النص المفهرس
صفحات 41-51
الحوار يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُّ كُمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَىْءٍ أََّ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْكَذِبُونَ ﴾[ المجادلة: ١٨](١). ٤. بيان أن الشيطان هو المعبود من دون الله تعالى، إذ هو الذي دعا إلى عبادة غير الله وزينها للناس(٢). ٥. استنبط الرازي من هذه الآيات ((أن الشيطان الأصلي هو النفس، وذلك؛ لأن الشيطان بين أنه ما أتى إلا بالوسوسة، فلولا الميل الحاصل بسبب الشهوة، والغضب، والوهم والخيال، لم يكن لوسوسته تأثير البتة، فدل هذا على أن الشيطان الأصلي هو النفس»(٣). ٦. كانت مواعيد الشيطان باطلة، ووعد اللّه هو الحق، واتبع الناس قول الشيطان بلا حجة ولا برهان، وتبرأ الشيطان منهم، ومن عملهم، فليس لهم لوم عليه، إنما عليهم اللوم، وأيأسهم بأنه لا نصر عنده، ولا عون، ولا إغاثة، بل هو محتاج إلى من ينصره، وکفر بشرکھم له في الدنیا، وهذا تنبيه لهم مما سيلقونه من العذاب (٤). ٧. لم يكن للطغاة أن يتسلطوا على (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٥٨/٧. (٢) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٣/ ٥٤. (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٨٨/١٩. (٤) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٥٩/٧. الضعفاء إلا لما أهدر الضعفاء حرياتهم في العقيدة، والتفكير، وفي كل شيء، وأسلموها للطغاة، واشتروا بعقولهم أهواءهم فصاروا عبيدًا للشيطان، قال سيد قطب: إن الطغاة لا يملكون أن يستذلوا الجماهير إلا برغبة هذه الجماهير، فهي دائمًا قادرة على الوقوف لهم لو أرادت، فالإرادة هي التي تنقص هذه القطعان، إن الذل لا ينشأ إلا عن قابلية للذل في نفوس الأذلاء، وهذه القابلية هي وحدها التي يعتمد عليها الطغاة (٥) . ٨. كل من الشيطان والفاجر الكافر يلقي التبعة في كفره على الآخر، ويتبرأ الشيطان من الكافر، ويكذبه يوم القيامة، وينسب الطغيان والكفر له، لا لنفسه، والحق أن كلا الفريقين في النار، وقد أعذر من أنذر، واللّه تعالى أرسل الرسل، وأنزل الكتب لهداية الإنس والجن، فاختار كل منهما ما يحلو له(٦). ٩. أخبر تعالى ذكره هذا الخبر، عن قول قرين الكافر له يوم القيامة إعلامًا منه عباده: تبرأ بعضهم من بعض يوم القيامة (٧). (٥) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٥١/٥. (٦) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٣ / ٦٣٨. (٧) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٣٥٨. www. modoee.com ١٦٣ حرف الحاء ١٠. نفي الظلم عن الله تعالى، وهو كذلك فلا يظلم الله أحدًا من خلقه (١). (١) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٥/ ١٤٨. جَوَسُوع القرآن الكريمِ قواعد الحوار إن قواعد الحوار والاختلاف وضوابطه هي العاصم للمتحاورين من الغلو وشتم الآخرين إن كان الحق هو الرائد والمطلوب، أما إذا كان الخلاف انتصارًا لأهواء سياسية وتعصبًا أعمى، فهذا أمر لا ينفع معه قواعد ولا ضوابط،إذ إن الھوی لیس له ضوابط ولا موازين، ولذلك حذرنا الله تعالى من اتباع الهوى فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتَبَعَ هَوَنُهُ بِغَيْرِ هُدَّى مِنَ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠]، لذا فلابد من تسليط الضوء على بعض تلك القواعد القرآنية والتي منها: أولًا: الحوار بالتي هي أحسن: إن من أهم ما يتوجه إليه المحاور في حواره، التزام الحسنى في القول والمجادلة، قال تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُواْ أَلَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [الإسراء: ٥٣]. وقال عز وجل: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقُولُواْلِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]؛ فعلى المحاور اللبيب طالب الحق، أن ينأى بنفسه عن