صیام أو حجّ، أو غير ذلك من أعمال الخير في طلب ما عند الله، تجدوه عند الله يوم القيامة في معادكم، هو خيرًا لكم مما قدمتم في الدنيا وأعظم منه ثوابًا، أي: ثوابه أعظم من ذلك الذي قدّمتموه لولم تكونوا قدّمتموه))(٣). وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى (٢) مفاتيح الغيب، ٦/ ٤٨٣. (٣) جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٧٠٠. www. modoee.com ٢٣٩ حرف الخاء ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَّ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُتُمْ بتطّوعه بما تطوع به))(٢). تَعْلَمُونَ ﴾ [الجمعة: ٩]. وهنا يرشد الله عباده إلى أن يمضوا إلى الصلاة عندما يسمعوا النداء ويتركوا البيع وكل ما يشغلهم عنها، وأن ذلك فيه الخير لهم وهو الثواب في الآخرة التي هي خير وأبقى. الصوم. قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ. وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَكُمَّ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. قال الطبري: ((والصواب من القول في ذلك عندنا أنّ الله عمّم بقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خيرًا﴾ فلم یخص بعض معاني الخير دون بعض، وعني بقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾ ما من أن تفطروه وتفدوا))(١). كتب عليكم من شهر رمضان هو خير لكم لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦]. الحج والعمرة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَاَلْمَرْوَةَ مِنْ شَعَآیِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَّطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ ء ﴾ [البقرة: ١٥٨]. عَلِيمُ والمعنى: ((ومن تطوع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة علیه فإن الله شاكرٌ له على تطوعه له بما تطوع به من ذلك ابتغاء وجهه، فمجازيه به عليمٌ بما قصد وأراد (١) المصدر السابق ١ / ١٩٦. وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتُ® فَمَن فَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَ رَفَتَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجُّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]. قال الطبري: ((أي: افعلوا - أيها المؤمنون- ما أمرتكم به في حجكم، من إتمام مناسککم فیه، وأداء فرضکم الواجب عليكم في إحرامكم، وتجنب ما أمرتكم بتجنبه من الرفث والفسوق في حجكم؛ لتستوجبوا به الثواب الجزيل»(٣). والخير المترتب على الحج والعمرة كثير، ومنه تحصيل المنافع من الهدي والأضاحي المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ وَأَلْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُمْ مِّن شَعَكِرِ اللَّهِ أي: «لكم في البدن خیر، والبدن: ما يساق من الإبل للهدي والنحر، وذلك الخير هو الأجر في الآخرة بنحرها والصدقة بها، وفي الدنیا الرکوب إذا احتاج إلی رکوبها، وشرب لبنها)»(٤). الفدية. والمراد بها ما يقدم من مال ونحوه؛ لتخليص أسير أو غيره. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّمَن ◌ِّ أَيْدِيكُم (٢) المصدر السابق ٣/ ٢٤٧. (٣) المصدر السابق ٤ / ١٥٥. (٤) المصدر السابق ١٨/ ١٣٠ - ١٣١. ٢٤٠ القرآن الكريم الخير مِنَ الْأَسْرَىّ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا وأمهاتكم وأقربيكم، ولليتامى منكم، والمساكين، وابن السبيل، فإنكم ما تأتوا من يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٠]. خیر وتصنعوه إليهم فإن الله به عليم، وهو محصیہ لکم حتی یوفّیکم أجورکم علیه یوم القيامة، ویثییکم على ما أطعتموه بإحسانكم عليه. و(الخير) الذي قال جل ثناؤه في قوله: ﴿قُلْ مَآ أَنَفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ﴾، هو المال الذي سأل رسول الله صلی الله عليه وسلم أصحابه من النفقة منه، فأجابهم الله عنه بما أجابهم به في هذه الآية))(٢). والمعنى كما قال الطبري: ((يقول تعالى ذکره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا أيها النبي، قل لمن في يديك وفي يدي أصحابك من أسرى المشركين الذين أخذ منهم من الفداء ما أخذ ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِ قُلُوبِكُمْ خَيْرًا ﴾، يقول: إن يعلم الله في قلوبكم إسلامًا، ﴿يُؤْيِّكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ من الفداء، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ يقول: ويصفح لكم عن عقوبة جرمكم الذي اجترمتموه بقتالكم نبي الله وأصحابه، وكفركم بالله، ﴿وَاَللَّهُ غَفُورٌ﴾، لذنوب عباده إذا تابوا، بهم آن رّحِيمٌ يعاقبهم عليها بعد التوبة))(١). · الصدقة. والمراد بها ما ينفق في سبيل الله. قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَّ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْتَى وَالْسَلِكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلُ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥]. والمعنى: «یسألك أصحابك یا محمد: أي شيء ينفقون من أموالهم فيتصدقون به؟ وعلى من ينفقونه فيما ينفقونه ويتصدقون به؟ فقل لهم: ما أنفقتم من أموالكم وتصدقتم به، فأنفقوه وتصدقوا به واجعلوه لآبائكم (١) المصدر السابق ١٤/ ٧٢. وقد حثّ الله عباده المتصدقين على إخفاء الصدقات، وأن ذلك خير لهم من إعلانها؛ حتى لا يخالطهم العجب والرياء. قال تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا مِّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوُهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١) ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمَّ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْدِ اللَّهُّ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ () لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَامِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ. (٢) المصدر السابق ٤ / ٢٩١ - ٢٩٢. www. modoee.com ٢٤١ حرف الخاء عَلِيمُ ﴾ [البقرة: ٢٧١ - ٢٧٣]. هذه الآية في صدقة التطوع، قال ابن عباس: ((جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانیتها، يقال بسبعين ضعفًا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها، يقال: بخمسة وعشرين ضعفًا))(١). كما حثّ الله تعالى الموسرين أن يتصدقوا على المعسرين الذين استدانوا منهم، ولم يستطيعوا الوفاء؛ لفقر يلازمهم. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَكُمَّ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. أي: ((إن كان المدين غير قادر على الأداء؛ لعسرة ملازمة له، فانتظار إلى وقت يتيسر فيه؛ فلا يزيد عليه ليرهقه فيعجز عن الوفاء، بل ينتظر حتى يجيء الوقت الذي يستطيع الأداء. والميسرة: هي حال اليسر، وليست مجرد اليسار، بل هي اليسار المستقر الثابت الذي یتمکن فيه المدین من وفاء دينه کله، أي أن الدائن ينتظر المدين حتى يقف من عثرة العسرة ويستقيم أمره، لا أن یترقب أيّ مال حتی یأخذه کما یأخذ الصائد قنيصته، وإذا ثبت العجز وتقرر، وأصبح احتمال اليسار غير قريب فتصدقوا بالدّین علی صاحبه وأبرئوه منه؛ فإن ذلك (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ١/ ٣٦٥. يكون خيرًا لكم في الدنيا والآخرة: أما في وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن الدنيا فلأنكم إذا فقدتم الأمل في الاستيفاء فکل جهد في سبيله ضائع، وكل تعقب في سبیلہ یورث الإحن من غير جدوى، ويثير الأحقاد المستمرة من غير فائدة، فيكون من الخير العفو والإبراء والإبقاء على الأخوة والعلاقات الاجتماعية، وأما في الآخرة فالنعيم المقيم»(٢). وكان الله تعالى قد أمر المؤمنين أن يقدموا صدقة بين يدي مناجاتهم الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَجَيْهُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىّ ◌َجْوَنَّكُمْ صَدَقَّةٌ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَْهَرَّ فَإِن ◌َّوْ تَجِدُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المجادلة: ١٢]. إلا أن هذا الأمر قد نسخ بالآية بعدها. قاله ابن کثیر و جمهور المفسرین. * الوصية. وهي تمليك الغير عينًا أو دينًا أو منفعةً مضافًا إلى ما بعد الموت بطريق التبرع. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ قال تعالى: أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًّا أَلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَاَلْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. والمعنى: فرض عليكم الوصية ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَّرَكَ خَيْرًا ﴾، والخير: المال، ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَاَلْأَقْرَبِينَ﴾ الذين لا (٢) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢ / ١٠٦١. فَضْو جَوَبُور القرآن الكريمِ ٢٤٢