النص المفهرس

صفحات 41-52

الحيوان
واشترط المالكية تذكية الجراد، أما الميتة إذا غلب على ظنه الهلاك، جاء ذلك
الجراد الميت فهو حرام عندهم (١).
وخلاصة القول: إن الله تعالى خلق
الحيوانات، وبيّن للإنسان الحلال منها
والحرام، ويجب على العبد امتثال أمر ربه
عز وجل في تحليل ما أحل الله، وتحريم
ما حرّم الله، ولا يفعل فعلة المشركين
الذين ابتدعوا تحريم البحيرة، والسائبة،
والوصيلة، والحام بآرائهم الفاسدة، وتحريم
الحیوانات ورد في كتاب الله تعالى، وفي
السنة المطهرة.
قال تعالى: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ
مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْنَةً
أَوْ دَمَا مَسْفُوحًا أَوْلَحْمَ خِزِيٍ فَإِنَّهُرِجْسُ أَوْ
فِسْقًا أُهِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَمَنِ أَضْطُرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا
عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
يتبين من الآية السابقة أن الله سبحانه
أمر اللّه رسوله صلى الله عليه وسلم أن
يخبر المشركين أنه لا يجد فيما أوحاه الله
إليه محرّمًا، وإنّما حرّم أربعة أشياء هي:
الميتة، والدّم المسفوح، ولحم الخنزير، وما
أهلّ لغير اللّه به، وغير ذلك من المحرمات
التي ورد ذكرها في الكتاب والسنة لما فيها
من الضّرر المادي؛ لأن لحومها خبيثة، أو
المعنوي الذي يمسّ العقيدة، وعبادة اللّه.
ويجوز للمسلم عند الضرورة أن يأكل
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٨١/٢.
في مواضع عدة من القرآن الكريم، منها:
قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطَّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ
رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
قال الزحيلي: ((أي: فمن دعته الضرورة،
وألجأته، واحتاج من غير بغي، ولا عدوان
إلى تناول شيء من هذه المحرّمات،
لمجاعة غلب على ظنه الهلاك فيها، غير باغ
على مضطر آخر، بأن ينفرد بتناوله، فيهلك
الآخر، ولا عاد أي متجاوز ما يسد الرمق،
والجوع، أي: قدر الضرورة، مما يدل على
تحريم الشبع، وهو مذهب الأكثرين، فإن
اللّه غفور ستار لذنبه أو هفوته، لا يؤاخذه
علی ذلك، رحيم به أن يعاقبه على مثل ذلك.
وفي هذا تيسير، وتوسعة على هذه الأمة التي
يريد اللّه بها اليسر، ولا يريد بها العسر))(٢).
(٢) المصدر السابق ١٤ / ٢٥٦.
www. modoee.com
٢٦١

حرف الحاء
الحيوان في المثل القرآني
إنّ من حكمة الله تعالى، ورحمته،
وفضله أن أورد الأمثال في القرآن الكريم؛
وذلك لتقريب البعيد، وتوضيح المجمل،
وفيها: إقناع الناس، وتحذيرهم، وتخويفهم.
قال ابن القيم رحمه الله: «ضرب الأمثال
في القرآن يستفاد منها أمور: التذكير،
والوعظ، والحث، والزجر، والاعتبار،
والتقرير، وتقريب المراد للعقل، وتصويره
في صورة المحسوس، بحيث يكون نسبته
للعقل، كنسبة المحسوس إلى الحس،
وتأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت
الأجر، وعلى المدح والذم، وعلى الثواب،
وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره، وعلى تحقيق
أمر، وإبطال أمر))(١).
والله سبحانه وتعالى يضرب الأمثال
بما يريد حتى إنه ضرب المثل بالبعوضة،
وهي من أصغر الحيوانات، قال تعالى: ﴿إِنَّ
اللَّهَ لَا يَسْتَحِيِ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاَ مَّا بَعُوضَةٌ
فَمَا فَوْقَهَاً فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ
أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمَّ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ
فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلَا يُضِلُ
بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ
بِ﴿ إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦].
