النص المفهرس
صفحات 21-40
الحوار وَإِنْ كَانَ طَآئِفَةٌ مِنْكُمْ السلام: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ الْمُفْسِدِينَ () حَنِيفًا وَلَوْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]، وقد امتزج إرساء قواعد العقيدة بالأدب الحواري الجم. ٣. حوار شعيب عليه السلام مع قومه. أرسل الله تعالى نبيه شعيبًا عليه السلام إلى أصحاب الأيكة، وهم مدين؛ ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥]. وقد اشتملت قصته مع قومه على أفضل الأساليب في الحوار مع الطرف الآخر، لتبلیغ دعوة الله، حيث اشتمل حواره على الجانبين: جانب العقيدة، وجانب الحياة، وقد برع وأبدع في حواره حيث لون في الخطاب، ورغب ورهب، وفيما يلي بيان ذلك: تعالى: ﴿وَ إِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَأْ قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتَكُم بَيِّنَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا نَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ وَلَا نُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ﴿ وَأَ نَقْعُدُواْ بِكُلِ صِرَّطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجَاً وَأَذْكُرُوْاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثّرَكُمْ وَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ ءَامَنُواْ بِلَّذِىّ أُرْسِلْتُ بِهِ، وَطَايِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُواْ فَأَصْبِرُواْ حَقِّ يَحْكُمَ اَللَّهُ بَيْنَنَأْ وَهُوَ خَيْرُ اْحَكِمِينَ ﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِ لَتُخْرِجَتَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَقِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَتِنَاً قَالَ أَوَلَوْ كُنَا كَثِهِينَ ٨٨ قَدِ أَفْتَرَيْنَا عَلَ اَللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدِّنَا فِى مِلَّيِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَنَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَّآ أَنْ نَعُودَ فِيَهَا إِلََّ أَنْ يَشَاءَ اللّهُ رَبُّنَاْ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَاً عَلَى اللهِ تَوَكَلْنَاْ رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥ - ٨٩]. عند تحليل حوار شعيب مع قومه نقف على براعة الحوار وقوة الأسلوب لتحقيق الأهداف، ويظهر ذلك فيما يأتي (١): ١. بدأ شعيب عليه السلام دعوة قومه بالتوحيد، وهي الدعوة التي جاء بها جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام؛ لأن الخصم إذا آمن بالله وحده، واستسلم له، فإنه يمتثل لكل ما أمر الله به ونهى عنه، ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُوا اللَّهَ﴾، وفي العنكبوت: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَرْجُواْ أَلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٦]؟ الله هي القاعدة التي يعلم أن منها تنبثق (١) انظر: دراسة بعنوان: حوار شعيب عليه السلام مع قومه في القرآن الكريم، محمد أحمد الكردي، على موقع حيران انفوا. www. modoee.com ١٤٣ حرف الحاء کل مناهج الحياة، و کل أوضاعها، كما أن منها تنبثق قواعد السلوك والخلق والتعامل، ولا تستقيم كلها إلا إذا استقامت هذه العقيدة. ولقد جرت سنة الأنبياء أن يبدأوا بدعوة أقوامهم إلى التوحيد، ثم علاج المشكلات القائمة عندهم(١). ﴿قَالَ ٢. استعمال الألفاظ المحببة: يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُمْ﴾ [الأعراف: ٦٥]. ٣. استعمال الفصاحة والبيان والبلاغة: فشعيب عليه السلام هو خطيب الأنبياء، وحواره مع قومه کان حوارًا فصيحًا بليغًا، بعيدًا عن الغموض والتشدق، والمقصود أن يتكلم المحاور عندما يحاور الآخرین، بكلام واضح مفهوم، لیس فیہ غموض ولا لبس. ٤. تلوين الخطاب في الحوار: للنهي عن المخالفات الخطيرة التي يفعلها قومه بأکثر من أسلوب، فبعد أن نھی شعیب عليه السلام قومه عن الشرك، ودعاهم للتوحيد، وجههم إلى الالتزام بطاعة الله، حذرهم من معاصي خطيرة تهدد وجودهم ومصيرهم، ومن أبرز ذلك: لا شك أن أعظم مخالفة كان يفعلها قوم شعيب بعد الشرك، هي: التطفيف (١) انظر تفسير المراغي ٨/ ٢١٠. جَوَسُو ◌َدَ النفسية الموضوي القرآن الكريم في الكيل والميزان، وبخس الناس أشیاءهم. ٥. ضبط النفس: فقد اتهموه بالسحر والكذب، فلم ينفعل، ولم يغضب، بل تحلى بسعة الصدر، وهكذا الداعية المسلم المحاور، ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَّا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِيَّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَتُؤْ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧](٢). ٦. الإقناع بالأدلة والبراهين والحجج الدامغة: فقد ردّ شعيب عليه السلام على قومه بالأدلة المقنعة، فبهتهم، قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَّيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةِ مِّن رَّبِى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنَاً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَمُكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ ﴾ [هود:٨٨]، هذا تلطف معهم في العبارة ودعوة لهم إلى الحق بأبين إشارة. يقول لهم: أرأيتم إن كنت على أمر بيّن من الله تعالى، وأنه أرسلني إليكم، ورزقني النبوة والرسالة، وعمي عليكم معرفتها، فأي حيلة لي فیکم(٣)، وهكذا یبين المحاور أنه يمتلك الحجة والدليل، وأن رأيه (٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ٢٠١. (٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤/ ٢٣٤. ١٤٤ ا ليس مبنيًّا على الهوى والمزاج. ٧. الثبات عند الخلاف على العقيدة: ((لقد وقف شعيب عليه السلام عند النقطة التي لا يملك أن يتزحزح وراءها خطوة، إنها عقيدة الوحدانية التي لا يملك أي محاور التنازل عنها، تحت أي ضغط أو أي تهديد من الطواغيت وإلا لتنازل كلية عن الحق الذي يمثله؟ قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَغَرَكَ فِينَا ضَعِيفًاً وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَكٌ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزِ ) قَالَ يَقَوْمِ أَرَهْطِىّ أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِّنَ اللّهِ وَأَتَّخَذْ تُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِنَّ إِنَ رَبِ بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيَّظٌ﴾ [هود: ٩١ - ٩٢]. ٨. طلب النصرة من الله: فشعيب عليه السلام استفتح على قومه، واستنصر ربه عليهم في تعجيل ما يستحقونه إليهم فقال: ﴿رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْتَنَا وَبَيْنَ قَوَمِنَا بِاَلْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]، إنه يعرف مصدر القوة، وملجأ الأمان، ويعلم أن ربه هو الذي يفصل بالحق بين الإيمان والطغيان، ويتوكل على ربه وحده في خوض المعركة المفروضة عليه وعلى المؤمنین معه، والتي ليس منها مفر، إلا بفتح من ربه ونصر (١). ثانيًا: الحوار العلمي: هذا النوع من الحوار الذي يكون موضوعه التعليم والتلقين ظهر واضحًا جليًّا في قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح، والتي حملت في ثناياها دروسًا كثيرة في التواضع وأدب المتعلم واحترام العلماء. قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا ٦٥ عُلِّمْتَ رُشِدًا (١) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَّعِىَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَوْ تُحِطْ بِ خَبْرً (٨) قَالَ ٦٧ سَتَجِدُفِ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَآَ أَعْضِى لَكَ أَمْرًاً قَالَ فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِ فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّى ٦٩ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٦٥ - ٧٠]. هذه رحلة موسى بن عمران نبي بني إسرائيل مع فتاه يوشع عليهما السلام للقاء العبد الصالح، وهو الخضر عليه السلام، لتعليمه التواضع في العلم، وأنه وإن كان نبيًّا مرسلًا، فقد يكون بعض العباد أعلم منه، وفي هذا من الفقه: رحلة العالم لطلب الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب، واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء، وإن بعدت أقطارهم، كما كان دأب السلف الصالح (٢). وقد اشتمل ذلك الحوار على مجموعة (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٣٢٢. (٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٥ / ٢٩٦. www. modoee.com ١٤٥ حرف الحاء کبیرة من آداب المتعلم والتي منها: ١. لقد جعل موسى عليه السلام نفسه تبعًا للعبد الصالح رغم كونه هو النبي وقال: ﴿هَلْ أَتَِّعُكَ﴾، وفي هذا دليل على التواضع للعالم، وفي هذه القصة دليل على الحث على الرحلة في طلب العلم، وعلى حسن التلطف والاستنزال والأدب في طلب العلم، بقوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾، وفيه المسافرة مع العالم لاقتباس فوائده(١). ٢. أنه استأذن في إثبات هذه التبعية، فقال: هل تأذن لي أن أجعل نفسي تابعًا لك؛ ﴿قَالَ لَهُ, مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾، وهذه مبالغة عظيمة في التواضع. ٣. أنه قال: ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾، وهذا إقرار منه على نفسه بعدم المعرفة، وعلى أستاذه بالعلم. ٤. أنه قال: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾، وصيغة ما للتبعيض، فطلب منه تعلیم بعض ما علمه الله، وهذا أيضًا يشعر بالتواضع، كأنه يقول له: لا أطلب منك أن تجعلني مساويًا في العلم لك، بل أطلب منك أن تعطيني جزءًا من أجزاء علمك، كما يطلب الفقير من الغني أن يدفع إليه جزءًا من أجزاء ماله. ٥. إنّ قول موسى: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ اعتراف بأن الله علمه ذلك العلم. ٦. إن قوله: ﴿رُشْدًا﴾ فيه طلب للإرشاد والهداية، والإرشاد هو الأمر الذي لو لم يحصل لحصلت الغواية. ٧. إن قوله: ﴿أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ معناه: أنه طلب منه أن يعامله بمثل ما عامل الله به، وفيه إشعار بأنه يكون إنعامك عليّ عند هذا التعليم شبيهًا بإنعام الله عليك في هذا التعليم (٢). ٨. وفي قول العبد الصالح لموسى عليه السلام: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَوْ تُحِطْ بِهِ، خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨]، احترام للعقل الذي يؤمن بالأمور الظاهرة، وقد ینکر الأمور الغائبة؛ قال الطبري: ((وكيف تصبر يا موسى على ما ترى مني من الأفعال التي لا علم لك بوجوه صوابها، وتقيم معي عليها، وأنت إنما تحكم على صواب المصيب وخطأ المخطئ بالظاهر الذي عندك، وبمبلغ علمك، وأفعالي تقع بغير دليل ظاهر لرأي عينك على صوابها، لأنها تبتدئ لأسباب تحدث آجلة غیر عاجلة، لا علم لك بالحادث عنها، لأنها غيب، ولا تحيط بعلم الغيب خبرًا))(٣). (١) انظر: البحر المحيط في التفسير، ابن حيان٧/ ٢٠٥. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ٤٨٣. (٣) جامع البيان، الطبري ١٨/ ٧١. ١٤٦ جوبيبو لِلْقُرآن الكَرِيمِ الحوار ٩. ويظهر في توجيهات العبد الصالح لموسى عليه السلام أدب المتعلم حيث علمه تلك القاعدة الأدبية: قَالَ فَإِنِ أَتَبَعْتَنِى فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠]، قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِىِ﴾ أي: إذا رأيت مني شيئًا خفي عليك وجه صحته، فأنكرت في نفسك فلا تفاتحني بالسؤال حتى أكون أنا الفاتح عليك، وهذا من أدب المتعلم مع العالم المتبوع(١)، وقال أبو السعود: وفي قوله: ﴿فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ﴾ التزام موسى عليه السلام للصبر والطاعة، وهذا من أدب المتعلم من العالم والتابع مع المتبوع (٢). ١٠. وقد ظهر الحرص على التعلم مقرونًا بالاستعانة بالله، وذلك في قول موسى عليه السلام: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَ أَعْضِى لَكَ أَثْرًا﴾ [الكهف: ٦٩]، فقد طلب موسى عليه السلام لحرصه على العلم وازدياده، أن يستطيع معه صبرًا بعد إفصاح الخضر عن حقيقة الأمر، فوعده بالصبر معلقًا بمشيئة الله، علمًا منه بشدّة الأمر وصعوبته، وأن الحمية التي تأخذ المصلح عند مشاهدة الفساد شيء لا (١) انظر: البحر المحيط في التفسير، ابن حيان ٧/ ٢٠٦. (٢) انظر: إرشاد العقل السليم ٥/ ٢٣٥. يطاق(٣). ثالثًا: الحوار الدعوي: الحوار الدعوي من الأساليب الناجعة لتبليغ دعوة الله واقناع الآخرين، وإبراز الصورة واضحة جلية، وقد استخدم القرآن الكريم هذا الأسوب كثيرًا، ومثاله: قصة صاحب الجنتين حيث تضرب مثلًا للقيم الزائلة والقيم الباقية، وترسم نموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة، والنفس المعتزة بالله، وكلاهما نموذج إنساني لطائفة من الناس، صاحب الجنتين نموذج للرجل الثري، تذهله الثروة، وتبطره النعمة، فينسى القوة الكبر التي تسيطر على أقدار الناس والحياة، ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى، فلن تخذله القوة ولا الجاه. وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه، الذاكر لربه، يرى النعمة دليلًا على المنعم، موجبة لحمده وذكره، لا لجحوده وكفره (٤). قال تعالى: ﴿وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنََّيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَقْنَهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْهُمَا زَرْعًا ◌ِ كِلْنَا الْجََّيْنِ ءَانَتْ أُكُلَّهَا وَلَمْ تَظْلِ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَهُمَا نَهْرَ ، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌّ فَقَالَ لِصَحِبِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ، أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالَا وَأَعَزُّنَفَرًّا ) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَائِمٌ (٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢/ ٧٣٤. (٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ٢٢٧٠. www. modoee.com ١٤٧ حرف الحاء لِنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَنْ تَبِدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَآ هل يشكر أم يكفر؟ وهل يطغى أم يتواضع؟ وقد دار بينهما حوار دعوي مفعم باللفتات الدعوية التربوية والتي نذكر منها ما يأتي: أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآيِمَةٌ وَلَيِن رُّدِدْتُ إِلَى رَبِّ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبَا قَالَ لَّهُ صَاحِبُهُ. وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوََّكَ رَجُلًا ، لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِِّ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ وَلَآَ أُشْرِكُ بِرَةٍ أَحَدًا )) جَتَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنْكَ مَالًاً وَوَلَدًا ﴾ فَعَسَى رَبِّ أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنِ جَنَّئِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَآءِ فَنُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًّا أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا وَأُحِيطَ بِشَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كُفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَلَيْنَنِى لَوْ أُشْرِكْ بِرَبْ أَحَدًا ﴾ [الكهف: ٣٢ - ٤٢]. تخبرنا آيات القصة عن وجود رجلين في الماضي، كان بينهما صلة وصحبة، أحدهما مؤمن، والآخر كافر، وقد أبهمت الآيات اسميّ الرجلین، کما أبهمت تحدید زمانهما ومکانهما وقومهما، فلا نعرف من هما، ولا أین عاشا، ولا في أيّ زمان وجدا، وقد ابتلی الله الرجل المؤمن بضيق ذات اليد، وقلة الرزق والمال والمتاع، لكنه أنعم عليه بأعظم نعمة، وهي نعمة الإيمان واليقين والرضا بقدر الله وابتغاء ما عند الله، وهي نعمٌّ تفوق المال والمتاع الزائل، أما صاحبه الكافر فقد ابتلاه الله بأن بسط له الرزق، ووسّع عليه في الدنيا، وآتاه الكثير من المال والمتاع، ليبلوه ١. في قوله: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزّ ـفَرًا قال الرازي: اعلم أن المقصود من هذا أن الكفار افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمین فبین الله تعالى أن ذلك مما لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الفقير غنيًّا والغني فقيرًا، أما الذي يجب حصول المفاخرة به فطاعة الله وعبادته وهي حاصلة لفقراء المؤمنين، وبين ذلك بضرب هذا المثل المذكور في الآية (١). وقال السعدي: الافتخار بأمر خارجي ليس فيه فضيلة نفسية، ولا صفة معنوية، وإنما هو بمنزله فخر الصبي بالأماني، التي لا حقائق تحتها، ثم لم يكفه هذا الافتخار على صاحبه، حتى حکم، بجهله وظلمه(٢). ٢. وفي قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ مَآ أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ٣٥ وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةٌ وَلَيِن زُّدِدتُ إِلَى رَبِ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا [الكهف: ٣٥ - ٣٦ ]: (١) انظر: مفاتيح الغيب ٢١/ ٤٦٢. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٧٧. ١٤٨ جَوَسُ القرآن الكريم الحوار اطمئنان الرجل إلى الدنیا ورضاه بها وإعجابه بچنتیه حتى نسي أن الدنيا لا تبقى لأحد. القياس الفاسد وإنكار البعث؛ حيث ظن أن الله لما أنعم عليه في الدنيا فلابد أن ينعم عليه في الآخرة، ولا تلازم بين هذا وذاك، بل إن الكفار ينعّمون في الدنيا وتعجّل لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ولكنهم في الآخرة يعذّبون. تمرده وعناده ؛ لقوله: ﴿وَلَپن ژُدِدتُ إِلَى رَبِ﴾ قاله على وجه التهكم والاستهزاء !. الغالب أن الله یزوي الدنیا عن أوليائه وأصفيائه، ويوسّعها على أعدائه الذين ليس لهم في الآخرة من نصيب (١). ٣. وفي قوله: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ، وَهُوَ تُحَاوِرُهُ. أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُْفَةٍ ثُمَّ سَوََّكَ رَجُلً ) لَكِنَّا هُوَ اَللَّهُ رَبِّ وَلَآ أُشْرِكُ بِرَبِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٣٧ - ٣٨]. إن عزة الإيمان في النفس المؤمنة تنتفض، فلا تبالي المال والنفر، ولا تداري الغنى والبطر، ولا تتلعثم في الحق، ولا تجامل فيه الأصحاب. وهكذا يستشعر المؤمن أنه عزيز أمام الجاه والمال، وأن ما عند الله خير من (١) انظر: المصدر السابق. أعراض الحياة، وأن فضل الله عظيم وهو يطمع في فضل الله، وأن نقمة الله جبارة وأنها وشيكة أن تصيب الغافلين المتبطرین. نصح صاحبه المؤمن له وتذكيره بنعم الله عليه، وكيف خلقه ونقله من طور إلى طور، ويسر له الأسباب، فكيف يليق بك أن تكفر بالله ؟ !. أن منکر البعث کافر، وفي قول المؤمن ﴿هُوَ اَللَّهُ رٍَِّ﴾ دليل على أن صاحب الجنتين قد أشرك. أن في تذكر الإنسان مبدأ أمره وخلقه موعظة عظيمة وذكرى(٢). ٤. وفي قوله: ﴿ وَلَوْلَا إِذْدَ خَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةً إِلَّا بِاللَّهِّ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنْكَ مَالَا وَوَلَدًا﴾ [الكهف: ٣٩]. أن نعمة الله على الإنسان بالإيمان والإسلام ولو مع قلة المال والولد هي النعمة الحقيقية، وما عداها معرض للزوال والعقوبة. ينبغي للإنسان إذا أعجبه شيء أن يقول: ﴿مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ حتى يفوض الأمر إلى الله لا إلى حوله وقوته. * من اعترف بفضل الله عليه، فإنه يبارك (٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٣٣٩، في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ٢٢٧١، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٧٧. www. modoee.com ١٤٩ حرف الحاء الله له فیما أعطاه، وأما من أشر ویطر، فلا یبارك الله له فيما آتاه ولا ينتفع به. أن ما عند الله خير وأبقى، وما یرجی من خيره وإحسانه أفضل من جميع الدنيا التي يتنافس فيها المتنافسون(١). ٥. وفي قوله: ﴿فَعَسَى رَبِّ أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّئِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]: الإرشاد إلى التسلي عن لذات الدنيا وشهواتها بما عند الله من الخير. الدعاء بتلف مال من كان ماله سبب طغيانه وكفره وخسرانه، خصوصًا إن فضّل نفسه بسبب ماله على المؤمنين وفخر عليهم. أن دعاء المؤمن علی جنتيّ الکافر کان غضبًا لله ؛ لكونها غرته وأطغته، لعله ينيب ويراجع رشده ويبصر في أمره. لا حرج على الإنسان أن يدعو على ظالمه بمثل ما ظلمه. في قوله: ﴿حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَآءِ﴾، خص السماء لأن ما جاء من الأرض قد يدافع، لكن ما نزل من السماء يصعب (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢ / ٤٦٢، فتح القدير، الشوكاني ٣ / ٣٣٩، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٧٨، في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ٢٢٧٢، التفسير المنير، الزحيلي ١٥/ ٢٥٦. دفعه ویتعذر. ابن عثیمین قوله: ﴿خَيْراً مِنْ جَنَّئِكَ ﴾، أي: أفضل منها، وهي جنة الآخرة، وجنة الدنيا هي الفرح بفضل الله والالتذاذ بطاعته، والاغتباط بالأعمال الصالحة، والأنس بذكر الله وشكره، فهذا خير من متاع الدنيا متاع الغرور (٢). ٦. وفي قوله: ﴿وَأُحِيطَ بِشَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَلَيْنَنِى لَوْ أُشْرِكِ بِرَبِّ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٢]: استجابة الله لدعاء من دعاه. كان مآل الجنتين الانقطاع والاضمحلال، و کأنه لم يتمتع بها. الندم بعد فوات الأوان لا ينفع، إنما ينتفع من سمع القصة واعتبر بها. أن ما افتخر به لم يدفع عنه من العذاب شيئًا. أن سبب عقوبته لأنه أشرك بالله، ونسب نعمة الله إلى غيره، وفضل الله إلی نفسه وقوته وحیلته، وتناسی عطاء الله له(٣). (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٤٧٨، في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ٢٢٧٢، التفسير المنير، الزحيلي ١٥/ ٢٥٦. (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/ ٤٦٢، فتح القدير، الشوكاني ٣ / ٣٣٩، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٤٧٨، في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ٢٢٧٢، التفسير المنير، صَ هُ وَالَ النَّقِينَ جوية لِلْقُرآن الكَرِيمِ ١٥٠ الحوار رابعًا: الحوار العتابي: الحوار العتابي نوع من أنواع الحوارات المختلفة، يتعاتب الفرقاء فيما اختلفوا فيه، وقد يتعاتب الرؤساء والمرؤوسين فيه یوم یکونون سواء أمام رب العالمينٍ، كما ويتعاتب أهل النار وهم في النار وكل منهم يلقي المسؤولية على الآخر، ويكون نقاشهم عقیمًا لا فائدة ترجى منه، وفيما يأتي بعض النماذج لذلك الحوار: ١. حوار ابني آدم عليه السلام. يقدم هذا الحوار نموذجًا لطبيعة الشر والعدوان ونموذجًا كذلك من العدوان الصارخ الذي لا مبرر له. کما تقدم نموذجًا لطبيعة الخير والسماحة ونموذجًا كذلك من الطيبة والوداعة. وتقفهما وجهًا لوجه، کل منهما يتصرف وفق طبيعته، وترسم الجريمة المنكرة التي يرتكبها الشر، والعدوان الصارخ الذي يثير الضمير ويثير الشعور بالحاجة إلى شريعة نافذة بالقصاص العادل، تكف النموذج الشرير المعتدي عن الاعتداء وتخوفه وتردعه بالتخويف عن الإقدام عن الجريمة فإذا ارتكبها- على الرغم من ذلك- وجد الجزاء العادل، المكافئ للفعلة المنكرة، كما تصون النموذج الطيب الخير وتحفظ حرمة دمه، فمثل هذه النفوس يجب الزحيلي ١٥/ ٢٥٦. أن تعيش، وأن تصان، وأن تأمن في ظل شريعة عادلة رادعة (١). قال تعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْذُلَنَّكٌ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اُللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ ﴿ لَيِنُ بَسَطَتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِنَقْتُلَنِىِ مَآ أَنْ بِبَاسِطِ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَّ إِّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴿ إِنَّ أُرِيدُ أَن تَبُوَأَ بِإِثْمِى وَإِنْكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاؤُاْ الظَّالِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ، قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ O مِنَ الْخَسِرِينَ ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِى اُلْأَرْضِ لِيُرِيَهُ، كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيَةٍ قَالَ يَوَّيْلَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ ٣١ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِىٌّ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَنَّهُ. مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنََّا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَآءَتَهُمْ رُسُلْنَا بِالْبَيْنَتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِىِ الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾ [المائدة: ٢٧ - ٣٢]. ولقد ظهر في الحوار بعض اللطائف واللفتات والتي نذكر منها ما يأتي: * العبرة في قصة ابني آدم عليه السلام أن الحسد كان سبب أول جريمة قتل في البشر، وأنه هو أس المفاسد (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ٨٧٤. www. modoee.com ١٥١ حرف الحاء والمعايب والرذائل في المجتمع، فالأمة المتحاسدة متمزقة متعادية متباغضة، لا تجتمع على خير، ولا تلتقي على فضيلة، ولا تتعاون على بر وصلاح وتقدم، مما يؤدي إلى الضعف والذل والهوان وعبودية أفرادها لمن سواهم (١). إن ابني آدم هذين في موقف لا يثور فيه خاطر الاعتداء في نفس طيبة، فهما في موقف طاعة بين يدي الله(٢). إِنّ اللّه تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متقٍ(٣). : لم يسم الله سبحانه وتعالى المتقبل منه والذي لم يتقبل منه إذ لا جدوى لذلك في موقع العبرة، وإنما حمله على قتل أخيه حسده على مزية القبول، والحسد أول جريمة ظهرت في الأرض (٤). وقوله: ﴿لَبِنَّ بَسَطَتَ إِلَّ يَدَكَ لِنَقْتُلِىِ﴾ إلخ موعظة لأخيه ليذكره خطر هذا الجرم الذي أقدم عليه، وفيه إشعار بأنه يستطيع دفاعه ولكنه منعه منه خوف الله تعالى(٥). ﴿فَبَعَثَ اَللّهُ غُرَابًا﴾ دليل على الاستفادة (١) التفسير المنير، الزحيلي ٦/ ١٥٧. (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ٨٧٥. (٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ١/ ٦٢٤. (٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦/ ١٧٠. (٥) انظر: المصدر السابق. من تجارب الآخرين. قال ابن القيم: تأمل الحكمة في إرسال الله تعالى لابن آدم الغراب المؤذن اسمه بغربة القاتل من أخيه وغربته هو من رحمة الله وغربته من أبيه وأهله واستيحاشه منهم واستيحاشهم منه. والغراب أحد الفواسق الخمسة، وفعل ابن آدم وهو القتل من أعظم الفسق فناسب ما بعث إليه هذا الفعل، والله أعلم بمراد كتابه (٦). ودلت آية: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ على تشريع القصاص في حق القاتل على بني إسرائيل. وقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ لیس إشارة إلى قصة قابيل وهابيل، بل هو إشارة إلى ما ذكر فى هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب القتل الحرام وهو القتل العمد العدوان (٧). ٢. الحوار بين الأتباع والمتبوعين. هذا الحوار من الحوارات العقيمة بالنسبة لجدواها للمتحاورين، حيث لا تجلب لهم نفعًا، فهم يتعاتبون بعد انقضاء وقت العمل، ويتمنوا لو تكون لهم كرة ليتبرأوا منهم، وتكون عاقبة أمرهم خسرًا، ويريهم الله أعمالهم حسرات. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ (٦) انظر: مفتاح دار السعادة، ابن القيم ١/ ٢٣٩. (٧) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٦/ ١٥٩. ١٥٢ لِلْقُرآن الكَرِيمِ الحوار مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُونَهُمْ كَحُبٍ اَللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهُ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدٌ اَلْعَذَابِ ) إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُوا وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةٌ فَنَتَبَرَّأَ m مِنْهُمْ كَمَا تَبَوَّهُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌّ وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٥ - ١٦٧]. لقد تضمنت الآيات السابقة مجموعة من الفوائد والدروس والعبر والتي نذكر منها: ١. يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا وما لهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا له أندادا، أي: أمثالًا ونظراء يعبدونهم معه ویحبونهم کحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له ولا ندّ له، ولا شريك معه(١). وهؤلاء الذين يتخذون الأنداد مع الله، لا يسوونهم بالله في الخلق والرزق والتدبير، وإنما يسوونهم به في العبادة، فيعبدونهم، ليقربوهم إليه، وفي قوله: ﴿یَّخِذُ﴾ دليل على أنه ليس لله ند، وإنما المشركون جعلوا بعض المخلوقات أندادًا له، تسمية مجردة، ولفظًا فارغًا من المعنى، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوْلِلَّهِ شُرَّكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمَّ أَمْ تُفُِّونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى الْأَرْضِ أَمْ يِظَهِرٍ مِّنَ (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٧٦. الْقَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣](٢). ٢. من أسباب الحب: اعتقاد المحب أن في المحبوب قدرة فوق قدرته، ونفوذًا يعلو نفوذه، مع ثقته بأنه يهتم لأمره، ويعطف عليه بحيث يمكنه اللجأ إليه عند الحاجة فیستعین به على ما لا سبيل له إليه بدونه، فهذا الاعتقاد يحدث انجذابًا من المعتقد يصحبه شعور خفي بأن له قوةً عاليةً مستمدةً ممن یحب، ويعظم هذا النوع من الحب بمقدار ما يعتقد في المحبوب من الصفات والمزايا التي بها كان مصدر المنافع وركن اللاجئ، وكل ما للمخلوق من ذلك فهو داخل في دائرة الأسباب والمسببات والأعمال الكسبية (٣). . ٣. وفي قوله: ﴿وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسَُّّ حُبَّا لِلّهِ﴾ حبًّا مطلقًا من كل موازنة، ومن كل قيد، أشد حبًّا لله من كل حب يتجهون به إلى سواه، والتعبير هنا بالحب تعبير جميل، فوق أنه تعبير صادق، فالصلة بين المؤمن الحق وبين الله هي صلة الحب، صلة الوشيجة القلبية، والتجاذب الروحي، صلة المودة والقربى، صلة الوجدان المشدود (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٩. (٣) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٥٥/٢-٥٦. www. modoee.com ١٥٣ حرف الحاء بعاطفة الحب المشرق الودود(١). ٤. موقف المشركين يوم القيامة عندما يرون جزاء أعمالهم وجزاء إتباعهم لرؤسائهم على معصية الله تعالى، حينما يرون العذاب هو التخلي، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدٌ اٌلْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. قال ابن كثير: (لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذ أن القوة لله جميعًا، أي: إن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره، وغلبته، وسلطانه)»(٢)، ثم يبدأ المتبوعون بالتخلي عن أتباعهم (٣). ٥. إن أعظم جريمة عند اللّه هي: الشرك به قال تعالى: ﴿إِنَّاللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِّرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أيّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: (أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك)(٤)(٥). ٦. تحذير العلماء من أن يتخذوا السلاطين أندادًا من دون الله، واهم علماء الدنيا فإنهم يحلون لمرضاتهم ويحرمون، ويخالفون النصوص الصريحة بضروب سخيفة من التأويل لموافقة أهوائهم، فإن لم یفتوهم بخلاف النص التماسًا لخيرهم، أو هربًا من سخطهم کتموا حكم الله من أجل ذلك، فتری أحدهم إذا سئل: أهذا حق أم باطل وحلال أم حرام ؟ يغض من صوته بالجواب، ولا يجهر بالقول مداراةً للعوام، إذا كان الجواب على غير ماهم عليه، ولا سيما إذا كان هؤلاء العامة من الأغنياء وأصحاب السلطة (٦). ٧. ((يتبرأ العابدون أيضًا من معبوديهم، ويتمنون الرجوع إلى الدنيا حتى يعملوا صالحًا ويتبرأوا من الآلهة المزعومة، بل إنهم يطلبون من اللّه مضاعفة العذاب لهم، كما قال اللّه تعالى: ﴿ یَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَآ أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَاْ ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنََّ (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢١٦/١ - ٢١٧. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم ١/ ٤٧٧. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٩٤/٣. (٤) أخرجه البخاري، في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، سورة البقرة، باب قوله تعالى: ﴿فَلَّا ◌َجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ٦/ ١٨، رقم ٤٤٧٧. (٥) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٤٣٢/١. (٦) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٢/ ٦٣. ١٥٤ القرآن الكريم الحوار أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبُرَءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴾ [الأحزاب: ٦٦ -٦٧]، وهم في هذا التمني كاذبون، بل ولو رودوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون))(١). ٨. دلت الآيات على أن الاتباع في غير طريق الله شرك يعقب ندامة يوم القيامة فلينظر الإنسان مت يتبع؟ وعلى ماذا؟ وبماذا؟ وإلا فإنه سيكون من النادمين فإذا قال الله: ﴿أَّخَذُوَأْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اَللَّهِ ﴾ [التوبة: ٣١] لمن تابعوا رجال دينهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال، فكيف بمن يتبع من لا يعترف بحلال وحرام أصلًا؟!(٢) ٩. لا عذر لأحد في التقليد المحض ولا الاتباع المحض، فالاتباع لا بد أن يكون مبنيًّا على بصيرة وعلم، وليس على هوى ومعصية، ولا يعذر الإنسان في اتباع مثل هذا الاتباع(٣). ١٠. قوله تعالى: ﴿وَمَاهُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ دليل على خلود الكفار فيها، وأنهم لا يخرجون منها، وهذا قول جماعة أهل السنة لهذه الآية، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّ يَلِجَ الْجَمَلُ (١) التفسير المنير، الزحيلي ١/ ٤٣٣. (٢) انظر: الأساس في التفسير، سعيد حوى ١٤١/٢. (٣) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٦٩/٢°. فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] (٤)، وهذا الخلود والاشتراك في العذاب إنما يعم الأتباع والمتبوعين. ٣. التحاور بين أهل النار. كما في الجنة نعيم مادي ونعيمٌ معنوي، هناك في النار أيضًا عذاب مادي وآخر نفسي معنوي، والذي يتمثل في التشفّي والانتقام من بعضهم البعض، ولقد ظهر واضحًا جليًّا في محاورة أهل النار لبعضهم وتعاتبهم الذي أفضى لطلب المزيد من العذاب، وفيما يلي توضيح ذلك: قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلُ مِمَّنِ أَقْتَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِشَايَتِهِ، أُوْلَئِكَ يَنَاهُمْ نَصِيبُهُم مِنَ الْكِتَبِّ حَّى إِذَا جَاءَ تُهُمْ رُسُلْنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَفِينَ قَالَ أَدْخُلُواْ فِيَ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِ النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّمَنَتْ أُخْتَهَاً حََّ إِذَا أَدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَهُمْ لِأُولَئُهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضْلُوْنَا فَشَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَّا نَعْلَمُونَ (٥) وَقَالَتْ أُوَلَّهُمْ لِأُخْرَهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [الأعراف: ٣٧-٣٩]. أخبر الله تعالى في هذه الآيات الكريمات (٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠٧/٢. www. modoee.com ١٥٥ حرف الحاء أنه لا أحد أخطأ فعلًا، وأجهل قولًا، وأبعد ذهابًا عن الحق والصواب ممن اختلق على الله زورًا من القول، فقال إذا فعل فاحشة: إن الله أمرني بها، أو كذب بأدلته، وأعلامه الدّالة علی وحدانيته، ونبوّة أنبيائه، فجحد حقيقتها ودافع صحتها، فهذا سينال العقاب من الله تعالى، وسيصل إليه حظهم مما كتب الله له في اللوح المحفوظ، وسيأخذوا حظوظهم التي قدرها الله تعالى لهم في الدنيا، إلى أن يتوفاهم فينالوا مصيرهم في الآخرة(١). ولقد تضمنت هذا الآيات العديد من الدروس والعبر واللفتات والهدايات، نقتطف منها ما يأتي: ١. ﴿قَالَ ادْخُلُواْ فِيَ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨]، أي: يقول الله لكفار العرب، وهم المفترون الكذب والمكذبون بالآيات وذلك يوم القيامة (وعبر بالماضي لتحقّق وقوعه، وقوله ذلك على لسان الملائكة)) (٢): ﴿اَدْخُلُواْ فِىَ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم﴾ على مذهبكم ﴿مِّنَ اُلْجِنِّ وَالْإِنسِ فِ النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ﴾، يعني: النار ﴿أَنَّةٌ﴾: جماعة، ﴿لَّمَنَتْ أُخْتَهَا﴾ يعني: ((لعنت الأمة التي دخلت قبلها (١) انظر: جامع البيان ١٢/ ٤٠٨. (٢) تفسير البحر المحيط، أبو حيان ٤/ ٢٩٧. جَبُور القرآن الكريمِ النار))(٣)، ((إذ هي قد ضلّت باتّباعها وتقليدها في الكفر، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَصِرِينَ﴾[العنكبوت: ٢٥]. وهكذا يلعن أصناف الكفار بعضهم بعضًا، ويتبرّأ بعضهم من بعض)) (٤)، قال مقاتل: ((يعني: لعنوا أهل ملتهم))(٥)، فيلعن المشركون المشركين واليهود اليهود، وكذلك النصارى النصارى والمجوس المجوس ويلعن الأتباع القادة يقولون: لعنكم الله أنتم غررتمونا (٦). ٢. ﴿حََّ إِذَا أَدَّارَكُواْ فِيهَا ◌َجِيمًا﴾، أي: تداركوا بمعنى تلاحقوا واجتمعوا في النار، ﴿قَالَتْ أُخْرَبُهُمْ﴾ منزلة، وهي: الأتباع والسفلة ﴿لِأُولَئُهُمْ﴾ منزلة، وهي القادة والرؤوس، ومعنى ﴿لِأَوْلَنْهُمْ﴾: لأجل أولاهم؛ لأن خطابهم مع الله لا معهم، ﴿عَذَابًا ضِعْفًا﴾: مضاعفًا، ﴿لِكُلِّ ضِعْفٌ﴾(٧)، (للقادة ضعف؛ لغوايتهم وإغوائهم؛ (٣) تفسير السمر قندي ١/ ٥٣٠. (٤) التفسير المنير، الزحيلي ٤ / ٥٦٤. (٥) تفسير السمرقندي ١/ ٥٣٠. (٦) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٢٣٢/٤. (٧) انظر: الكشاف، الزمخشري ٩٨/٢. ١٥٦ ابـ لضلالهم وإضلالهم، وللأتباع ضعف؛ لكفرهم؛ ولاقتدائهم؛ ولتقويتهم أمر القادة، فلولا الأتباع ما كان للقادة سلطان، أو للمستقدمين ضعف بضلالهم وإضلالهم، وللمتأخرين ضعف بضلالهم ومتابعتهم))(١). أي: ٣. ﴿وَقَالَتْ أُولَنْهُمْ لِأُخْنَهُمْ﴾، الرؤساء قالوا لأتباعهم: ﴿فَمَاكَانَ لَكُمْ عَلَيْنَامِن فَضْلٍ﴾ أي: قد اشتركنا جميعًا في الغي والضلال، وفي فعل أسباب العذاب، فأي فضل لكم علينا، ﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾، ولكنه من المعلوم أن عذاب الرؤساء، وأئمة الضلال أبلغ وأشنع من عذاب الأتباع، كما أن نعيم أئمة الهدى ورؤسائه أعظم من ثواب الأتباع، قال تعالى: ﴿اَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا [النحل: ٨٨]، كَانُواْ يُفْسِدُونَ ﴾ فهذه الآيات ونحوها، دلت على أن: سائر أنواع المكذبين بآيات الله مخلدون في العذاب، مشتركون فيه وفي أصله، وإن كانوا متفاوتين في مقداره، بحسب أعمالهم وعنادهم وظلمهم وافترائهم، وأن مودتهم التي كانت بينهم في الدنيا تنقلب يوم القيامة (١) الأساس في التفسير، سعيد حوى ٤ / ١٩٠٠. عداوة وملاعنة (٢). ٤. شر الظلم ما كان كذبًا على الله تعالى، وتكذيبا بشرائعه(٣). ٥. بينت هذه الآيات أن هؤلاء الناس اجتمعوا في الدنيا على الباطل، ثم يوم القيامة تتفكك الروابط، وتنقلب المحبة إلى عداوة وبغضاء، قال سيد قطب: ((كانت هذه الأمم، والجماعات، والفرق في الدنيا من الولاء بحيث يتبع آخرها أولها، ويملي متبوعها لتابعها، فلننظر اليوم کیف تكون الأحقاد بينها، وكيف يكون التنابز فيها، كلما دخلت أمة لعنت أختها، فما أبأسها نهاية تلك التي يلعن فيها الابن أباه، ويتنكر فيها الولي لمولاه (٤)، وهذا كما أخبر الله تعالى: ﴿اَلْأَخِلَاءُ يَوْمَيِلْ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، («السّادة والأتباع في الكفر سواء، يدخلون النّار، ويضاعف لهم العذاب، إما بالإضلال وهو فعل السّادة، أو