النص المفهرس
صفحات 41-46
مِّنَ اللَّهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بَلْصِبَادِ ﴾ [آل فضل وارتفاع على شهوات الأرض في الحياة! عمران: ١٤ -١٥]. هذه الآيات تتحدث عن أفضلية النعيم الأخروي على المتاع الدنيوي. ((وهذا المتاع الأخروي الذي تذكره الآية هنا، ويؤمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن ییشر به المتقين، هو نعيم حسي في عمومه، ولكن هنالك فارقًا أساسيًّا بينه وبين متاع الدنیا، إنه متاع لا یناله إلا الذين اتقوا. الذین کان خوف الله وذکره في قلوبهم. وشعور التقوی شعور مهذب للروح والحس جمیعًا. شعور ضابط للنفس أن تستغرقها الشهوات، وأن تنساق فيها كالبهيمة. فالذين اتقوا ربهم حين يتطلعون إلى هذا المتاع الحسي الذي يبشرون به يتطلعون إليه في شفافية مبرأة من غلظة الحس! وفي حساسية مبرأة من بهيمية الشهوة! ويرتفعون بالتطلع إليه - وهم في هذه الأرض- قبل أن ينتهي بهم المطاف إلی قرب الله. وفي هذا المتاع النظيف العفيف عوض کامل عن متاع الدنيا، وفيه زیادة. فإذا كان متاعهم في الدنيا حرثًا معطيًا مخصبًا، ففي الآخرة جنات كاملة تجري من تحتها الأنهار. وهي فوق هذا خالدة وهم خالدون فيها، لا كالحرث المحدود الميقات! وإذا كان متاعهم في الدنیا نساء وبنین، ففي الآخرة أزواج مطهرة. وفي طهارتها فأما الخيل المسومة والأنعام. وأما القناطير المقنطرة من الذهب والفضة. فقد كانت في الدنيا وسائل لتحقيق متاع. فأما في نعيم الآخرة فلا حاجة إلى الوسائل لبلوغ الغايات! ثم هنالك ما هو أكبر من كل متاع، هنالك ﴿وَرِضْوَتُ مِّنَ اللّهِ﴾ رضوان يعدل الحياة الدنيا والحياة الأخری کلیهما، ويرجح، رضوان بكل ما في لفظه من نداوة، وبكل ما في ظله من حنان))(١). وقوله تعالى: ﴿﴿ قُلْ أَوْ نَبِتُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتُ تَجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَدُ خَلِينَ فِيهَا وَأَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرًا بِالْعِبَادِ ١٥﴾ [آل عمران: ١٥]. ((والسؤال هنا سؤال إغراء وتحريض على طلب الجواب ومعرفة حقيقة الخبر! ﴿قُلْ أَوْنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّنْ ذَلِكُمْ﴾ ألا ترغبون في معرفة ما هو أحسن مما أنتم فيه من متع وملذات؟ وما أنتم غارقون فيه من شهوات؟ ألا ترغبون في نعم لا تفنى أبدًا ولا تزول! إنها قطعًا خير مما أنتم فيه من الاستمتاع الفاني القريب! هذا الاستمتاع الشهواني الكاذب، الذي لا يتعدى أيام (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١ / ٣٧٥. www. modoee.com ٢١٥ حرف الحاء العمر البشري القصير! لكنه خبر يهم فقط قليل، والمتقون لربهم المدركون لمعنى الربوبية الشاكرون لنعمته مآلهم جنات المؤمنين المتقين، الذين لم يغتروا بشهوات الحياة الدنيا، ولم يفتنوا بها، فإذا كان الله قد ابتلاهم بشيء منها فقد أدوا حق الله فيها، وأنفقوها في وجوهها المشروعة، فكانوا بها لربهم عابدين، حامدين شاكرين!))(١). تجري من تحتها الأنهار، وليست مدتها قليلة، بل لهم فيها الخلود، فالنعيم كثير والزمن طويل، بينما الآخرون نعیمهم ضئيل قصير، وعذابهم دائمٌ كثير))(٢). وقوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ مَتَعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَنهُمْ ١٩٦ كَفَرُواْ فِى الْبِلَدِ لَكِنِ اُلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ ١٩٧ جَهَنَّمٌّ وَبِئْسَ الِهَادُ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَانُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌّ للأبرار (١٨)﴾ [آل عمران: ١٩٦-١٩٨]. يخدع أحد بما عليه أولئك الكفار من قوة وسطوة وتصريف في شئون البلاد، ورخاء ورفاهية وثراء فإن هذا إلی أمد قصير، وهو