النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الجواز
عناصر الموضوع
مفهوم الحوار
١٢٤
الألفاظ ذات الصلة
١٢٦
مقاصد الحوار
١٢٩
أنواع الحوار في القرآن
١٤٠
قواعد الحوار
١٦٤
المُجَلَّدَ الثَّالِثْ عَشَر
حرف الحاء
مفهوم الحوار
أولًا: المعنى اللغوي:
(الحاء والواو والراء) ثلاثة أصول: أحدها لون، والآخر الرجوع، والثالث أن يدور الشيء
دورًا، وتعود أصل كلمة الحوار إلى (الحور) وهو الرجوع عن الشيء وإلى الشيء، يقال:
(حار بعدما كار)(١)، والحور النقصان بعد الزيادة؛ لأنه رجوع من حال إلى حال، والتحاور:
التجاوب، نقول: كلمته فما حار إلي جوابًا، أي: ما رد جوابًا(٢)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّأَن
لَّنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤].
أي: ((لن يرجع))(٣)، وهم يتحاورون أي: يتراجعون الكلام، والمحاورة: مراجعة المنطق
والكلام في المخاطبة (٤).
(«تحاوروا: تراجعوا الكلام بينهم»(٥).
ويقصد بالمحاورة ((المجاوبة ومراجعة النطق والكلام في المخاطبة))(٦).
إذن فالحوار لغة تعني المراجعة في الكلام بين اثنين فأكثر، فمعناه في اللغة واسع يشمل
كل مناقشة بين اثنين أو أكثر في أي موضوع.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الحوار هو: ((نوع من الحديث بين شخصين أو فريقين، يتم فيه تداول الكلام بينهما
بطريقة متكافئة فلا يستأثر به أحدهما دون الآخر، ويغلب عليه الهدوء والبعد عن الخصومة
والتعصب)»(٧).
الحوار هو: ((محادثة بين شخصين أو فريقين، حول موضوع محدد، لكل منهما وجهة
نظر خاصة به، هدفها الوصول إلى الحقيقة، أو إلى أكبر قدر ممكن من تطابق وجهات النظر،
بعيدًا عن الخصومة أو التعصب، بطريق يعتمد على العلم والعقل، مع استعداد كلا الطرفين
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ١/ ٢٨٧.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥/ ٢٩٧.
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٥/ ٥١٥.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥/ ٢١٨.
(٥) القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص ٤٨٧.
(٦) تاج العروس، الزبيدي ٦/ ٣١٧.
(٧) الحوار، آدابه وضوابطه في ضوء الكتاب والسنة، يحي بن محمد زمزمي ص ٣٢.
١٢٤
جوبيع
القرآن الكريمِ
ابـ
لقبول الحقيقة ولو ظهرت على يد الطرف الآخر))(١).
ويلاحظ من التعاريف الثلاثة السابقة اتفاقهم على أن الحوار حديث متبادل بين طرفين
أو أكثر، ويعجبني التعريف الثالث للدكتور بسام عجك، فهو تعريف جامع مانع مكتمل
الأركان.
العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي:
هناك علاقة قوية بين معنى الحوار في اللغة والاصطلاح، فالحوار هو نشاط عقلي ولفظي
يقدم المتحاورون الأدلة والحجج والبراهين التي تبرر وجهات نظرهم بحرية تامة من أجل
الوصول إلى حل لمشكلة أو توضيح لقضية ما، وهذا ما يتفق عليه المعنيون.
ولم يرد لفظ (الحوار) في القرآن الكريم، وإن ورد أصل مادته (حور).
(١) الحوار الإسلامي المسيحي، بسام عجك، ص ٢٠
www. modoee.com
١٢٥
حرف الحاء
الألفاظ ذات الصلة
الجدل:
١
الجدل لغةً:
اللدد في الخصومة والقدرة عليها، وجادله أي: خاصمه مجادلة وجدالًا، والجدل:
مقابلة الحجة بالحجة؛ والمجادلة: المناظرة والمخاصمة، والجدال: الخصومة؛ سمي
بذلك لشدته(١).
الجدل اصطلاحًا:
الجدل: ((هو عبارة عن دفع المرء خصمه عن فساد قوله بحجة أو شبهة، وهو لا يكون إلا
بمنازعة غيره والنظر قد يتم به وحده))(٢).
وقيل: مقابلة المتنازعين الحجة بالحجة على سبيل التدافع والتخاصم؛ بالعبارة أو ما
يقوم مقامها؛ لإلزام الخصم غالبًا، وتقرير المذهب، سواء أكان حقًّا أم باطلًا.
الصلة بين الحوار والجدل:
كل من الحوار والجدال عبارة عن تبادل للحديث بين أطراف معينة، ولكن القصد
مختلف فالجدال كما بين الإمام أبو زهرة الغرض منه بقوله: ((والجدل يكون الغرض منه
إلزام الخصم والتغلب عليه في مقام الاستدلال))(٣)، ومثال ذلك قوله تعالى ﴿وَلَا تُحَدِلُواْ
أَهْلَ أَلْكِتَبِ إِلَّا بِأَلَّتِ هِىَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]
قال تعالى: ﴿هَأَنتُمْ هَؤُلَاءِ جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ
اَلْقِيَمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٠٩].
المناظرة:
٢
المناظرة لغةً:
المناظرة في اللغة مشتقة من المادة اللغوية (نظر)، ومن معانيها تأمل الشيء بالعين
المجردة، وتقليب البصيرة لإدراك الشيء ورؤيته، والتّأمّل والفحص، وقد يراد بالنظر المعرفة
الحاصلة بعد الفحص، والطلب؛ يقال: انظر لي فلانًا، أي: اطلبه، والمقابلة؛ والعرب تقول:
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١١/ ١٠٥، مجمل اللغة، ابن فارس ١/ ١٧٩.
(٢) الكليات، الكفوي ص ٣٥٣.
(٣) تاريخ الجدل، ص ٥.
١٢٦
جوية
القرآن الكريمِ
الحوار
داري تنظر إلى دار فلان، ودورنا تناظر، أي: تقابل، والإمهال والترقب والتوقع واللّمحة
السّريعة(١).
المناظرة اصطلاحًا:
المحاورة بين طرفين متضادين في الرأي، والقائمة على الأدلة المنطقية والبراهين
والإحصائيات الدقيقة، يقصد كل منهما تصحيح قوله وإبطال قول الآخر بأدب رفيع، مع
الرغبة في إظهار الحق، والراجح على المرجوح، وتحقيق الفائدة المبنية على المناصحة
والحلم(٢).
الصلة بين الحوار والمناظرة:
وهكذا يتبين أن المناظرة ما هي إلا محاورة من أجل الوصول إلى الصواب.
المحاجة:
٣
المحاجة لغةً:
الحجّ: الغلبة بالحجّة، يقال: حجّه يحجّه حجًّا، إذا غلبه على حجّته، ومنه الحجّة بالضّمّ.