قال ابن القيم رحمه الله: ((وهذا جواب
اعتراض اعترض به الكفار على القرآن:
وقالوا: إن الرب أعظم من أن يذكر الذباب،
والعنكبوت، ونحوها من الحيوانات
الخسيسة، فلو كان ما جاء به محمد كلام الله
لم يذكر فيه الحيوانات الخسيسة، فأجابهم
الله تعالى بأن قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْي=أَنْ
يَضْرِبَ مَثَلاَ مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَاً﴾، فإن
ضرب الأمثال بالبعوضة فما فوقها إذا تضمن
تحقيق الحق وإيضاحه، وإبطال الباطل
وإدحاضه كان من أحسن الأشياء، والحسن
لا يستحيا منه، فهذا جواب الاعتراض فكأن
معترضًا اعترض على هذا الجواب، أو طلب
حكمة ذلك، فأخبر تعالى عما له في ضرب
تلك الأمثال من الحكمة، وهى إضلال من
شاء، وهداية من شاء، ثم كان سائلًا سأل
عن حکمة الإضلال لمن يضله بذلك فأخبر
تعالی عن حکمته، وعدله، وأنه إنما يضل به
الفاسقين))(٢).
قال الزحيلي في معنى الآية السابقة:
((إن اللّه سبحانه وتعالى لا يترك ضرب
المثل بالبعوضة، ونحوها بما هو دونها، أو
أکبر منها، ترك من يستحيي أن يتمثل بها
لحقارتها، فلا غرابة ولا حرج ولا عيب
في الإتيان بالأمثال والأشباه سواء أكانت
صغيرة أم كبيرة؛ لأن العظمة فيها جميعها
شيء واحد، وهو الخلق والإبداع؛ ولأن
(١) بدائع الفوائد، ٣٠١/٢.
(٢) المصدر السابق، ٢/ ٤٣٧.
٢٦٢
القرآن الكريمِ

الحيوان
المثل جعل لكشف المعنى وتوضيحه
بما هو معروف مشاهد، وما الأمثال إلا
إبراز للمعاني المقصودة في قالب الأشياء
المحسوسة لتأنس بها النفوس، وتنكشف
أمامها الغوامض، وتزول الأوهام عن
معارضة العقل، واللّه الحكيم يفعل ما
يحقق المصلحة بضرب المثل في العظائم،
والمحقرات حسب الأحوال، والمناسبات،
فإن كان الأمر عظيمًا كالحق، والإسلام
ضرب مثله بالنور، والضياء، وإن كان الأمر
مهيناً حقيرًا كالأصنام ضرب مثله في عدم
النفع، وانعدام الفائدة بما يشبهه من الذباب،
والبعوض، والعنكبوت))(١).
فأما المؤمنون الذين يصدقون بأن اللّه
خالق كل شيء، يقولون: إن كلام اللّه حق،
ولا يقول غير الحق، وإنه سبحانه ضرب
المثل لمصلحة وحكمة، وأما الكافرون
الذین یستهزئون بالأمثال فیقولون متعجبين:
ماذا أراد اللّه بمثل هذه الأشياء الحقيرة؟
فهم في حيرة من أمرهم، وخسران مبين
في نهایتهم، ولو آمنوا لعرفوا الحق ووجه
الحكمة في ذلك.
قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْفِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ
وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِسَنَّأْ وَلَا يَرْنَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ
وَالْمُؤْمِنُونُّ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ وَالْكَفِرُونَ مَاذَآً
(١) التفسير المنير، ١١٠/١-١١١.
أَرَادَ اللّهُ بِهَذَا مَثَلًا ﴾ [المدثر: ٣١](٢).
ومما سبق يتضح أن الحيوانات ذكرت
في المثل القرآني، وسأذكر إضافة للمثل
الذي سبق ذكره في هذا المبحث مثلين
آخرين على سبيل المثال لا الحصر:
المثل الأول: في قوله تعالى: ﴿وَآَتْلُ
عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى ءَاتَيْنَهُ مَايَدِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا
فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ * وَلَوْ
شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ
وَأَتََّعَ هَوَنَةُ فَثَلُهُ، كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ
عَلَيْهِ يَلْهَتْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَتَّ ذَلِكَ مَثَلُ
اَلْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا فَأَقْصُصِ اَلْقَصَصَ
لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦].
والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى قال
للرسول صلى الله عليه وسلم: اقرأ على
اليهود خبر الذي علمناه آياتنا، ولكنه لم
يعمل بها، وتركها وراءه، وتجرد منها إلى
الأبد، فلحقه الشیطان، وأدركه، وصار قرینا
له، وتمکن من الوسوسة له، فأصغی إلیه،
فصار من الظالمين الكافرين، لميله إلى
الدنيا، واتباع الهوى والشيطان (٣).
قال ابن القيم: «شبه سبحانه من آتاه کتابه،
وعلمه العلم الذي منعه غيره فترك العمل به،
واتبع هواه، وآثر سخط الله على رضاه،
ودنياه على آخرته، والمخلوق على الخالق
(٢) انظر: المصدر السابق ١/ ١١١.