متاع قليل، ولذا قال سبحانه: ﴿مَتَعُ قَلِيلٌثُمَّ مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ الِهَادُ﴾، فما قيمة هذا المتاع - مهما تقلبوا في هذه الحياة الدنيا بشتى صنوف المتع والشهوات- إذا كانت نهاية المطاف ودار القرار هي جهنم؟! لَكِنِ اٌلَّذِينَ أَتَّقَوْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّتُ تَّجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا﴾. ((الاستدراك هنا ب ((لكن)) للمقابلة بين المتقين الأبرار والمشركين الفجار بالنسبة للمآل، فالکفار مآلهم جهنم ومتاعهم دنيوي (١) مجالس القرآن، فريد الأنصاري ٣ / ٦٨٩. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوِتُم مِّن شَىْءٍ فَمَتَعُ الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَاَ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىَّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿ أَفَنْ وَعَدْنَهُ وَعْدًّا حَسَنَا فَهُوَ لَقِيهِ كَمَنْ مَّنَّعْنَهُ مَتَعَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَمَةِ مِنَ ﴾ [القصص: ٦٠ - ٦١]. اٌلْمُحْضَرِينَ ((فهذه صفحة من وعده الله وعدًا حسنًا وجملة معنى النص الكريم لا يصح أن فوجده في الآخرة حقًّا وهو لا بد لاقيه. وهذه صفحة من نال متاع الحياة الدنيا القصير الزهيد، ثم ها هو ذا في الآخرة محضر إحضارًا للحساب. والتعبير يوحي بالإكراه ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ الذین یجاء بهم مكرهین خائفین یودون أن لم یکونوا محضرین، لما ينتظرهم من وراء الحساب على ذلك المتاع القصير الزهيد!))(٣). فشتان شتان بين مؤمن ساع للآخرة سعيها، قد عمل على وعد ربه له، بالثواب الحسن، الذي هو الجنة، وما فيها من النعيم العظيم، وبين من يعيش في الحياة الدنيا يغترف من الشهوات والملذات فهو يأخذ (٢) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٣/ ١٥٥٨ - ١٥٥٩. (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٥ / ٢٧٠٥. جَوَسُولَةُ النَّقِين القرآن الكريمِ ٢١٦ فيها ويعطي، ويأكل ويشرب، ويتمتع كما مغفرة من الله ورضوان، وقدّم العذاب على تتمتع البهائم، قد اشتغل بدنياه عن آخرته، المغفرة، لأن الآية فى مواجهة الذين خدعوا فهو لا یزال کذلك، لا يتزود من دنياه إلا الخسار والهلاك. وهكذا .. فالعاقل يوازن بين ما ينبغي إيثاره، وما ينبغي الإيثار عليه، وما هو أولى بالسعي إليه، والتقدیم له على غيره، وأما من نظر إلى عاجل طفيف منقطع، يفوت نعيمًا عظيمًا باقيًا فأنى له العقل والرأي؟ وقال تعالى: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرُ فِي الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَِّ كَعَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ اَلْكُفَّارَ نَبَانُهُ, ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَنَّهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمَاً وَفِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَنُ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَنَعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: ٢٠]. في هذه الآية مقابلة بين ما في الحياة الدنیا من متع وشهوات ورغبات لا ثبات لها ولا استقرار، وبين ما في الآخرة من العذاب الشديد، أو المغفرة والرضوان، فليختر العاقل لنفسه ما يشاء. ((وقوله تعالى: ﴿وَفِ الَّخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنُ وَمَا الْحَيَّوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾، هو تعقيب على تلك الأوصاف التي وصفت بها الدنيا، من أنها لعب ولهو، وذلك بعرض ما يقابلها، وهو الآخرة، التي لا لعب فيها ولا لھو، بل کل أمرها جدّ فی جدّ .. ففيها عذاب شديد، وفيها بالحياة الدنيا وأذهبوا طيباتهم فيها، ولهذا جاءت فاصلة الآية مؤكدة لما بدئت به: ﴿وَمَا الْمَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَنَعُ الْغُرُورِ﴾))(١). «فكيف يسوغ لمؤمن بالله واليوم الآخر أن یضیع حیاته فیما لا بقاء له ولا جدوى فيه، في الوقت الذي يدرك فيه أنه متوجه إلى حياة الجزاء، من ثواب وعقاب؟ ولهذا اختتم المثل بذكر الآخرة وما فيها، فقال تعالى: ﴿وَفِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اَللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾، إذا لولا كون الآخرة حياة جزاء، لما كانت الدنيا حياة استعداد لها، فالتذكير بحياة الجزاء يصرف المؤمنين عما لا يعقب خيرا، ويدفع بهم إلى طاعة الله المجازي المثیب، والتقرب إليه بما أراد أن یتقرب به إليه))(٢). وقال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ أَنْفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أنَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِِّ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِّ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فِى اُلْأَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلُ ﴾ [التوبة: ٣٨]. في هذه الآيات عاتب الله عز وجل الذين رضوا بلذات الدنيا الناقصة الزائلة بدلًا من (١) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١٤ / ٠٧٧٨ (٢) الأمثال في القرآن، محمد جابر فياض ص٣٠٦. www. modoee.com ٢١٧ حرف الحاء نعيم الحياة الآخرة الكامل الباقي، ((أفليست لَِبٌّ وَلَهْوٌّ وَلَلَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَنَّقُونُّ أَفَلَاً تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنعام: ٣٢]. الدنیا -من أولها إلى آخرها- لا نسبة لها في الآخرة. فما مقدار عمر الإنسان القصير جدًّا من الدنيا حتى يجعله الغاية التي لا غاية وراءها، فيجعل سعيه وكده وهمه وإرادته لا يتعدى حياته الدنيا القصيرة المملوءة بالأكدار، المشحونة بالأخطار. فبأي رأيٍ رأيتم إيثارها على الدار الآخرة الجامعة لكل نعيم، التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون، فوالله ما آثر الدنيا على الآخرة من وقر الإيمان في قلبه، ولا من جزل رأيه، ولا من عدّ من أولي الألباب))(١). والآيات التي تقارن بين متاع الدنيا ونعيم الآخرة كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿فَآ أُوِلْتُم مِّنِ شَىْءٍ فَتَعُ الحَيَزَةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَ ربهم يتوكلون ﴾ [الشورى: ٣٦]. ٣٦ وقوله تعالى: ﴿أَلَّرْتَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَمْ كُفُواْ أَيْدِيَّكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِنَالُ إِذَا فِقٌّ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَّةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْفِنَالَ لَوْلاً أَخَّرَلَنَا إِلَى أَجَلِ قَرِيبٌ قُلّ مَنَعُ الذُّنْيَا قَلِلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَلِيلًا () [النساء: ٧٧]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٥٣. مما سبق يتضح أن كل ما يناله الإنسان في هذه الحياة الدنيا من مال أو جاه أو سلطان هو متاع، أي زاد لا يلبث أن ینفد، أو ثوب لا بد أن يبلى، فكل ما فى الحياة الدنيا إلی نفاد، وزوال، وإن كثر وعظم، وما عند اللّه من الثواب والنعيم خير من زهرة الدنيا، لأنه باق سرمديّ، وما فيها زائل فان. ثانيًا: المقابلة في قصد العباد لكل منهما: قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَبَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَتَّمَ وَمَنْ أَرَادَ ١٨ يَصْلَئِهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا ( اَلْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (٥ كُلَّا نُّمِدُ هَؤُلاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَِّ رَيَِّكَ وَمَا كَانَ عَطَّهُ رَبِّكَ أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى ٢٠ محظُورًا بَعْضِّ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء: ١٨-٢١]. في هذه الآيات مقابلة بين من قصر نظره على الدنيا، وعمل لها، وجعلها غايته، ومرمى همته، ومطرح نظره، ولم يكن له همُّ سواها، ولم يلتفت إلى الآخرة، وبين من أراد الآخرة فاختار طريق الإيمان والعمل الصالح، والاستقامة على الصراط ٢١٨ القرآن الكريمِ المستقیم. يقول الأستاذ سيد قطب في ظلال هذه الآيات: «إن من أراد أن یعیش لهذه الدنیا وحدها، فلا يتطلع إلى أعلى من الأرض التي يعيش فيها، فإن الله يعجل له حظه في الدنيا حين يشاء، ثم تنتظره في الآخرة جهنم عن استحقاق. فالذين لا يتطلعون إلى أبعد من هذه الأرض يتلطخون بوحلها ودنسها ورجسها، ويستمتعون فيها كالأنعام، ويستسلمون فيها للشهوات والنزعات. ويرتكبون في سبيل تحصيل اللذة الأرضية ما يؤدي بهم إلى جهنم. والذي يريد الآخرة لا بد أن يسعى لها مغارس الإحسان، فيزيد له اللّه سبحانه سعیھا، فیؤدي تکالیفها، وینهض بتبعاتها، ويقيم سعيه لها على الإيمان. والسعي للآخرة لا يحرم المرء من لذائذ الدنيا الطيبة، إنما يمد بالبصر إلى آفاق أعلى فلا یکون المتاع في الأرض هو الهدف والغاية. ولا ضير بعد ذلك من المتاع حين يملك إنسان نفسه، فلا يكون عبدا لهذا المتاع. جهنم مذمومًا مدحورًا، فالذي يريد الآخرة ويسعى لها سعيها ينتهي إليها مشكورًا يتلقى التكريم في الملأ الأعلى جزاء السعي الكريم لهدف كريم، وجزاء التطلع إلى الأفق البعيد الوضيء. إن الحياة للأرض حياة تليق بالديدان والزواحف والحشرات والهوام والوحوش والأنعام. فأما الحياة للآخرة فهى الحياة اللائقة بالإنسان الكريم على الله، الذي خلقه فسواه، وأودع روحه ذلك السر الذي ينزع به إلى السماء وإن استقرت على الأرض قدماه))(١). ونظير هذه الآيات من سورة الإسراء قول الله عز وجل في سورة الشورى: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِ حَرْئِ، وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْيِِّ، مِنْهَا وَمَا لَهُ، فِى اُلْأَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ﴾ [الشورى: ٢٠]. فيا لبعد الشقة بين من يريد الهدى والإيمان، ويعمل للآخرة، ويغرس فى وتعالى فيما غرس، ويبارك عليه، ويضاعف له الجزاء أضعافا مضاعفة، وبین من أعرض عن الآخرة، وعمل للدنيا، وغرس فى مغارسها، فأخذ ثمر ما غرس فى دنياه، واستوفى نصيبه منه، حتى إذا جاء إلى الآخرة، جاءها ولا نصيب له فى خيرها. فما أشقى الذين يصرفون رغبتهم وإذا كان الذي يريد العاجلة ينتهي إلى وسعيهم وعملهم في متع الحياة وشهواتها، غير ملتفتين إلى ما وراء هذه الدنيا، ولا منتظرين حسابًا ولا جزاء، فإذا كان يوم القيامة، وبعثوا من القبور، وسيقوا إلى الحساب والجزاء، فهنالك يرون سوء (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ٢٢١٨ - ٢٢١٩. www. modoee.com ٢١٩ حرف الحاء مصيرهم، وأنهم قد جاءوا إلى هذا اليوم مفلسين، لأنهم لم يعملوا له عملًا قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَهَا ١٥ نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِهَا وَهُمْ فِبَهَا لَا يُبْخَسُونَ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَّمْ فِ الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارٌ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [هود:١٥-١٦]. موضوعات ذات صلة: السعادة، اللعب، اللهو، الموت، اليوم الآخر ٢٢٠ النفسية قَضوري جوي القرآن الكريم