النص المفهرس

صفحات 21-40

الخشوع
یزین ذكره بالخشوع له سبحانه یتفکر في
الذكر بفكره، ويعيشه بقلبه، كل الذكر،
فحینما یذکر إذا استيقظ من نومه «الحمد لله
الذي أحیانا بعد ما أماتنا وإليه النشور» یتفکر
في الحمد وفي قدرة الله عليه في الإماتة
والإحياء، وإذا سبح يعيش التسبيح بفكره
وقلبه، وإذا هلل يفكر في وحدانية الله وأنه
المستحق للعبادة وحده، وأنه الرزاق وحده،
وإذا أقدم على فعل شيء تفكر وأيقن أن الله
هو النافع الضار، وهو بيده مقاليد الأمور.
فذكره سبحانه يمنح النفس خشوعًا
وخضوعًا، وتسلیمًا لله عز وجل.
فلا يأبه بما يدور حوله، ولا تشغله الدنيا
ولا مفاتنها؛ لأنه مشغول بما هو باقٍ فلا يأبه
بالفاني، وهكذا كأنه يعيش وسط الجماعة
بجسدہ لکنه قلبًا وفکرًا مع ربه عز وجل
ثالثًا: الخشوع عند مواقف القيامة:
وثالث المواطن التي يتأكد فيها الخشوع:
الخشوع في يوم القيامة، وحقيقة يحوز هذا
الموطن أكبر قدر من آيات الخشوع.
فقد ورد هذا في آيات عدة، منها ما
يتحدث عن خشوع الأصوات بوجه عام يوم
القيامة، ومنها ما يتحدث عن خشوع الكفار
بسبب ذل العذاب الذي يلحقهم يوم القيامة،
وكذلك ما يتحدث عن خشوع أبصار الكفار
وهكذا المؤمن كلما ذكر ربه عليه أن حين خروجهم من القبور خشيةً ورعبًا مما
سيلاقونه، أو خشوع تلك الأبصار جراء
مذلتهم وعذابهم، وآخر هذه الآيات الآية
التي تتحدث عن خشوع الوجوه بسبب
فزعها يوم القيامة، ولا عجب أن يطلق على
هذا كله خشوع الكفار، وبدهي أن هذا اللون
سيكون فقط في يوم القيامة.
فالآية الأولى التي تتحدث عن خشوع
الأصوات وردت في سورة طه وتحديدًا في
قوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِىَّ لَا عِوَجَ
لَهُّ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلََّّ هَمْسًا
(١٠)﴾ [طه: ١٠٨].
أي: يوم يرون هذه الأحوال والأهوال
يستجيبون مسارعين إلى الداعي حيثما أمروا
بادروا إليه، ولو كان هذا في الدنيا لكان أنفع
لهم ولكن حيث لا ينفعهم(١).
﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلَّحْمَنِ﴾ أي:
خضعت لهیبته، وقيل: ذلت، وقيل: سكتت.
﴿ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ الهمس: الصّوت
الخفيّ. قال أكثر المفسّرين: هو صوت نقل
الأقدام إلى المحشر(٢).
والآية الثانية تتحدث عن خشوع الكفار
بسبب ذل العذاب الذي يلحقهم يوم القيامة
تقول: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُهُ مِن وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهٌِ
وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْ الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٦/٥.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٤٥٧/٣.
www. modoee.com
٣٧٥

حرف الخاء
وَتَّرَئُهُمْ يُعْرَضُونَ
٤٤
إِلَى مَرٍَّ مِّن سَبِيلٍ
عَلَيْهَا خَشِمِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ
خَفِيٍ﴾ [الشورى: ٤٤-٤٥].
يبرز الشوكاني الخشوع في هذا الموطن
فيقول: ﴿وَتَرَىَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: المشركين
المكذّبين بالبعث ﴿لَمَّا رَأَوْ اَلْعَذَابَ﴾ أي:
حين نظروا النّار، وقيل: نظروا ما أعدّه اللّه
لهم عند الموت ﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَوٍّ مِّن
سَبِيلٍ﴾ أي: هل إلى الرّجعة إلى الدّنيا من
طريقٍ ﴿وَقَرَنَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَشِعِينَ
مِنَ الذِّلِّ﴾ أي: ساكنين متواضعين عند أن
يعرضوا على النّار لما لحقهم من الذّ
والهوان(١).
والمراد بالخشوع في هذه الآية: ما يبدو
عليهم من أثر المذلة والمخافة،
للتعليل، أي: خاشعين خشوعًا ناشئًا عن
الذل، أي: ليس خشوعهم لتعظيم الله
والاعتراف له بالعبودية؛ لأن ذلك الاعتقاد
لم يكن من شأنهم في الدنيا(٢).
والآية الثالثة تتحدث عن خشوع أبصار
الكفار حين خروجهم من القبور خشية
ورعبًا مما سيلاقونه، وهي قوله تعالى:
أْخُشَّعًا أَبْصَرُهْ يَخْرُجُونَ مِنَ اْأَجْدَاثِ كَهُمْ جَرَادٌ
•[القمر: ٧].
مُنْتَشِرٌ
وقد ذكر ابن عاشور حينما فسر هذه
(١) المصدر السابق ٤/ ٦٢٣.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٦/٢٥.
الآية أنه قد عدّ سبعة من مظاهر الأهوال
التي تؤثر فيهم، وتكون سببًا في ذلهم يوم
القيامة، وعد منها خشوع أبصارهم فقال:
﴿خُشَّعًا أَبْصَرُمْ﴾ أي: ذليلة ينظرون من
طرف خفي لا تثبت أحداقهم في وجوه
الناس، وهي نظرة الخائف المفتضح، وهو
كناية لأن ذلة الذليل وعزة العزيز تظهران في
عيونهما(٣).
والآية الرابعة تتحدث أيضًا عن خشوع
أبصار الكفار من أثر ذل العذاب يوم القيامة
قوله تعالى: ﴿خَاشِعَةٌ أَبْصَرُ تَرْهَقُهُمْ زِلَّةٌ وَقَدْ كَانُواْ
يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِوَهُمْ سَلِّمُونَ ﴾ [القلم: ٤٣].
﴿وَمَقُهُمْ ◌ِلَّةٌ﴾ أي: في الدار الآخرة
بإجرامهم وتكبرهم في الدنيا، فعوقبوا
بنقيض ما كانوا عليه، ولما دعوا إلى
السجود في الدنيا فامتنعوا منه مع صحتهم
وسلامتهم، عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في
الآخرة (٤).
والآية الخامسة في هذا المضمار كذلك
﴿ يَوْمَخْرُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاءَ كَهُمْ إِلَى
قوله تعالى:
خَشِعَةً أَبْصَرُهُمْ تَرْهَمُهُمْ زِلَّةٌ ذَلِكَ
٤٣
نُصُبٍ يُوفِضُونَ
الْيَوْمُالَّذِى كَانُو أُعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٣ -٤٤].
يؤكد ابن كثير ما ذكره في آية القلم هنا
في آية المعارج فيقول: ﴿خَشْعَةَ أَبْصَرُهُمْ﴾
أي: خاضعة ﴿تَرْهَتُهُمْ زِلَّةٌ﴾ أي: في مقابلة ما
(٣) المصدر السابق ٢٧ / ١٧٧.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٨/٨.
٣٧٦
مَوَسُولَةُ التَّقِي
القرآن الكريمِ