(٣) انظر: المصدر السابق، ٩/ ١٦٣.
www. modoee.com
٢٦٣

حرف الحاء
بالكلب الذي هو من أخبث الحيوانات، اللفظ والمعنى))(١).
وأوضعها قدرًا وأخبثها نفسًا، وهمته لا
تتعدی بطنه، وأشدها شرهًا وحرصًا، ومن
حرصه أنه لا يمشي إلا وخطمه في الأرض
يتشمم، ويتروح حرصًا وشرهًا، ولا يزال
يشم دبره دون سائر أجزائه، وإذا رميت
له بحجر رجع إلیه لیعضه من فرط نهمته،
وهو من أمهن الحيوانات، وأحملها للهوان
وأرضاها بالدنايا، والجيف المروحة أحب
إليه من اللحم الطري، والقذرة أحب إليه
من الحلوى، وإذا ظفر بميتة تكفي مائة كلب
لم يدع كلبًا يتناول معه منه شيء إلا هر علیه
وقهره لحرصه وبخله وشره، ومن عجيب
أمره، وحرصه أنه إذا رأى ذا هيئة رثة،
وثياب دنية، وحال زرية نبحه، وحمل عليه
كأنه يتصور مشارکته له، ومنازعته في قوته.
وإذا رأی ذا هيئة حسنة، وثیاب جميلة،
ورئاسة وضع له خطمه بالأرض، وخضع
له، ولم یرفع إلیه رأسه، وفي تشبیه من آثر
الدنيا وعاجلها على الله والدار الآخرة مع
وفور علمه بالكلب في لهثه سر بديع، وهو
أن الذي حاله ما ذكره الله من انسلاخه من
آیاته واتباعه هواه إنما كان لشدة لهفه على
الدنيا لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة
فهو شديد اللهف عليها، ولهفه نظير لهف
الكلب الدائم في حال ازعاجه، وترکه.
واللهف، واللهث شقيقان، وأخوان في
وقال ابن القيم أيضًا: ((قال ابن جريج:
الكلب منقطع الفؤاد لا فؤاد له إن تحمل
عليه يلهث أو تتركه يلهث، فهو مثل الذي
يترك الهدى لا فؤاد له إنما فؤاده ينقطع،
ومراده بانقطاع فؤاده أنه ليس له فؤاد
يحمله على الصبر وترك اللهث، وهكذا
الذي انسلخ من آیات الله لم يبق معه فؤاد
يحمله على الصبر عن الدنيا، وترك اللهف
عليها، فهذا يلهف على الدنيا من قلة صبره
عليها، وهذا يلهث من قلة صبره على الماء،
فالكلب من أقل الحيوانات صبرًا عن الماء،
وإذا عطش أكل الثرى من العطش، وإن كان
صبر عن الجوع، وعلی کل حال فهو من
أشد الحيوانات لهئًا يلهث قائمًا، وقاعدًا،
وماشيًا، وواقفًا ذلك لشدة حرصه، فحرارة
الحرص في کبده توجب له دوام اللهٹ،
فهكذا مشبهه شدة حرارة الشهوة في قلبه
توجب له دوام اللهث، فإن حملت عليه
بالموعظة والنصيحة فهو يلهث، وإن تركته
ولم تعظه فھو یلھف.
قال مجاهد: وذلك مثال الذي أوتى
الکتاب ولم يعمل به، وقال ابن عباس رضي
الله عنهما: إن تحمل عليه الكلمة لم يحملها
وإن تر کته لم یھتد إلی الخیر)»(٢).
(١) الأمثال في القرآن الكريم، ص٢١٥-٢١٦.
(٢) المصدر السابق، ص٢١٦ - ٢١٧.
٢٦٤
جوبيـ
القرآن الكريمِ

الحیوان
قال البغوي رحمه الله: ((وهذا الكافر وهم اليهود بعد ما قرأوا نعت رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم فى التوراة، وبشروا
الناس باقتراب مبعثه، و کانوا یستنصرون، أو
يستفتحون به، وجاء القرآن المعجز كاشفًا
هذه الحقيقة التي أنكرها اليهود بعد بعثة
النبي صلى الله عليه وسلم))(٢).
إن زجرته لم ینزجر، وإن ترکته لم یھتد،
فالحالتان عنده سواء، کحالتي الکلب: إن
طرد كان لاهثًا، وإن ترك وربض كان لاهثًا.
