النص المفهرس

صفحات 41-44

الخسراف
عمله) (١).
والله يراقب أعمال العباد وينظر إليها،
قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأَنٍ وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ
مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ
شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِّ وَمَا يَعْزُّبُ عَنْ زَّبِّكَ
مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَآِ وَلَآّ
أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِ كِنَبِ تُّبِينٍ (
[يونس: ٦١].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلی الله علیه وسلم: (إن الله لا
ينظر إلى صور کم وأموالکم، ولكن ينظر إلى
قلوبكم وأعمالكم) (٢).
إذن لابد للإنسان من الجد والاجتهاد
للإكثار من القيام بالأعمال الصالحة التي
يرضى الله عنها، حتى يكون مثواه الجنة.
عن عمران بن حصین قال: قال رجل: یا
رسول الله، أیعرف أهل الجنة من أهل النار؟
قالٍ: (نعم). قال: فلم يعمل العاملون؟ قال:
(كلِّ يعمل لما خلق له، أو: لما ييسّر له)(٣).
ولكن قد يخسر الإنسان كل أعماله
فتصبح هباءً منثورًا؛ إن حاد عن الطريق
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد، باب
أي الناس خير وأيهم شر، رقم ٢٣٣.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والأدب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله
واحتقاره و دمه وعرضه وماله، رقم ٦٥٤٣.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب القدر،
باب جف القلم على علم الله، رقم ٦٥٩٦.
المستقيم وأكثر من فعل المعاصي،
وارتكاب الآثام.
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ
قال تعالى:
لِقَاءَنَا لَوْلاً أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَكَتِيكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَاْ لَقَدٍ
أُسْتَكْبَرُواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُنُوًا كَبِيرًا (٢)
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَئِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَيِدٍ لِلْمُجْرِمِينَ
وَيَقُولُونَ حِجْرًا تَّحْجُورًا ، وَقَدِمْنَا إِلَى مَا
٢٣
عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَنهُ هَبَلَهُ مَنشُورًا
[الفرقان: ٢١-٢٣].
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تُنَّئُكُ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًّا
١٠٣
(الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْخَيَوْةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ
أَنَهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠ ) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ
رَبِّهِمْ وَلِقَآيِهِ، ◌َبَطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَا تُقِيُمُ لَهُمْ يَوْمَ
اَلْقِيَامَةِ وَزْنَّا(١٥)﴾ [الكهف: ١٠٣ -١٠٥].
وقال أيضًا: ﴿كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ
كَانُواْ أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَلًا
وَأَوْلَدًا فَأَسْتَمْتَعُواْ بِخَلَقِهِمْ فَأَسْتَمْتَعْتُم
بِخَلَفِكُ كَمَا أَسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ
بِخَلَقِهِمْ وَخُضْتٌ كَالَّذِى خَاضُوَاْ أُوْلَئِكَ
حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَاْلَآَخِرَةِ
وَأَوْلَبِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
٦٩
[التوبة: ٦٩].
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَهَوَّلَاءِ
الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِمْ إِنَّهُمْ ◌َعَكُمْ حَيِطَتْ
أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَسِرِينَ ﴾ [المائدة: ٥٣].
في هذه الآية بيان أن أعمال المنافقين
باطلة، وكما نعلم بأن البطلان كلمة مرادفة
www. modoee.com
٣٥١