أسلوب الطعن والتجريح والهزء والسخرية، وألوان الاحتقار والإثارة والاستفزاز، حتى لو تعرض للاحتقار والازدراء؛ قال الطبري: ١٦٤ الحوار وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من وحنقًا، ومن أجل هذا فليحرص المحاور؛ غيرها أن تصفح عما نالوا به عرضك من ألا يرفع صوته أكثر من الحاجة فهذا رعونة الأذى(١). ومن لطائف التوجيهات الإلهية لنبينا يقوّي حجة ولا يجلب دليلًا ولا يقيم محمد صلى الله عليه وسلم في هذا برهانًا؛ بل إن صاحب الصوت العالي لم الباب، الانصراف عن التعنيف في الردّ على أهل الباطل، حيث قال الله لنبيه: ﴿وَإِن جَدَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ٨ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ فِيمَا كُثُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج: ٦٨ -٦٩]، الموضوعي ثانيًا: الإنصات الجيد وحسن وقوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْلِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدّى أَوْ فِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، مع أن بطلانهم الاستماع: ظاهر، وحجتهم داحضة. ويلحق بهذا الأصل: تجنب أسلوب التحدي والتعسف في الحديث، ويعتمد إيقاع الخصم في الإحراج، ولو كانت الحجة بينه والدليل دامغًا، فإن كسب القلوب مقدم على كسب المواقف، وقد تفحم الخصم ولكنك لا تقنعه، وقد تسکته بحجة ولكنك لا تكسب تسليمه وإذعانه، وأسلوب التحدي يمنع التسليم، ولو وجدت القناعة العقلية. والحرص على القلوب واستلال السخائم أهم وأولى عند المنصف العاقل من استكثار الأعداء واستكفاء الإناء. وإنك لتعلم أن إغلاظ القول، ورفع الصوت، وانتفاخ الأوداج، لا يولّد إلا غيظًا وحقدًا (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧/ ٣٢١. وإيذاء للنفس وللغير، ورفع الصوت لا يعل صوته - في الغالب - إلا لضعف حجته وقلة بضاعته، فيستر عجزه بالصراخ ويواري ضعفه بالعويل، وهدوء الصوت عنوان العقل والاتزان، والفكر المنظم والنقد (٢) الإنصات الجيد هو بداية الحوار الفعّال الناجح مع الآخرين، والغريب أن الذين يتقنون هذه المهارة قلائل جدًّا، لذلك كان من الضروري أن نتعلم هذه المهارة؛ لأنها ستفتح لنا مجالًا أكبر للتواصل مع من حولنا والتحاور بصورة أفضل وستفتح لنا المجال في بناء علاقات مميزة مع الآخرين. والإنصات: هو السكوت للاستماع(٣)، وهناك فرق بين السماع والاستماع: فالسماع قد یکون بغير قصد ولا انتباه، أما الاستماع فهو بقصد وانتباه وتركيز كما جاء (٢) انظر: الحوار أصوله المنهجية وآدابه السلوكية، أحمد بن عبد الرحمن الصويان، ص١٨٧. (٣) انظر: الصحاح، الجوهري ٢٦٨/١. www. modoee.com ١٦٥ حرف الحاء في معجم الفروق اللغوية: إن الاستماع نستمع أحيانًا بدون وعي، فإذا اجتمع مع الاستماع وعيّ يكون الإصغاء، وهو سماع هو استفادة المسموع بالإصغاء إليه ليفهم، ولهذا لا يقال: إن الله يستمع، وأما السماع فيكون اسمًا للمسموع يقال لما سمعته من الحدیث: هو سماعي، ویقال للغناء: سماع، ويكون بمعنى السمع، تقول: سمعت سماعًا، كما تقول: سمعت سمعًا(١). الأذن بوعي وتفهّم، والإصغاء الفعال هو الاستماع والإنصات المركّز لمجموعة من المعلومات حول موضوع ما لغرض التفهّم الكامل لذلك الموضوع. وهو مهارة مهمة إذ إنه يبني نوعًا من الثقة والمودة المتبادلة ويعزز التفاهم والتواصل، ومعظم المشاكل ويظهر ذلك جليًّا في قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوْجِىَ إِلَّ أَنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرٌّيْنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَا عَجَبًا﴾ [الجنّ:١]، يقول البقاعي: ﴿أَسْتَمَعَ﴾ أي: بغاية الإصغاء والإقبال والتقبل والإلف استماعًا هو الاستماع في الحقيقة (٢). التي تحدث في العلاقات بين الناس يكون عدم الإلمام بهذه المهارة سببًا رئيسًا فيها (٣). ومن أهم فنون التواصل مع الآخرين