الخشوع
استكبروا في الدنيا عن الطاعة ﴿ذَلِكَ الْمُالَّذِى
كَانُو أَيُعَدُونَ﴾(١).
والآية السادسة قوله تعالى:
﴿قُلُوبُ
أَبْصَرُّهَا خَشِعَةٌ ﴾
يَوْمَيِذٍ وَاجِفَةُ
[النازعات: ٨-٩].
( ررر
﴿وُجُوهٌ
والآية السابعة قوله تعالى:
يَؤْمَيِذٍ خَشِمَةُ عَامِلَةٌ فَصِيبَةٌ لْ تَصْلَ نَارًا
حَامِيَةٌ ٤ ﴾ [الغاشية: ١ - ٤].
فـ﴿ خَشِمَةُ ) عَامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ أخبار ثلاثة
عن ﴿وُجُوهٌ﴾، والمعنى: أناس خاشعون
الخ، فالوجوه کنایة عن أصحابها، إذ يكنی
بالوجه عن الذات ... وأوثرت الوجوه
بالكناية عن أصحابها؛ لأن حالة الوجوه
تنبىء عن حالة أصحابها، إذ الوجه عنوان
عما يجده صاحبه من نعيم أو شقوة(٢).
وتتلخص مواطن الخشوع كما وردت
في القرآن الكريم في ثلاثة مواطن، أولها:
الخشوع في الصلاة الذي هو لبها، وله
من الأهمية ما ذكرنا، ويحصله من اشتغل
بالصلاة عما عداها، وآثرها على غيرها في
الأداء وفي الاهتمام، وثانيها: الخشوع عند
ذكر الله عز وجل الذي يجعل للذكر روحًا
تسري وتبعث الیقین في الذاکر، وتحثه على
إتقان العبادة والعمل، وتزيده ثقة في ربه
عز وجل، وثالثها: الخشوع عند أهوال يوم
(١) المصدر السابق ٢٢٨/٨.
(٢) التحرير والتنوير ٢٩٥/٣٠.
القيامة، ومنه خشوع الأصوات الذي يعم
كل الخلائق، ويظهر في سكونها وسكوتها،
ومنه خشوع الوجوه والأبصار، الذي يظهر
في ملامحها وانكسارها، وهو اللون الذي
يخص الكفار، وكأن الله عز وجل في
كتابه الكريم يحثنا بشدة على الخشوع في
الصلاة، وعند ذكره سبحانه وتعالى، لأنه
بذلك يحذرنا من خشوع المذلة في الآخرة،
فمن يهتم بالخشوع في الصلاة وعند الذكر
يجنب خشوع الذل في الآخرة.
www. modoee.com
٣٧٧

حرف الخاء
خشوع الجوارح
إذا كان من معاني الخشوع في
الاصطلاح: خشية في القلب من الله تعالى
تظهر آثارها على الجوارح، فتجعلها ساكنة
مستشعرة أنها بين يدي الله سبحانه(١).
فالخشوع مركزه القلب، أو منشؤه
القلب، أما ظهور آثاره فيكون على
الجوارح، فالجوارح هي التي يظهر عليها
ترجمة ما في القلب، والقرآن الكريم تحدث
في غير آية عن خشوع تلك الجوارح، أو
الأثر الظاهري للخشوع على الجوارح،
فمن الآيات ما تحدث عن خشوع القلوب،
ومنها ما تحدث عن خشوع الوجوه، ومنها
ما تحدث عن خشوع الأبصار، ومنها ما
تحدث عن خشوع الأصوات، ونستوضح
ذلك بشيء من التفصيل في النقاط الآتية:
أولًا: خشوع القلوب:
الخشوع من أهم العبادات وأصعبها؛
لأنه يحتاج لتركيز كبير، وكلمة ((الخشوع»
تدل على أقصى درجات التأمل مع التفكير
العميق، والقلوب هي مراكز الخشوع، وهي
منشؤه والسبب في حدوثه، والقلوب وإن
كانت غير ظاهرة وبالتالي غير ظاهر عليها
شيء، لكنها هي مركز التحكم في جميع
الجوارح، وفي القرآن الكريم والسنة النبوية
(١) الوسيط، طنطاوي ١٠/ ١٢.
كثير من الآيات والأحاديث الصحيحة التي
تؤكد ذلك، والتي منها حديث رسول الله
صلی الله عليه وسلم.
وفي سورة الأنبياء قوله تعالى:
﴿وَذَكَرِيَّا إِذْ نَادَىْ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْفِ
فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ ﴿ فَاسْتَجَبْنَا
لَهُ، وَوَهَبْنَا لَهُ, يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ.
زَوْجَهُمَّ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِىِ
الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبَّا وَرَهَبَّ وَكَانُواْ لَنَا
خَشِعِينَ ﴾ [الأنبياء: ٨٩-٩٠].
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًّاً وَرَهَبَا﴾ قال الثوري:
رغبًا فيما عندنا ورهبًا مما عندنا.
ثمّ وصفهم اللّه سبحانه بأنّهم كانوا
يدعونه رغبا ورهباً، أي: يتضرّعون إليه في
حال الرّخاء وحال الشّدّة، وقيل: الرّغبة:
رفع بطون الأكفّ إلى السّماء، والرهبة
رفع ظهورها.(٢) ومما لا شك فيه أن الرغبة
والرهبة تكونان في القلب.
﴿وَكَانُوْ لَنَا خَاشِعِينَ﴾ الخشوع هو
الخوف اللازم للقلب لا يفارقه أبدًا(٣).
قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ
[المؤمنون: ١- ٢].
وابن کثیر یورد في آية سورة المؤمنون
أن خشوع المؤمنين في صلاتهم مكمنه
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٥٠٢.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧٠/٥.
٣٧٨
جَوَسُوع
القرآن الكريم

الخشوع
خشوع قلوبهم، وينقل من كلام المفسرين
من التابعين ما يدل على ذلك فيقول: وعن
علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الخشوع
خشوع القلب، وكذا قال إبراهيم النخعي.
وقال الحسن البصري: كان خشوعهم في
قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم وخفضوا
الجناح(١).
ووفي خشوع القلوب یبین الله عز وجل
ما يجب أن يكون عليه القلب من خشوع
أَمّ
في سورة الحديد في قوله تعالى:
يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْأَنْ تَّخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِوَمَا
نَزَلَ مِنَ الَّْ وَلَا يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن
قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ
فَسِقُونَ (١)﴾ [الحديد: ١٦].
قال ابن كثير: يقول تعالى: أما آن
للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي:
تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن
فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه(٢).
والخشوع محله القلب وتظهر آثاره
على الجوارح، كما قال ابن القيم: وأجمع
العارفون على أن الخشوع محله القلب
وثمرته على الجوارح وهي تظهره(٣).
وقال ابن رجب: وأصل الخشوع هو
لين القلب ورقته، وسکونه، وخضوعه،
وانكساره، وحرقته، فإذا خشع القلب تبعه
(١) المصدر السابق ٤٥٩/٥.
(٢) المصدر السابق ١٩/٨.
(٣) مدارج السالكين ١/ ٥٢١.
خشوع جميع الجوارح، والأعضاء؛ لأنها
تابعة له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح
الجسد کلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه،
ألا وهي القلب)(٤).
فإذا خشع القلب خشع السمع، والبصر،
والرأس، والوجه، وسائر الأعضاء، وما
ينشأ منها حتى الكلام؛ ولهذا كان النبي
صلی الله عليه وسلم يقول في ركوعه في
الصلاة: (اللّهمّ لك ركعت، وبك آمنت،
ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري،
ومخّي، وعظمي، وعصبي) (٥).
إذن فليس الخشوع بتنكيس الرأس أو
الرقبة، لأنه حينما رأى عمر بن الخطاب
رضي الله عنه رجلاً مطأطئًا رقبته في
الصلاة قال: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك
ليس الخشوع في الرقاب، إنما الخشوع في
القلوب (٦).
وقال سفيان الثّوريّ: سألت الأعمش
عن الخشوع فقال: يا ثوريّ أنت تريد أن
تكون إمامًا للناس ولا تعرف الخشوع؟
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب فضل من استبرأ لدينه، رقم ٥٢، ومسلم
في صحيحه، كتاب المساقاة والمزارعة، رقم
١٥٩٩.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة
المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة
اللیل وقيامه، رقم ٧٧١.
(٦) الكبائر، الذهبي ص ٥٣.
www. modoee.com
٣٧٩

حرف الخاء
ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن الخشوع: هو خشوع القلب، وهو انكساره
وتطأطئ الرأس، لكنّ الخشوع أن ترى
لله، وخضوعه وسكونه عن التفاته إلى غير
من هو بین یدیه، فإذا خشع القلب خشعت
الجوارح كلها تبعًا لخشوعه (٥).
الشّريف والدّنيء في الحقّ سواءً، وتخشع
للّه في كلّ فرضٍ افترض عليك(١).
ومما يؤكد ذلك أن سعيد بن المسيب
رضي الله عنه رأى رجلا يعبث في صلاته
بلحية، فقال: ((لو خشع قلب هذا لخشعت
جوارحە»(٢).
خشوع النفاق: إِیاکم و خشوع النفاق، فقيل
له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن تری الجسد
خاشعًا، والقلب ليس بخاشع(٣).
فمحل الخشوع القلب الذي هو محل
نظر المولى جل وعلا وما الجوارح إلا تبع
له فيهتم به، ومن هذا نعلم أن الخشوع من
أهم أعمال القلوب، كالخوف والرهبة،
ومن العلماء من جعله من أفعال الجوارح
كالسكون وترك الالتفات والعبث (٤).
والصواب أنه من أعمال القلوب، وما
يظهر على الجوارح من السكون وترك
العبث إنما هو من آثاره.
لذلك یقول ابن رجب رحمه الله: فاصل
(١) فتح القدير ١ / ٩٣.
(٢) أخرجه عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه، ٢/
٢٦٦، رقم ٣٣٠٨، وابن أبي شيبة في مصنفه،
٢/ ٨٦، رقم ٦٧٨٧.
(٣) مدارج السالكين ١/ ٥٢١.
(٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٦٧٨.
ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم
يقول في ركوعه: (خشع لك سمعي،
وبصري، ومخي، وعظامي)(٦).
ومما يدل على أنه من عمل القلوب ما
وهذا حذيفة رضي الله عنه يحذر من ورد من حديث على بن أبي طالب رضي
الله عنه: ((الخشوع في القلب، وأن تلين
كتفك للمرء المسلم، وأن لا تلتفت في
صلاتك))(٧).
أثر الخشوع في القلب:
أظهرت دراسة جديدة نشرتها مجلة
جمعية القلب الأمريكية أن التأمل لفترات
طويلة ومنتظمة يقي القلب من الاحتشاء
أو الاضطراب. ويعمل التأمل على علاج
ضغط الدم العالي وبالتالي تخفيف الإجهاد
عن القلب. كما أظهرت هذه الدراسة أن
للقلب عملًا مهمًّا وليس مجرد مضخة،
وتؤكد الدراسات أهمية التأمل والخشوع
في استقرار عمل القلب، ويقول الأطباء
(٥) فتح الباري، ابن رجب ٥/ ١٧٩.
(٦) سبق تخريجه قريبًا.
(٧) أخرجه الحاكم في المستدرك، ٤٢٦/٢،
رقم ٣٤٨٢.
قال الحاکم: هذا حديث صحيح الإسناد.
ولم يتعقبه الذهبي.
٣٨٠
القرآن الكريم

الخشوع
اليوم إن أمراض القلب هي السبب الأول خشوع سحرة فرعون، الذين دخلوا في
الإسلام في لحظات معدودات من اقتناع
للموت في العالم، وسبب هذه الأمراض هو
وجود اضطراب في نظام عمل القلب، ومن
هنا ندرك أهمية الخشوع في استقرار وتنظيم
أداء القلب.
عقلهم بما رأوه من معجزة على يد نبي الله
موسى عليه السلام، ومن هذا القبيل خشوع
من يدخلون في الإسلام في العصر الحديث
بسبب ما يشاهدونه من الإعجاز العلمي في
القرآن والسنة.
إن الدراسات تثبت اليوم أن التأمل يعالج
الاكتئاب والقلق والإحباط، وهي أمراض
العصر التي تنتشر بكثافة اليوم. ليس هذا
فحسب، بل وجدوا أن التأمل المنتظم يعطي
للإنسان ثقة أکثر بالنفس ویجعله أکثر صبرًا
وتحملًا لمشاكل وهموم الحياة(١).
ألوان أخرى للخشوع:
الخشوع الذي نحن بصدد الحديث
عنه هو الخشوع القلبي والبدني، وربما
كان هناك ألوانٌ أخرى من الخشوع، منها:
الخشوع العقلي الجانب المعرفي.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
اَلْعُلَمَوُاْ﴾ [فاطر: ٢٨].
والعلماء هم الّذين علموه بصفاته
وتوحيده وما يجوز عليه وما يجب له وما
یستحیل علیه، فعظّموه وقدّروه حقّ قدره،
وخشوه حقّ خشیته، ومن ازداد به علمًا ازداد
منه خوفًا، ومن کان علمه به أقلّ كان آمن(٢).
وربما دخل في الخشوع العقلي أيضًا
(١) طاقة الخشوع، عبد الدايم الكحيل، في موقع
الكحيل للإعجاز العلمي.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، ٣١/٩.
والخشوع النفسي، وهو إذعان النفس
لقبول الحق، قال تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ
ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِ أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ
﴾ [النساء: ٦٥].
٦٥
وَيُسَلِّمُواْ نَسْلِيمًا
قال أبو حيان: وفيما شجر بينهم عامٌّ في
كلّ أمرٍ وقع بينهم فيه نزاعٌ وتجاذبٌ. ومعنى
﴿يُحَكْمُوكَ﴾: يجعلوك حكمًا، وفي
الكلام حذفٌ، التّقدير: فتقضي بينهم. ﴿ثُمَّ
لَا يَجِدُواْ فِيَّ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ أي: ضيقًا من حكمك.
والمعنی: لا یخطر بیالهم ما یآثمون به من
عدم الرّضا، وقيل: همَّا وحزنًا، ﴿وَيُسَلِّمُواْ﴾
أي: ينقادوا ويذعنوا لقضائك، لا يعارضون
فيه بشيءٍ، قاله: ابن عبّاسٍ والجمهور. وقيل:
معناه: ويسلّموا ما تنازعوا فيه لحكمك(٣).
وأخيرًا كيف يأطر المسلم قلبه على
الخشوع؟
المسلم الذي یرید أن يسير في ركاب
(٣) المصدر السابق ٦٩٥/٣.
www. modoee.com
٣٨١