حرف الخاء
للخسارة، إذن حبوط وبطلان أعمالهم وأحفاد وأرحام، فإذا خسر نفسه أو أهله
فقد خسر أخص شيء وأقربه إليه، وعلى
جعلهم يخسرون في الدنيا والآخرة.
ذلك فإن خسارته سواء أكانت في نفسه أم
في أهله، أم في حياته أم في آخرته، فإنها
هي المصيبة العظمى والطامة الكبرى، لكن
كيف يمكن أن يخسر الإنسان نفسه؟ وكيف
يمكن أن يخسر أهله في الآخرة؟ هذا ما
ستوضحه الآيات مع تفسيرها:
يقول سيد قطب: ((ولقد جاء الله بالفتح
يومًا، وتكشفت نوايا، وحبطت أعمال،
وخسرت فئات، ونحن على وعد من الله
قائم بأن يجئ الفتح، كلما استمسكنا بعروة
الله وحده، وكلما أخلصنا الولاء لله وحده،
وكلما وعينا منهج الله، وأقمنا عليه تصوراتنا
وأوضاعنا، وكلما تحركنا في المعركة على
هدي الله وتوجيهه، فلم نتخذ لنا وليًّا إلا الله
ورسوله والذين آمنوا)) (١).
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ يعني: المخلصون
للمنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه،
أهؤلاء يعني: المنافقين الذين أقسموا بالله
شدة أيمانهم، فإذا حلف الرجل بالله فقد
حلف جهد يمينه، إن هؤلاء المنافقين مع
المخلصين على دينكم في السر، فكانت
النتيجة بطلان حسناتهم في الدنيا، فصاروا
مغبونين بالعقوبة (٢).
ثانيًا: عقوبة الخاسرين في الآخرة:
إن أخص ما يملكه الإنسان في هذه الحياة
الدنيا، وأقرب شيء إليه، هي نفسه التي بين
جنبيه، وأهله المقربون إليه من زوجة وأبناء
(١) في ظلال القرآن، ٦ / ٩١٧.
(٢) انظر: الواضح في تفسير القرآن الكريم، ابن
وهب الدينوري، ١/ ٢٠١، أيسر التفاسير، أبو
بكر الجزائري، ٥١٩/١.
قال تعالى: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِّ قُل لِلَّهِ كَنَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
ج
لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ
اُلَّذِينَ خَسِرُوَأْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
﴾ [الأنعام: ١٢].
تتحدث الآية الكريمة عن قدرة الله في
الخلق فهو الخالق والمالك والمتصرف به،
وعن قدرته علی بعث الخلائق، ولکن أبی
الظالمون إلا جحودًا، وأنكروا قدرة الله
على بعث الخلائق فأوضعوا في معاصيه،
وتجرؤوا على الكفر به، فكانت النتيجة أنهم
خسروا دنياهم وأخراهم، وحكموا على
أنفسهم بالهلاك لمخالفة الفطرة الأولى
وستر العقل السليم، فهم بسبب خسارتهم
لأنفسهم بإهمال العقل، وإعمال الحواس،
والتقيد بالتقليد لا يؤمنون، فصاروا كمن
يلقي نفسه من شاهق ليموت لغرض من
الأغراض الفاسدة(٣).
(٣) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٢ /٥٩٥، تيسير
٣٥٢
جوسى
القرآن الكريم

الخسران
المد العالي والإيقاع الرهيب، تجيء في
أعقاب الحديث عن التكذيب والإعراض
والسخرية والاستهزاء، وما ختم به هذا
الحديث، وما تخلله من التهديد المخيف،
مع توجيه الأنظار والقلوب إلى الاعتبار
بمصارع المكذبين المستهزئين، فيأتي بعد
هذا التعرض لحقيقة الألوهية، ممثلة في
الملك والفاعلية، وفي القدرة والقهر، كل
ذلك لا لمجرد التقرير اللاهوتي أو الفلسفي
النظري السلبي، ولكن لتقرير مقتضيات
هذه الحقائق من توحيد الولاية والتوجه،
وتوحيد الاستسلام والعبودية.
فيأتي موقف المواجهة للبيان والتقرير،
ثم المفاصلة، ومن ثم يبدأ بتوجيه الرسول
لهذه المواجهة مواجهة المشركين، الذين
يعرفون أن الله هو الخالق، ولكنهم أغلقوا
فطرتهم وعطلوها دون رؤية هذه الحقيقة،
فعدلوا به من لا يخلق، فیجعلون له شرکاء
مع الله في تصريف حياتهم، مواجهتهم
بالسؤال عن الملكية بعد الخلق لكل ما
في السموات والأرض، وبالتالي لن يخسر
في هذا اليوم إلا الذين لم يؤمنوا في الدنيا،
وهؤلاء لن يخسروا شيئًا ويكسبوا شيئًا،
هؤلاء خسروا كل شيء، فقد خسروا
أنفسهم کلها فلم يعودوا يملكون أن یکسبوا
الكريم الرحمن، السعدي، ص ٢١٤.
يقول سيد قطب: ((هذه الآية ذات شيئًا، ولم تعد لهم نفس تؤمن! وهو تعبير
دقيق عن حالة واقعة، إن الذين لا يؤمنون
بهذا الدين مع عمق ندائه وإيحائه للفطرة
بموحیات الإیمان ودلائله، هؤلاء لابد أن
يكونوا قد فقدوا قبل ذلك فطرتهم، وأجهزة
الاستقبال، والاستجابة الفطرية في كيانهم
معطلة مخربة، فهم في هذه الحالة قد
خسروا أنفسهم ذاتها))(١).
وقوله أيضًا: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوّا
أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ
٢١
[هود: ٢١].
وقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْفِ الْآخِرَةِ هُمُ
اُلْأَخْسَرُونَ ﴾ [هود: ٢٢].
لا
يقول محمد رضا في تفسيره: «كلمة
جَرَمَ ﴾ تفيد التحقيق والتأكيد لما بعدها،
قال الفراء: هي في الأصل بمعنى: لابد ولا
محالة، ثم كثرت فحوّلت إلى معنى القسم
وصارت بمعنى ((حقًّا))، ولهذا تجاب باللام
نحو: لاجرم لأفعلن كذا، أي: حقًّا أنهم في
الآخرة لأشد الناس خسرانًا))(٢).
وفي الآية تأكيد وإثبات لما يناله هؤلاء
الجاحدون المنكرون في الآية السابقة من
العذاب الشديد، والخسران الأکید، حيث
أكد الله سبحانه وتعالى في الآية بأنهم
لا محالة يوم القيامة أشد الناس خسرانًا،
(١) في ظلال القرآن، ١٠٤٧/٢ - ١٠٥٣،
باختصار.
(٢) تفسير المنار، ١٢ / ٥٧.
www. modoee.com
٣٥٣

