النص المفهرس
صفحات 21-38
الخبيث [النساء: ١٤٥]. لهمْ نَصِيرًا ؟ أما المخلط فليس من الكفار الذين قطع لهم بالعذاب، ولكنه بين الجنة والنار، واقف بين الوعد والوعيد، كل منهما يدعوه إلى موجبه، لأنه أتى بسببه، فعسى الله أن يتوب عليهم(١). وقال ابن عباس رضي الله عنه عن هذه الآية: هي في الأعراب، وهي عامة في الأمة إلى يوم القيامة فيمن له أعمال صالحة وسيئة، فهي آية ترج على هذا (٢). فقد يخلط المرء بين الحرام والحلال وبين الصاح والطالح وبين الخبيث والطيب، ولكن ما يلبث الحق أن ينير بصيرة المؤمن ویوجهه إلى الصواب إلى ما يرضي الله سبحانه وتعالى. ثالثًا: نفي المساواة بين الخبيث والطيب: قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْحَيثُ وَاُلَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: ١٠٠]. هذه الآية حكم عام في نفي المساواة عند الله عز وجل بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال وبین جيّدها، قصد به (١) انظر: موسوعة فقه القلوب، التويجري ٢/ ١٢٢٤. (٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ٧٧. الترغيب في جيد كل منها والتحذير عن الرديء منها (٣). فهذه الآية خطاب الله عز وجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، آمرًا له أن ينبه الناس إلى أن الخبيث والطيب لا يستويان عند الله في شيء، فالخير والشر لا يستويان، فلا يمكن أن يكون معاملة أهل الخبيث كمعاملة أهل الطيب، فهذا ما لا ترتضيه الفطرة السليمة وتدركه العقول المستقيمة، ویلفت نظر الإنسان أيًّا كان وحيثما كان، ومجرد الاستلذاذ بالخبيث والإعجاب به لا يقف في وجه هذه الحقيقة الناصعة. فقد يكون الخبيث جذابًا وبراقًا ومثيرًا، ولکنه في جوهره خبیث، وفي أثره خبيث، ولن يقف الخبيث مع الطيب على قدم المساواة بأي وجه من الوجوه. وقد یکون الطیب قليلا غیر براق أو مثيرًا وأقل وزنًا وحظًّا في الدنيا من الخبيث، فالطيب أوزن منه في الآخرة. وإن كان مآل الطيب إلى الجنة، فإن مآل الخبيث إلى النار. وإذا كان منفق المال الخبيث يعتبر إنفاقه هباء منثورًا، فمنفق المال الطيب يظل إنفاقه ثابتًا، هذا إلى ما يترتب على تناول كل من الطيب والخبيث، وعلى ممارسة كل من (٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٣/ ٨٣. www. modoee.com ٢٩٣ حرف الخاء الطيبات والخبائث، من الآثار النفسية والأخلاقية، الفردية والاجتماعية، مما يجعل سلوك الطيبين رحمة لهم وللناس، وسلوك الخبيثين نقمة عليهم قبل أن يكون على بقية الناس، فإن الله طيّبٌ لا يقبل إلا طيبًا (١). ـيـ ولذا عقب عز وجل بقوله: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ يَتَأُولِىِ الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ١٠٠]، وذلك بجعل أنفسنا وقاية من عقاب الله، فهو خطاب لأصحاب العقول السليمة، بفعل الطيب من الأعمال وترك خبيثها؛ للفوز برضوان الله، والنجاة من غضبه وعقابه. فمن حكمة الله سبحانه وتعالى أن خلق المتضادات في هذه الحياة ليتم الابتلاء والامتحان للعباد، وهذا يشمل الخبيث من الأشخاص، والخبيث من الأعمال، والخبيث من الأقوال، والخبيث من الأموال، والخبيث من المآكل والمشارب، فلا يستوي الخبيث والطيب من هذه الأشياء ولا من غيرها على الإطلاق. فلا يستوي الخبيث والطيب من كما قال تعالى: ﴿وَلَّا تَسْتَوِى الْحَسَنَّةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤]. الأشخاص، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقَاً لَّا يَسْتَوُنَ ﴾ [السجدة: ١٨]. (١) انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٢٣٦٨/٥. ثم بين الله عز وجل مصير كل من المؤمن والفاسق، قال تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ فَلَهُمْ جَنَّتُ الْمَأْوَى وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ ١٩ نَزْلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( فَمَأْوَنُّهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيَهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُتُميِ، تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ١٩- ٢٠]. وليس من يعمل الصالحات كمن يمشي فسادًا في