الدّليل والبرهان، وقيل: ما دفع به الخصم، وإنما سمّيت حجّةً لأنّها تحجّ، أي: تقصد؛ لأنّ
القصد لها وإليها، وبها يقصد الحقّ المطلوب، وجمع الحجّة حججٌ وحجاجٌ(٣).
المحاجة اصطلاحًا:
قدرة الفرد على توظيف ما يمتلكه من الأدلة والبراهين العقلانية الموضوعية في قضية
خلافية؛ لإثبات دعواه، وأيضًاح فكرته، مع تفنيد حجج مخالفيه، والوصول بهم إلى الاقتناع
بهذه الفكرة، والإيمان بها، دون إلزامهم باتباعها، والسير عليها (٤).
الصلة بين الحوار والمحاجة:
هناك فرق بين الحوار والمحاجة حيث إن الحوار هو تبادل حديث بقصد الوصول لحل
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٤٤/٥، لسان العرب، ابن منظور ٥ / ٢١٥، تاج العروس، الزبيدي
١٤ / ٢٤٥، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٩٣٢.
(٢) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٢٥٠، آداب البحث والمناظرة، محمد الأمين الشنقيطي ص ٤، حلية
طالب العلم، بكر أبو زيد ص٦٨، منهج الجدل والمناظرة في تقرير مسائل الاعتقاد، عثمان علي
حسن ١/ ٣٠.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ٢٩- ٣٠، لسان العرب، ابن منظور ٢/ ٢٢٦، تاج العروس،
الزبيدي ٥/ ٤٥٩ - ٤٦٤.
(٤) انظر: المحاجة طرق قياسها وأساليب تنميتها، طريف شوقي محمد ص ٣، الجدل في القرآن الكريم،
خصائصه ودلالته دراسة لغوية دلالية، يوسف عمر العساكر ص ٣٠.
www. modoee.com
١٢٧
حرف الحاء
أَلَمْ
مشكلة ما، أما المحاجة ففيها يثبت كل طرف صحة دعواه، ومثال ذلك قوله تعالى:
تَرَ إِلَى الَّذِى حَاجَّ إَِّهِمَ فِى رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنُهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَبَِّ الَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ
أَنَا أُحِيِ، وَأُمِيتُ ﴾[ البقرة: ٢٥٨]
قال تعالى: ﴿وَحَآَّهُ قَوْمُهُ، قَالَ أَتُحَجُّوْنِي فِ اللَّهِ وَقَدْ هَدَئِنٍ﴾ [الأنعام: ٨٠].
المخاصمة:
٤
المخاصمة لغةً:
المخاصمة في اللغة مشتقة من المادة اللغوية (خصم)، ويأتي بمعنى الجدل والمنازعة؛
يقال: خاصمه خصامًا وخصومة، أي: جادله ونازعه، وبمعنى الشّقٌّ؛ يقال للخصمين:
خصمان؛ لأخذ كلّ واحد منهما في شقٍ من الحجاج والدّعوى، والطرف والجانب والزاوية،
تلقين الحجة؛ يقال: أخصم صاحبه إذا لقّنه حجّته على خصمه(١).
المخاصمة اصطلاحًا:
اللجاج في الكلام من أجل المعارضة والمعاندة ابتداءً؛ يستوفي به المخاصم مراده من
خصمه، في جو من التشاحن والتباغض ورفض الآخر (٢).
الصلة بين الحوار والتخاصم:
هناك فرق واضح بين المعنيين حيث إن الأول المقصود منه إيجاد حل لمشكلة ما
بالتوافق، أما الثاني فهو يؤدي للتنازع دون إيجاد حلول ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَا
تَخَفٌْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَأَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَأَهْدِنَا إِلَى سَوَاءِالصِّرَطِ﴾ [ص: ٢٢].
قال تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ آَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمٌّ فَأَذِينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّنْ نَارِ يُصَبُّ مِن
فَوْقِ رُءُوسِهِمُ اْحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩].
(١) انظر: تهذيب اللغة، للأزهري ١٥٤/٧ - ١٥٥، مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ١٥٠، لسان العرب، ابن
منظور ١٨٠/١٢-١٨١.
(٢) انظر: فن الحوار، فيصل الحاشدي ص ٢٠.
١٢٨
جوبسيو
القرآن الكريم
الحوار
مقاصد الحوار
القرآن الكريم تناول كثيرًا من الأدلة
والبراهين التي حاور بها وحاج بها خصومه
في صورة واضحة جلية يفهمها العامة
والخاصة، وأبطل كل شبهة فاسدة، فللحوار
في القرآن الكريم مقاصد عدة، منها: إقامة
الحجة على البشر والهداية إلى الحق وحل
الخلافات، وبيان ذلك فيما يأتي:
أولًا: إقامة الحجة:
إنّ من الأساليب التي استخدمها القرآن
الكريم من أجل إقامة الحجّة على العباد،
والدّلالة على وحدانيته سبحانه وتعالى،
وعلى صدق ما جاؤوا به من رسالات،
ويّغوا به دين الله في الأرض، هو الحوار
فالغاية من الحوار إقامة الحجة ودفع الشبهة
والفاسد من القول والرأي، والسير بطرق
الاستدلال الصحيح للوصول إلى الحق.
من أجل ذلك ورد السياق القرآني
الجليل مصدرًا بصيغة الأمر (قل) المشعرة
بأن الداعية ينبغي أن يتخذ من القول المبين
والحجة البالغة منهاجًا وغاية، ونجد فعل
الأمر: (قل) وردت (٣٣٢) مرة في القرآن
الكريم، (١) من تأملها وتدبرها وقف على
منهاج متكامل في صيغ البيان وطرائق الأداء
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد
الباقي، ص٥٧١.
ومسالك إقامة الحجة في إحقاق الحق
ودحض الباطل(٢).
في تقرير التوحيد يقول عز وجل: ﴿ قُلّ
مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَتَّخَذْتُمْ
مِّن دُونِةٍ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْمُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا
ضَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ
تَسْتَوِى الْقُلْمَتُ وَالنُّورُّ أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُركّة
خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ اٌلْخَلْقُ عَتِهِمَّ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ
كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ الْوَحِدُ اَلْقَهَّرُ﴾ [الرعد: ١٦].
وأيضًا في الرد على المشركين قال
سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ
مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُلِاللَّهُ وَإِنَّآ أَوْ
لَِّاكُمْ لَعَلَى هُدَّى أَوْ فِي ضَلَلِ مُّبِينٍ
قُل لَّا تُسْتَلُونَ عَمَّ أَجْرَقْنَا وَلَا
نُشَكَّلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا
رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَشَّاحُ
اَلْعَلِيمُ ، قُلْ أَرُوِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ،
شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[ سبأ: ٢٤ - ٢٧].
