النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الدَُّاءُ
عناصر الموضوع
مفهوم الدعاء
٣١٦
الدعاء في الاستعمال القرآني
٣١٧
الألفاظ ذات الصلة
٣١٩
الحث على الدعاء وبيان منزلته
٣٢١
آداب الدعاء
٣٢٨
أنواع الدعاء
٣٤٣
آثار الدعاء
٣٦١
المُجَلَدُ الرَّابِع عَشَر

حرف الدال
مفهوم الدعاء
أولًا: المعنى اللغوي:
الدعاء: مصدر الفعل (دعا) ويقال: دعا الرجل دعوًا ودعاءً: ناداه، والاسم: الدعوة،
ودعيت فلانًا صحت به واستدعيته، والدعوة المرة الواحدة، والدعاء واحد الأدعية.
والدعاء أن تميل الشيء إليك بصوتٍ وكلام يكون منك، تقول: دعوت فلانًا أدعوه دعاءً،
أي: ناديته، وطلبت إقباله، يقال: دعوت الله أدعوه دعاءً: ابتهلت إليه بالسؤال، ورغبت فيما
عنده من الخير، ودعا لفلان: طلب الخير له، ودعا على فلان: طلب له الشر (١).
والحاصل: أن أصل الدعاء: النداء والطلب مطلقًا، مع ملاحظة استعلاء المنادى
المطلوب منه.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
هو: سؤال العبد ربه حاجته.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: حقيقة الدعاء: مناداة الله تعالى لما يريد من جلب منفعة،
أو دفع مضرة من المضار (٢).
وقال الخطابي في معنى الدعاء: ((استدعاء العبد ربه عز وجل العناية، واستمداده إياه
المعونة، وحقيقته: إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة، وهو سمة العبودية،
واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله عز وجل، وإضافة الجود، والكرم إليه))(٣).
العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي:
المعنى اللغوي والاصطلاحي متوافقان؛ إذ كل منهما يدلان على النداء والطلب، إلا أن
المعنى الاصطلاحي خص هذا النداء بأنه نداء من العبد للرب.
(١) انظر: الصحاح، الجوهري، ٦/ ٢٣٣، لسان العرب، ابن منظور، ١٤/ ٢٥٧، تاج العروس، الزبيدي،
١/ ١٣٧.
(٢) انظر: مقدمة الترغيب في الدعاء والحث عليه، عبدالغني المقدسي، ص ٥٤.
(٣) شأن الدعاء، ص ٤.
٣١٦
القرآن الكريم

الدعاء
الدعاء في الاستعمال القرآني
ورد الجذر (دع و) في القرآن الكريم (٢٠٧) مرات، يخص موضوع البحث منها (٢٠٥)
مرات (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٣٠
[فصلت: ٣٣]
﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهٌ إِنَّهُ, هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ
٢٨
١٠٦
[الطور: ٢٨]
فعل الأمر
(دعائي)
٣٢
﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]
اسم فاعل
٧
يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾ [طه: ١٠٨]
اسم
٢٠
﴿وَمَا دُعَّةُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَالَلٍ
[الرعد : ١٤]
مصدر
١٠
﴿لَهُ دَعْرَةُ لِلْحَقِّ﴾ [الرعد:١٤]
ورد الدعاء في القرآن على خمسة أوجه(٢):
الأول: القول: ومنه قوله تعالى: ﴿دَعْوَنُهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] يعني: قولهم
في الجنة.
الثاني: العبادة: ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اُلَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُّنَا﴾ [الأنعام:
٧١] يعني: أنعبد من دون الله.
الثالث: النداء: ومنه قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ، أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنْتَصِرْ ﴾ [القمر: ١٠ ] يعني:
فنادى ربه أني مغلوب.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٢٥٧ -٢٦٠.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٢١٣-٢١٥.
www. modoee.com
٣١٧
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَن دَهَا إِلَى الَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا.
الفعل المضارع

حرف الدال
الرابع: الاستعانة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِ أَقْتُلٌ مُوسَى وَلَيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر:
٢٦ ] يعني: وليستعن بربه.
الخامس: السؤال: ومنه قوله تعالى: ﴿فَدْعُ لَنَارَبَّكَ﴾ [البقرة: ٦١] يعني: سل ربك.
٣١٨
◌َالنَّسَبـ
قَضوري
جوبي
القرآن الكريمِ

الدعاء
الألفاظ ذات الصلة
الذكر:
١
الذكر لغة:
الذِّكْر: ما ذكرته بلسانك وأظهرته، والذُّكْر: ما ذكرته بقلبك(١).
الذكر اصطلاحًا:
قال الراغب الأصفهاني: ((الذِّكْرُ: تارة يقال ويراد به هيئة للنّفس بها يمكن للإنسان أن
يحفظ ما يقتنيه من المعرفة، وهو كالحفظ إلّا أنّ الحفظ يقال اعتبارًا بإحرازه، والذِّكْرُ يقال
اعتبارًا باستحضاره، وتارةً يقال لحضور الشيء القلب أو القول، ولذلك قيل: الذّكر ذكران:
ذکر بالقلب، وذکر باللسان. و کلّ واحد منهما ضربان: ذکر عن نسیان، وذکر لا عن نسيان بل
عن إدامة الحفظ. وكلّ قول يقال له ذكر))(٢).
وقال ابن علان: ((أصل وضع الذكر هو ما تعبّدنا الشارع بلفظه مما يتعلق بتعظيم الحق
والثناء عليه)) (٣).
الصلة بين الدعاء والذكر:
قال ابن القيم: ((إن الدعاء هو ذكر للمدعو سبحانه، متضمن للطلب منه والثناء عليه
بأسمائه وأو صافه، فهو ذكر وزيادة، كما أن الذكر سمي دعاءً لتضمنه الطلب، كما قال النبي
صلى الله عليه وسلم: (أفضل الدعاء الحمد لله)، فسمى الحمد لله دعاء، وهو ثناء محض،
لأن الحمد يتضمن الحب والثناء، والحب أعلى أنواع الطلب للمحبوب، فالحامد طالب
لمحبوبه، فهو أحق أن يسمى داعيًا من السائل الطالب من ربه حاجةً ما)) (٤).
الاستغاثة:
٢
الاستغاثة لغة:
مصدر استغاث، وهو مأخوذ من الغوث بمعنى: الإغاثة والنّصرة عند الشّدّة(٥).
(١) تهذيب اللغة، الأزهري ١٠/ ٩٤.
(٢) المفردات ص٣٢٨.
(٣) الفتوحات الربانية شرح الأذكار النووية ١/ ٣٩٦.
(٤) بدائع الفوائد ٩/٣.
(٥) انظر: لسان العرب ٦/ ٣٣١٢.
www. modoee.com
٣١٩