بالتّقليد وإهمال العقل، وهو فعل الأتباع، والتّعذيب ليس تشفّيًا وانتقامًا، وإنما هو بسبب اقتراف السّيئات (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٨٨. (٣) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٢/ ١٧٣. (٤) في ظلال القرآن ٥١٥/٣. www. modoee.com ١٥٧ حرف الحاء واعتقاد الكفر))(١). ٦. بينت الآيات أن من أعظم أسباب الانحراف لدى الناس هو: التقليد الأعمى لبعضهم في مسائل الاعتقاد، وقد ذم اللّه تعالى الكفار باتباعهم لآبائهم في الباطل (٢)، ((واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية، وتركهم النظر فیما دعاهم إليه الرسول صلی الله عليه وسلم(٣)، وهذا في الباطل صحيح، أما التقليد في الحق فأصل من أصول الدين (٤). ولعل القرطبي أراد بالتقليد الذي يعتبر أصلا من أصول الدين هو التقليد: في فرعيات مسائل الدين. قال الشيخ أبو بكر الجزائري: يحرم التقليد في العقائد مطلقًا (٥)، وإنما لا بدّ من غرس العقيدة بالحجة والبرهان (٦)، أما في الفروع فهو أهون، والتقلید هو قبول الحكم بلا دليل ولا حجة (٧)، وقال ابن عطية: أجمعت الأمة على إبطال التقلید في العقائد(٨). (١) التفسير المنير، الزحيلي ٤ / ٥٦٦. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢١١/٢. (٣) انظر: المصدر السابق ١٦ / ٧٥. (٤) انظر: المصدر السابق ٢/ ٢١١. (٥) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ١ / ١٤٥. (٦) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٤٨٨/١٠. الجزائري (٧) انظر: أيسر التفاسير، ١/ ١٤٥. (٨) انظر: القرآن، لأحكام الجامع ٧. كل دعاة التقليد الأعمى من هؤلاء المضلين الذين يضاعف لهم العذاب، وأن أئمة الهدى من علماء السلف ليسوا منهم ؛ لأنهم كانوا يستنبطون الأحكام من الكتاب والسنة ؛ ليفتحوا للناس أبواب الفهم والفقه فيهما، مع نهیهم عن تقليدهم، وأمرهم بعرض كلامهم على الكتاب والسنة، وأخذ ما وافقهما ورد ما عداه، ومنهم الأئمة الأربعة الذين تنتمي إليهم طوائف السنة، وأئمة العترة الذين تنتمي إليهم الشيعة (٩). خامسًا: الحوار العقيم: الغاية من الحوار هي الوصول إلى ما يريح النفس من اقتناع وتسليم، ولكن هناك حوارات عديدة وردت في القرآن الكريم، لم تكن هذه الغاية هدفها؛ فجاءت عقيمة الفائدة للمتحاورين، وذلك زيادة في تعذيبهم عذابًا نفسيًا بجانب العذاب الجسدي، ومن أمثل هذا النوع: الحوار الذي دار بين المستكبرين والأتباع وخزنة النار، وحوار الضعفاء والمستكبرين بين يدي الله، وحوار الشيطان وأتباعه في النار، وحوار الکافر وقرینه الشیطان بین یدي الله، القرطبي ٢/ ٢١٢. (٩) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٣٦٩/٨. ١٥٨ القرآن الكريمِ الحوار وفيما يأتي تفصيل ذلك. ١. حوار المستكبرين والأتباع وخزنة النار. يخبر تعالى عن تخاصم أهل النار، وعتاب بعضهم بعضًا واستغاثتهم بخزنة النار، وعدم الفائدة في ذلك فقال: ﴿وَإِذْ يَتَحَلْجُونَ فِ اَلنَّارِ فَيَقُولُ اَلْضُّعَفَوْأ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّالَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُم مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ قَالَ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُلُّ فِيهَآ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ فِىِ النَّارِ لِخَزَنَةٍ جَهَنَّمَ أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ ﴾ قَالُواْ أَوَّلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيْنَتِّ قَالُواْ بَلَّ قَالُواْ فَأَدْعُواْ وَمَا دُعَلُواْ الْكَافِرِينَ إِلَّ فِ ضَلَلٍ﴾ [غافر: ٤٧ - ٥٠]. يحتج التابعون بإغواء المتبوعين، ويتبرأ المتبوعون من التابعين، فيقول الضّعفاء: أنتم أغويتمونا، وأضللتمونا، وزينتم لنا الشرك والشر، فهل تستطيعوا أن تخففوا عنا من عذاب الله ولو قليلًا؟؛ فيرد عليهم القادة المستكبرون: إن الله جعل لكل منا قسطًا من العذاب، فلا يزاد في ذلك ولا ينقص منه، ولا يغير ما حكم به الحكيم(١). قال الفخر الرازي: ((واعلم أن أولئك (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٣٩. الأتباع يعلمون أن أولئك الرؤساء لا قدرة لهم على ذلك التخفيف، وإنما مقصودهم من هذا الكلام المبالغة في تخجيل أولئك الرؤساء، وإيلام قلوبهم؛ لأنهم هم الذين سعوا في إيقاع هؤلاء الأتباع في أنواع الضلالات، فعند هذا يقول الرؤساء: ﴿إنّا كُلُّ فِيهَا﴾، يعني: أن كلنا واقعون في هذا العذاب، فلو قدرت على إزالة العذاب عنك لدفعته عن نفسي، ثم يقولون: ﴿إنّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْن الْعِبَادِ ﴾، يعني: يوصل إلى كل أحد مقدار حقه من النعيم أو من العذاب»(٢). ولما يئسوا من السادة اتّجهوا إلى خزنة جهنم يطلبون منهم الدعاء: أهل النار: ادعوا اللّه ربّكم لعله أن يخفف عنا مقدار يوم من العذاب. خزنة النار: أو ما جاءتكم الرسل في الدنيا بالحجج والأدلة الواضحة على توحيد اللّه، والتحذير من سوء العاقبة ؟ أهل النار: بلى، قد جاءتنا الرسل، فكذبناهم، ولم نؤمن بهم ولا بما جاؤوا به من الحجج. خزنة النار: إذا كان الأمر كما ذكرتم، فادعوا أنتم لأنفسكم، فنحن لا ندعو لمن كفر بالله وكذّب رسله، ولا فائدة من (٢) مفاتيح الغيب ٢٧/ ٦٥. www. modoee.com ١٥٩ حرف الحاء دعائكم(١). ويظهر من خلال هذا الحوار بعض الدروس والعبر واللفتات، نذكر منها: الجدال بين الأتباع وسادتهم، حيث يقول الأتباع لقادتهم وسادتهم وكبرائهم الذين استكبروا عن عبادة، الله وحده لا شريك له، وعن موافقة الرسل: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا («هذه كانت خصومة بين الأتباع مع المتبوعين، ولم تنته إلى طائل إلا زيادة الحسرة والغم والهم)) (٢). فَهَلْ أَنْتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابٍ اَللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾. أي: فهل تدفعون عنا شيئًا من عذاب الله، كما كنتم تعدوننا وتمنوننا؟ فقالت القادة التنديد بالكبر والاستكبار؛ إذ الكبر عائق عن الطاعة والاستقامة. لهم: ﴿قَالُواْ لَوْهَدَنَا ◌َللَّهُ لَّدَيْنَكُمْ﴾، ولكن حق علينا قول ربنا، وسبق فينا وفیکم قدر الله، وحقت كلمة العذاب على المعذرة يوم القيامة، ولا يستجاب الكافرين. ((لا يستجاب دعاء الكافر فى الدنيا والآخرة إلا ماشاء الله، ولا تقبل الدعاء لمن في النار))(٣). ٢. الحوار بين الضعفاء والمستكبرين. قال الله تعالى: ﴿جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَوُاْ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُم مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ قَالُواْ لَوْهَدَننَا اللهُ لَدَيْنَكُمْ سَوَّاءُ عَلَيْنَاً أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبِّرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١]. بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن الله تعالى يجمع الخلائق كلها، برها وفاجرها، في براز من الأرض، وهو المكان الذي ليس فيه شيء يستر أحدا، ويبدأ (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٤٥٩/١٢. (٢) أيسر التفاسير، الجزائري ٤ / ٥٤٠. (٣) المصدر السابق ٤ /٥٤١. جَوَنُور القرآن الكريم ﴿سَوَاءُ عَلَيْنَاْ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَّرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾، أي: ليس لنا خلاص مما نحن فيه إن صبرنا عليه أو جزعنا منه (٤). قال سيد قطب رحمه الله : ((والضعفاء هم الضعفاء، هم الذين تنازلوا عن أخص خصائص الإنسان الکریم على الله، حين تنازلوا عن حريتهم الشخصية في التفكير والاعتقاد والاتجاه، وجعلوا أنفسهم تبعًا المستكبرين والطغاة، ودانوا لغير الله من عبيده واختاروها على الدينونة لله. والضعف ليس عذرًا، بل هو الجريمة، فما يريد الله لأحد أن يكون ضعيفًا، وهو يدعو الناس كلهم إلى حماه يعتزون به والعزة لله، وما یرید الله لأحد أن ينزل طائعًا (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٤٨٨. ١٦٠ الحوار عن نصيبه في الحرية التي هي ميزته ومناط الحق، وهو البعث والجزاء على الأعمال، فوفی لهم بما وعدهم، وأما هو فوعد الناس بخلاف ذلك، وأنه لا بعث ولا جزاء، فأخلف الوعد (٣). تكريمه أو أن ينزل كارهًا، والقوة المادية كائنة ما كانت لا تملك أن تستعبد إنسانًا يريد الحرية، ويستمسك بكرامته الآدمية، فقصارى ما تملكه تلك القوة أن تملك الجسد، تؤذيه وتعذبه وتکبله وتحبسه، أما الضمير، أما الروح، أما العقل: فلا يملك أحد حبسها، ولا استذلالها، إلا أن يسلمها صاحبها للحبس والإذلال)»(١). ٣. الحوار بين الشيطان وأتباعه. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُضِىَ اْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدِّكُ فَخْلَفْتُكُمٌّ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِيْ فَلاَ تَلُومُونِ وَلُومُوّا أَنفُسَكُمْ مَّ أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيٌَّ إِنِ كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَ كْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. لما ذكر المناظرة التي وقعت بين الرؤساء والأتباع من كفرة الإنس: أردفها بالمناظرة التي وقعت بين الشيطان وبين أتباعه من الإنس (٢)، وموضوع المناظرتين واحد، وهو: تبرؤ المتبوع من التابع، ولكن الشيطان كان أصدق في هذه المحاورة من الإنسان ؛ لأنه أعلن أن الله وعد الناس وعد (١) في ظلال القرآن ٥/ ١٥٠. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٩/ ٨٧. ففي الآية: يخبر الله تعالى عن موقف إبليس يوم القيامة، فبعد أن يقضى الأمر ويدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ويستقرّ كل فريق منهم قرارهم(٤)، ينادي إبليس في جماعته الذين أغواهم: إن الله وعدكم، أيها الأتباع، النار، ووعدتكم النّصرة، فأخلفتكم وعدي، ووفی الله لكم بوعده، وما كان لي عليكم، فيما وعدتكم من النصرة، من حجة تثبت لي عليكم بصدق قولي: ﴿إِنَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾، وهذا من الاستثناء المنقطع عن الأول، بمعنى: ولكن دعوتكم فاستجبتم لي، استجبتم إلى طاعتي، ومعصية الله، فلا تلوموني على إجابتكم إیاي، ولكن لوموا أنفسكم، فلا أنا مغيثكم من عذاب الله، ولا أنتم مغيثي؛ لأني جحدت أن أكون شریگًا لله فیما أشر كتموني فیه من عبادتكم في الدنیا، فالعذاب لکل من كفر بالله(٥). قال ابن عاشور: ((وقد جيء في هذه الآية بوصف حال الفرق يوم القيامة، ومجادلة (٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٧/ ٢٥٨. (٤) وزمن الخطبة يكون بعد فصل القضاء وقبل دخول النار، والله أعلم. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٤٩٠. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦ / ٥٦٠-٥٦١. www. modoee.com ١٦١ حرف الحاء أهل الضلالة مع قادتهم، ومجادلة الجميع للشيطان، و کون المؤمنین في شغل عن ذلك بنزل الكرامة، والغرض من ذلك تنبيه الناس إلى تدارك شأنهم قبل الفوات، فالمقصود: التحذير مما يفضي إلى سوء المصیر))(١). ٤. حوار الكافر وقرينه (الشيطان) بین یدي الرحمن. قال تعالى: ﴿قَالَ قِتُ رَبََّا مَآ أَْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَلٍ بَعِيدٍ ﴿ قَالَ لَا تَخْصِمُواْ لَدَنَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ ﴿ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ وَمَا أَتَأْ بِظَلَّمِ لْعَبِيدِ ﴾ [ق:٢٧ - ٢٩]. يخبر الله تعالى أن الكافر يقول يوم القيامة عن قرينه، وهو الشيطان الذي وكل به: يا رب، هذا أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني، فيقول القرین: ما أضللته، بل كان هو في نفسه ضالًّا قابلًا للباطل معاندًا للحق، فيقول الرب عز وجل لهما: ﴿قَالَلَا تَخْصِمُواْ لَدَنَّ﴾ أي: عندي، ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ﴾ أي: قد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل، وأنزلت الكتب، وقامت عليكم الحجج والبينات والبراهين(٢) على أن من کفر بالله وأشرك به وعصی رسله فإن له نار جهنم خالدًا فيها أبدًا)(٣). ثم يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيله (١) التحرير والتنوير ١٣/ ٢١٦. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٠٣/٧. (٣) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ١٤٧/٥. للمشركين وقرنائهم من الجن يوم القيامة، إذ تبرأ بعضهم من بعض: ما يغير القول الذي قلته لكم في الدنيا، وهو قوله: ﴿قَالَ أَخْرُجْ مِنْهَا مَذْهُومًا مَّدْحُورًاْ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨]، ولا قضائي الذي قضيته فيهم فيها)(٤). أهم الفوائد والدروس والعبر المستفادة من هذه الحوارات: ١. بيان أن التقليد والتبعية لا تكون عذرًا لصاحبها عند الله تعالى(٥). ٢. العتاب والنزاع والخصام قائم بين أهل النار، فهذه محاورة بين القادة والأتباع تدل على عجز السادة عن تحقيق أي شيء لأتباعهم الذين اتبعوهم في الدنيا، فهم لا يستطيعون تخليص أنفسهم من عذاب الله، ولا تحقيق أي تفع لذواتهم، فبالأولی لا يتمكنون من نفع غیرهم، والکل لا يجدون مهربًا ولا ملجأ من عذاب الله، وعقابه على الكفر والعصيان، وذلك سواء صبروا على العذاب، أو جزعوا وضجروا. ٣. إقرار السادة بالضلال، فدعوا أتباعهم إلى الضلال، ولو هدوا وأرشدوا لأرشدوا غيرهم، وهذا كذب منهم، كما قال تعالى حكاية عن المنافقين: (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٣٥٩. (٥) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٣/ ٥٤. ١٦٢ ◌َ البَشَيـ جوبيه القرآن الكريم