وأيضًا في الرد على منكري النبوة قال
تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَعِفُكُمْ بِوَاحِدَةٌ
أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَدَى ثُمَّ
تَنَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُ مِّنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ
إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ )
قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرِ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ
(٢) انظر: وسطية الإسلام ودعوته إلى الحوار،
عبدالرب آل نواب، ص ٣٤.
www. modoee.com
١٢٩
حرف الحاء
إِلَّا عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ﴿ قُلْ إِنَّ
رَبِّ يَقْذِفُ بِلْمِّ عَلَّمُ الْغُيُوبِ ، قُلْ جَآءَ
اْحَقُّ وَمَا يُبْدِىُّ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ ( قُلْ
إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِّ وَإِنِ أَهْتَدَيْتُ
فَبِمَا يُوجِىّ إِلََّ رَبِّتَّ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾
[سبأ: ٤٦ - ٥٠].
القرآن الكريم الحجة على الناس أجمعين
مؤمنهم وكافرهم، وأظهرت قدرة الله عز
وجل وعظيم شأنه جل جلاله.
وإذا نظرنا في المحاورات التي أثبتها الله
في كتابه العزيز، فسنلاحظ صنفین منها:
صنف یبتدئ فیه المتحاورون بالتخاصم
من أول الأمر، کل یرید إثبات دعواه فيما
ذهب إليه، وهذا الصنف نستطيع تسميته
«مناظرة أو جدل)).
ومثال ذلك: عندما حاور سيدنا إبراهيم
عليه السلام النمرود في المناظرة التي أثبتها
الله عز وجل في آياته الكريمة.
ومن الواضح من خلال هذه الآية، أن
النمرود بدأ مخاصمًا لإبراهيم عليه السلام فالتحدي قائم، والأمر ظاهر، ولا سبيل
من أول الأمر، وهذه مناظرة.
قال سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى
حَبَّ إِبَهِمَ فِى رَبَِِّ أَنْ ءَاتَنُهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ
قَالَ إَِهِمُ بََّ الَّذِى يُحْيِ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا
أُحِ، وَأُمِيتٌ قَالَ إِبْرَِّئُمُ فَإِنَّ الَهُ يَأْتِ بِالشَّمْسِ
مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى
كَفَرَ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:
٢٥٨].
فهذا الملك الذي حاج إبراهيم في ربه لم
یکن منکرًا لوجود الله أصلا إنما كان منكرًا
لوحدانيته في الألوهية والربوبية ولتصريفه
للكون وتدبيره لما يجري فيه وحده،
نلاحظ من الآيات السابقة كيف أقام وهذا شأن الكثير من الناس في الجاهلية
يعترفون بوجود الله، ولكنهم يجعلون له
اندادًا ينسبون إليها الأعمال، وسبب هذه
المحاجة لأنه أعطاه جل جلاله الملك فبطر
وتکبر ولم یشکره سبحانه على هذه النعمة،
بل استعملها في غير ما خلقت له فنسب
لنفسه الإحياء والإماتة بطريقة سخيفة غير
منطقية (١).
وكان رد سيدنا إبراهيم عليه السلام
على ذلك الملك في مقام التدليل على
وحدانية الله أنه عز وجل هو المستحق
للعبادة، ربي وحده هو الذي ينشئ الحياة
ويوجدها، ويميت الأرواح ويفقدها حياتها،
ولا يوجد أحد سواه يستطيع أن يفعل ذلك،
إلى سوء الفهم، أو الجدال والمراء، وكان
التسليم أولى والإيمان أجدر، ولكن الكبر
عن الرجوع إلى الحق يمسك بالذي كفر،
فيبهت ويبلس ويتحير، ولا يهديه الله إلى
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٢٩٧
التفسير الوسيط، طنطاوي ١ / ٥٩٣.
مَوَسُو ◌َر النفسي
لِلْقُرْآنِ الكَرِيْمِ
١٣٠
الحوار
الحق؛ لأنه لم يتلمس الهداية، ولم يرغب العبادة، ولكنه نصّب نفسه في أول الأمر
في الحق ولم يلتزم القصد والعدل (١).
صنف ثان يبتدئ فيه الطرفان لا على
أنهما خصمان يختلفان في الاعتقاد
والمذهب، بل هما شریکان فیه، وهذا ما
نستطيع تسميته بالحوار.
حوار آخر في القرآن لإبراهيم عليه
السلام أيضًا وهو يحاور قومه: ﴿وَكَذَلِكَ
نُرِىّ إِنْزَهِيمَ مَلَكُوتَ اُلسَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٦٠) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ أَلَيْلُ
رَءَا كَوَّكَبَاً قَالَ هَذَا رَِّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ
الْآَفِلِينَ ﴿ فَلَمَّا رَهَا الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا
رَبِّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَيْنِ لَّمْ يَهْدِنِ رَنِى لَّأَكُونَنَّ
؟ فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِفَةً
٧٧
مِنَ الْقَوْمِ الضَّآلِينَ {
قَالَ هَذَا رَبِي هَذَا أَكْبَرُّ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ
إِنِّ بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ (٥) إِ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ
لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًاً وَمَّا
أَنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥ - ٧٩].
فسيدنا إبراهيم عليه السلام یحاکي قومه
في اعتقادهم، ولا يعلن مخالفته لهم، ولم
يسفه أحلامهم، فذلك أدعى إلى إنصاتهم
لقوله، وتفهمهم لحجته، ثم لم يلبث أن کرّ
على قولهم ینقضه، ولکن من طرف خفي
ينبئ عن سداد في الرأي ونفاذ للبصيرة (٢).
ولم يكن إبراهيم عليه السلام يعتقد هذه
(١) انظر: منهج القرآن الكريم في إقامة الدليل
والحجة، مجاهد محمود ص١٠٢.
(٢) انظر: قصص القرآن، جاد المولى، ص ١٣٢.
شریگًا لقومه فيها، استدراجًا لهم واستهواء
لقلوبهم، حتى إذا أحس منهم الإصغاء راح
ينقض هذه العبادة شيئًا فشيئًا، وقومه لا
يبدون التخاصم معه، حتى إذا أعلن انصرافه
عن آلهتهم وبراءته من عبادتهم، عندها
حاجوه في ذلك الذي فاجأهم به حيث لا
يتوقعونه، وفي هذه المرحلة بدأت المناظرة.
فيلاحظ هنا أنه بدأ معهم شريكًا في
الاعتقاد، وهو يحاورهم ويحاورونه في
جو من الهدوء حتى إذا أعلن مخالفته لهم
انقلب الحوار إلى مناظرة بينه وبينهم كل
یرید إثبات رأيه (٣).