حرف الدال
الاستغاثة اصطلاحًا:
طلب الغوث في الشدائد والأزمات(١).
الصلة بين الدعاء والاستغاثة:
الدعاء أعم من الاستغاثة؛ إذ الدعاء طلب لدفع الشر وجلب الخير، يعني: فيكون في
الشدة وفي الرخاء، أما الاستغاثة فهي طلب لدفع الضر لا لجلب الخير، فلا تكون إلا في
الشدة، فكل مستغيث داعٍ وليس العكس.
٣ الاستعاذة:
الاستعاذة لغة:
مصدر استعاذ، وهي من مادة (ع وذ) التي تدلّ على الالتجاء إلى الشيء(٢).
الاستعاذة اصطلاحًا:
هي: اللّجوء والاعتصام، وطلب كف الشرّ(٣).
الصلة بين الدعاء والاستعاذة:
الدعاء طلب دفع ضرر أو جلب نفع، أما الاستعاذة فهي التحصن بالله واللجوء إليه.
الاستعانة:
٤
الاستعانة لغة:
الاستعانة مصدر استعان، وهي: طلب العون، يقال: استعنته واستعنت به فأعانني(٤).
الاستعانة اصطلاحًا:
لا يخرج عن المعنى اللغوي، فالاستعانة: طلب العون.
الصلة بين الدعاء والاستعانة:
الاستعانة طلب للعون، سواءً بالدعاء أو بغيره، والدعاء قد یکون طلبًا لدفع شر، أو جلب
خير.
(١) انظر: الكليات، الكفوي ص١٥٩.
(٢) انظر: الصحاح، الجوهري ٢/ ٥٦٧، لسان العرب، ابن منظور ٤/ ٣١٦٢.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٤/١.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٩٨/١٣.
٣٢٠
جوية
القرآن الكريمِ

الدعاء
الحث على الدعاء وبيان منزلته
تعددت وتنوعت أساليب الدعاء في
القرآن حثَّا عليه، وبيانًا لمنزلته، وهذا ما
نستعرضه في النقاط الآتية:
أولًا: صور الدعاء وتراكيبه:
الناظر في الدعاء القرآني يجده قد
جاء على أساليب شتى، تجمع بين الخبر
والانشاء؛ مما نستعرضه فيما يأتي:
١. الدعاء بفعل الأمر.
كثر الدعاء بأسلوب الأمر (الطلب) حتى
إنه جاء أكثر من مائتين وثلاثين مرة، ولم ترد
في الدعاء من صيغ الأمر المعروفة سوى
ثلاث صيغ:
صيغة (افعل): وهو أكثر الصيغ ورودا،
كقوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام:
﴿وَأَجْعَل لِِّ لِسَانَ صِدْقٍ فِ اَلْأَخِرِينَ ﴿ وَلَجْعَلْنِى
مِن وَرَثَةٍ جَنَّةِ النَّعِيمِ ) وَأَغْفِرْ لِأَبِىّ إِنَّهُ كَانَ مِنَ
الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٤-٨٦].
رَبَّنَآ ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا
وفي دعاء المؤمنين
وَأَرْحْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّحِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩].
وقولهم كذلك: ﴿وَاُلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا
هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَِّنَا قُرَّةَ أَعْيُفٍ
وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤].
وقد ورد في قوله تعالى تعلیمًا لنبيه صلى
الله عليه وسلم ولأمته: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى
مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِ مُخْرَجَ صِدْقٍ وَأَجْعَل لِيِ
مِنْ لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠].
صيغة (فعّل): كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ
لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَقَّنَا مَعَ
اُلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣].
﴿رَبَّنَا
صيغة (تفعّل): نحو قوله تعالى:
نَقَبَّلْ مِنََّّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:
١٢٧].
٢. الدعاء بالمصدر النائب عن فعل
الأمر.
جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿غُفْرَانَكَ
رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
٣. الدعاء بأسلوب النهي.
النهي هو ((طلب الكف عن الفعل
استعلاءً، وله صيغة واحدة وهي لا تفعل،
وهو كالأمر في أنه قد يخرج عن معناه
الأصلي إلى معانٍ بلاغية منها (الدعاء)
وذلك إذا كان على وجه التذلل والخضوع
لله عز وجل))(١).
وقد جاء الدعاء بأسلوب النهي نحو
خمس عشرة مرة، من ذلك قوله تعالى:
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَِّينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا
رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى
الَّذِينَ مِن قَبْلِنَاْ رَبَّنَا وَلَا تُحَيِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا
[البقرة: ٢٨٦].
(١) مختصر السعد التفتازاني ضمن شروح
التلخيص ٣٢٤/٢.
www. modoee.com
٣٢١