الأرض، قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْمَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ ◌َجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوَآءَ ◌َّْيَّاهُمْ وَمَمَاتُهُمَّ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ [الجاثية: ٢١]. وقال تعالى: ﴿أَفَجْعَلُ الْسُلِمِينَ كْمُجْرِمِينَ ﴿﴿ مَا لَكُوْكَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦]. كما لا يستوي أصحاب الجنة وأصحاب النار، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِىَّ أَعَْبُ النَّارِ وَأَصْحَبُّ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْغَآيِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠]. لا يستوي الخبيث والطيب من الأعمال، كذلك لا يستوي الخبيث والطيب من الأقوال، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَوِ طَتْبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِ السَّمَلِ تُوْنِ أُكُلَهَا ٢٩٤ القرآن الكريم الخبيث كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَأُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِئَةٍ أَجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٦]. ولا يستوي الخبيث والطيب من الأطعمة والأشربة، فقد أحل الله الطيبات وحرّم الخبائث، قال الله تعالى في وصف رسوله عليه السلام: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِّينَ﴾ [الأعراف: ٥٧]. ولا یمکن أن يستوي الإنسان الذي يعمل بالمبادئ الأخلاقية والذي لا يعمل بها، ولا يستوي الذي يعمل الخير والذي يعمل الشر، قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخِيثُ وَاُلَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠]. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَّعِيمٍ ، وَإِنَّ اَلْفُجَّارَ لَفِى حَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]. إن الإنسان الذي يعمل بمقتضى القيم الأخلاقية لا تزيد قيمته ودرجته وجزاؤه عند الله فحسب، بل تزيد قيمته الإنسانية بين الناس فيكون له الشرف والمكانة الأدبية في المجتمع، فيجد القبول والاهتمام به والمودة والتقدير من الناس، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدَّا﴾ [مريم: ٩٦]. الاغترار بكثرة الخبيث لا يعني كثرة الشيء أنه هو الجيد دومًا وهو المطلوب، فقد ذم القرآن الكريم الكثرة في کثیر من آياته وامتدح القلة، وهذه بعض الأمثلة على ذم الكثير وعدم اعتباره: قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي اْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثُ الْأَوَّلِينَ ﴾ [الصافات: ٧١]. وقال تعالى: ﴿أَوَ كُلَّمَا عَهَدُواْ عَهْدًا تََّذَهُ، فَرِيقٌ مِّنْهُمَّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [البقرة: ١٠٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّاوَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَّ أَكْثَرُّ اَلنَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١]. www. modoee.com ٢٩٥ حرف الخاء وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ بخلاف ذلك، فإن أهل الحق هم الأقلون عددًا، الأعظمون عند الله قدرًا وأجرًا))(١). أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠]. كما امتدح الله عز وجل القلة في كثير من الأشياء: وقال تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ وَقَلِلٌ مَّاهُمْ﴾ [ص: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحَتُّهُ لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَنَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]. قال تعالى: ﴿وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْإِلَّا قَلِيلاً مِّنْهُمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَنَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ أَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ آَخْرُجُواْ مِنْ دِيَرِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمٌّ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَنَّبِيْتًا﴾ [النساء: ٦٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ: إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَيثُ وَاُلَّيْبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ، فَأَتَّقُواْ اللَّهَ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾[ المائدة: ١٠٠]. يقول الشيخ ابن سعدي رحمه الله: ((ودلت هذه الآية على أنه لا يستدل على الحق بکثرة أهله، ولا تدل قلة السالکین لأمر من الأمور أن يكون غير الحق، بل الواقع وإذا كانت كثرة الخبيث تغر وتعجب ففي الطيب متاع بلا معقبات من ندم أو تلف، وبلا عراقيل من ألم أو مرض، وما في الخبيث من لذة إلا وفي الطيب مثلها، بل أحسن منها على اعتدال وأمن من العاقبة في الدنيا والاخرة. ولو أثار أنفسنا وأعجبنا واسترعى أنظارنا کون الخبیث کثیرًا، إن الشر مهما یکثر لا یمکن أن یستحسن شرعًا أو ترضى به الأخلاق، ولا يمكن أن ينقلب بالكثرة مساويًا للخير بل إنه كلما كثر، وجبت مقاومته، بشدة وبمقدار کثرته، تكون شدة المقاومة، وذلك فرق ما بين شريعة الله سبحانه وتعالى وقوانين العباد، فإن قوانين العباد، تستمد قوتها من الكثرة، وعرف الناس، ولو كان فاسدًا، أما شريعة الله، فهي للخير المحض، وإذا کثر الشر لا تتبعه، بل تقاومه، ولا ترضى به، لأنها جاءت لنشر الخير، والعقل حين يتخلص من الهوى بمخالطة التقوى له ورقاقة القلب له، يختار الطيب على الخبيث فينتهي الأمر إلى الفلاح في الدنيا والآخرة ولا یمکن أن ترضى، وإلا ما كانت رسالات الرسل، ولا جهاد الأنبياء والصديقين والشهداء الصالحين، ولذلك (١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٢٧٠. ٢٩٦ صَوْنُو القرآن الكريم الخبيث أمر سبحانه بمقاومة الشر مهما كثر (١). كثيرًا ما يستدل أغلب الناس ممن قل فقهه على الحق بكثرة أهله، ويظنون أن الصواب يعرف بكثرة الجمهور والأتباع لرجل ما، وقد قيل: «الرجال يعرفون بالحق لا الحق یعرف بالرجال». يقول ابن عاشور رحمه الله عن هذه الآية: فكان الخبيث المقصود في الآية شيئًا تلبّس بالكثرة، فراق في أعين الناظرين لكثرته، ففتح أعينهم للتأمّل فيه ليعلموا خبثه ولا تعجبهم كثرته. والمخاطب بهذه الآية غير معيّن بل كلّ من يصلح للخطاب، وليس المقصود بهذه الآية أنّ كلّ خبيث يكون كثيرًا، ولا أن يكون أكثر من الطيّب من جنسه، فإنّ طيّب التمر والبرّ والثمار أكثر من خبيثها، وإنّما المراد أن لا تعجبکم من الخبیث کثرته إذا كان كثيرًا فتصرفكم عن التأمّل من خبثه وتحدوكم إلى متابعته لكثرته، ولكن انظروا إلى الأشياء بصفاتها ومعانيها لا بأشكالها ومبانيها، أو كثرة الخبيث في ذلك الوقت بوفرة أهل الملل الضالّة (٢). فالخبيث والطيب لا يتساويان في میزان العدل الإلهي في الدنيا وفي الآخرة، فقليل حلال طيب خير من كثير حرام ضار، لهذا لا (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ٩٨٣. (٢) انظر: التحرير والتنوير ٧/ ٦٣. يجوز الاغترار بالخبيث ولو کثر وعم، وفي هذا تثبيت للمؤمنين على ما ابتلوا به من كثرة الخبائث وانتشارها وسطوة أهله وتجبرهم. فمهما يكثر الخبيث وينتشر صيته فيبقى خبيئًا غير مستساغ لدى النفوس الطيبة الطاهرة، ولا تقبله الفطرة السليمة، وليس کل ما يلمع ذهبًا. ودائما أصحاب العقول السليمة هم المخاطبون بالتوجيهات الربانية فالعقل السليم والفطرة النقية لا تتعارض مع النصوص الإلهية ، وقد قال عز وجل: ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[ المائدة: ١٠٠]. فمن الواجب على كل ذي لب يميز الخبيث من الطيب، ويقضي بأن الطيب خير من الخبيث، وأن من الواجب على الإنسان أن يجتهد في إسعاد حیاته، ويختار الخير على الشر أن يتقي الله ربه بسلوك سبیلہ، ولا یغتر بانکباب الکثیرین من الناس على خبائث الأعمال ومهلكات الأخلاق والأحوال، ولا يصرفه الأهواء عن اتباع الحق بتولية أو تهويل لعله يفلح بركوب السعادة الإنسانية حتى ولو كان غريبًا وسط هذه الفتن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طوبى للغرباء، طوبى للغرباء، طوبى للغرباء)، فقيل: من الغرباء يا رسول الله؟ www. modoee.com ٢٩٧ حرف الخاء قال: (ناس صالحون في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم)(١) . تحريم الخبائث من فضل الله علینا ومنته أنه أحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث، لحكم عظيمة وجليلة تتضح معالمها على مر الزمان، لتثبت أن هذا القرآن من عند عليم خبير. قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَِّىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَاَلَِّبَتِ مِنَ الْرِّزْقَّ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَمَةُ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢]. فالله عز وجل يمتن على عباده بما مكنهم في الأرض من حياة واستقرار، إذا جعلها مسخرة لهم، ووضعها تحت تصرفهم، وآتاهم فيها من أسباب الکسب ووسائل العيش ما يطيب معه القرار، وأحل الطيبات من المأكل والمشرب والملبس والزينة، وأنكر تحريم ذلك وجعل سبحانه وتعالى كل ذلك مباحًا، ودعا عباده إلى استعمالها والتمتع بها، فالله جل جلاله هو وحده المختص بالتحليل والتحريم، وقد أحلها ولم يحرمها (٢). قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ١٧٢ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ اَلْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ (١) أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، مسند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، ١١ / ٦٤٤، رقم ٧٠٧٢، وابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الزهد، ما ذكر عن نبينا صلى الله عليه وسلم في الزهد، ٧/ ٨٣، رقم ٣٤٣٦٨. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٧٢٨/٢، رقم ٣٩٢١. (٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢ / ١٠١. ٢٩٨ مَوسُوبَةُ النَّفِيَّة جوسين القرآن الكريم الخبيث اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهٍ إِنَّ العقل من الخمر للمضطر الذي لا يجد ما اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [ البقرة: ١٧٢ - ١٧٣]. ویأمر الله عز وجل بالأکل من طيبات ما خلق لنا وشكره على تلك النعم التي لا تعد ولا تحصی، ویفصل بعد ذلك الحق سبحانه وتعالى ما حرم على عباده وهي: · الميتة: وهي کل ما لم تدرك ذکاته مما يذبح واستثنى الشرع من الميتة السمك والجراد. الدم: أراد به الدم الجاري يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَوْدَمَا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، واستثني من الدم الكبد والطحال فأحلها(١). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحلت لنا ميتتان ودمان، الميتتان: الحوت والجراد، والدمان، أحسبه قال: الكبد والطحال)(٢). لحم الخنزير وشحمه وعظمه. قال الشّافعي رحمه الله تعالى: فيحلّ الله عز وجل ما حرّم من الميتة والدم ولحم الخنزير، وكلّ ما حرم مما يغير (١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١/ ١٨٣. (٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، مسند عبد الله بن عمر رضي الله عنه عنهما، ١٥/١٠، رقم ٥٧٢٣، وابن ماجه في سننه، كتاب الأطعمة، باب الكبد والطحال، ٢/ ١١٠٢، رقم ٣٣١٤. وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٨/ ١٦٤، رقم ٢٥٢٦. يسد رمقه من طعام أو شراب، وبلغ منه الجوع والعطش ما يخاف منه الموت أو المرض، وذلك بقدر ما ینقذ به نفسه، ولیس له أن يأكل ويشرب حتى الشبع والتلذذ بذلك. (٣) وفي آية أخرى يبين الله عز وجل المزيد من الخبائث المحرمة على العبد. قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَالدَّمُ وَحْمُ اَلِخَنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَّدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَيْثُمُ وَمَا ذُيِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَرَّ ذَلِكُمْ فِسْقُ اَلْيَوْمَ يَبِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَّخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنٍ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينَّاً فَمَنِ أَضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لَإِثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]. فزادت هذه الآية عن سابقتها عدة محرمات سبق الحديث عنها وهي: * المنخنقة. * الموقوذة. ٥ المتردية. # ما أكل منه الحيوان. الذبح على النصب. ٥ الاستقسام بالأزلام. (٣) تفسير الإمام الشافعي ١/ ٢٤٨. www. modoee.com ٢٩٩ حرف الخاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو بمكة عام الفتح: (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: لا، هو حرام، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه)(١). وقال تعالى: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِى مَا أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْنَةً أَوْ دَمَا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسُ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاخٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [ الأنعام: ١٤٥]. وقال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَيْثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. لقد دلت هذه الآية بمفهومها على تحريم الخبائث، فإن الطيبات هي المحللات، فقد وصفها بالطيب، لأنها لفظة تتضمن مدحًا وتشريفًا، وعلى هذا تكون الخبائث هي المحرمات. وعلى هذا حلل الإمام مالك المتقذرات: كالحيات والعقارب والخنافس ونحوها. ومذهب الشافعي رحمه الله أن الطيبات (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب بيع الميتة والأصنام، ٣/ ٨٤، رقم ٢٢٣٦. هي من جهة الطعم، إلا أن اللفظة عنده ليست علی عمومها، لأن عمومها بهذا الوجه من الطعم يقتضي تحلیل الخمر والخنزير، بل المحرمات بالشرع وفي المتقذرات، فيحرم العقارب والخنافس والوزغ وما جرى هذا المجرى يراها مختصة فيما حلله الشرع، ويرى الخبائث لفظًا عامًّا في المحرمات بالشرع وفي المتقذرات(٢). وهذا هو الراجح عندي والذي تأنس له الفطرة السليمة والنفس الطيبة حيث إن الطيبات ما تقبل به النفس، أما الحشرات والزواحف مما لا تستسيغه الطباع البشرية. فإن ما استخبثه الناس من الحيوانات لا لعلة ولا لعدم اعتياد بل لمجرد استخباث فهو حرام، وإن استخبثه البعض دون البعض كان الاعتبار بالأكثر كحشرات الأرض وكثير من الحيوانات التي ترك الناس أكلها ولم ينهض على تحريمها دليل يخصها، فإن ترکها لا يكون في الغالب إلا لکونها مستخبثة فتندرج تحت قوله سبحانه: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَِّثَ﴾. فقد أباح الله لعباده الطيبات، وحرم عليهم الخبائث والمضرات، ولقد كرم الله بني آدم بكرامات كثيرة، أهمها العقل؛ لكن نجد الكثير من الناس من يجني على هذا (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٠٠/٧. ٣٠٠ جَوْسُبُو لِلْقُرآن الكَرِيمِ الخبيث العقل بشرب الخمور والمسكرات(١). ولنا هنا حديث عن محرم آخر وهو الخمر، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا اَلْنَتُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، إن الله سبحانه وتعالى قد وصف الخمر بأنه رجس فعلم أن النجاسة علة لتحريم الأكل وكل نجس فإنه يحرم أكله، هذا بعد إجماع الأمة على تحريم الخبائث والنجاسات (٢). وإنما حرم علينا سبحانه وتعالى هذه الخبائث: فإن الخبيث غير مستطاب، فصارت لطفًا بنا، وتنزيهًا لنا عن كل خبيث لا هذه الآية الكريمة نصًّا فيما يحل ويحرم من الأطعمة، فحري بنا نحن المسلمين تستطيبه النفس الكريمة. أن نتحرى المال الطيب الحلال، والرزق السليم النافع، ونحذر أشد الحذر من الأموال الخبيثة والمكاسب المحرمة. وفي تحريم هذه الأشياء حماية للمسلمين مما فيها من الميكروبات والجراثيم والمواد الضارة، التي لم يهتد الأطباء لمعرفتها إلا في عهد متأخر جدًّا. وحرمت الميتة بغير تذكية شرعية، لأن الميتة خبيثة مضرة، ولرداءتها في نفسها، ولأن الأغلب، أن تكون عن مرض، فیکون زیادة ضرر. · وقد یکون التحریم لعلة اعتقادیة، لها علاقة وثيقة بالشرك والوثنية مثل ما (١) انظر: الدراري المضية، الشوكاني ٣١٨/٢. (٢) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٣/ ١٨١. يذبح للأصنام. والخمور حرمت بسبب ما تفعله في العقول من دمار، فتجل المرء كالبهيمة بل أضل سبيلاً، كما لها أضرارها على الصحة وهي كثيرة، وما فيها من ضياع للعرض والمال. ويقاس على ذلك العديد من الأطعمة والأشربة التي حرمها العلماء بالإجماع قياسًا عما ذكره الله جل جلاله من تحريم المخدرات والدخان وبعض الأدوية المذهبة للعقل واعتبارها من الخبائث. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال، أمن الحلال أم من حرام) (٣). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (يا أيها الناس! إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب قول الله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الْرِّبَواْ أَضْعَفًا مُضَحَفَةٌ ﴾، ٥٩/٣، رقم ٢٠٨٣. www. modoee.com ٣٠١ حرف الخاء وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿وَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًاً إِنِِّ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟)(١). (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، ٧٠٣/٢، رقم ١٠١٥. التناسب بين الخبيثين إن الله عز وجل خلق كل شيء بقدر ويتناسق يأخذ الألباب، فجعل لكل شيء ما يناسبه فجعل الطيب لما يناسبه، وجعل للخبيث ما يناسبه، قال تعالى: ﴿اَلْنَبِيئَتُ لِلْخَبِيثِنَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَيِشَتِ﴾ [النور: ٢٦]، جاء في معنى هذه الآية أقوال: الأول: إن الخبيثات من الكلم للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلم، والطيبات من الكلم الطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيّبات من الكلم. الثاني: إن معناه الخبيثات من السيئات للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من السيّئات، والطيّبات من الحسنات للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من الحسنات. الثالث: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء(٢). وبما أن سياق السورة هو سياق الحديث عن الزواني والمحصنات، وعن المؤمنين والمؤمنات، وعن الأجواء التي تتحرك (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ١٤٢. جَوَسُولَةُ النَّتِيّة الْقُرآن الكَرِيمِ ٣٠٢ الخبيث في دائرة العلاقات الزوجية التي يتحكم يملكن المواصفات نفسها، وهو ما يجعل فيها الانسجام الأخلاقي بين الزوجين، ما يجعل من مسألة التوافق الروحي والإيماني عنصرًا حيويًّا في المسألة، نستطيع القول بأن المراد بالكلمتين هو المعنى الثالث المراد من الطيبين والخبيثين، ويؤكد ذلك طبيعة المقابلة بين الكلمتين (١). ولكن قد يشكل فهم الآية على البعض، فهل هو على تقرير الواقع بحيث يكون المعنى أن واقع العلاقات الزوجية أو ما يشبهها، هو الانسجام بين الزوجين في الخبث والطيبة؟ ولكن هذا غير واقعي، لأن كثيرًا من الطيبين والطيبات ابتلوا بزیجات خبيثة، كما أن كثيرًا من الخبيثات ارتبطن بعلاقة زوجية مع رجال طيبين. أو هو تشريع للعلاقة الزوجية، حیث إنه لا بد للخبيثات من أن یتزوجن من الخبیثین، فلو تزوجن غيرهم، لكانت العلاقة غير شرعية، كما لن تكون هناك شرعية الزواج الطيب من الخبيثة أو الطيبة من الخبيث؟ الحقيقة أنه لا هذا ولا ذاك، فالمسألة جارية مجرى التناسب القائم على الاتفاق في العقيدة الطيّة، والأخلاق والسلوك الطيبين، ما يجعل الطيبين مناسبين للّاتي (١) انظر: النكت في القرآن الكريم، المجاشعي، ص ٣٥٧. الانجذاب الروحي الذي يؤدي إلى العلاقة الشرعية الزوجية أمرًا طبيعيًّا، كما أن المواصفات المضادة تخلق التناسب بين الذين يتمتعون بهذه الصفات السلبيّة، وتجعل العلاقة طبيعية بينهم باعتبار أن كل شكلٍ لشكله ألف. ومقصود الآية: إن زوجتم فزوّجوا الخبيث للخبيثة، والطيب للطيبة؛ ليتحقق التكافؤ بین الزوجین ویحدث بينهما الوفاق، حتى إن عيّر الخبيث زوجته كانت مثله تستطيع أن تردّ عليه، لا بدّ من وجود التكافؤ حتى في القباحة، وإلا فكيف تفعل الطيبة مع الخبيث، أو الخبيث مع الطيبة؟