قال القتيبي: كل شيء يلهث إنما يلهث من
إعياء، أو عطش إلا الكلب، فإنه يلهث في
حال الكلال، وفي حال الراحة، وفي حال
العطش، فضربه الله تعالی مثلًا لمن كذب
بآياته فقال: إن وعظته فهو ضال، وإن تركته
فهو ضال، كالكلب إن طردته لهث، وإن
تركته على حاله لهث)»(١).
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى
الْمُدَى لَا يَتَِّعُوكُمْ سَوَهُ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ
صَمِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣].
وهذا المثل عام في جميع من يكذب
بآيات الله، قال تعالى:
اَلْقَوْمُ
مَثَلَا
سَآءَ
الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾
[الأعراف: ١٧٧].
وينطبق هذا على كفار مكة حيث إنهم
کانوا یتمنون هادیًا یهدیهم، ويدعوهم إلى
عبادة الله، فلما جاءهم النبي صلى الله عليه
وسلم الذي لا یشگّون في صدقه كذبوه، فلم
يهتدوا سواء دعاهم، أو تر کھم.
قال الزحيلي: ((ذلك المثل الغريب هو
مثل هؤلاء القوم الذين كذبوا بآيات الله،
واستكبروا عنها، ولم تنفعهم الموعظة،
(١) معالم التنزيل، البغوي، ٢/ ١٧٣، ١٧٤.
إن الذي يركن إلى الدنيا، ويميل إليها،
ويرغب فيها، ويهتم بلذاتها، ويتبع هواه،
ولم يجعل همّه الآخرة، ولم يهتد بآيات
الله، ولم یشکر نعمة اللّه عليه باستعمالها
في مرضاته يكون مثل الكلب، ويتصف
بصفاته، وهي: الذلة، والحقارة، والدناءة،
والخسة، وإن من أذل، وأخس أحوال
الکلب دوام اللهث سواء طرد أو لم يطرد.
وهذا حال من تجرد من معرفة الله
تعالى، حيث إن الله سبحانه وتعالى شبهه
بأقبح صفة من صفات الكلب.
إنه مثل عجيب، وغريب، فيه العبرة،
والموعظة لمن سمع، وتدبر، وفهم،
وعقل، وفكّر، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ
الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا
اَلْعَلِّمُونَ﴾[العنكبوت: ٤٣].
المثل الثاني: في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ
الَّذِينَ حُمِّلُواْ النَّوْرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ
اُلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِلْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ
كَذَّبُواْ بِعَايَتِ اللَّهِ وَاللهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
(٢) التفسير المنير، ٩/ ١٦٣.
www. modoee.com
٢٦٥

حرف الحاء
[الجمعة: ٥].
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه
الآية: ((يقول تعالى ذامًّا لليهود الذين
أعطوا التوراة، وحملوها للعمل بها، فلم
يعملوا بها، مثلهم في ذلك كمثل الحمار
يحمل أسفارًا، أي: كمثل الحمار إذا حمل
كتبًا لا يدري ما فيها، فهو يحملها حملًا
حسيًّا، ولا يدري ما عليه، وكذلك هؤلاء
في حملهم الكتاب الذي أوتوه، حفظوه
لفظًا، ولم يفهموه، ولا عملوا بمقتضاه،
بل أولوه، وحرفوه، وبدلوه، فهم أسوأ حالا
من الحمیر؛ لأن الحمار لا فهم له، وهؤلاء
لهم فهوم لم یستعملوها؛ ولهذا قال في الآية
الأخرى: ﴿أُوْلَكَ كَالْأَنْمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَكَ
هُمُ الْغَفِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩])(١).
وقال السعدي رحمه الله: ((ذكر الله
تعالى أن الذين حملهم التوراة من اليهود
وكذا النصارى، وأمرهم أن يتعلموها،
ويعملوا بما فيها، وأنهم لم يحملوها، ولم
یقوموا بما حمّلوا به، أنهم لا فضیلة لهم، وأن
مثلهم كمثل الحمار الذي يحمل فوق ظهره
أسفارًا من كتب العلم، فهل يستفيد ذلك
الحمار من تلك الكتب التي فوق ظهره؟
وهل يلحق به فضيلة بسبب ذلك؟ أم حظه
منها حملها فقط؟ فهذا مثل علماء اليهود
الذين لم يعملوا بما في التوراة، الذي من
(١) تفسير القرآن العظيم، ٤ /٤١٧.
أجله وأعظمه الأمر باتباع محمد صلى الله
عليه وسلم، والبشارة به، والإيمان بما جاء
به من القرآن، فهل استفاد من هذا وصفه من
التوراة إلا الخيبة والخسران، وإقامة الحجة
عليه؟ فهذا المثل مطابق لأحوالهم))(٢).