حرف الدال
وقوله أيضًا: ﴿رَبَّنَا لَا تُخْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ
هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨].
وقوله كذلك: ﴿وَزَكَرِنَّ إِذْ نَادَى رَبَّهُ.
رَبِّ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِنَ﴾
[الأنبياء: ٨٩].
وقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾
[الممتحنة: ٥].
وقد يبنى الدعاء على الأمر وحده؛
كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًّا
وَتَبِّتَ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى اَلْقَوْمِ
الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠].
وقد يبنى على النهي وحده، نحو قوله
تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَاً
رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى
الَّذِينَ مِن قَبْلِنَاْ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةً لَنَا
بِهِء
[البقرة: ٢٨٦].
وقد يجمع بين الأمر والنهي في مثل
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ
وَلَا تُمِنَا يَوْمَ الْقِيَمَةُ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ اَلْيَعَادَ﴾ [آل
عمران: ١٩٤].
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذّ
هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن ◌َّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَمَّابُ ﴾
[آل عمران: ٨].
وليس لذكرهما معًا قاعدة معينة في
الترتيب، فقد يذكر الأمر أولًا، ثم يليه النهي،
وذلك كالآية الأولى أو العكس، فيبدأ الدعاء
بالنهي، ثم يتبعه الدعاء بالأمر.
وقد یکون الدعاء بهاتین الصیغتین متلوًّا
بما يقويه ويؤكده؛ من ذلك قوله تعالى:
﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ ﴾
فجملة: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَمَّابُ﴾ جاءت تذييلًا
مؤكدًا لمضمون الجملة قبله، ومثله قوله
تعالى: ﴿رَبَّنَا أَصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَتَّمَ إِنَّ
عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥].
وقوله كذلك: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَأَغْفِرْ
أَ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨].
فجملتا ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾
و﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ جاءتا تأكيدًا
لما قبلها.
٤. الدعاء بأسلوب الاستفهام.
جاء الدعاء بأسلوب الاستفهام في
موضعين، والاستفهام في حقيقته يستعمل
(لطلب حصول صورة الشيء في الذهن)
وقيل: هو ((طلب العلم بشيء لم يكن معلومًا
من قبل»(١).
وقد يخرج الاستفهام عن معناه الأصلي
إلى معانٍ بلاغية، تفهم من السياق، من
بينها الدعاء(٢)؛ ومنه قوله تعالى على لسان
موسى عليه السلام: ﴿أَتْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ
مِنَّ﴾ [الأعراف: ١٥٥].
(١) مختصر السعد للقزويني، ومواهب الفتاح
ضمن شروح التلخيص، ابن يعقوب المغربي
٢٤٦/٢.
(٢) معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، أحمد
مطلوب، المجمع العلمي العراقي ١/ ١٨١.
٣٢٢
جَوَسُبْ
القرآن الكريمِ

الدعاء
أي: لا تهلكنا ((فهذا استفهام على لم يكن بأسلوبي الدعاء المشهورين: الأمر
والنهي)»، وإنما جاء بالأسلوب الخبري،
والذي دلّ أنه دعاء قوله تعالى بعده:
﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ وَغَيْنَهُ مِنَ الْغَرِّ وَكَذَلِكَ
تُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨].
سبيل الإدلاء بالحجة في صيغة استعطاف
وتذلل))(١)، ومثله قوله تعالى: ﴿فَأَعْتَرَفْنَا
◌ِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوچ مِّن سَبِيلٍ ﴾ [غافر:
١١] أي: أخرجنا.
٥. الدعاء بأسلوب الخبر.
جاء الدعاء بالأسلوب الخبري في تسع
آيات؛ ولهذا الأسلوب مزية ذكرها الزركشي
رحمه الله حين أشار أن في «لفظ الخبر
الحاصل تحقيقًا لثبوته؛ وأنه مما ينبغي أن
یکون واقعًا ولابد، وهذا هو المشهور)»(٢).
وأشار بعض البلاغيين إلى أن الخبر قد
يقع موقع الإنشاء ((إما للتفاؤل، أو لإظهار
الحرص في وقوعه -والدعاء بصيغة
الماضي من البليغ يحتمل الوجهين- أو
للاحتراز عن صورة الأمر))(٣).
ونجد أنّ الدعاء بأسلوب الخبر قد التزم
الجملة الاسمية للتعبير عن حاجات الداعين
ومطالبهم، كما في قوله تعالى: ﴿قَنَادَى فِی
اُلُظُلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَّهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِّي
كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
فقوله عليه السلام: ﴿لََّ إِلَّهَ إِلَّّ أَنْتَ﴾
يعدّ دعاءً، وإن لم يكن ذلك ظاهرًا «أي: وإن
(١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ١٨٩/٥، فتح
القدير، الشوكاني ٢/ ٢٥٢.
(٢) البرهان في علوم القرآن، ٣٤٩/٣.
(٣) الإيضاح في علوم البلاغة، لخطيب القزويني
٩٣/٣.
وكذلك ما جاء في دعاء سيدنا أيوب
عليه السلام: ﴿وَأَيُوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِ
مَسَّفِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ﴾ [الأنبياء:
٨٣].
فهو علیه السلام لم يدع الله صراحة، بل
عرض حاجته في أدب، وأطلقها على حياء
من الله، فعرّض وكنّى عن طلبه -رفع البلاء
والضرّ عنه- بالخبر دون الإنشاء، جاءت
الآية بعد قوله هذا، فدلّت على أن ما صدر
منه هو دعاءٌ وتضرع.
قال تعالى: ﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ، فَكَشَفْنَا مَاپِ
مِنْ ضُرٍّ وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ، وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً
مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٤].
ثانيًا: تسمية الدعاء عبادة:
الدعاء هو حقيقة العبادة، قال تعالى:
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ
الْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان:
٣٠].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَأَلُلَلِ
دَعَوْ اَللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِذِينَ فَلَمَّا فَجَّنُهُمْ إِلَى الْبَرِّ
فَمِنْهُم مُّقْنَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِشَايَدِنَّا إِلََّ كُلُّ خَثَّارٍ
www. modoee.com
٣٢٣