حرف الخاء
الخاشعين عليه أن يكبح جماح نفسه لِلْأَذْقَانِ يَبَكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا !
[الإسراء: ١٠٧- ١٠٩].
وشهوات قلبه، ويكثر من الذكر والخلوة
والتواضع لله، والتفكر في عظمته
ومخلوقاته، ويتفكر في نفسه وضعفها
واحتياجها إلى خالقها ومدبر أمرها، ويكثر
من التفكر في حكم مجريات الأحداث،
والتفكر في الأذكار التي يذكر ربه بها في
الصباح وفي المساء، وعند الخروج من
الدار، وعند الركوب وعند الطعام والشراب
والنوم ... إلخ، كذلك يتلو آيات القرآن بتدبر
وتفكر، واستشعار عظمة قائله، ويروض
نفسه علی ذلك کله شيئًا فشيئًا.
ثانيًا: خشوع الوجوه:
يأتي في المرتبة التالية من خشوع القلوب
خشوع الوجوه، فالوجه أشرف الأعضاء
الظاهرة للإنسان، ولذلك جعل السجود
من أشرف العبادات لله عز وجل وفي سورة
الإسراء يمتدح الله سبحانه الصالحين من
أهل الكتاب؛ لأنهم يخرون سجدًا لربهم،
تعظيمًا له سبحانه، واعترافًا بنعمه علیھم،
وييكون من شدة تأثر القلب، بل ويزدادون
خشوعًا بالقرآن والسجود والبكاء.
يقول الله تعالى: ﴿قُلْ ءَامِنُواْ بِهِ= أَوْلًا
تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ
يَخِرُونَ لِلْأَذْقَنِ سُجَّدًا (١٦) وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ
وَيَخِرُونَ
رَيْنَآَ إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا ()
قال ابن كثير: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ مِن
قَبْلِهِ﴾﴾ أي: من صالحي أهل الكتاب الذين
تمسكوا بكتابهم ويقيمونه ولم يبدلوه
ولا حرفوه ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ هذا القرآن
﴿يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ جمع ذقن وهو أسفل
الوجه ﴿سُجَّدًا﴾ أي: لله عز وجل شكرًا
على ما أنعم به عليهم من جعله إياهم أهلًا
أن أدركوا هذا الرسول الذي أنزل عليه
هذا الكتاب، ولهذا يقولون ﴿سُبْحَنَ رَيِّنَاَ﴾
أي: تعظيمًا وتوقيرًا على قدرته التامة، وأنه
لا يخلف الميعاد الذي وعدهم على ألسنة
الأنبياء المتقدمين عن بعثة محمد صلى الله
عليه وسلم، ولهذا قالوا ﴿إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا
لَمَفْعُولًا﴾.
﴿وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ
وقوله:
أي: خضوعًا لله عز وجل، وإيمانًا وتصديقًا
بكتابه ورسوله ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ أي:
إيمانًا وتسليمًا(١).
وفرق بين خشوع هذه الوجوه وخشوع
وجوه الكفار والمنافقين في الآخرة، فخشوع
صالحي أهل الكتاب کان باختيارهم، ناشئًا
عن تعظيمهم لربهم في الدنيا، ولذلك
استحقوا أن يمدحهم الله تبارك وتعالى
بسببه، أما خشوع المنافقين والكفار
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٢٨/٥.
٣٨٢
ـةُ النَّسَيَّة
جَوَسُور
القرآن الكريمِ

الخشوع
فسيكونون مجبرين عليه في الآخرة، وهو [المؤمنون: ١-٢].
بسبب امتناعهم عن تعظيمهم لربهم في
الدنیا، ولذلك ذمهم الله عز وجل به.
﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ خَاشِعَةُ
قال تعالى:
عَامِلَةٌ فَصِبَةٌ تَصْلَ نَارًا حَامِيَةً (ن)﴾
٢
[الغاشية: ١- ٤].
قال ابن كثير: وقوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَيدٍ
خَشِمَةٌ﴾ أي: دليلة، قاله قتادة، وقال ابن
عباس: تخشع ولا ينفعها عملها(١).
ثالثًا: خشوع الأبصار:
إذا كان أساس الخشوع في القلب، ثم
تتبعه في ذلك جوارح الإنسان فإن الأبصار
من الجوارح التي تتأثر تأثرًا مباشرًا بما في
القلوب، وقد ورد خشوع الأبصار في القرآن
في أكثر من آية، من هذه الآيات آية واحدة
فقط، تتحدث عن خشوع المؤمنين في
صلاتهم بوجه عام في الدنيا، أما بقية الآيات
التي تتحدث عن خشوع الأبصار فحديثها
عن خشوع أبصار الكفار في الآخرة،
فالأولى آية سورة المؤمنون، وهي وإن كان
ظاهرها مدح للخاشعين في صلاتهم بوجه
عام إلا أن أبرز ما يظهر في خشوع المصلي
خشوع بصره.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ
(١) المصدر السابق ٣٨٤/٨.
یورد ابن كثير حينما يفسر هذه الآية قول
محمد بن سيرين: كان أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم، إلى
السماء في الصلاة، فلما نزلت هذه الاية
خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم.
قال محمد بن سيرين: وكانوا يقولون: لا
يجاوز بصره مصلاه، فإن كان قد اعتاد النظر
فلیغمض (٢).
والمعنى: قد فاز وظفر بالمطلوب،
أولئك المؤمنون الصادقون، الذين من
صفاتهم أنهم في صلاتهم خاشعون، بحيث
لا يشغلهم شيء وهم في الصلاة عن مناجاة
ربهم.
ومن مظاهر الخشوع: أن ينظر المصلى
وهو قائم إلى موضع سجوده، وأن يتحلى
بالسكون والطمأنينة، وأن يترك كل ما يخل
بخشوعها كالعبث بالثياب أو بشيء من
جسده(٣).
وشتان بين خشوع يمتدح أهله و خشوع
يذم أهله، فالأول خشوع المؤمنين في
صلاتهم، وهو من الأفعال التي تجلب
لهم الفلاح، والثاني خشوع الكفار عند
خروجهم من قبورهم، وهذا دليل مذلة لهم،
وآيته التي تتحدث عن خشوع أبصار الكفار
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٥٩/٥.
(٣) الوسيط، طنطاوي ١٠/ ١٢.
www. modoee.com
٣٨٣

حرف الخاء
حين خروجهم من القبور خشيةً ورعبًا مما خشوع الأبصار.
سيلاقونه، وهي قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَ عَنْهُمُ
يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ ذُكُرٍ آ خُنَّعًا
أَبْصَرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَنَّهُمْ جَادٌ مُنْتَشْرٌ
◌ُّهْطِعِينَ إِلَى النََّخِ يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُ عَيْرٌ
٧
[القمر: ٦-٨].
٨
والآية الثالثة من الآيات التي تتحدث عن
خشوع الأبصار قوله تعالى: ﴿خَشِعَةٌ أَنْصَزُهُم
تَرْهَقُهُمْ فِلَّةٌ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَلِمُونَ
[القلم : ٤٣].
﴿خَشِمَةً أَبْصَئُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ◌ِلٌَّ﴾ أي: في الدار
الآخرة بإجرامهم وتكبرهم في الدنيا،
فعوقبوا بنقیض ما کانوا علیه(١).
والآية الرابعة في هذا المضمار كذلك
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَعْدَاثِ سِرَامًا كَأْنَهُمْ
إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٢) خَشِعَةً أَبْصَرُ هُمْ تَرْهَمُهُمْ زِلَّةٌ ذَلِكَ
﴾ [المعارج: ٤٣- ٤٤].
الْيَوْمُ الَِّ كَنُواْمُ عَدُونَ ()
والآية الخامسة قوله تعالى: ﴿قُلُوبٌ
أَبْصَرُهَا خَشِمَةٌ ﴾
يُؤْمَيِذٍ وَاجِعَةُ (٥)
[النازعات: ٨-٩].
وبقليل من التأمل في هذه الآيات السابقة
ندرك أن جميع الآيات التي وردت في
خشوع الأبصار تتحدث عن خشوع أبصار
الكفار من أثر ذل العذاب يوم القيامة، هذا
فيما عدا الآية الأولى آية سورة المؤمنون
إذا اعتبرناها ضمن الآيات التي تتحدث عن
وهذا يجعلنا نروض أبصارنا على
الخشوع، فلا نطلق لها العنان تنظر إلى
ما يحلو لها، هنا وهناك دونما رقيب أو
حساب، وإنما نعودها على النظر إلى
الحلال، ونستعملها في طاعة الله، وأن
يكون نظرنا عبرًا.
رابعًا: خشوع الأصوات:
صحيح أن الأصوات ليست من
الجوارح؛ لكنها تصدر عن جارحة من
الجوارح وهي اللسان، فكأن المقصود
-والله أعلم- خشوع الجارحة التي تصدر
الأصوات، ولولا أن الله سبب تلك الجارحة
ما كان سيصدر هذا الصوت، إذن فحينما
نتحدث عن خشوع الأصوات فمقصدنا
خشوع الجوارح التي تصدر الأصوات
فتسكن تلك الجوارح، أو سكون الأصوات
وسکوتها.
يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَِّذٍ يَشَبِعُونَ الدَّاعِىَ
لَ عِوَجَ لَهٌ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ
إِلَّا هَمْسَا ١٠٨)﴾ [طه: ١٠٨].
يقول السيد طنطاوي: وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ
اُلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ أى:
وخفتت وسكنت الأصوات كلها هيبة
وخوفًا من الرحمن عز وجل فلا تسمع
-أيها المخاطب- في هذا اليوم الهائل
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٨/٨.
٣٨٤
القرآن الكريمِ