فلما ستره الليل بظلامه، أبصر كوكبًا
ظاهرًا في السماء فقال عليه السلام مستعظمًا
شأن هذا الكوكب: هذا ربي، مجاراة لقومه
وتأليفًا لقلوبهم، حتى بلغوا بقلوبهم إلى
التأمل في موضع الحجة، فلما غاب هذا
الكوكب وأفل قال: لا أحب اتخاذ الآفلين
أربابًا، لأن الرب الحقيقي، الجدير بالربوبية،
يستحيل عليه التغير والانتقال من حال إلى
حال؛ لأن ذلك من شأن الحوادث فلم
ينتفعوا بهذا الاستدلال (٤).
فانتقل إلى الاستدلال التالي حين أبصر
(٣) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث
١٢٧٥/٣.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧/
٢٦.
www. modoee.com
١٣١
حرف الحاء
إبراهيم القمر قال مستعظمًا شأنه: إنه ربه، الذي استقر في قلبه حقًّا ويقينًا وبين عليه
السلام بالحجة الدامغة على أن لا اله إلا
مجاراةً لقومه أيضًا، فلما أفل وغاب قال
إبراهم: ﴿لَيْن لَّمْ يَهْدِنِ رَبِّ لَأَكُونَنَّ
الله عز وجل، والذي يستحق العبادة الذي
أنشأ السموات والأرض وما فيهما مائلًا
عن الاعتقادات الباطلة، إلى عقيدة التوحيد
المؤيدة بالدلائل(٢).
[الأنعام: ٧٧]، قصد
مِنَ الْقَوْمِ الضَّآلِينَ
به تنبيه قومه للنظر في معرفة الرب الحق
وأنه واحد، وأن الكوكب والقمر كليهما
لا یستحقان ذلك، مع أنه عرّض في کلامه
بأن له ربًّا یھدیه وهم لا ينكرون عليه ذلك؛
لأنهم قائلون بعدة أرباب، وفي هذا تهيئة
لنفوس قومه لما عزم علیه من التصريح بأن
له ربًّا غير الكواكب.
ثم عرَّض بقومه أنهم ضالون وهيأهم
قبل المصارحة للعلم بأنهم ضالون.
وإنما تريث إلى أفول القمر فاستدل
به على انتفاء إلهیته، ولم ینفها عنه بمجرد
رؤيته بازغًا، مع أن أقوله محقق بحسب
المعتاد؛ لأنه أراد أن يقيم الاستدلال على
أساس المشاهدة على ما هو المعروف في
العقول؛ لأن المشاهدة أقوى.
فلما طلعت الشمس قال: ﴿هَذَا رَبٍِ
هذاآڪبرُ﴾، فعلل ربوبية الشمس بكونها
أكبر من الكوكب والقمر، وهي أكثر إضاءة،
فأولى باستحقاق الإلهية(١).
فلما غابت الشمس أعلن براءته مما
كانوا يعبدون من دون الله، وأعلن الإيمان
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٢١/٧-
٣٢٢.
وعن هذا يقول الزمخشري رحمه
الله تعالى: ((فأراد أن ينبههم على الخطأ
في دينهم، وأن يرشدهم إلى طريق النظر
والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح
مؤدّ إلى أن شيئًا منها لا يصح أن يكون
إلهًا، لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها
محدثًا أحدثها، وصانعًا صنعها، ومدبرًا دبر
طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر
أحوالها، هذا ربّي، قول من ينصف خصمه
مع علمه بأنه مبطل، فيحكى قوله كما هو
غير متعصب لمذهبه؛ لأنّ ذلك أدعى إلى
الحق وأنجى من الشغب، ثم يكرّ عليه بعد
حكايته فيبطله بالحجة أنه لا أحب عبادة
الأرباب المتغيرين عن حال إلى حال»(٣).
ومن خلال ما سبق يتضح لنا أن القرآن
الكريم قد أقام الحجة على المشركين بالله
بالحوار بطريق الاستدلال العقلي للوصول
إلى الحقيقة الكامنة بأن لا إله يستحق العبادة
سوى الله جل جلاله.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١١/ ٤٨٠، في
ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ١١٣٩.
(٣) الكشاف ٢/ ٤٠.
١٣٢
جوسين
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
الحوار
ثانيًا: الهداية إلى الحق:
كشف الشبهات والرد على الأباطيل،
لإظهار الحق وإزهاق الباطل هو واحد من
مقاصد الحوار في القرآن الكريم، كما قال
تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ اَلَيَتِ وَلِتَسْتَبِينَ
سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥]، ومن أمثلة
هذه الحوارات الهادية للحق في القرآن
الکریم:
١. حوار الرجل المؤمن مع صاحبه
الكافر.
والحوار في الآيات التالية ينحو نحوًا
إيجابيًّا لإحقاق الحق وإبطال الباطل،
والآيات تقرر أن الطرفين المتحاورين ليسا
عدوّین ابتداءً.
قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ, وَهُوَ تُحَاوِرُهُ
أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَفَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ
سَوََّكَ رَجُلًا ، لَكِنَا هُوَ اللّهُ رَبِ وَلَا أُشْرِكُ
بِرَبِّ أَحَدًا (٥) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّنَكَ قُلْتَ مَا
شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِّ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنْكَ
مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّ أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرً
مِّن جَنَِّكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَآءِ
فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًّا ، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ
تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٧ - ٤١].
وفى هذه الرؤية العاقلة، والحوار البناء
نرى بصيصًا من نور في قلب وفكر يعرف
طریق الحق، فینصح ویبذل الخير لغيره حتى
يهتدى، يصور هذا كله في صورة رجلين:
أحدهما: له جنتان مثمرتان، وقد حوتا
ألوان الثمار، وزخرتا بكل ألوان الجمال
البادي في المياه الجارية، والزروع،
والنخيل، والأعناب، مما كان دافعًا بصاحبها
إلى الغرور، والتباهي على الآخر بكثرة
ما لديه، وأنه لن يفنى أبدًا، وأن حظه في
الآخرة، إن كانت هناك آخرة، سيكون أوفر
ثراء، وأكثر رزقًا، ظلم نفسه بهذا التفكير
الأخرق، وبكفره، وضعف يقينه بالله،
وإعجابه بالحياة الدنيا، ونسيانه للآخرة،
وبذلك عرضها للعقاب يوم القيامة(١).
والثاني: المؤمن الواعظ لأخيه الناصح
له بالحوار الهادئ الزاجر عما هو فيه الآخر
من الكفر الراضي عن الله عز وجل والذي
ادخر ما عنده للآخرة التي هي خير وأبقى (٢).
هذه صورة مؤلمة لمن يخدع بالمظاهر
البراقة التي قد تخدع، وتغري بما لا تحمل
في طياتها من القيم الرفيعة التي يعتز بها
الإنسان، يخدع بمتاع زائل، وجاه عريض،
وسلطان مزيف، ولذائذ رخيصة، وينسى
تلك القيم التي تعلي من شأن الإنسان، وإن
كان فقيرًا مجردًا من المال والسلطان، من
جهاد النفس، والزهد في الحياة، والعلم،
والعمل، والبذل في سبيل الدعوة فالحق
(١) السراج المنير، الشربيني ٢/ ٣٧٥.
(٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٧/ ٣٢.
www. modoee.com
١٣٣
حرف الحاء
بين وإن كان الباطل الخبيث أوفر حظًّا من عن بنى إسرائيل، ويخبراه أن السلام على
الطيب (١).
وصيغة (يحاوره) و(تحاوركما) تقتضي
المشاركة من الطرفين في هذا النقاش
والحوار وأن كلَّا منهما يسمع للآخر دون
مصادرة للرأي أو قصدٍ لمجرد الإفحام،
والملاحظ أن الطرف المؤمن في هذا
الحوار على درجة من الوعي الديني
والثبات والعلم، فكان الهدف من هذا
الحوار أن يرجع الكافر الضال عما هو فيه
من الغي والظلم لنفسه ويعود للحق الذي لا
مراء فيه، وأخيرًا اتضحت هذه الحقائق أمام
عينيه وتكشفت الحقائق، فأصبح يقلب كفيه
على ما أنفق فيها وهى خاوية على عروشها،
ويقول ﴿يَلَيْنَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّ أَحَدًا﴾ [الكهف:
٤٢].
٢. حوار موسى عليه السلام
وفرعون.
﴿قَالَ فَمَنْ رَّبُّكُمَا يَمُوسَى ﴾ قَالَ رَبَّا الَّذِىّ
أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) قَالَ فَمَا بَالُ
الْقُرُونِ الْأُوْلَى ) قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبٍ فِ كِتَبِّلًا
يَضِلُّ رَبِ وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٤٩-٥٢].
أمر الله عز وجل موسى وهارون عليهما
السلام بالتوجه إلى فرعون وإخباره أنهما
رسولان من ربه، وأن يطلبا منه رفع العذاب
(١) انظر: عون الحنان في شرح الأمثال في
القرآن، الطهطاوي ص ٢٦٠.
من اتبع الهدى، والعذاب على من كذب
وتولی فتوجها إلیه وأبلغاه، فبدأ يناقشهما
فيما جاءاه به.
وأول ما بدأ به مناقشته أن قال: إذا كنتما
رسولي ربكما الذي أرسلكما فأخبراني
من ربکما الذي تدعوني إلى الإيمان به یا
موسی.
فكان جواب موسى عليه السلام
لفرعون: ربّنا يعرف بصفاته، ولا يدرك
بذاته، فهو الذي أعطى كل شيءٍ ما خلقه
عليه من المادة والصورة والوظيفة، وأعطاه
ما يحقق به ما خلق له، وهداه إلى تحقيقه(٢).
فلما وضح الحق في جانب موسى عليه
السلام وظهر جليًّا للعيان، خاف فرعون أن
يتأثر الناس بما قاله موسى عليه السلام،
فيكفوا عن القول بألوهيته، والاندماج في
عبوديته، فلهذا وجه إليه سؤالًا يريد أن
يحرجه به، ويظهر ضعفه أمام سامعیه، فقال
له: إن کنت رسولا یا موسی فأخبرنی: ما
حال أهل القرون الماضية، وماذا جرى
عليهم من الحوادث مفصلة؟ فقال موسى
عليه السلام ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَنٍ فِ كِتَبِّ لَا
يَضِلُّ رَبِّ وَلَا يَنسَى﴾ [طه: ٥٢].
فعلم أحوال القرون الماضية يختص به
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/
٢٦٢.
جَوْسُورَةُ النفسية
القرآن الكريم
١٣٤
الحوار
ربِّى الذي أرسلني وما أنا إلا عبد له تعالى، الذين هموا برسولهم ليأخذوه بالعذاب،
فأهلكهم وجعلهم للخلق عبرة، ولمن
بعدهم عظة (٢).
فلا علم لي إلا بما أخبرني من شئون الرسالة،
وقد بلغ من علم الله أنه سبحانه وتعالى لا
يضل ولا يغيب عنه شيء في الوجود، فلا
يفوته علم شيءٍ منه ابتداءً، ولا ینسی معلومًا
دخل دائرة علمه، فقد أحصى وأحاط بكل
شيءٍ علمًا أزلًا وأبدًا (١).
هذا هو ديدن الكفار والظالمين على مر
الزمان، جدال عقیم من أجل إضلال الناس،
وغطوا أعينهم عن الحق وأبوا إلا المشي في
طريق الضلال وكذبوا الرسل بما جاؤوا به
من عند الله، فقال الحق سبحانه وتعالى:
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوُجِ وَالْأَحْزَابُ مِنْ
بَعْدِهِمٌ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهٌ
وَجَدَلُواْ بِاَلْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذُْهُمّ
فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ﴾ [غافر: ٥].
يجادلون في آيات الله جل جلاله
الواضحة البيان، المؤيدة بالبرهان، ويكفرون
بالحق مع وضوحه، فهمت كل أمة برسولهم
ليقتلوه، وخاصموا رسولهم بالباطل ليبطلوا
بجدالهم إياه وخصومتهم له الحق الذي
جاءهم به من عند الله، من الدخول في
طاعته، والإقرار بتوحيده، والبراءة من عبادة
ما سواه.
فما كان عقابهم إلا أن أخذ الله عز وجل
(١) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٦/
١٠٣٠.
ونظير ذلك من قبيل المناظرة التي
تهدف إلى إظهار الحق، وإقامة البرهان على
صحته، وهي الطريقة التي يشتمل عليها جدل
القرآن في هداية الكافرين وإلزام المعاندين،
بخلاف مجادلة أهل الأهواء فإنها منازعة
باطلة، قوله عز وجل: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ
إِلَّا مُبَشِينَ وَمُنذِرِينَ وَتُحَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقِّ وَأَّخَذُوَاْ ءَايَتِ وَمَا
أُنْذِرُ واْهُزُوًا﴾ [الكهف: ٥٦].
فهنا أيضًا يجادل الذين كفروا رسلهم
بالجدال الباطل، ليزيلوا به الحق الذي جاء
به هؤلاء الرسل ويدحضوه ويبطلوه، والله
سبحانه وتعالى متم نوره ولو كره الكافرون،
فإن الباطل مهما طال فإن مصيره إلى
الاضمحلال والزوال (٣).
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
((ويستفاد من الآية أن كل إنسان يجادل من
أجل أن یدحض الحق فإن له نصيبًا من هذه
الآية، يعني: أن فيه نصيبًا من الكفر والعياذ
بالله؛ لأن الكافرين هم الذين يجادلون
بالباطل ليدحضوا به الحق)) (٤).
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/ ٣٥٣.
(٣) انظر: مباحث في علوم القرآن، مناع القطان،
ص ٣١٠.