حرف الدال
كَفُورِ﴾ [لقمان: ٣٢].
وقال سبحانه: ﴿نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ
الْمَضَاِعِ يَدْعُونَ رَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا
رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦].
والعبادة طلب الثواب بالأعمال
الصالحة، كالنطق بالشهادتين، والعمل
بمقتضاهما، والصلاة والصيام والزكاة
والحج والذبح لله والنذر له، وبعض هذه
العبادات تتضمن الدعاء بلسان المقال
مع لسان الحال كالصلاة، فمن فعل هذه
العبادات وغيرها من أنواع العبادات الفعلية،
فقد دعا ربه، و طلبه بلسان الحال أن يغفر له.
والخلاصة أنه يتعبد لله طلبًا لثوابه
وخوفًا من عقابه، وهذا النوع لا یصح لغير
الله تعالى، ومن صرف شيئًا منه لغير الله
فقد كفر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، وعليه
يقع قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُوني
أَسْتَجِبْ لَكُوَإِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكِْرُونَ عَنْ عِبَادَتِي
سَيَدْ خُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُشْكِى
وَيَحْيَاىَ وَمَمَاتٍِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ (١٢) لَا شَرِيكَ
لَّ وَ بِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنْ أَوَّلُ الْنُِّمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ -
١٦٣](١).
جاء الدعاء بمعنى العبادة في قوله
تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونَ أَسْتَجِبْ لَكَّرْ
(١) انظر: فتح المجيد، عبدالرحمن بن حسن آل
الشيخ ص ١٨٠.
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْ خُلُونَ
جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
(أي: اعبدوني بدليل ما بعده (عبادتي)
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَأَدْعُواْ اللَّهَ
مُخْلِصِينَ﴾ [غافر: ١٤]، أي: (اعبدوا))(٢).
ومثله قوله تعالى: ﴿قُلْ مَايَعْبَؤُاْ يَكُتْرَتٍ
لَوَلَا دُعَاؤُكُمَّ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ
لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]، أي: عبادتكم(٣).
قال تعالى: ﴿لَنْ تَّدْعُواْ مِن دُونِهِ: إِلَهَا﴾
[الكهف: ١٤]، أي: نعبد (٤).
عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِ أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ قال:
(الدّعاء هو العبادة) وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ
أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُوَإِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكِْرُونَ عَنْ
عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:
٦٠](٥).
قوله: (الدّعاء هو العبادة): أتى بضمير
(٢) معجم ألفاظ القرآن الكريم مجمع اللغة
العربية ٤١٣/١.
(٣) معجم ألفاظ القرآن ١/ ٤١٤.
(٤) معالم التنزيل، البغوي ٣٢٤/٣.
(٥) أخرجه أبو داود في سننه، باب تفريع أبواب
الوتر، باب الدعاء، ٧٦/٢، رقم ١٤٧٩،
والترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن،
باب ومن سورة البقرة، ٦١/٥، رقم ٢٩٦٩،
وابن ماجه في سننه، كتاب الدعاء، باب فضل
الدعاء، ١٢٥٨/٢، رقم ٣٨٢٨.
قال الترمذي: ((هذا حديث حسن صحيح)).
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١/ ٦٤١، رقم ٣٤٠٧.
٣٢٤
مَنُوالَرُ النَّفْسِيْ
القرآن الكريمِ

الدعاء
الفصل والخبر المعرّف باللام ليدل على أن تحمل العبادة على المعنى اللغوي؛
إذ الدعاء هو إظهار غاية التذلل والافتقار
الحصر في أن العبادة ليست غير الدعاء
مبالغةً.
والاستكانة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾ حيث عبر عن
ومعناه أن الدعاء معظم العبادة، کما قال
صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة) (١)،
أي: معظم أركان الحج الوقوف بعرفة.
عدم التذلل والخضوع بالاستكبار، ووضع
عبادتي موضع دعائي، وجعل جزاء ذلك
الاستكبار الصغار والهوان)) (٢).
أو المعنى: أن الدعاء هو العبادة، سواءً
استجیب أو لم يستجب؛ لأنه إظهار العبد
العجز والاحتياج من نفسه والاعتراف بأن
الله تعالی قادر على إجابته.
ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِ أَسْتَجِبْ
قيل: استدل بالآية على أن الدعاء
عبادة؛ لأنه مأمور به، والمأمور به عبادة.
واستشهد بالآية لدلالتها على أن
المقصود يترتب عليه ترتب الجزاء على
الشرط، والمسبب على السبب، ويكون
أتم العبادات، ويقرب من هذا قوله:
(مخ العبادة)، أي: خالصها ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾ أي: عن دعائي
﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أي:
صاغرین ذلیلین.
قال الطيبي: ((معنى حديث النعمان
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الحج، باب
ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك
الحج، ٢/ ٢٢٩، رقم ٨٨٩، وابن ماجه في
سننه، كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل
الفجر ليلة جمع، ٢/ ١٠٠٣، رقم ٣٠١٥.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٦٠٦/١، رقم ٣١٧٢.
قال تعالى: ﴿فَأَدْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ﴾ [غافر: ١٤].
أي: ادعوا الله وحده، مخلصين له
العبادة التي أمركم بها، ولا تلتفتوا إلى كراهة
الكفار، ودعوهم يموتوا بغيظهم، ويهلكوا
(٣)
بحسرتهم(٣).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ،
لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ
يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧].
أي: تعبدونهم أو تدعونهم من دونه عز
وجل للاستعانة بهم، لا يستطيعون نصركم
في أمر من الأمور (٤).
وقال تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ
مِن دُونِ اَللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبِى عَسَى أَلَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ
رَبِّ شَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٨].
أي: أعتزل ما تعبدون من دون الله، وأعبد
ربي، عسی أن لا أشقی بدعائه وعبادته، كما
(٢) الكاشف عن حقائق السنن ٦/ ١٧٠٨.
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤ /٦٩٠.
(٤) انظر: روح المعاني، الألوسي ٩/ ١٤٦.
www. modoee.com
٣٢٥