وهذا دليل على أن اليهود والنصارى
فقدوا الإدراك الصحيح، والوعي السليم،
وعطلوا طاقات الحواس، والمواهب
الإلهية التي لو فكروا بموجبها لآمنوا بدعوة
الأنبياء، وخاصة النبي محمد صلى الله عليه
وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، وانقادوا
إلى رسالة الحق والتوحيد، ولكنهم لم
يستفيدوا من ذلك بشيء فكانوا مثل الحمير
كما وصفهم الله عز وجل، وهذا عام في
كل من حمل كتابًا من الكتب السماوية،
ولم يعمل به، وحتى الذي تعلم القرآن، ولم
يعمل به فهو كذلك.
قال ابن القيم رحمه الله: ((فقاس من
حمّله سبحانه كتابه ليؤمن به، ويتدبره،
ویعمل به، ويدعو إليه ثم خالف ذلك، ولم
يحمله إلا علی ظهر قلب، فقراءته بغیر تدبر،
ولا تفھم، ولا اتباع له ولا تحکیم له وعمل
بموجبه كحمار على ظهره زاملة أسفار
لا يدري ما فيها، وحظه منها حمله على
ظهره ليس إلا، فحظه من كتاب الله كحظ
هذا الحمار من الكتب التي على ظهره،
(٢) تيسير الكريم الرحمن، ص٣٠١.
صَوَسُو ◌َب التفسير
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
٢٦٦

الحیوان
فهذا المثل وإن كان قد ضرب لليهود فهو
متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن
فترك العمل به، ولم يؤد حقه، ولم يرعه حق
رعايته))(١).
يتضح من الأمثال السابقة أن الله سبحانه
ذكر فيها بعض الحيوانات وإن كانت خسيسة
وحقيرة، فإنه عز وجل هو الذي خلقها،
ويضرب المثل بها وبغيرها؛ لأنه أعلم بها،
وأن الكفار لم يستطيعوا خلق بعوضة ولا
أصغر منها، فکیف يعترضون على الله تعالى
في ضرب الأمثال بها؟
(١) إعلام الموقعين، ١٣٤/١.
لمسات إعجازية في خلق الحيوانات
إنّ الناظر، والمتفكر في خلق السموات،
والأرض يجد حوله مخلوقات عظيمة
من الحيوانات، تدب على وجه الأرض،
أو تسبح في قعر البحر، أو تحلق في جو
السماء، وأن هذه الحیوانات أمم، وأشكال،
وأجناس، وخلق منها الذكر والأنثى.
قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا طَیِ
يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمَمّ ◌َمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِ الْكِتَبِ
مِنْ شَىْ ءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨].
والمتأمل في الحيوانات يجد أنها
موجودة، وأعدادها كثيرة لا يحصيها إلا
الذي خلقها سبحانه، والله تعالى رازقها،
ويعلم مستقرها، ومستودعها.
قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا
عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلُّ فِى
كِتَبٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦].
وتنتشر هذه الدواب في ملكه سبحانه
وتعالى، وتسير بأمره، وتأكل، وتشرب
من نعمه التي لا تحصی، وتسبح بحمده،
وتطيعه، وتعبده حتى تستوفي رزقها،
وتستكمل آجالها، والله جعل الإعجاز
في خلقها، وتصرفاتها، وطريقة حياتها،
ونموها، وتكاثرها، وأعدادها التي تحفظ
وجودها بحيث إنه لا تطغى على الأجناس
الأخرى، فسبحان الخلاق العليم الذي
www. modoee.com
٢٦٧

حرف الحاء
يمسك بزمامها، ويزيد وينقص فيها بقدرته
وحكمته، ويعطي كل منها من القوى،
والخصائص، والوظائف ما يحفظ التوازن
بینھا.
والكلام عن الإعجاز في خلق الحيوانات
طويل، وسأكتفي بذكر ثلاث آيات إضافة يمشي على أربع كبهيمة الأنعام، ونحوها.
لما سبق:
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلّ مَآبَةٍ مِّن مَّاءٍ فَيِنْهُم
مَّن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ، وَمِنْهُم مَن يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ
وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى أَرْبَعَّ يَخْلُقُ اللّهُ مَا يَشَآءُ إِنَّ اللَّهَ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍقَدِيرٌ﴾[النور: ٤٥].