(٤) تفسير القرآن الكريم، سورة الكهف، ابن
www. modoee.com
١٣٥
حرف الحاء
ثالثًا: حل الخلافات:
الحوار الهادئ مفتاح للقلوب وطريق
إلى النفوس الطيبة وسبيل مضمون لحل
الخلافات.
قال تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِرَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ
أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥].
فالحوار المشتمل على الموعظة الحسنة
التي يستحسنها السامع، وتكون في نفسها
حسنة باعتبار انتفاع السامع بها والتي تساعد
في حل المشكلات، ولكن الداعي قد يحتاج
مع الخصم الألد إلى استعمال المعارضة
والمناقضة ونحو ذلك من الجدل، ولهذا
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ
أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥]، أي: بالطريق التي
هي أحسن طرق المجادلة، وإنما أمر الله
عز وجل بالمجادلة الحسنة لكون الداعي
محقًّا وغرضه صحيحًا، وكان خصمه
مبطلًا وغرضه فاسدًا، والغرض الرئيس من
ذلك الجدال الحسن هو السير قدمًا نحو
الأفضل (١).
فمن ثمرات الحوار تضييق هوة الخلاف،
وتقريب وجهات النظر، وإيجاد حل وسط
يرضي الأطراف في زمن كثر فيه التباغض
عثيمين ص ١٠٠.
(١) انظر: نيل المرام من تفسير آيات الأحكام،
القنوجي، ص ٣٦٣
والتناحر.
ومن ضمن المشكلات التي تحل
بالحوار من أجل تقارب وجهات النظر
ومحاولة إيجاد حلول مرضية المشاكل
الزوجة، ولنا في القرآن الكريم أسوة حسنة
في الحوار الجاد من أجل إنقاذ بيت الزوجية.
فعن عروة، قال: قالت عائشة رضي الله
عنها: (تبارك الذي وسع سمعه كل شيء،
إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى
علي بعضه، وهي تشتکي زوجها إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول: يا
رسول الله، أكل شبابي ونثرت له بطني،
حتی إذا کبرت سني وانقطع له ولدي ظاهر
مني، اللهم إني أشكو إليك، قالت عائشة:
فما برحت حتى نزل جبريل عليه السلام
بهؤلاء الآيات ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ أَلَّتِى تُجَدِلُكَ
فِيِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاْ إِنَّ
اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرُ﴾ [المجادلة: ١]، قال: وزوجها
أوس بن الصامت(٢).
نلاحظ هنا:
((أن المرأة المسلمة وقفت أمام رسول
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الطلاق، باب
الظهار، ١ /٦٦٦، رقم ٢٠٦٣، والحاكم في
المستدرك على الصحيحين، كتاب التفسير،
تفسير سورة المجادلة ٢/ ٥٢٣، رقم ٣٧٩١.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد.
وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٧/ ١٧٥،
رقم ٢٠٨٧.
١٣٦
وَضوري
مَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريم
الحوار
الله صلى الله عليه وسلم تجادله
وتحاوره وتبادله الحجة بالحجة، حتى
إن القرآن يستدل في شأنها، ويستجيب
الحق لندائها، وتكون قضيتها صدر
سورة من كتاب الله خالدة ما بقيت
السماوات والأرض»(١).
بيان لما جبلت عليه المرأة المسلمة
من شريف الخلال، ونبيل الخصال،
وكريم الأخلاق، فهي في هذه القصة:
مؤمنة تقية قوية الإيمان، عظيمة التقوى
لله، تمنع نفسها زوجها حتى تعلم
حكم الله ورسوله، وتلجأ إلى الله
وحده في حرارة ورجاء أمل؛ تسأله أن
ينزل تفريج كربها وحل لمشكلتها على
لسان نبيه صلی الله علیه وسلم(٢).
وهي فقيهة ذكية الفؤاد تقرع الحجة
بالحجة والدليل بالدليل، وتراها وفيّة
لزوجها، أمينة على صحبته، حفيظة
على حقوق عشرته، وتراها مربية فاضلة
تقدر حياة الأسرة قدرها وتحافظ على
كيانها، وتعلم أن الأسرة المبتورة لا
خير فيها (٣).
هذه الصورة للجدال مع رسول الله
صلی الله عليه وسلم تدلّ على حضور
(١) نظرات في كتاب الله، الساعاتي، ص٤٨٥.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/
٣٧.
(٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٥٠٥.
الله سبحانه وتعالى مع الناس، وما
يصيبهم من مشكلات، وتدلّ على
رعايته وتوجيهه لكل حدث في
الأرض، صغير أو كبير، وأن تشعر
جماعة من الناس أن الله ھکذا معها،
حاضر شؤونها، جليلها وصغيرها،
معنيّ بمشكلاتها اليومية، مستجيب
لأزماتها العادية، فالحوار من أمثل
الطرق التي تؤدي إلى حل لهذه
المشاكل بين الناس (٤).
ثم يقرر أصل القضية، وحقيقة الوضع
فيها والحل الجذري لمثل هذه المشاكل،
فالحوار البناء الهادف هو الذي تنتج عنه
الحلول، فكان الحل من رب السموات
والأرض.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنْ نِسَآءِهِمْ ثُّ
يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَّآْسَآَ
ذَلِكُنْ تُوعَظُونَ بِهِهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خِيرٌ
٣
فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَايِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ
يَتَمَانَا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطِعَامُ سِتِّينَ مِسْكِنَّاً
ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهُ
وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٣ -٤].
فهو علاج للقضية من أساسها إن هذا
الظهار قائم على غير أصل، فالزوجة ليست
أما حتى تكون محرمة كالأم، فالأم هي
(٤) انظر: نظرات في كتاب الله، الساعاتي،
ص٤٨٦.
www. modoee.com
١٣٧
حرف الحاء
التي ولدت، ولا يمكن أن تستحيل الزوجة
أما بكلمة تقال، إنها كلمة منكرة ينكرها
الواقع (١).
ونلاحظ أن الخلافات بين الناس قد لا
تحل نهائيًّا ولا تحسم القضية فيها، لكن
الحوار على الأقل قد يزيل بعض ما في
الصدور، حتى تجمع بين المختلفين على
الأقل ليخف شيء من الشحناء إذن قد
تكون غاية الحوار ليست بالضرورة أن تصل
إلى ما تريد في هذه المرحلة، إنما تكون
الغاية إيجاد حل وسط يرضي الأطراف،
فأحيانًا يكون مقصود المحاور التعرف على
وجهات نظر الأطراف الأخرى.
أما وقوع الخلاف بين الناس فقد
أشار الله سبحانه وتعالى إلى أن الخلاف
موجود، كما أن الله جعل الناس مختلفين
في صورهم ومختلفين في أشكالهم؛ قال
جل جلاله: ﴿وَمِنْ ءَيَئِهِ خَلْقُ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ وَأَخْئِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ وَأَلْوَيَكُمَّ إِنَّفِى
ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّلْعَلِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢].