حرف الدال
تشقون أنتم بعبادة الأصنام(١).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن
دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن
دُعَلَيْهِمْ غَفِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥].
((أي: لا أحد أضل منه، ولا أجهل، فإنه
دعا من لا يسمع فكيف يطمع في الإجابة
فضلاً عن جلب نفع، أو دفع ضر؟ فتبين
بهذا أنه أجهل الجاهلين، وأضل الضالين
والاستفهام للتقريع والتوبيخ))(٢).
والمتأمل في حقيقة الدعاء يجد فيه
تذكيرًا بأصول العقيدة، وتجديدًا للوعي
بها؛ قال ابن عقيل: ((قد ندب الله تعالى إلى
الدعاء، وفي ذلك معان:
والله عز وجل رغب عباده في الدعاء،
ووعدهم لبالغ رأفته ورحمته بهم وكرمه
أحدها: الوجود، فإن ما ليس بموجود لا السابع معهم بالإجابة.
يدعى.
الثانى: الغنى، فإن الفقير لا يدعى.
الثالث: السمع، فإن الأصم لا يدعی.
الرابع: الکرم، فإن البخيل لا يدعی.
الخامس: الرحمة، فإن القاسي لا يدعی.
السادس: القدرة، فإن العاجز
لا
يدعى))(٣).
ثالثًا: الوعد باستجابة دعاء الداعين:
من شروط قبول الدعاء الثقة بالله تعالى،
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٣٥/١.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٢٠/٥.
(٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز
الحنفي ص٤٥٨.
واليقين بالإجابة (٤): فهو سبحانه على كل
شيء قدیر؛ إذ يقول للشيء كن فیکون، قال
سبحانه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِّشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَقُولَ
لَهُكُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا
أَنْ يَقُولَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
ومما یزید ثقة المسلم بربه تعالی ان یعلم
أن جميع خزائن الخيرات والبركات عند
الله تعالى، قال سبحانه: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا
عِندَنَا خَزَآِنُهُ، وَمَا نُنَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾
[الحجر: ٢١].
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِيّ
أَسْتَجِبْ لَكُوَإِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكِْرُونَ عَنْ عِبَادَتِ
سَيَدْ خُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
وقال عز وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ
عِبَادِى عَنِى فَإِّ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ
إِذَا دَعَانٍّ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ
يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].
ومع الثقة في الإجابة يكون الإلحاح
على الله عز وجل في الدعاء، فلا استعجال
في تحقق المراد، ولا استبطاء لوقوعه؛ مما
يبلور توكلًا صادقًا على الله، ويقينًا راسخًا
(٤) انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب
٢/ ٤٠٧.
٣٢٦
القرآن الكريم

الدعاء
بقدرته ورحمته بعباده.
إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، قال
إنّ من علامة التذّل والافتقار إلى الله عز تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَهُمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ
وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّأَّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ
رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّقِنَآَ
(١٢٧
أُمَّةً مُسْلِمَةٌ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَاْ إِنَّكَ أَنْتَ
وجل في الدعاء: الإلحاح فيه والتكرار؛ فعن
أبي الدرداء وابن عباس رضي الله عنهما
أنّهما كانا يقولان: اسم الله الأکبر: ربّ،
وعن عطاء قال: ما قال عبد: یا ربّ ثلاث
مرات إلا نظر الله إليه، فذكر ذلك للحسن
فقال: أما تقرؤون القرآن؟!
التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٨) رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا
مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ
وَاْلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّبِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[البقرة: ١٢٧-١٢٩].
ثم تلا قول الله عز وجل: ﴿أَلَّذِينَ
يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ
وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا
مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
◌َرَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْرَيْنَةٌ، وَمَا
١٩١
لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ ) رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا
يُنَادِى لِلْإِيمَانِ أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَشَامَنَاْ رَبَّنَا
فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَّوَقَّنَا
مَعَ الْأَبْرَارِ ﴿ رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى
رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَمَةُ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ المِيعَادَ
(١٠) فَأُسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِ لَآ أُضِيعُ عَمَلَ
عَمِلٍ مِّنْكُمْ بِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْقٌ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضِ
فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْمِن دِيَدِهِمْ وَأُوْذُواْ فِى
سَبِيلِ وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّعَنْهُمْ سَيْئَاتِهِمْ
وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَرُ
ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاَللّهُ عِندَهُ، حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل
عمران ١٩١ - ١٩٥](١).
ونجد هذا الإلحاح والتكرار في دعاء
(١) المصدر السابق ١ / ٩٢.
www. modoee.com
٣٢٧

حرف الدال
آداب الدعاء
للدعاء آداب سوف نعرضها في النقاط
الآتية:
أولًا: الدعاء بأسماء الله الحسنى:
من أعظم الثناء على الله عز وجل الدعاء
بالأسماء الحسنى، والتوسل بها؛ لقوله
تعالى: ﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ
الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَّبِهِ، سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ ﴿ وَمِعَنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ
وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف ١٨٠- ١٨١].
ومن دواعي الإجابة تحري الأدعية التي
اشتملت على اسم الله الأعظم؛ فعن شهر بن
حوشب عن أسماء بنت يزيد أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: (اسم الله الأعظم في
هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌّ لَّا إِلَهَ إِلَّا
هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]. وفاتحة آل
عمران: ﴿اَلْمَّ اللَّهُلَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾
[آل عمران: ١-٢])(١).
ويستحضر الداعون حين يرفعون أكفهم
بالدعاء عبوديتهم الخاضعة لله وحده،
(١) أخرجه أبو داود في سننه، تفريع أبواب الوتر،
باب الدعاء، ٢/ ٨٠، رقم ١٤٩٦، والترمذي
في أبواب الدعوات، ٣٩٤/٥، رقم ٣٤٧٨،
وابن ماجه في سننه، كتاب الدعاء، باب اسم
الله الأعظم، ١٢٦٧/٢، رقم ٣٨٥٥.
قال الترمذي: ((هذا حديث حسن صحيح)).
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٢٢٩/١،
رقم ٩٨٠.
وتتجدد في وعيهم أبعاد وحدانية خالقهم
المعطي سبحانه الذي يتوجهون إليه، وهم
ینشدون تحقيق ما يرغبونه من جلب نفع، أو
كشف ضر، أو طلب حاجة.
وقد أفاضت آيات من القرآن في بيان
ذلك؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ
بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ
فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧].
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِمَا لَا
يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرَُّةٌ فَإِنِ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِنَ الظَّالِمِينَ
(٦) وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ:
إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ
◌ِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ اَلْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[يونس: ١٠٦-١٠٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ
اللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ
[الأعراف: ١٩٤].
لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن
وقال سبحانه:
دُونِ، لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ
يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧].
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى
حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرُّ الْمَنَّ يِّ وَإِنْ أَصَابَتَهُ فِئْنَةٌ
أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ ذَلِكَ
هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴿ يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ
مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ، ذَلِكَ هُوَ السَّلَلُ
اَلْبَعِيدُ ﴿ يَدْعُواْ لَمَنْ ضَرُّهُ، أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ.
لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١١-
٣٢٨
القرآن الكريم