قال السعدي رحمه الله: ((ينبه الله
سبحانه عباده على ما يشاهدونه، أنه خلق
جميع الدواب التي على وجه الأرض، من
ماء، أي: مادتها كلها الماء، كما قال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَىْءٍ حَيّ ﴾[الأنبياء:
٣٠].
فالحيوانات التي تتوالد مادتها ماء النطفة،
حين يلقح الذكر الأنثى، والحيوانات التي
تتولد من الأرض لا تتولد إلا من الرطوبات
المائية، كالحشرات لا يوجد منها شيء
يتولد من غير ماء أبدًا، فالمادة واحدة، ولكن
الخلقة مختلفة من وجوه كثيرة))(١).
والملاحظ أن الحيوانات مادتها واحدة،
ولكن كل مخلوق يختلف عن غيره من
وجوه كثيرة، فاختلافها مع أن الأصل واحد
يدل على مشيئة الله وقدرته، وهذا من
مظاهر الإعجاز؛ لأن الناظر إليها يجد أن
منها من يمشي على بطنه كالحية، والثعبان،
ونحو ذلك، ومنها من يمشي على رجلين
كالآدميين، وكثير من الطيور، ومنها من
والله سبحانه وتعالى جعل لكل حيوان
من الخصائص التي يختلف بها عن غيره،
وهدى كل مخلوق لما خلق له، وأعطاه
القدرة على ذلك، فمن الحيوانات يعيش
في البحر، ومنها يعيش في البر، ومنها
يمشي على الأرض، ومنها يطير في الهواء،
فسبحان الله الخالق
كُلِّ شَىْءٍ
الَّذِىّ أعْطَى
خَلَقَهُ ثُمَّهَدَى﴾ [طه: ٥٠].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ
فَأَسْتَمِعُواْ لَهُمَّ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنِ
دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ أَجْتَمَعُواْ لَهَ
وَإِن يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].
قال ابن القيم رحمه الله: ((حقیق علی کل
عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل، ويتدبره حق
تدبره، فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه، وذلك
أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد
ما ينفع عابده، وإعدام ما يضره، والآلهة التي
يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على
خلق الذباب، ولو اجتمعوا كلهم لخلقه،
فكيف ما هو أكبر منه؟ ولا يقدرون على
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص٤٧٩.
٢٦٨
مُؤَسَو ◌َرَ النَفسِيد
جوسين
القرآن الكريمِ

الحیوان
الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئًا مما يقدروا عليه، ثم سوى بين العابد، والمعبود
عليهم من طيب، ونحوه فيستنقذوه منه، فلا في الضعف، والعجز، بقوله: ﴿ضَّعُفَ
هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من
أضعف الحيوانات، ولا على الانتصار منه،
واسترجاع ما سلبهم إياه، فلا أعجز من هذه
الآلهة، ولا أضعف منها، فکیف یستحسن
عاقل عبادتها من دون الله؟
وهذا المثل من أبلغ ما أنزله الله سبحانه
في بطلان الشرك، وتجهيل أهله، وتقبيح
عقولهم، والشهادة على أن الشيطان قد
تلاعب بهم أعظم من تلاعب الصبيان
بالكرة حيث أعطوا الإلهية التي من بعض
لوازمها القدرة على جميع المقدورات،
جميع المخلوقات، وأن يصمد إلى الرب
في جميع الحاجات، وتفريج الكربات،
وإغاثة اللهفات، وإجابة الدعوات، فأعطوها
صورًا، وتماثيل يمتنع عليها القدرة على أقل
مخلوقات الآلهة الحق، وأذلها، وأصغرها
وأحقرها، ولو اجتمعوا لذلك، وتعاونوا
علیه))(١).
وقال ابن القيم أيضًا: ((وأدل من ذلك
على عجزهم، وانتفاء إلاهيتهم أن هذا
الخلق الأقل الأذل العاجز الضعيف لو
اختطف منهم شيئًا واستلبه فاجتمعوا على
أن يستنقذوه منه لعجزوا عن ذلك، ولم
(١) إعلام الموقعين، ١٤٦/١-١٤٧.
اُلْطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ قيل: الطالب: العابد،
والمطلوب: المعبود فهو عاجز متعلق
بعاجز، وقيل: هو تسوية بين السالب،
والمسلوب، وهو تسوية بين الإله والذباب
في الضعف والعجز، وعلى هذا فقيل:
الطالب، الإله الباطل، والمطلوب الذباب
يطلب منه ما استلبه منه، وقيل: الطالب:
الذباب، والمطلوب: الإله، فالذباب يطلب
منه ما يأخذه مما عليه، والصحيح أن اللفظ
يتناول الجميع فضعف العابد والمعبود
والمستلب والمستلب، فمن جعل هذا
والإحاطة بجميع المعلومات، والغنى عن إلهًا مع القوي العزيز فما قدره حق قدره،
ولا عرفه حق معرفته، ولا عظمه حق
تعظيمه)»(٢).