الخشوع
الشدید إلّا همسًا، أي: إلا صوتًا خفيًّا خافتًا.
يقال: همس الكلام يهمسه همسًا، إذا أخفاه،
ويقال للأسد: الهموس، لخفاء وطئه(١).
وخشوع الأصوات في الآخرة یکون من
المخلوقات قاطبة، فحینها لا فرق بین إنس
وجن، ولا فرق بين مؤمن وكافر، سكتت
وسكنت جميع الأصوات هيبة وخوفًا من
الله عز وجل.
والعاقل الكيس الذي يمسك بزمام لسانه
الذي تصدر عنه الأصوات في الدنيا، فلا
يطلقه إلا في الخير، وما يرضي ربه تبارك
وتعالى ، فمن يفعل ذلك يأطر لسانه على
الخشوع في الدنيا طواعية قبل الخشوع في
الآخرة قسرًا، فيعود لسانه على الخشوع
وصوته على السكون، وسیکون ذلك له إن
شاء الله في الميزان.
(١) الوسيط ٩/ ١٥٣.
خشوع الكائنات
الخشوع والتذلل لله تعالى ليس مقصورًا
على الإنسان وأعضائه، وإنما يعم جميع
مخلوقات الله عز وجل فالكل مخلوق لله،
إذن فالكل عبيد له سبحانه متذلل له، لكن
کل مخلوق له خشوعه الذي يليق به، والذي
يتناسب معه، وربما خشع بعض المخلوقات
خشوعًا لا يعلمه الإنسان.
قال تعالى: ﴿وَإِنِ مِن شَىْءٍ إِلَّا يُسَمْحُ مِدِهِم
وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
ومن الآيات التي وردت في موضوع
الخشوع: ما يخص خشوع الكائنات، فقد
ورد من الآيات ما يتحدث عن خشوع
الأرض، ومنها ما يتحدث عن خشوع
الجبال، فحري بالبحث أن يتعرض لتلك
الآيات ويفرد لكل منها إطلالة خاصة، كما
أنه حري بالبحث أن ينظر في ورود هذه
الكائنات في القرآن الکریم، فكان من اللائق
أن يتعرض البحث للإعجاز العلمي ونحن
في عصر العلم في خشوع الكائنات.
أولًا: خشوع الأرض:
عن خشوع الأرض ككائن من الكائنات
ورد قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ= أَنَّكَ تَرَى
اُلْأَرْضَ خَشِعَةٌ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتَّ
إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْقَ إِنَّهُ,عَلَىكُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ
[فصلت: ٣٩].
٣٩
www. modoee.com
٣٨٥

حرف الخاء
﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ﴾ أي: الدالة على قدرته القرآن على جبل حملته إياه لتصدع وخشع
من ثقله ومن خشية الله، فأمر الله الناس
إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية
الشديدة والتخشع (٢).
على إعادة الموتى ﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةٌ﴾
أي: هامدة لا نبات فيها بل هي ميتة ﴿فَإِذَا
أَنْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءُ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي: أخرجت
من جميع ألوان الزروع والثمار(١).
ثانيًا: خشوع الجبال:
قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَنَا هَذَا الْقُرْءَانَ
عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ، خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ
اللَّهُّ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الحشر: ٢١].
فحري بنا بني الإنسان أن نتعظ بهذه
الآيات، ونتدبر القرآن ونخشع له امتثالًا
لأمر الله عز وجل نعظم القرآن ونأخذ
أوامره ونواهیه علی سبیل الجد، حتی یؤثر
فينا ويغير مجرى حياتنا إلى ماهو أفضل
وأمثل.
يقول تعالى معظمًا لأمر القرآن ومبينًا
علو قدره، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب
وتتصدع عند سماعه، لما فيه من الوعد
الحق والوعيد الأكيد: ﴿لَوْ أَنْزَنَا هَذَا الْقُرْءَانَ
عَلَى جَبَلٍ لََّأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ
اللَّهِ﴾.
أي: فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته
لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه لخشع
وتصدع من خوف الله عز وجل، فکیف یلیق
بكم يا أيها البشر أن لا تلين قلوبكم وتخشع
وتتصدع من خشية الله، وقد فهمتم عن
الله أمره وتدبرتم كتابه، ولهذا قال تعالى:
﴿وَتِلْكَ اْأَمْثَلُ نَضْرِبُّهَا لِلنَّاسِ﴾
ثم ينقل قول العوفي عن ابن عباس في
هذه الآية فيقول: أي: لو أني أنزلت هذا
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ١٨٣.
جَوَسُولَةُ النفسية
القرآن الكريمِ
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٨/٨.
٣٨٦

الخشوع
صفات الخاشعين
أولًا: اليقين بلقاء الله:
الیقین له أهمية کبری في حياة المسلم،
فهو الذي يدفعه إلى الاستقامة في كل
أموره، وهو الذي يهون عليه مشقات الحياة
والابتلاءات التي تتوارد عليه، وهو الذي
يجعله يثق بالله عز وجل، وهو الذي يعلي
درجات الإيمان بالغيب، وهو الذي يجعل
نفسه تتوق إلى الجنة فتسارع للعمل لها،
وتحذر من النار فتتجنب ما يقرب منها.
قال ابن القيم: لا يتم صلاح العبد في
الدارين إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع
عنه عقوبات الآخرة، والعافية تدفع عنه
أمراض الدنيا من قلبه وبدنه، واليقين من
الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه
تفاضل العارفون، وفيه تنافس المتنافسون،
وإليه شمر العاملون، وهو مع المحبة ركنان
للإيمان (١).
وقال صاحب الظلال: والذي يجد راحة
الیقین في قلبه يجد في الآيات مصداق یقینه،
ويجد فيها طمأنينة ضميره، فالآيات لا تنشئ
اليقين، إنما اليقين هو الذي يدرك دلالتها
ويطمئن إلى حقيقتها، ويهيئ القلوب للتلقي
الواصل الصحيح (٢).
(١) مدارج السالكين ٢/ ٣٩٧.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٨١.
ويأتي هذا الوصف للخاشعين، وهو
يقينهم بلقاء ربهم ويقينهم بالرجوع إليه
واضح وصريح في القرآن الكريم.
ففي سورة البقرة يقول الله تعالى:
﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلََّ
عَلَى الْخَشِينَ * الَّذِينَ يَقُنُّونَ أَنَهُم مُّلَقُواْ رَيِّهِمْ
وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ ﴾ [البقرة: ٤٥- ٤٦].
والمتأمل في هذا الكلام يدرك أن يقين
هؤلاء بلقاء ربهم وخوفهم من الوقوف
بین یدي ربهم تبارك وتعالی کان سببًا في
خشوعهم وتذللهم وانكسارهم له سبحانه
في الدنيا؛ لأنهم آمنوا بالبعث وأيقنوا
بالرجوع إليه عز وجل للحساب.
يقول السيد طنطاوي: ثم وصف سبحانه
الخاشعين وصفًا يناسب المقام، ويظهر
وجه الاستعانة، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ
◌َهُم مَُّقُواْ رَبِّهِمْ وَهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾.
(الظن) يرد في أكثر الكلام بمعنى
الاعتقاد الراجح، وهو ما يتجاوز مرتبة
الشك، وقد يقوى حتى يصل إلى مرتبة
اليقين والقطع، وهو المراد هنا.
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَا يَظُرُّ
أُوْلَئِكَ أَنَّهُمْ تَّبْعُوُونَ لِيَوْمٍ عَظِيم ◌ُ
[المطففين: ٤ -٥] أي: ألا يعتقد أولئك أنهم
مبعوثون ليوم عظيم.
وقوله تعالى: ﴿إِنّ ◌َنَنْتُ أَنِّ مُلَقٍ حِسَايَةٌ
﴾ [الحاقة: ٢٠] أي: علمت أني ملاقٍ
www. modoee.com
٣٨٧