الدعاء
١٣].
وقال تعالى: ﴿بَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ
مَثَلٌ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُدَّ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لِّ.
وَإِن يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنِقِذُوهُ مِنْهُ
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ( مَا قَدَرُواْ
اللَّهَ حَقّ قَدْرِةِ إِنَّ اللّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:
٧٣-٧٤].
وقال تبارك وتعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ
أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ
الْعَنكَبُوتِ اٌلَّخَذَتْ بَيْنَا وَإِنَّ أَوْهَنَ
اَلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنَكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ
يَعْلَمُونَ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن
دُونِهِ مِن شَىْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِّ وَمَا
يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِّمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١-
٤٣].
وقال سبحانه: ﴿قُلِ آَدّعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم
مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّقِ فِي
السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرَاءٍ
وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ ﴿ وَلَا نَفَعُ الشَّفَعَةُ
عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ
قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَلْحَقَّ وَهُوَ اَلْعَلِىُّ
الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٢-٢٣].
وقال عز وجل: ﴿ يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ
وَيُلِيُ النَّهَارَ فِ اَلَيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلِ تُسَتَّىَّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُمْ
لَهُ الْمُلْكُّ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، مَا
يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴿ إِن تَدْعُوهُمْ لَا
يَسْمَعُواْ دُعَلَ كُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا أُسْتَجَابُواْ لَكٌُ
وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُّرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ
مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا
مِن دُونِ الَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ
عَنْ دُعَلِهِمْ غَفِلُونَ ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَمْ
أَعْدَاءُ وَكَانُواْبِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦].
وکل من استغاث بغير الله، أو دعا غير
الله دعاء عبادة أو دعاء مسألة فيما لا يقدر
عليه إلا الله فهو مشرك مرتد، كما قال
حانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ
اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَدٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَبَبَنِىّ
إِسْرَّهِ يلَ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَِ وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ، مَن يُشْرِكَ
◌ِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّارِ وَمَا
لِلَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ﴾ [المائدة: ٧٢].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ،
وَيَغْفِرُمَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ
◌ِاَللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلأْ بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦].
وقال تعالى: ﴿فَلَ نَدَعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ
فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وقال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أُوْجِىَ إِلَيْكَ وَ إِلَى
الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَيِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ( بَلِ اللَّهَ فَأَعْبُدٌ وَكُنْ
مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥-٦٦].
وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوْ لَحَبِطَ عَنْهُم
www. modoee.com
٣٢٩

حرف الدال
مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام: ٨٨].
علی من یتوجّه إلى ربه عز وجل بعد
شعوره بضعفه، وحاجته الماسة إلى ملك
الملوك، ومن بيديه خزائن السموات
والأرض أن يحمد ربه ويثني عليه، ويمجّده
بما هو أهله، ویجعل ذلك وسیلته إلى رضا
ربّه وقبول دعائه، يظهر ذلك في أدعية القرآن
الكريم؛ فسورة الفاتحة التي هي أم الكتاب،
والجامعة لمقاصده بدأت بحمد الله، وأثنت
عليه ومجّدته سبحانه وتعالى، ثم ذكرت
الاعتراف بعبوديته، والاستعانة به وحده،
وشرعت بعد ذلك في أعظم دعاء: ﴿ آهْدِنَا
اَلْضِرَّطَ الْمُسْتَقِمَ ا صِرَّطَ الَّذِينَ أَنْعَسْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الََّآلِينَ﴾ [الفاتحة: ٦ -٧].
((ولمّا كان سؤال الله الهداية إلى
الصراط المستقيم أجلّ المطالب، ونيله
أشرف المواهب، علّم الله عباده كيفيّة
سؤاله، وأمرهم أن يقدّموا بين يديه حمده
والثناء عليه وتمجيده، ثم ذكر عبوديّتهم
وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم،
توسّل إليهم بأسمائه وصفاته، وتوسّل إليه
بعبوديّته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يردّ
معهما الدعاء)»(١).
ومن أدعية القرآن المبدوءة بتمجيد الله
تعالى:
دعاء يونس عليه السلام: ﴿لَّ إِلَهَ
(١) مدارج السالكين، ابن القيم ٢٣/١.
فَضْو
إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِ كُنْتُ مِنَ
الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
دعاء يوسف عليه السلام: ﴿رَبِّقَدْ
ءَاتَيْتَنِىِ مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِ مِنْ تَأْوِيلِ
اُلْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ أَنْتَ
وَلِّ، فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا
وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
عاء الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلّ
شَىْءٍ رَّحْمَةٌ وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ
وَأَتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْحِيمِ﴾ [غافر:
٧].
ثانيًا: الإخلاص في الدعاء:
الإخلاص: هو تصفية الدعاء من كل
ما يشوبه، وصرف ذلك كله لله وحده،
لا شرك فيه، وإنما يرجو العبد ثواب الله
وینشد تحقیق آماله من الله وحده مخلصًا له
سبحانه في عبوديته له.
وقد أمر الله تعالى بالإخلاص في
كتابه الكريم، فقال تعالى: ﴿قُلْ أَمََ ◌َقِّ
بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ
وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلْدِينُّ كُمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾
[الأعراف: ٢٩].
وقال عز وجل: ﴿فَأَدْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ
لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ اُلْكَفِرُونَ﴾ [غافر: ١٤].
وقال تعالى: ﴿أَلَاَ لِلَّهِ الذِّينُ الْخَالِصَُّ
وَالَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ: أَوْلِيَآءَ مَا
٣٣٠
جوسين
القرآن الكريمِ