نبه سبحانه وتعالى على خلق السماوات
والأرض واختلاف اللغات والألوان
واختلاف ضروب بني آدم وأنواعهم (٢).
هذا الاختلاف الخلقي يترتب عليه
اختلاف في الرؤى، واختلاف في
(١) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٥/ ٣٨٣.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤/ ٣٣٣.
التصورات، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى
في مقام آخر: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ
أُمَّةَّ وَجِدَةٌ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿ إِلَّا مَنْ
تَّحِمَ رَبُّكَ وَإِذَلِكَ خَلَقَهُمُّ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
[هود: ١١٨ - ١١٩]، فالخلاف موجود، ولا
يمكن أن تنفك الدنيا عن الخلاف، ولو
أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون الناس
جماعة واحدة في دينها وتقواها واتزان
عقولها، بحيث لا يقع من أحد منهم كفر
ولا إفساد، لو أراد الله عز وجل ذلك لوقع،
ولكنه لم ولا يزال الناس مختلفين، بعضهم
على الحق، وبعضهم على الباطل، بعضهم
يستعمل عقله، ويسترشد مما رسمه له
الرسل فیھتدی، وبعضهم لا ينتفع بذلك، بل
يتبع هواه فيضل ويغوى(٣).
ومن أروع نماذج الحوار الهادف لحل
المشكلات في السنة المطهرة حوار عمر
بن الخطاب رضي الله عنه مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فالرسول صلى الله
عليه وسلم كان يربي أصحابه على الحوار
حتى في أحلك الظروف وفي المواقف
التي تستدعي أناة وترويًّا، ومثاله ما كان
يوم الحديبية لما كتب الصلح ورأى بعض
المسلمين فيها إجحافًا، وقع حوار بين
بعضهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم،
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢/ ٦٠٥.
مَشَارَةُ التَّقُ
جوية
القرآن الكريمِ
١٣٨
الحوار
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فأتیت
نبي الله صلی الله علیه وسلم فقلت: ألست
نبي الله حقًّا.
قال: (بلى).
قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على
الباطل.
قال: (بلی).
قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟
قال: (إني رسول الله، ولست أعصيه،
وهو ناصري).
قلت: أَوَ ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي
البیت فنطوف به؟
قال: (بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام).
قال: قلت: لا.
قال: (فإنك آتیه ومطوف به).
قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس
هذا نبي الله حقًّا؟
قال: بلى.
قلت: ألسنا على الحق وعدونا على
الباطل؟
قال: بلى.
قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟
قال: أيها الرجل إنه لرسول الله صلى الله
عليه وسلم، وليس یعصي ربه، وهو ناصره،
فاستمسك بغرزه (١)، فوالله إنه على الحق.
(١) بغرزه: ((أي: أمسكه وأتبع قوله وفعله، كمن
يمسك بركاب راكب ويسير بسيره»، مجمع
بحار الأنوار ٤ / ٢٧.
قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت
ونطوف به؟
قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟
قلت: لا.
قال: فإنك آتیه ومطوف به)(٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشروط،
باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل
الحرب وكتابة الشروط، ٣ / ١٩٦، رقم
٢٧٣١.
www. modoee.com
١٣٩
حرف الحاء
أنواع الحوار في القرآن
لقد استخدم القرآن الكريم أسلوب
الحوار، كأحد أهم الأساليب لإيصال دعوة
التوحيد لكافة المكلفين، فكان منها الحوار
العقدي، والذي يهدف لترسيخ العقيدة
الصحيحة، والحوار الدعوي، والحوار
العتابي، والحوار الإصلاحي، والحوار
العلمي، وفیما یأتي تفصيل ذلك.
أولًا: الحوار العقدي:
إرساء العقيدة الصحيحة هو الأساس
المتين الذي يقوم عليه صرح الإسلام
العظيم؛ لذا فقد اهتم القرآن الكريم في
إرساء تلك القواعد والمفاهيم من خلال
أساليب كثيرة، والتي كان أبرزها أسلوب
الحوار العقدي، والذي كان فيه الأنبياء
وأقوامهم هم طرفي الحوار، وفيما يأتي
بعضًا من تلك النماذج.
١. حوار نوح عليه السلام مع قومه.
أخبرنا الله عز وجل أنه بعث نوحًا
رسولًا إلى قومه، حيث قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا
نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ
إِلَاءٍ غَيْرُهُ، إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
[الأعراف: ٥٩].
ونرى بأن حواره صيغ بصياغة واضحة
بألفاظ دقيقة ومحددة الدلالات؛ لأن
الكلمات الفضفاضة والتعابير المطاطة تلقى
بالناس في متاهات لا صلة لها بالواقع.
قال تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ
قَوْمِهِ، مَا نَرَنِكَ إِلَّا بَشَرًّا مِثْلَنَا وَمَا نَرَئِكَ
أَتََّكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَافِلْنَا بَادِىَ الرَّأَعِ
وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَّ نَظُنُّكُمْ
كَذِبِينَ ، قَالَ يَقَّوْرِ أَرَءَيْتُ إِن كُنتُ عَلَى بَيْنَهِ
مِّن رَِّّ وَءَانَنِى رَحْمَةً مِّنْ عِنِدِهِ، فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ
أَنْزِ مُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَرِهُونَ ﴿ وَيَقَوْمِ لَآ
أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَا لَّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَآ أَنَا
بِطَارِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُم مُكَقُواْ رَبِّهِمْ وَلَكِنِّى
أَرَنَّكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود:٢٧ - ٢٩].
فلما دعا سيدنا نوح عليه السلام قومه
إلى عبادة الله كان ردّهم: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، مَا نَزَنِكَ إِلَّا بَشَرًّا مِثْلَنَا وَمَا
نَرَئِكَ أَتَبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلْنَا بَادِىَ
اَلَِّ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلِ بَلْ نَطُّكُمْ
كَذِينَ﴾ [هود: ٢٧]، قال الطبري: قال
الكبراء من قوم نوح وأشرافهم الذين كفروا
بالله وجحدوا نبوة نبيهم نوح عليه السلام:
ما نراك يا نوح إلا بشرا مثلنا، يعنون بذلك أنه
آدمي مثلهم في الخلق والصّورة والجنس،
کأنهم كانوا منکرین أن یکون الله يرسل من
البشر رسولاً إلى خلقه (١).
بعد أن سمعهم سيدنا نوح عليه السلام
وتأمل في أدلتهم وما اشتملت عليه من
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ٢٩٥.