عند دعوتهم أو الحوار معهم: أن تستمع إليهم لكي تعطيهم فرصة للتكلم والتعبير عن آرائهم ووجهة نظرهم، ((والواجب على العاقل أن ینصف أذنیه من فیه، ويعلم أنّه إنّما جعلت له أذنان وفم واحدٌ ليسمع أكثر ممّا یقول؛ لأنّه إذا قال ربّما ندم، وإن لم يقل لم يندم، وهو على ردّ ما لم يقل أقدر منه على ردّ ما قال، والكلمة إذا تكلّم بها ملكته، وإن لم يتكلّم بها ملكها)» (٤). أهمية الاستماع والإنصات في الحوار: إن عملية الاستماع هي المقدمة الطبيعية لغالب العمليات الفكرية والعقلية الموجهة للسلوك البشري التنموي التحاوري، والسماع هو مفتاح الفهم والتأثر والإقناع والتشبع بالأفكار؛ لذا قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوّ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصّلت: ٢٦]، فما داموا لا يسمعون له فلن يتأثروا به، كما أنهم لمّا انقشع عنهم الغمام تمنوا لو أنهم كانوا قد أحسنوا السماع، ﴿وَقَالُواْ لَّوْكُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَاكَا فِ أَصْنَبِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، إننا وقد ترتب فى سورة الأحقاف على حسن الاستماع والإنصات دعوة أمة الجن بأسرها كما يصور ذلك المشهد سيد قطب رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْصَرَ فْنَّ إِلَيْكَ (١) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ٤٩. (٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٤٦٢/٢٠. (٣) انظر: الإدارة المدرسية والإشراف التربوي، قسم أصول التربية، ص ١٢٣. الأخيار، (٤) انظر: الانتصار للصحابة عبدالمحسن البدري، ص١٤٢ . ١٦٦ القرآن الكريمِ الحوار نَفَرََّ مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم ◌ُنْذِرِينَ ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، حيث قال: وتلقي ٢٩ هذه الكلمة ظلال الموقف كله طوال مدة الاستماع. وهذه تصور الأثر الذي انطبع في قلوبهم من الإنصات للقرآن. فقد استمعوا صامتین منتبهین حتى النهاية. فلما انتهت التلاوة لم يلبثوا أن سارعوا إلى قومهم، وقد حملت نفوسهم ومشاعرهم منه ما لا تطيق السكوت علیه، أو التلكؤ في إبلاغه والإنذار به. وهي حالة من امتلأ حسه بشيء جدید، وحفلت مشاعره بمؤثر قاهر غلاب، يدفعه دفعًا إلى الحركة به والاحتفال بشأنه، وإبلاغه للآخرين في جد واهتمام(١). قال المراغي: فلما حضروا الرسول قال بعضهم لبعض: أنصتوا مستمعین، فلما فرغ من تلاوته رجعوا إلی قومھم لینذروهم بأس الله وشدید عذابه(٢). والإنصات الجيد يؤثر في النفس أبلغ الأثر، ويزيد القدرة على الاستيعاب، فقد جاء في تفسير هذه الآية: قال بعضهم لبعض: أنصتوا؛ لنستمع القرآن، فلما فرغ الرسول من تلاوة القرآن، وقد وعوه وأثّر فیھم، رجعوا إلی قومهم منذرین ومحذرین لهم بأس الله، إن لم يؤمنوا به (٣). (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٦ /٣٢٧٣. (٢) انظر: تفسير المراغي، ٣٦،٢٦. (٣) انظر: الرحيق المختوم، المباركفوري ص ٦٠. وحسن الاستماع من الآداب الإسلامية والأخلاق الرفيعة؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه من يناقشه استمع إليه وأنصت لكلامه حتى يفرغ من حديثه ثم أجابه. وخير مثال على ذلك من سيرة المصطفى صلی الله عليه وسلم إنصاته الجيد لعتبة بن ربيعة في القصة المشهورة، حيث قال عتبة: ( .... إنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودینهم، و کفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها. قال: فقال رسول صلی الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد أسمع، قال: یا ابن أخي، إن کنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتی تکون أکثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سوّدناك علينا، حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئیًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتی یداوی منه- أو كما قال له- حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه: قال: أو قد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاسمع مني، قال: أفعل، فقال: بسم الله الرحمن www. modoee.com ١٦٧ حرف الحاء الرحيم: ﴿حَمّ ٥ تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ث كِثَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ. قُزْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ جاء بده يَعْلَمُونَ ٦ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ [فصّلت: ١- ٥]. لَا يَسْمَعُونَ ثم مضی رسول الله صلی الله عليه وسلم فيها یقرؤها علیه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقی یدیه خلف ظهره معتمدًا عليهما، يسمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك. فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إلیھم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد کفیتموه بغیر کم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزّه عزّكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم) (١). وهكذا نلاحظ أنه لما جاء عتبة إلى (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ١٦٣. النبي صلى الله عليه وسلم يحاوره في دينه ویبین له علی ما ترتب علی دعوته إلی دین الإسلام من أمور يظنها مفاسد من التفريق بین الوالد والولد، وجعل ذلك تسفيهًا لدين الآباء والأجداد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أو قد فرغت يا أبا الوليد؟) قال: نعم، فالنبي صلى الله عليه وسلم استمع له وأنصت له حتی أکمل کلامه کله، فلما قضى كلامه قرأ عليه من سورة فصلت فكان ذلك سببًا في تغيير شيء من موقفه(٢). فمن هذا الموقف العظيم ندرك كم لأهمية الإنصات الجيد وحسنه من أثر إيجابي على الآخرين؛ فقد أثر على صنديد من صناديد قريشٍ أبلغ التأثير. ثالثًا: إبراز الحقائق: إن من القواعد والمبادئ الأساسية للحوار والتي جاءت بها شريعة الإسلام لقطع الخلاف: إبراز الدليل الناصع، والبرهان الساطع (٣)، والتي تتمثل في أمرين: إبراز الحقائق المثبتة، وصحة النقل، وعليها وضع العلماء قاعدتهم المشهورة: (إن كنت ناقلا فالصحة، أو مدعيًا فالدليل)(٤). (٢) انظر: أدب الحوار، سعد بن ناصر الشثري، ص٣٦. (٣) انظر: أدب الحوار في الإسلام،، محمد سيد طنطاوي ٢٥. (٤) انظر: مناظرات ابن تيمية لأهل الملل والنحل، عبد العزيز آل عبد اللطيف، ص ٦٧. ١٦٨ جَوَسُو ◌َرُ النَّفسيد القرآن الكريم الحوار وقد وردت الإشارة إلى مضمون هذه القاعدة في كثير من الآيات القرآنية التي تطالب الطرف الآخر بتقديم البراهين والحجج المنطقية، منها قوله تعالى: ﴿أَمَّن يَبْدَؤُّأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِدُهُ، وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَاْأَرْضِّ أَوَِهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَنَكُمْ إِنْ كُمْ صَدِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤]، وقوله تعالى: ﴿أَمِ أَّخَذُواْ مِن دُونِ مَاِهَةٌ قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكٌ هَذَا ذِكْرُ مَنْ شَعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْخَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٤]. ففي هذه النصوص يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يطالب المشركين بتقديم براهينهم وأدلتهم على ما يقدمون من دعاوى إن كانوا على يقين من الأمور التي يعتقدونها: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَىُ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُّواْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾ [البقرة: ١١١]. الکریم تعتمد على العقل والمنطق، ولا تتأثر بأي عامل أو مؤثر خارجي كالنبوة والرسالة والوحي، ولاشك أن الحوار الذي يعتمد على