الدعاء
نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىَ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ
بَيْنَهُمْ فِى مَاهُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى
[الزمر: ٣].
مَنْ هُوَكَذِبُ كَفَّارٌ
وقال سبحانه: ﴿وَمَّا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ الله
[البينة: ٥].
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ ﴾
ويرتبط التوحيد بالإخلاص في الدعاء،
قال عز وجل: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِ )
فَأَعْبُدُواْ مَا شِئْتُم مِّن دُونٌِ قُلْ إِنَّ لَلْخَسِنَ الَّذِينَ
خَبِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ
اْخُسْرَانُ الْمُّبِينُ﴾ [الزمر: ١٤-١٥].
وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةٌ لَلْيٌّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ
مِن دُونِهِ، لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِثَوْءٍ إِلَّا كَبَسِطٍ كَنَّيَّهِ إِلَى
الْعَآءِ لِيَلْغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَلِفِةٍ، وَمَا دُعَاءُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِى
ضَّلَالٍ ﴾ [الرعد: ١٤].
والعمل الصالح هو ما كان موافقًا لشرع
الله تعالى، ويراد به وجه الله سبحانه، فلا بد
أن یکون الدعاء والعمل خالصًا لله، صوابًا
على شريعة رسول الله صلى الله عليه
وسلم(١).
ولهذا قال الفضيل بن عياض في تفسير
قوله تعالى: ﴿تَرَكَ الَّذِى بِبَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِبٌ الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ
أَحْسَنُ عَبَلَاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ١-٢].
قال: هو أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا
علي، ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: ((إن العمل
إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٠٩/٣.
کان صوابًا ولم یکن خالصًا لم يقبل، خالصًا
صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب
أن يكون على السنة))(٢)، ثم قرأ قوله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ
وَحِدٌّ فَنَ كَانَ يَرْحُوْلِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا
يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَيِّدِهِ أَحَدًا﴾﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ
أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ
حَنِيفًا وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:
١٢٥].
وقال تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ: إِلَى اللَّهِ
وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدٍ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىُّ وَ إِلَى
اَللَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [لقمان: ٢٢].
فإسلام الوجه: إخلاص القصد والدعاء
والعمل لله وحده، والإحسان فيه: متابعة
رسول الله صلی الله عليه وسلم وسنته (٣)،
فيجب على المسلم أن يكون متبعًا للنبي
صلى الله عليه وسلم في كل أعماله؛ لقوله
تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْرَةُ
حَسَنَّةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللّهَ وَاَلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ
كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقوله: ﴿قُلٌ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللَّهَ فَأَتَّبِعُونِ
يُحْبِبَّكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
وقال تعالى: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ
(٢) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ٨٩/٢.
(٣) انظر: المصدر السابق ٢ / ٩٠.
www. modoee.com
٣٣١

حرف الدال
﴾ [الأعراف: ١٥٨].
تَهْتَدُونَ
﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولٌ
وقال:
فَإِنْ تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حِلَ وَعَلَيْكُم مَّا يُمِّلْتُمْ
وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ
الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤].
وقد يتوسل العبد إلى الله تعالى بأنواع
التوسل المشروعة؛ قال تعالى: ﴿وَأَبْتَغُواْ
إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥].
وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى مراعاة
سبيله بالعلم والعبادة، وتحري مكارم
الشريعة، وهي كالقربة، ومعنى قوله تعالى:
﴿وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي: تقربوا إليه
بطاعته، والعمل بما يرضيه (١).
وأنواع التوسل المشروع ثلاثة:
١. التوسل في الدعاء باسم من أسماء
الله تعالى، أو صفة من صفاته، كأن
يقول الداعي في دعائه: اللهم إني
أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم،
اللطيف الخبير أن تعافيني، أو يقول:
أسألك برحمتك التي وسعت كل
شيء أن ترحمني وتغفر لي؛ ولهذا
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ اَلْأَسَّمَاءُ الْمُسْنَى فَأَدْعُوهُ
[الأعراف: ١٨٠]. ومن دعاء
سليمان عليه السلام ما قال الله تعالى:
﴿وَقَالَ رَبٍ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَِّ
أَنْعَمْتَ عَلَّ وَعَلَى وَلِدَنَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا
تَرْضَنَهُ وَأَدْخِلْفِى بِرَحْمَتِكَ فِ عِبَادِكَ
الصَّلِحِينَ﴾ [النمل: ١٩].
٢. التوسل إلى الله تعالى بعمل صالح قام
به الداعي نفسه، ويدل على مشروعية
ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآَ
إِنَّنَآ ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٦]. وقوله تعالى:
﴿رَّنَآ ءَامَنَا بِمَا أَنْزَلْتَ وَأَتَّبَعْنَا اُلرَّسُولَ
فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ [آل:
عمران ٥٣].
٣. التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل
الصالح الحي الحاضر، وهو أن يطلب
المسلم المفرّط والمقّصر في دين الله
من رجل صالح تقي أن يدعو له ربه
فیفرج عنه کربه.
ثالثًا: الدعاء رغبًا ورهبًا:
مدح الله تعالى عبده زكريا عليه السلام
وأهله بتذلّلهم عند دعائهم، قال الله
تعالى:
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِى
الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّ وَكَانُواْ لَنَا
خَشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ذكر الحافظ ابن کثیر بسنده عن عبدالله
ابن حكيم قال: خطبنا أبو بكر رضي الله
عنه ثم قال: أمّا بعد، فإنّي أوصيكم بتقوى
الله، وتثنوا عليه بما هو له أهل، وتخلطوا
الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٥٣.
فَضْو
مَوَسُوبَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
٣٣٢