حرف الخاء
هذا ما نتعرف عليه في السطور التالية إن
حسابيه، وملاقاة الخاشعين لربهم معناها
الحشر إليه بعد الموت، ومجازاتهم على ما شاء الله:
قدموا من عمل(١).
قال ابن جرير -مرجحًا أن المراد بالظن
هنا العلم واليقين -: إن قال لنا قائل: وكيف
أخبر الله تعالی عمن قد وصفه بالخشوع له
بالطاعة أنه يظن أنه ملاقيه، والظن شك،
والشاك في لقاء الله كافر؟
قيل له: إن العرب قد تسمى اليقين
ظنًّا: والشك ظنًّا نظير تسميتهم الظلمة
سدفة. والضياء سدفة، والمغيث صارخا،
والمستغيث صارخا، وما أشبه ذلك من
الأسماء التي يسمى بها الشيء وضده(٢).
ثانيًا: المسارعة في الخيرات:
الخاشعون الذين يخافون ربهم،
ويخضعون له ويتذللون بين يديه في
طاعتهم له، الذين من صفاتهم أنهم يوقنون
بلقاء ربهم، وأنهم لا بد واقفون بين يديه
للحساب، لذا فهم يسارعون في التقرب إلى
الله بالطاعات، يرجون رحمته ويطمعون في
نعيمه ويخافون عذابه، وقد تفهم المسارعة
في الخيرات، وخوف العذاب.
لكن الرجاء ربما يلتبس على البعض،
فأي رجاء هو؟ وهل له أصل في كتاب ربنا
تبارك وتعالى؟ وما صلة ذلك بموضوعنا؟
ورد في القرآن الكريم أكثر من آية تبین
أن الخاشعين من صفاتهم أنهم يرجون
نعیم الله عز وجل ويخافون عذابه، فحينما
يتذللون يدعون ربهم خوفًا وطمعًا، رغبًا
ورهبًا.
قال تعالى: ﴿وَذَكَرِيََّ إِذْ نَادَى رَبَّهُ.
رَبِّ لَا تَذَرْفِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ، وَوَهَبْنَا لَهُ, يَحْبَى
وَأَصْلَحْنَا لَهُ: زَوْجَهُمَّ إِنَّهُمْ كَانُواْ
يُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا
وَرَهَبَا وَكَانُواْ لَنَا خَشِعِينَ ﴾
[الأنبياء ٨٩ - ٩٠].
وقد ذكر ابن كثير أقوال المفسرين
الأوائل فيها مما يوضح أن الخشوع هنا
سببه الخوف والرجاء في آن واحد فيقول:
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ
أي: في عمل القربات وفعل الطاعات
﴿وَ يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ قال الثوري:
رغبًا فيما عندنا ورهبًا مما عندنا ﴿وَكَانُواْ
◌َنَا خَشِعِينَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن
ابن عباس، أي: مصدقين بما أنزل الله، ...
وقال أبو العالية: خائفین. وقال أبو سنان:
الخشوع هو الخوف اللازم للقلب لا يفارقه
أبدًا، وقريبًا منه مانقله عن الحسن وقتادة
والضحاك: ﴿خَشِعِينَ﴾ أي: متذللين لله
(١) الوسيط ١/ ١١٣.
(٢) جامع البيان ١/ ٢٦٢.
٣٨٨
صَوْنُور
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الخشوع
عز وجل (١).
إذن فمن يخشع لربه عز وجل في الدنيا
يخشع وهو متلبس بالخوف من عذاب ربه،
طامعًا في رحمته وجنته، فمن صفاته أنه في
حله وترحاله على حالة من الحالتين الخوف
أو الرجاء.
وينبغي للعبد المسلم أن يجمع بين
الخوف من الله عز وجل والرجاء في رحمته
ونعيمه، وأن يكونا عند المسلم على درجة
واحدة، فلا يغلب أحدهما على الآخر،
قال أبو علي الروزباري: الخوف والرجاء
كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم
طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص
وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت (٢).
والجمع بین الخوف والرجاء کما ذکرنا
آنفًا من صفات الخاشعین، وقد ورد في
القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تجمع
بينهما، أو ما يبعث على أن يكون الإنسان
بين الخوف والرجاء، فقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ
خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦].
قال القرطبي: ﴿وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أمر
بأن يكون الإنسان في حالة ترقب وتخوف
وتأميل لله عز وجل حتى يكون الرجاء
والخوف للإنسان كالجناحين للطائر،
يحملانه في طريق استقامته، وإن انفرد
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧٠/٥.
(٢) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ٢/ ٣٦.
أحدهما هلك الإنسان(٣).
﴿ نَبِئْ عِبَادِىّ أَنَّ أَنَا
وقال تعالى:
اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ
الأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩-٥٠].
قال الشوكاني: ثم إنه سبحانه لما أمر
رسوله بأن يخبر عباده بهذه البشارة العظيمة
أمره بأن یذکر لهم شيئا مما يتضمن التخويف
والتحذير حتى يجتمع الرجاء والخوف
ويتقابل التبشير والتحذير ليكونوا راجين
خائفين فقال: ﴿ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ
الأَلِيمُ﴾، أي: الكثير الإيلام، وعندما جمع
الله لعباده بين هذين الأمرين من التبشير
والتحذير صاروا في حالة وسطًا بين اليأس
والرجاء، وخير الأمور أوساطها، وهي القيام
على قدمي الرجاء والخوف وبين حالتي
الأنس والهيبة. وقال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّتْبِ
وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِى الَّوْلِ لَآ إِلَهَ إِلَّا
هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ [غافر: ٣](٤).
ويبين الله لنا في هذه الآية الكريمة أنه
مع مغفرته للذنوب لمن تاب ورجع إليه،
فإنه شدید العقاب لمن تكبر وطغى.
قال ابن كثير: وقوله عز وجل: ﴿غَافِرِ
الذَّنْبِ وَقَائِلِ التَّوَّبِ﴾ أي: يغفر ما سلف من
الذنب، ويقبل التوبة في المستقبل لمن
تاب إليه وخضع لديه، وقوله جل وعلا:
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٧/ ٢٠٣.
(٤) فتح القدير ٣/ ١٩٢.
www. modoee.com
٣٨٩