ولو تأملنا في الآية الكريمة نجد أن
القرآن الكريم استخدم تعبير: ﴿وَإِنِ يَسْلُهُمُ
الذُّبَابُ شَيْئًا﴾، وفي ذلك لمسة معجزة؛
لأن الذباب يختلس ما يأخذه من أشربة،
وأطعمة من الناس اختلاسًا، وينتزعها منهم
انتزاعًا على القهر لعجزهم عن مقاومته في
أغلب الأحوال(٣).
وهذا يدل على استمرار القرآن الكريم
في تحديه للإنس، وأنهم عاجزون عن
(٢) المصدر السابق ١/ ١٤٧ .
(٣) انظر: الحيوان في القرآن الكريم، زغلول
النجار، ص١٥٦.
www. modoee.com
٢٦٩

حرف الحاء
خلق الذباب، ولیس ذلك فحسب، بل إنهم
عاجزون عن استنفاذ ما يسلبه الذباب منهم
من طعام، أو شراب، أو غير ذلك، وهذه
لمسة إعجازية جاءت في قوله تعالى: ﴿وَإِن
يَسْتُّهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾.
فالذباب عندما يحط على شيء، فإن
كان سائلًا سلب قطرة منه، وأوصلها فورًا
إلى جهازه الهضمي فيمتصها، ويحولها إلى
جهازه الدوري، ومنه إلى مختلف خلاياه،
وإن كانت مادة صلبة صب عليها من لعابه
ومن المواد الهاضمة فيفككها، ويذيبها
فورًا، فتصل مهضومة إلى جهازه الهضمي،
ومنه إلى جهازه الدوري، ثم إلى جميع
خلايا الجسم، وعليه فلا سبيل أبدًا إلى
استرجاع شيء من ذلك(١).
وهناك لمسة إعجازية أخرى في قوله
تعالى: ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ لأنه من الثابت أن
البشرية كلها عاجزة عن خلق خلية واحدة
على الرغم من وجود التقدم العلمي،
والتقني المذهل، وغير المسبوق في تاريخ
البشرية كلها، ولكنها ضعيفة، وعاجزة عن
خلق ذبابة واحدة، وليس ذلك فحسب، بل
إنها عاجزة عن استرجاع شيء مما يسلبه
الذباب.
وهذ کله يدل على كمال قدرة الله عز
وجل في الخلق، فكيف يليق بالمشركين
والكافرين عبادة غيره؟ فإذا كان البشر
عاجزين وإن كانوا مجتمعين عن استرجاع
ما يسلبه الذباب، فعجزهم عن خلق الذباب
من باب أولى، وكيف لو طلب منهم أن
يخلقوا ما هو أكبر من هذه الحشرة؟ وعليهم
أن يستخدموا عقولهم، ویعبدوا الله وحده.
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِنْ
دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ
اَّخَذَتْ بَيْئاً وَإِنَّ أَوْمَنَ اُلْبُيُوتِ لَبَيْتُ
الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾
[العنكبوت: ٤١].
قال المراغي في تفسير هذه الآية:
((إن سنة البلغاء جرت بوجوب التماثل
بين المثل، وما مثّل له، فالعظيم يمثّل له
بالعظيم، والحقير يمثل له بالحقير، ألا ترى
إلى الإنجيل، وقد مثّل غلّ الصدر بالنّخالة،
ومعارضة السفهاء بإثارة الزنابير.
وجاء في عباراتهم: (أجمع من ذرة،
وأجرأ من الذباب، وأضعف من بعوضة)،
وما الأمثال إلا إبراز للمعاني المقصودة
في قالب الأشياء المحسوسة لتأنس بها
النفس، وتستنزل الوهم عن معارضة العقل،
والحكيم علام الغيوب يعلم حكمة هذا،
فلا يترك ضرب المثل بالبعوضة، وما دونها
حين تدعو المصلحة إلى ذلك، والناس
إزاء هذا فريقان: مؤمنون يقولون: إن اللّه
خالق الأشياء حقيرها وعظيمها، فالكل لديه
(١) انظر: المصدر السابق، ص١٦١.