الدعاء
بالمسألة، فإنّ الله أثنى على زكريا وأهل القلب، وإظهار الخشوع لله عز وجل،
بيته، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ
الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّ وَكَانُواْ لَنَا
خَشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠](١).
وفي قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا
[الأنبياء:
وَرَهَبَّأْ وَكَانُواْ لَنَا خَاشِعِينَ ﴾
٩٠].
ذكر الإمام القرطبي: «قیل: الرغب: رفع
بطون الأكف إلى السماء، والرهب: رفع
ظهورها))(٢).
ومتی کان الدعاء رغبا ورهبا فلا يقع من
إنّ الخشوع والخضوع أرجى لقبول
الدعاء؛ لأنّ فيه تعظيم الله تعالى،
الربّ.
العبد شيء من الاستعجال أو ترك الدعاء:
فالعبد لا يستعجل في عدم إجابة الدعاء؛
لأن الله قد يؤخر الإجابة لأسباب: إما لعدم واستحضار الضعف مع التأدّب عند مناجاة
القيام بالشروط، أو الوقوع في الموانع، أو
قال تعالى: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ
إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿ وَلَا تُفْسِدُواْ
فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاً
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[الأعراف: ٥٥ - ٥٦].
لأسباب أخری تکون في صالح العبد وهو
لا يدري، فعلی العبد إذا لم يستجب دعاؤه
أن يراجع نفسه، ويتوب إلى الله تعالى من
جميع المعاصي، ويبشر بالخير العاجل
والآجل، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُقْسِدُوا
فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاً
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[الأعراف: ٥٦].
الخشوع واستحضار القلب عند الدعاء:
يشترط في الدعاء الضراعة وحضور
(١) المصدر السابق ١٨٥/٣.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٣٣٦/٦.
ويرتبط الخشوع وحضور القلب بالإقبال
على الدعاء، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ
يُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا
وَرَهَبَّ وَكَانُوْ لَنَا خَشِعِينَ﴾ [الأنبياء:
٩٠].
والمراد بالخشوع والخضوع وحضور
القلب أن يقصد بدعائه الخضوع والتذلّل
لعظمة ربّه، کما هو وصف العبد اللازم له،
ولا يكون الدعاء بلسانه والغفلة بجنانه،
فیکون مانعًا له من مراده.
وهذا أمر بالدعاء وتعبّد به، ثم قرن
جلّ وعزّ بالأمر صفات تحسن معه، وهي:
الخشوع والاستكانة والتضرّع، أمر بأن يكون
الإنسان في حالة ترقّب وتخوّف وتأمّل لله
عز وجل حتّى يكون الرجاء والخوف
للإنسان كالجناحين للطائر يحملانه في
طريق استقامته، وإن انفرد أحدهما هلك
www. modoee.com
٣٣٣

حرف الدال
◌َنَبِئْ عِبَادِىٌّ أَنَّى أَنَا
الإنسان، قال تعالى:
اٌلْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ
الأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
فرجّى وخوّف، فيدعوه الإنسان خوفًا
من عقابه، وطمعًا في ثوابه، قال تعالى:
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبَّاً وَرَهَبَا﴾ [الأنبياء: ٩٠](١).
وقد ذمّ الله الذين لا يتضرعون إليه،
قال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ فَمَا
اُسْتَكَانُواْ لِرَبِهِمْ وَمَا يَنَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦].
وقال الله عز وجل: ﴿فَأَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَلِ
١٤٠٠٠٠١
وَالضَّرِّ لَعَلَّهُمْ بَضَّعُونَ فَلَوْلَا إِذْجَآءَ هُم بَأْسُنَا
تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ
مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢-٤٣].
وقال عز وجل: ﴿قُلّ مَن يُنَجِّيَكُم مِّنِ
◌ُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّيْنْ أَنْجَنَا
مِنْ هَذِهِ، لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٦٣].
﴿ وَأُذْكُرُ زَبَكَ فِی
وقال عز وجل:
نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
مع هذا كلّه يجب أن يكون الداعي
حاضر القلب، روى الإمام أحمد في مسنده
من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص
رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: (القلوب أوعية، وبعضها
أوعى من بعض، فإذا سألتم الله عز وجل
أيّها النّاس فاسألوه، وأنتم موقنون بالإجابة،
فإنّ الله لا یستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب
(١) انظر: المصدر السابق ٢٢٧/٧.
غافل)(٢).
وقد أمر الله تعالى بحضور القلب،
والخشوع في الذكر والدعاء، فقال سبحانه:
﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةٌ وَدُونَ
الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ
اٌلْفَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم
كان يتضرّع عند الدعاء حتى يكاد يسقط
رداؤه، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
قال: لمّا کان یوم بدرٍ نظر رسول الله صلى
الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألفٌ،
وأصحابه ثلاث مائةٍ وتسعة عشر رجلًا،
فاستقبل نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم
القبلة، ثمّ مدّ يديه، فجعل يهتف بربّه: (اللّهمّ
أنجز لي ما وعدتني، اللّهمّ آت ما وعدتني،
اللّهمّ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام
لا تعبد في الأرض) فما زال يهتف بربّه مادًّا
يديه مستقبل القبلة حتّى سقط رداؤه عن
منکبیه، فأتاه أبو بكرٍ فأخذ رداءه فألقاه على
منکبیه، ثمّ التزمه من ورائه وقال: يا نبيّ اللّه
کفاك مناشدتك ربّك، فإنّه سینجز لك ما
وعدك، فأنزل اللّه عز وجل: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ
رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّ مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ
الْمَلَبِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]. فأمدّه
اللّه بالملائكة(٣).
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٠٣٣٦/٦
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب
٣٣٤
◌َ التَّقَّ
جوبي
الْعُرْآن الكَرِيمِ