حرف الخاء
﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ أي: لمن تمرد وطغى
وآثر الحياة الدنيا وعتا عن أوامر الله تعالى
مَعْ عِبَادِىّ أَنِى أَنَا
وبغى، وهذه كقوله:
اٌلْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ
الألیمُ ۵﴾ یقرن هذین الوصفین کثیرًا في
مواضع متعددة من القرآن ليبقى العبد بين
الرجاء والخوف(١).
وقال ابن عاشور: وتقديم: ﴿غَافِرٍ﴾،
على: قابل التوب، مع أنه مرتب عليه في
الحصول؛ للاهتمام بتعجیل الإعلام به لمن
استعد لتدارك أمره فوصف: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ
وَقَابِلِ التَّوْبٍ﴾، تعريض بالترغيب وصفتا:
﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِى الطَّوْلِ﴾، تعريض
بالترهيب، والتوب: مصدر تاب والتوب
بالمثناة والثوب بالمثلثة والأوب كلها
بمعنى الرجوع، أي: الرجوع إلى أمر الله
وامتثاله بعد الابتعاد عنه(٢).
ويضم ربنا تبارك وتعالى الخاشعين
والخاشعات مع المسلمين والمؤمنين
والقانتين والصابرين والمتصدقين
والصائمين والحافظين فروجهم والذاكرين
له كثيرًا، ويؤكد لنا أن هؤلاء جميعًا أعد
لهم مسبقًا مغفرة وأجرًا عظيمًا فقال: ﴿إنّ
الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ
وَاَلْمُؤْمِنَتِ وَالْقَئِنِينَ وَالْقَلِنَتِ وَالصَّدِقِينَ
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤ / ٩٠.
(٢) التحرير والتنوير، ٢٤/ ٨٠.
وَالصَّدِقَتِ وَالصَّبِينَ وَالصَّبِرَتِ وَالْخَشِعِينَ
وَالْخَشِعَتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَتِ
وَالصََِّّمِينَ وَالصَّنَّبِمَتِ وَاَلْحَفِظِينَ
فُرُوجَهُمْ وَالْحَفِظَتِ وَالذَّكِرِينَ اللّهَ
كَثِيرًا وَالذُّكِرَتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا
عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٣٥].
الخشوع: السكون والطمأنينة، والتؤدة
والوقار، والتواضع، والحامل عليه الخوف
من الله تعالى ومراقبته، كما في الحديث
(أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه
يراك) (٣)
ثالثًا: الاستعانة بالصبر والصلاة:
من صفات الخاشعين لله عز وجل
استعانتهم بالصبر والصلاة بعد استعانتهم
بالله، فالصبر يجعلهم يتحملون المشقات
في فعل الطاعات، والمكاره في البعد
عن السيئات، والصلاة تصلهم بخالقهم،
فيتحركون ويسكنون مستشعرين مراقبة
ربهم لهم.
وبَيَّنَ القرآن الكريم في سورة البقرة أن
الاستعانة بالصبر والصلاة شاقة ثقيلة إلا
على الخاشعين، فالخاشعون من أوصافهم
أنهم يستعينون بالصبر والصلاة.
قال تعالى: ﴿وَأَسْتَعِنُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ
وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلََّ عَلَى الْخَشِمِينَ ﴾ [البقرة: ٤٥].
٣٩٠
صَوَسُورَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
(٣) سبق تخريجه.

الخشوع
والضمير في قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكِيرَةُ﴾
عائد إلى الصلاة، أي: مشقة ثقيلة إلا على
الخاشعين. قال ابن أبي طلحة عن ابن
عباس: يعني: المصدقين بما أنزل الله.
حقّا. وقال أبو
وقال مجاهد: المؤمنين
العالية: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَشِينَ﴾ الخائفين. وقال
الضحاك: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ قال: إنها لثقيلة
إلا على الخاضعين لطاعته الخائفين سطوته
المصدقين بوعده ووعيده(١).
والمراد بالخاشع هنا: الذي ذلل نفسه
و کسر سورتها، وعودها أن تطمئن إلى أمر
الله، وتطلب حسن العواقب، وأن لا تغتر
بما تزينه الشهوة الحاضرة.
فهذا الذي كانت تلك صفته قد استعدت
نفسه لقبول الخير. وكأن المراد بالخاشعين
هنا: الخائفون الناظرون في العواقب فتخف
عليهم الاستعانة بالصبر والصلاة مع ما في
الصبر من القمع للنفس وما في الصلاة من
التزام أوقات معينة وطهارة في أوقات قد
یکون للعبد فيها اشتغال بما یھوی أو بما
يحصّل منه مالًا أو لذة(٢).
والخشوع يجعل الإنسان يستحضر
عظمة الله، ويعرف ضآلة قيمته أمام الحق
سبحانه ومدى عجزه أمام خالق هذا الكون.
ويعلم أن کل ما عنده یمکن أن يذهب به الله
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٣/١.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١/ ٤٨٠.
تعالى في لحظة، ذلك أننا نعيش في عالم
الأغيار. ولذلك فنخضع للذي لا يتغير(٣).
قال السيد طنطاوي: واستعينوا على ترك
ما تحبون من شهوات الدنيا، والدخول فيما
تستثقله نفوسكم من قبول الإسلام، والتقيد
بتكاليفه بفضيلة الصبر التي تحجز أنفسكم
من غشيان الموبقات، ويفريضة الصلاة التي
تنهاكم عن الفحشاء والمنكر (٤).
والظاهر أن الآية وإن كانت خطابًا في
سياق إنذار بني إسرائيل، فإنهم لم يقصدوا
على سبيل التخصيص، وإنما هي عامة لهم
ولغیرهم، والله أعلم(٥).
قال الشعراوي: فإن المسألة ليست
بخصوصية الموضوع ولكن بعموم السبب،
فإنها موجهة للجميع، فكل مؤمن يدخل
منهج الإيمان محتاج إلى الاستعانة بالصبر
ليحمل نفسه على مشقة المنهج وتکالیفه،
وليمنع نفسه عن الشهوات التي حرمها الله
سبحانه وتعالى(٦).
ومما يؤيد عمومية الخطاب في الآية
السابقة؛ خطابه للمؤمنين جميعًا في قوله
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَعِينُواْ
تعالی:
بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ
[البقرة: ١٥٣].
(٣) تفسير الشعراوي ١/ ٨٥.
(٤) الوسيط ١١٣/١.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١/ ٢٥٣.
(٦) تفسير الشعراوي ١/ ٨٤.
www. modoee.com
٣٩١

حرف الخاء
فمن يدقق النظر في الأمر الأول في
الآية يجد أن أصل التدين والإيمان راجع
إلى الصبر؛ لأن فيه مخالفة النفس هواها
ومألوفها في التصديق بما هو غيب عما
یشاهده ویحسه، وفيه طاعة خالق لا تدركه
الأبصار وهو يدرك الأبصار؛ فإذا صار
الصبر خلقًا وسجية للمسلم هانت عليه
الصعاب والمشقات؛ لأنه خاضع للحق،
قابل له بسعة صدر.
والأمر الثاني في الآية هو الاستعانة
بالصلاة، وهذا الطلب يعلمنا فيه ربنا تبارك
وتعالى كيفية الشكر له على نعمه وآلائه،
يعلمنا فيه كذلك الطريق الميسرة للخضوع
الحقيقي لأوامره ونواهيه.
وفي الاستعانة بالصلاة أيضًا تعويد
النفس على الصبر من أكثر من جهة:
ففيها أولًا مخالفة الحال التي اعتادها
المسلم، وفيها ثانيًا تجلية الأحزان وكشف
الكربات؛ وفي الحديث عنه صلى الله
عليه وسلم أنه (كان إذا حزبه أمر فزع إلى
الصلاة)(١).
وفي الصلاة أكبر عون، بعد الله على
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٣٠/٣٨، رقم
٢٣٢٩٩، وأبو داود في سننه، أبواب قيام
الليل، باب وقت قيام النبي صلى الله عليه
وسلم من الليل، ٣٥/٢، رقم ١٣١٩.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٨٥٨/٢،
رقم ٤٧٠٣.
الثبات في الأمر، والعزيمة في الرشد. فأمرنا
الله سبحانه إذا نزلت بنا بعض النوازل أن
تفزع إلى الصبر والصلاة، إذ بهما العون
والثبات وتفريج الهموم والراحة القلبية
والنفسية.
وإذا كان المراد بالكبيرة هنا الصعبة التي
تشق على النفوس؛ وإطلاق ((الكبر)» على
الأمر الصعب والشاق أمر معهود في كلام
العرب؛ لأن المشقة من لوازم الأمر الكبير،
وقوله تعالى: ﴿إِلَّ عَلَى الْخَشِينَ﴾ الخاشع هنا
هو من ذلل نفسه وضبط شهوتها بضوابط
الشرع الحنيف، فتصبح النفس حينئذ
مطاوعة لأمر الله، راغبة في أمره وراهبة من
نھیه.
إذن فالقرآن الكريم يؤكد على الدور
الكبير للخشوع في المحافظة على الصلاة،
لأن کثیرًا من المسلمین لا يلتزمون بالصلاة
على الرغم من محاولاتهم المتكررة إلا أنهم
يفشلون في المحافظة عليها لأنهم فقدوا
الخشوع، ولذلك يقول تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ
بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِمِينَ
[البقرة: ٤٥].
وهكذا يتبين الدور الكبير للخشوع في
الصلاة، ولذلك ربط القرآن بين الصلاة
والخشوع، والعجيب أن القرآن في هذه
الآية ربط بين الصبر والخشوع، وقد وجد
العلماء بالفعل أن التأمل يزيد من قدرة
٣٩٢
جوبيه
الْقُرْآن الكَرِيمِ