الحجة الواضحة والدليل المنطقي القوي سيؤدي في النهاية إلى الحرية في التفكير، والتخلص من التعصب والانحياز، فنحن نرى أن إبراهيم عليه السلام في حواره مع الله عز وجل يتقدم للمحاورة وكأنه ﴿وَإِذْ متجرد من النبوة، بل من الإيمان: قَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْقَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَبِنَّ قَلْبِىّ! [البقرة: ٢٦٠]. فإبراهيم في هذه المحاورة يريد التحاور ضمن قواعد العقل والمنطق، ويرفض وجود أي مؤثر في المحاورة غير العقل (١). ولقد ظهرت تلك القاعدة أيضًا واضحة جلية في حوار إبراهيم عليه السلام مع الملك الكافر الظالم الذي كان يعيش في عصره. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَجَّ إِبَهِمَ فِي رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنُهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إَِّهِمُ بََّ الَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحِىِ، وَأُمِيثٌ قَالَ إِنَّهِعُمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ ◌ِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَّ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى اَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. أراد إبراهيم عليه السلام: أن الله هو وهكذا نجد أن المحاورة في القرآن الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد، وأراد الكافر: أنه يقدر أن يعفو عن القتل فيكون ذلك إحياء، وعلى أن يقتل فيكون ذلك إماتة، فكان هذا جوابًا أحمق، لا يصح نصبه في مقابلة حجة إبراهيم، لأنه أراد غير ما أراد الكافر، فلو قال له: ربه الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد فهل تقدر على (١) انظر: الحوار في الإسلام، عبد الله الموجان، ص٣٧. www. modoee.com ١٦٩ حرف الحاء ذلك؟ لبهت الذي كفر بادئ بدء وفي أول من الظلم والاختلاف والنزاع والشقاق، وهلة، ولكنه انتقل معه إلى حجة أخرى ومن تمام الانصاف قبول الحق من الخصم والتفريق بين الفكرة وصاحبها، وأن يبدي المحاور إعجابه بالأفكار الصحيحة والأدلة الجيدة، والمعلومات الجديدة التي يوردها خصمه، وهذا الإنصاف له أثره الإيجابي لقبول الحق، ويضفي على المحاور روح الموضوعية (٢). تنفیسًا لخناقه، وإرسالًا لعنان المناظرة فقال: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب لكون هذه الحجة لا تجري فيها المغالطة، ولا يتيسر للكافر أن يخرج عنها بمخرج مكابرة ومشاغبة. قوله: ﴿فَبُّهِتَ الَّذِی گفَرَ﴾ بهت الرجل وبهت وبهت: إذا انقطع وسكت متحيرًا(١). رابعًا: الإنصاف: إن العدل والإنصاف مع الخصم مبدأ مهم صعب جليل، وإن المفترض في المسلم أن يكون عادلًا منصفًا، حيث منهج دين الإسلام هو الأمر بالعدل والتهي عن الظلم. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ وَإِيَتَآٍَ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِيَّ يَعِظُكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، لَعَلَّكُمْ والعدل والإنصاف مطلوبان في القول: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، " هما مطلوبان في الحكم: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، ولو اتبع المسلمون هدي دينهم في هذا الأمر لما وقع كثير من المسلمين فيما وقعوا فيه (١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١/ ٣١٨. جوسين القرآن الكريم وإنما كان الإنصاف والعدل صعبًا لما اتصف به الإنسان من الجهل والظلم. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ، كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. فأكثر الناس مجبول على عدم الانصاف إلا من رحم الله، ولذلك قال الإمام الشعبي رحمه الله: ((والله لو أصبت تسعًا وتسعين مرة، وأخطأت مرة لأعدوا عليّ تلك الواحدة)»(٣). وقد ذكر العلماء ضوابط في العدل والإنصاف: فمن ذلك قول عبد الله بن المبارك رحمه الله: ((إذا غلبت محاسن الرجل على مساوئه لم تذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوئ على المحاسن لم تذكر المحاسن)»(٤). وذكر عن حاتم الأصم أنه قال: ((معي (٢) انظر: الحوار آدابه وضوابطه في ضوء الكتاب والسنة، يحيى زمزمي، ص١٤١. (٣) أعلام النبلاء، الذهبي، ٣٠٨/٤. (٤) المصدر السابق ٣٩٨/٨. ١٧٠ الحوار ثلاث خصال أظهر بها على خصمي، قالوا: القسط في الدنيا، هو ذل الأمة وهوانها، واعتداء غيرها من الأمم على استقلالها، ولجزاء الآخرة أذل وأخزى وأشد وأبقى (٣). وما هي؟ قال: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ نفسي لا تتجاهل علي، فبلغ ذلك الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله فقال: سبحان الله ما كان أعقله من رجل))(١). ولا شك أن الآيات والأحاديث، والأمثلة والنماذج والسير كثيرة جدًّا في تقرير هذا المبدأ وتأصيله، وهناك نصوص عامة تأمر بالعدل والإنصاف في الحوار وغيره. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوا قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلنَّقْوَىِّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]. قال الزمخشري: «وفيه تنبيه عظیم على أن وجود العدل مع الكفار الذين هم أعداء اللّه إذا كان بهذه الصفة من القوة، فما الظنّ بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه))(٢). فالآيات تفرض العدل في جميع الأحوال، كما تحذر الظلم وتحرم الجور في جميع الأوقات، وقد مضت سنة الله العادلة في خلقه بأن جزاء ترك العدل وعدم إقامة (١) إحياء علوم الدين، الغزالي ١/ ٦٧. (٢) الكشاف، الزمخشري ١/ ٦١٣. و کما یروی عن شيخ الإسلام قوله: إن الله ينصر الأمة العادلة ولو كانت كافرة، ويذل الأمة الظالمة وإن كانت مسلمة (٤). ومن نماذج الإنصاف في القرآن ما جاء في وصف أهل الكتاب وذكر بعض مثالبهم كما في قوله تعالى: ﴿ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَثْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢]. ثم أنصف الله عز وجل المتقين منهم بقوله: ﴿لَيْسُوا سَوَهُ مِّنْ أَهْلِ اَلْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِ ءَانَّةُ الََّلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ [آل عمران: ١١٣]. ومثلها إنصافهم في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِهِ إِلَيْكَ إِلََّمَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمَا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى اُلْأُمَّيْنَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥]. قال سيد قطب: ((وهذا غاية الإنصاف (٣) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٦/ ٢٢٧. (٤) انظر: الاستقامة ٢/ ٢٤٧. www. modoee.com ١٧١ حرف الحاء والعدل للقلة الخيرة منهم، التي وعدها عمران: ١٥٩]. بالوعد الصادق لهم: أنهم لن یبخسوا حقًّا، ولم يفكروا أجرًا مع الإشارة إلى أن الله سبحانه علم أنهم من المتقين))(١). خامسًا: الرفق واللين: إن إظهار الحق وإيصاله للآخرين وإقناعهم به ودحض شبهاتهم وأباطيلهم يحتاج إلى معرفة طبيعة النفس البشرية، وما يصلح لها وما يسوؤها، ومن أهم سمات النفوس أنها تميل إلى اللين والملاطفة والتعامل بالحسنى، وتنفر من الشدة والإذلال والإفحام، إذ إن لها كبرياء، فمن أكرمها فأنه يستطيع أن يقودها وأن يسيّرها كيفما شاء، ومن خدش كبرياءها، فلن يظفر منها بطاعة ولا تصديق ولا انقياد، ولا يلومنّ بعد ذلك إلا نفسه! لذا فمن أراد أن يمسح الشبهات من عقول الناس، أو أراد أن یدحضها، فعلیه أن یلج إلی ذلك بالحسنى، وأن يتجّنب العنف والشدة والتحدي(٢). ولا شك أن القلوب تمیل إلی من یلین ويرفق بها، وتنفر الطبائع البشرية من الفظ الغليظ، حتى لو كان خير الناس! كما قال الله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمّ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل (١) في ظلال القرآن ٢٦٩٩/٥. (٢) انظر: منهجية التعامل مع الشبهات، الحمادي ١٤/٢. والمحاور الناجح في أمسّ الحاجة إلى التفاف الناس حوله، وتحلیه بالرفق واللين يساعد في تحقيق ذلك. إلى جانب ذلك، فقد ينشأ عند كثير من الناس نفور تجاه المحاور بسبب دعوته، وذلك إذا خالف رغبات كثير منهم أو عارض شهواتهم، لكنّ اتصافه بالرفق يساهم في إزالة أو تقليل هذا النفور (٣). إنّ الرفق سمة واضحة في دعوة الأنبياء عليهم السلام لأقوامهم، فما من نبي بعث إلا ودعا قومه وحاورهم بالتي هي أحسن، فها هو نبي الله شعيب عليه السلام يحاور قومه بكل رفق قائلًا: ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَ يْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِ وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنَّاً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَمُكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّ ◌ِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ [هود: ٨٨]. فهذا تلطف منه في العبارة ودعوة لهم إلى الحق بأبين إشارة، يقول لهم: أرأيتم أيها المكذبون إن كنت على بينة من ربي ورزقني النبوة والرسالة، وعمّي عليكم معرفتها، فأي حيلة لي فيكم؟ ولست آمركم بالأمر إلا وأنا أول فاعل له، وإذا نهيتكم عن الشيء فأنا أول من يتركه(٤)، فهو يتلطف معهم (٣) انظر: الحوار في القرآن الكريم، معن محمود ص ١٢٤. (٤) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير ص٤٤٦. ١٧٢ مَونسبة التقييم جوسين لِلْقُرآن الكَرِيمِ الحوار ليشعرهم أنه على بينة من ربه، وأنه على ثقة يجتهد بطوقه، ويحتشد بأقصى وسعه))(٣). مما يقول لهم، وأنه يدعوهم إلى الأمانة في المعاملة، وسیتأثر مثلهم بنتائجها، لأنه ذو مال وعلاقات تجارية، فهو لا يبغي كسبًا شخصيًّا من وراء دعوته لهم، فلن ينهاهم عن شيء ثم يفعله لينفرد بالكسب وحده! إنما هي دعوة الإصلاح للناس أجمعين بکل حكمة وروية ولین(١). ولقد أمر الله نبيه موسى وهارون عليهم السلام أن يحاورا فرعون، ذلك الطاغية الذي ادعى الربوبية فقال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، ثم ادعو الألوهية فقال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ بَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَّهٍ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨]، ورغم ذلك أمرهم الله بالرفق واللين معه فقال: ﴿فَقُولَا لَهُ، قَولَا لَّيْنَا لَعَلَّهُ يَنَذَّكَّرُ أَوْيَخْشَى﴾ [ طه: ٤٤]. قال ابن كثير: ((هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر ألا یخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين(٢). قال الزمخشري: «اذهبا علی رجائكما وطمعكما، وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ویطمع أن یثمر عمله ولا یخیب سعیه، فهو (١) انظر: ديماس، فنون الحوار والإقناع ص٩١. (٢) تفسير القرآن العظيم ٥/ ٢٩٤. إن الحوار أو الجدال الذي يدور بين الناس، إذا كان يقوم على التواضع ولين الجانب، وعلى الأسلوب المهذب الخالي من كل ما لا يليق، كانت نتائجه طيبة وآثاره حميدة، لأنه يوصل إلى الحقيقة المرجوة، وإلى الاتفاق ولو على معظم المسائل التي دار من أجلها الحوار. أما الحوار أو الجدال الذي يكون مبعثه الغرور والتعالى والتباهي بالأقوال، فمن المستبعد أن يأتي بنتيجة توصل إلى الحقيقة أو إلى اتفاق على ما ينفع، وإنما المتوقع من هذا الحوار الذي سداه الغرور، أن تتولد عنه الآثام والشرور وهكذا نتيقن أن الرفق يزين الحوار ويقوده إلی نتائج طيبة و ثمار ناضجة،أسوتنا في ذلك الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام (٤). موضوعات ذات صلة: الإنصاف، التربية، الجدال، الدعوة، النصيحة (٣) الكشاف ٣/ ٦٥. (٤) انظر: أدب الحوار في الإسلام، طنطاوي ٣٠. www. modoee.com ١٧٣