٢٧٠
جَوْسُو
القرآن الكريمِ

الحیوان
سواء، وكافرون يستهزئون بالأمثال احتقارًا ولذلك فإنها لا تقي الحر، ولا البرد، ولا
تقي من المطر، ولا من الرياح العاصفة، ولا
لها، فحقت علیھم کلمة ربهم فأصبحوا من
الخاسرین)»(١).
تدفع عنها أخطار المهاجمين، على الرغم
من الإعجاز في بنائها.
قال صاحب كتاب القرآن وإعجازه
العلمي: «مثل هؤلاء الذين اتخذوا الأصنام
آلهة يعبدونها، ويعتمدون علیھا، ويرجون
نفعها کمثل العنكبوت في اتخاذها بيتًا واهنا
من نسجها لا یغنی عنها في حر، ولا قر، ولا
مطر، ولا أذى))(٢).
ولفظة (العنكبوت) اسم للواحدة المؤنثة
المفردة، والجمع (العناكب)، وهذا من
الإعجاز حيث إن ذلك يشير إلى الحياة
الفردية لهذه الدويبة فيما عدا لحظات
التزاوج، وأوقات فقس البيض، وأما تسمية
(النحل)، و(النمل) جاء بالجمع ليدل على
الحياة الجماعية لتلك الحشرات(٣).
وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ اُلْبُبُوتِ
لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِّ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾
لمسة إعجازية أخرى، فبيت العنكبوت
من الناحية المادية أضعف البيوت على
الإطلاق؛ لأنه يتكون من خيوط حريرية
دقيقة جدًّا، تتشابك مع بعضها تاركة
مسافات كبيرة بينها في أغلب الأحيان؛
(١) تفسير المراغي، ١/ ٧١.
(٢) كتاب القرآن وإعجازه العلمي، محمد
إسماعيل إبراهيم، ١ / ١٥٧.
(٣) انظر: الحيوان في القرآن الكريم، زغلول
النجار، ص ١٤٠.
وبينت الآية أيضًا أن بيت العنكبوت من
الناحية المعنوية أوهن بيت على الإطلاق؛
لأنه بيت محروم من معاني المودة والرحمة
التي يقوم على أساسها كل بيت؛ لأن الأنثى
في بعض أنواع العنكبوت تقتل ذكرها،
وتفترسه بمجرد عملية الإخصاب؛ لأنها
أكبر حجمًا، وأكثر شراسة منه، وفي بعض
الحالات تقوم بأكل صغارها دون أدنى
رحمة، وفي بعض أنواع العنكبوت تموت
الأنثى بعد إتمام إخصاب بيضها الذي
تحتضنه في كيس من الحرير عادة (٤).
وقد لاحظ العلماء عند دراسة حياة
العناکب أن بيت العنكبوت له شكل هندسي
خاص دقيق الصنع، ومقام في مكان مختار
له في الزوايا، أو بين غصون الاشجار،
وأن كل خيط من خيوط البيت مكون من
أربعة خيوط دقيقة، ويخرج كل خيط من
الخيوط الأربعة من قناة خاصة في جسم
العنكبوت، ولا يقتصر بيت العنكبوت على
أنه مأوی یسکن فیه، بل إنه مصیدة تقع في
بعض حبائلها اللزجة الحشرات الطائرة
مثل الذباب، وغيره لتكون فريسة يتغذى
(٤) انظر: المصدر السابق ص ١٤٢ - ١٤٣.
www. modoee.com
٢٧١

حرف الحاء
عليها، فسبحان الله الذى خلق كل شيء،
وقدر كيانه تقديرًا، وألهمه حياته تنظيمًا،
وتدبيرًا(١).
ولا يحيط بما في العنكبوت، وعالم
الحيوانات، والمخلوقات كلها من أسرار
إلا الله عز وجل الذي لم يخلقها عبثًا، بل
له حكمة بالغة في المشاهد منها، وغير
المشاهد، والنافع منها، والضار، فسبحان
الله ﴿الَّذِىَّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة:
٧].
والملاحظ أن الإعجاز في هذه
الحيوانات الصغيرة والحقيرة مذهل
وعجيب، فكيف لو كان الكلام عن الإعجاز
في الحيوانات الكبيرة، والمتأمل في
مخلوقات الله تعالى يجد أن في كل مخلوق
له آيات تدل على أنه الواحد.
موضوعات ذات صلة:
الإنسان، الحشرات، الخلق، الطير،
النبات
(١) انظر: القرآن وإعجازه العلمي، محمد
إسماعيل إبراهيم، ١ / ١٥٧ - ١٥٨.
٢٧٢
جَوَسُو
القرآن الكريم