الخشوع
الإنسان على التحمل والصبر ومواجهة
الظروف الصعبة!(١).
فخلاصة المقصود: أن الاستعانة بالصبر
والصلاة ليس بالأمر اليسير على نفس كل
إنسان، بل هو خاص بنفس المسلم الذي
يعود نفسه الخشوع والخضوع لطاعة ربه،
ويعودها الصدق بوعده، والخوف من
وعیده، ويجد ويجتهد للعمل بذلك.
وصفات الخاشعين كما أوردها القرآن
الكريم تتلخص في يقينهم بلقاء ربهم تبارك
وتعالى واجتهادهم بتذلل أنفسهم في طاعته
ومرضاته خوفًا ورهبة منه، كذلك يعرفون
برجائهم لما عند ربهم من نعيم في الآخرة
ويدركون يقينًا أنهم إن خشعوا لربهم وتفانوا
في طاعته لن يحرمهم هذا النعيم بفضله
ومنه، فيتفانوا في التذلل له سبحانه عسى
أن يتقبلهم ویمن علیهم، وهذا كله لديهم
یترجم إلى عمل؛ فیستعینون بالله عز وجل
ثم بصبرهم على التفاني في الطاعة، وتجنب
المعصية، وكذلك بالصلاة التي تصلهم
بخالقهم، خاشعين متذللين أيضًا في أدائها.
فمن يريد أن يكون من جملة هؤلاء فعليه
أن يتحلى بصفاتهم هذه، وأن يجتهد في
تشبهه بهم ويجاهد نفسه في كل أحواله.
(١) طاقة الخشوع، عبد الدايم الكحيل، في موقع
الكحيل للإعجاز العلمي.
آثار الخشوع وثواب الخاشعين
الخشوع له أثر كبير في حياة المسلم إذا
إنه يعوده الاستسلام لله تعالى بالتوحيد،
والانقياد له بالطاعة والخلوص له من
الشرك.
فالخاشع حينما يخشع لا يعبد إلا الله
تعالى وحده لا شريك له، ولا يرجو سواه
ولا يخاف إلا منه، ولا يخضع إلا له، لأنه
يدرك من خلال خشوعه أنه لا نافع إلا هو
عز وجل، ولا ضار إلا هو وحده، فلا يتعلق
بولي کائنا من كان، لیجلب له نفعًا أو يدفع
عنه ضرًّا فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى
وحده.
ولو لم يكن للخشوع أثر إلا الانكسار لله
والتذلل بين يدي الله، لکفی بذلك فضلًا،
وذلك لأن الله عز وجل إنما خلقنا للعبادة
﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَاَلْإِنسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ
[الذاريات: ٥٦].
وأفضل عبادة تلك التي تزين بالذل
والانكسار للمعبود سبحانه ولا يتحقق ذلك
إلا بالخشوع، ولم لا؟ وقد امتدح الله عز
وجل الخاشعين في آيات كثيرة.
قال تعالى: ﴿وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَتَكُونَ
وَيَزِيدُ هُمْ خُشُوعًا (٦)﴾ [الإسراء: ١٠٩].
وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى
اْخَشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
www. modoee.com
٣٩٣

حرف الخاء
وجعل سبحانه وتعالى الخشوع من صفة
أهل الفلاح من المؤمنين فقال: ﴿قَدْأَفَلَحَ
اَلْمُؤْمِنُونَ ) الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ
٢
[المؤمنون: ١- ٢].
وقال ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبَا وَرَهَبٌَّ وَكَانُواْ
◌َا خَشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ولما كان الخشوع صفه يمتدح الله بها
عباده المؤمنين، دل على فضله ومكانته
عندالله، ودل على حب الله لأهل الخشوع
والخضوع؛ لأن الله سبحانه لا یمدح أحدًا
بشيء إلا وهو يحبه، ويحب من يتعبده به.
وآثار الخشوع كثيرة، نسلط الضوء على
أبرزها فيما يلي:
١. الخشوع يوصل إلى الفوز
والفلاح.
فأهل الخشوع هم أهل الفلاح والفوز في
الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ ))
[المؤمنون: ١- ٢].
فالخشوع في الصلاة من أسباب فلاح
أهل الإيمان، الذين هم في صلاتهم إذا قاموا
فيها خاشعون، وخشوعهم فيها تذللهم لله
فيها بطاعته وقيامهم فيها بما أمرهم بالقيام
به(١).
والسؤال: هل الخشوع هو الذي يجعل
(١) جامع البيان، الطبري ٩ / ١٩٦.
فَضْو
٣٩٤
جَوُورُ
القرآن الكريمِ
المسلم یقوم بالأعمال خير قيام، لکي يصل
إلى الفوز والفلاح أم العكس إتقان العمل
هو الباعث على الخشوع أم أن ذلك من
الأمور المستديرة؟
ولمناقشة هذا الموضوع نستحضر آيتي
المؤمنون والإسراء: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ ﴾
[المؤمنون: ١-٢].
ونستحضر كذلك ما ذكره بعض
المفسرین فیهما، قال ابن عاشور: ولا شك
أن الخشوع لله، يقتضي التقوى فهو سبب
فلاح، وذكر مع الصلاة؛ لأن الصلاة أولى
الحالات بإثارة الخشوع وقوّته، ولذلك
قدمت، ولأنه بالصلاة أعلق، فإن الصلاة
خشوع لله تعالى وخضوع له، ولأن الخشوع
لما کان لله تعالی کان أولی الأحوال به حال
الصلاة؛ لأن المصلي يناجي ربه فيشعر نفسه
أنه بین یدي ربه فیخشع له (٢).
قال تعالى: ﴿قُلْ ءَامِنُواْ بِ أَوْلَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ
أُوتُواْ أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ
أَوَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَيْنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا
سجّدًا (١٠٧)
لَمَقْدُ لَ
وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَتَكُونَ وَيَزِيدُهُمْ
ـعُولًا (١٠٨
﴾ [الإسراء: ١٠٧- ١٠٩].
خُشُوعًا !
وفي تناول ابن عاشور لهذه الآية ما يقربنا
من الإجابة أكثر فيقول: وذكر الذقن للدلالة
على تمكينهم الوجوه كلها من الأرض من
(٢) التحرير والتنوير ١٨/ ٩.