١٤٠
جَوَسُو
القرآن الكريمِ
الحوار
شبهات، رد عليهم بأسلوب رقيق وجذاب الصحيحة، وكانت حواراته كلها مفعمة
بأدب الحوار، وتبيين ذلك فيما يلي:
بأدلة تفّد مزاعمهم: ﴿قَالَ يَقَوْرِ أَرَءَيْتُ إِن
كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَِّّ وَءَانَنِى رَحْمَةٌ مِّنْ عِنْدِهِ،
فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنْلِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَمَا كَرِهُونَ (١)
وَيَقَوْمِ لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَا لَّ إِنْ أَجْرِىَ إِلََّ عَلَى
اللّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُم مُلَقُّواْرَيْهِمْ
وَلَكِنِّى أَرَنِّكُمْ قَوْمًا تَّجْهَلُونَ﴾ [هود:٢٨ -
٢٩](١) .
قال المراغي: بعد أن ذكر مقالتهم
وطعنهم في نوح عليه السلام بتلك الشبه
السالفة، قفى على ذلك بدحض نوح لها،
ورد شبهات أخرى قد تكون صدرت منهم
ولم يحكها، لعلها من الرد عليها، وربما لم
یقولوها وإن کان کلامهم يستلزمها، وهذا
من خواصّ أسلوب الکتاب الکریم، وسرّ
من أسرار بلاغته(٢).
فلقد ردّ نوح علی کل شبهة على حده،
وحاول أن يرجعهم إلى الموضوع الرئيسي
وهو عبادة الله.
٢. حوار إبراهيم عليه السلام مع
قومه.
حاور إبراهيم عليه السلام أبيه وقومه
وعلى رأسهم الطاغية النمرود حوارات
متعددة، وذلك لإرساء قواعد العقيدة
(١) انظر: دراسة عن أسلوب الحوار في القرآن
الكريم، إسحاق رحماني على موقع النور
للدراسات الحضارية والفكرية.
(٢) انظر: تفسير المراغي ١٢/ ٢٦.
أولًا: في كلامه الموجّه إلى رب
العالمين والذي يظهر في قوله تعالى:
﴿وَلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِ وَيَسْفِينٍ (٦) وَإِذَا مَرِضْتُ
فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩ - ٨٠]، أسند
المرض إلى نفسه تأدبًا في كلامه الموجّه
إلى الله، وأسند الشفاء إلى الله، وإلا
فالممرض والشافي هو الله تعالى بإجماع
أهل الدين (٣).
ثانيًا: في حواره مع أبيه آزر حينما قال
له: ﴿قَالَ أَرَاغِبُّ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَإِبْرَهِيمٌ
لَيِن لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا﴾
[مريم: ٤٦]، تهديد من الأب بالرجم والهجر
الطويل، فما كان من نوح إلا أن قال: ﴿قَالَ
سَلَمُ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّّ إِنَّهُ كَانَ بِ
حَفِيًّا ﴾ [مريم :٤٧]، إنه أدب الحوار، ورد
نية الإساءة بالإحسان، قال الرازي: ((واعلم
أن إبراهيم عليه السلام رتب هذا الكلام في
غاية الحسن؛ لأنه نبه أولًا على ما يدل على
المنع من عبادة الأوثان، ثم أمره باتباعه في
النظر والاستدلال وترك التقليد، ثم نبه على
أن طاعة الشيطان غير جائزة في العقول،
ثم ختم الكلام بالوعيد الزاجر عن الإقدام
على ما لا ينبغي، ثم إنه عليه السلام أورد
هذا الكلام الحسن مقرونًا باللطف والرفق،
(٣) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٤ / ٥٣.
www. modoee.com
١٤١
حرف الحاء
فإن قوله في مقدمة كل كلام: ﴿يَأَبَتِ﴾
دليل على شدة الحب والرغبة في صونه
عن العقاب وإرشاده إلى الصواب، وختم
الكلام بقوله: ﴿إِنَّ أَخَافُ ﴾ وذلك يدل على
شدة تعلق قلبه بمصالحه))(١).
ثالثًا: حتى في حواره مع الملائكة مع
جهله بحقيقتهم في بداية الأمر فقد ظنهم
ضيوفًا، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
جَاءَتْ رُسُلُّنَا إِنَزَهِيَمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلَمًّاً
قَالَ سَلَّمَّ فَمَا لَِّثَ أَنْ جَّمَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
[هود: ٦٩].
يبيّن أدب المعاملة وكرم الضيافة حتى
مع الأغراب فقد قالوا له سلامًا، فرد عليهم
بقوله: سلامٌ، أي: علیکم، قال علماء البيان:
هذا أحسن مما حیّوه به؛ لأن الرفع يدل على
الثبوت والدوام(٢).
رابعًا: في حواره مع أبنائه عندما وصّاهم
بالتمسك بالدين في قوله تعالى: ﴿وَوَضَى
◌ِهَآ إِنَّهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَنَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى
لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾
[البقرة: ١٣٢].
ويظهر ما في لهجته مع أبنائه من تحبب
وتقرب يدلان على أدب رفيع في الحوار مع
الآخرين، متلازمًا مع غرز عقيدة الإسلام
الصحيحة؛ والتي تمثلت بالتمسك بالإسلام
(١) انظر: مفاتيح الغيب ٢١/ ٥٤٥.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن کثیر ٤/ ٣٣٢.
الذي هو الشق العقدي من رسالة الأنبياء
جميعًا، وقضية الموت عليه؛ فقوله:
تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: إيجاز بليغ،
وذلك أنّ المقصود من أمرهم بالإسلام
الدوام عليه، فأتى بلفظ موجزٍ يقتضي
المقصود، ويتضمّن وعظًا وتذكيرًا بالموت،
وذلك أن المرء يتحقّق أنه يموت، ولا يدري
متى، فإذا أمر بأمر لا يأتيه الموت إلاّ وهو
علیه، فقد توجّه من وقت الأمر دائمًا لازمًا.
خامسًا: في حواره مع الكفار والنمرود
الذي ادّعى الألوهية وهو واحد منهم؛
ويتضح ذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِى حَاجَّ إِبَهِمَ فِى رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنُ اللَّهُ الْمُلْكَ
إِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ بََِّ الَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا
أُحِىء وَأُمِيتٌُ قَالَ إِبْرَمِعُمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ ◌ِالشَّمْسِ
مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ
الَّذِى كَفَرَّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
[البقرة: ٢٥٨].
وفي هذا الحوار أيضًا تناول قضية
الربوبية والتي تمثلت في قضية الإحياء
والإماتة، وقضية التحكم بالشمس التي جزء
من الكون الفسيح؛ قال السمعاني: ((كانت
تلك المحاجة في الربوبية من نظر الملك
وطغيانه)»(٣).
وبعد هذا، فليس غريبًا أن يقول الله
سبحانه وتعالى في سيدنا إبراهيم عليه
(٣) تفسير القرآن، السمعاني ١ / ٢٦١.
١٤٢
جوسين
القرآن الكريم