حرف الخاء
وأنهم بلغوا في الآخرة أقصى درجات
الخسارة؛ لأنهم آثروا الحياة الفانية على
الباقية، واشتروا الضلالة، ولذا جاء جمع
((الأخسرون)) فأفعل التفضيل يدل على
أقصى درجات الخسارة، لا خسارة فوقها أو
مثلها، بل هي فوق كل خسارة (١).
ومن العقوبات الآخروية أيضًا دخول
نار جهنم والعياذ بالله، قال تعالى:
ـنْ
خَقَّتْ مَوَزِينُّهُ، فَأَوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ
فِي جَهَنَّمَ خَلِدُونَ (
﴾ [المؤمنون: ١٠٣].
في هذه الآية يبيّن جزاء المكثرين من
الأعمال السيئة، فیقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ
خَقَّتْ مَوَزِينُهُ أي: موازين أعماله الحسنة
أو أعماله التي لا وزن لها ولا اعتداد بها،
وهي أعماله السيئة كذا قيل، وهو مبني على
اختلافهم في وزن أعمال الكفرة.
فهؤلاء ضیعوها بتضيع زمان استكمالها،
وأبطلوا استعدادها لنيل كمالها، وبالتالي
خسروا أنفسهم بزجّها في نار جهنم، وهم
مستقرون خالدون فيها (٢).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَكَ
الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِشَايَتِنَا يَظْلِمُونَ
﴾ [الأعراف:٩].
(١) انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة،
٣٦٩٤/٧، المبصر لنور القرآن، نائلة صبري،
٢٢/١٢
(٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود،
٨٣/٥، روح المعاني، الألوسي، ١٧ / ٩٩.
يقول محمد أبو زهرة: ((وخسران
نفوسهم في هذا يشير إلى معانٍ ثلاثة، وهي
على النحو التالي:
أولها: أنهم هم الذين كانوا بأعمالهم
في الدنيا عاملين على خسارتها، فلم تكن
الخسارة لاحقة بهم من غيرهم.
ثانيها: أن العذاب خسارة للنفس أي
خسارة، وأنهم هم الذين جلبوا لها هذه
الخسارة الخالدة.
ثالثها: أنهم كانوا يحسبون في ضلالهم
في الدنيا أنهم يكسبون بغطرستهم
وكبريائهم واغترارهم بمظاهر القوة، فبيّن
الله تعالى أنهم الأخسرون أعمالًا، وذلك
عند ميزان الأعمال بميزان الخير والشر، لا
بميزان الغرور والاستكبار)»(٣).
ونختم بقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا
تَأْوِيلَةُ، يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن
قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَيْنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَامِن شُفَعَآَ
فَيَشْفَعُواْ لَنَّا أَوْ نُرَدُ فَتَعَمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلٌّ قَدْ
خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ
٣)﴾ [الأعراف: ٥٣].
موضوعات ذات صلة:
الإهلاك، الجنة، السعادة، العذاب،
الفلاح، النار
(٣) زهرة التفاسير، ٥ / ٢٧٨٩.
٣٥٤
القرآن الكريمِ