(٢). أراد الله عز وجل أن يوجهنا إلى أن نزوج فتياتنا الطيبات رجالًا طيبين، ويوجهنا أيضًا إلی أن نزوج شبابنا الطیبین فتيات طيبات، لكي يكون تناسبًا صحيحًا وسليمًا، فهذا توجيه أخلاقي اجتماعي، لهم في توجيهها هذا التوجيه الرائع، أي: ينبغي يا عبادي أن يكون الطيبون للطيبات والخبيثون للخبيثات. وليس في الذنوب أفسد للقلب والدين من فاحشة الزنا، فلها خاصية في تعبيد القلب لغير الله، فإنهما من أعظم الخبائث، وكلما ازداد القلب خبئًا ازداد من الله بعدًا، (٢) انظر: تفسير الشعراوي ١٨/ ١٠٩٧١. www. modoee.com ٣٠٣ حرف الخاء قال تعالى: ﴿الَِّ لَا يَنْكِحُ إِلََّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ينكحها إلا من هو مثلها وهو الزاني، أو من أشد حالًا منها وهو المشرك، فأما المسلم وَالَِّيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلََّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]. العفیف فاسد غیرته یأبی ورود جفرتها)»(٣). إن نكاح المؤمن المتّسم بالصلاح الزانية، ورغبته فيها واندماجه في سلك الفسقة المشهورين بالزنا محرم عليه، لما فيه من التشبه بالفسّاق ومن حضور مواضع الفسق والفجور التي قد تسبب له سوء القالة واغتياب الناس له، وكم في مجالسة الفساق من التعرض لاقتراف الآثام، فما بالك بمزاوجة الزوائي والفجار (٤). وقال الشيخ الشعراوي رحمه الله: ((فهذا سبب طهر الأنسال أن يحرّم الله سبحانه وتعالى الزنا، فيأتي الخليفة طاهر النسل والعنصر، محضونا بأب وأم، مضمومًا بدفء العائلة، لا يتحملون عليه نسمة الهواء؛ لأنه جاء من وعاء طيب طاهر نظيف»(٥). إذن فهناك تناسب طبيعي قدره الله عز وجل في هذه الحياة كي تسير وفق منظومة صحيحة لا اعوجاج فيها، غير أن البعض قال الألوسي رحمه الله ((تقبيح لأمر يأبي إلا الخروج عن المألوف والطعن في طبيعة سير الأمور فيتسببون بالفساد والخراب وانتشار الرذيلة في المجتمع المسلم. (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٣/ ٣١٨. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب الأرواح جنود مجندة، ١٣٤/٤، رقم ٣٣٣٦. (٣) روح المعاني ١٨/ ٨٤. (٤) انظر: تفسير المراغي ١٨/ ٧١. (٥) تفسير الشعراوي ١٦/ ١٠٢٠٣. ٣٠٤ جُوَسبق القرآن الكريم أي: إن الفاسق الفاجر الذي من شأنه الزنا والفسق لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء، وإنما يرغب في فاسقة خبيثة أو في مشركة مثلها، والفاسقة المستهترة لا يرغب في نكاحها الصالحون من الرجال، بل ينفرون منها، وإنما يرغب فيها من هو من جنسها من الفسقة، ولقد قالوا في أمثالهم: إن الطيور على أشكالها تقع(١). وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي صلی الله عليه وسلم، يقول: (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)(٢). . ولا شك أن هذا حکم الأعم الأغلب كما يقال: لا يفعل الخير إلا الرجل التقى، وقد يفعل الخير من ليس بتقى، فكذا هذا، فإن الزاني قد ينكح المؤمنة العفيفة، والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف. الزاني أشد تقبيح، ببيان أنه بعد أن رضي بالزنا لا يليق أن ينكح العفيفة المؤمنة، والزانية بعد أن رضيت بالزنا لا يليق أن الخبيث الخبيث في المثل القرآني إن اللّه سبحانه وتعالى يضرب الأمثال لعباده في العديد من آياته في كتابه العزيز، وأمر بالاستماع إليها ودعا عباده إلى تعقلها، والتفكير فيها، والاعتبار منها. وضرب الله عز وجل المثل للخبيث فقال: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِ السَّمَآِ تُوْنِ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَيّهَأْ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ ٢٥ يَتَذَكْرُونَ كَشَجَرَةٍ خَبِيئَةٍ أَجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ [إبراهيم: ٢٤-٢٦]. هذان مثلان ضربهما الله تعالى للكلمة الطيبة، والكلمة الخبيثة، مثل الأولى بشجرة طيبة، ومثل الثانية بشجرة خبيثة، فلما ذكر مثل أعمال الكفار، وأخبر أنها کرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وشرح أحوال الأمة الطيبة، وأحوال الفرقة الخبيثة، ذكر مثلًا یبین الحال في حكم هذين القسمين، ويصور سنته الجارية في الطيب والخبيث في هذه الحياة (١). ويضرب الله سبحانه وتعالى هذا المثل ليصوّر للناس سنته الجارية في الطيب والخبيث في هذه الحياة بالشجرة الطيبة، (١) انظر: تفسير المراغي ١٣ / ١٤٧. والشجرة الخبيثة. فالكلمة الطيبة هي كلمة الحق، وهى أساس الوجود، ولا تستطيع قوى البغي والطغيان أن تقضى عليها، أو هي كلمة التوحيد، فهي كالشجرة الطيبة، ثابتة، مثمرة، متعالية، فبذورها تنبت في تلك التربة الخصبة، وكذلك الكلمة الطيبة تثبت في النفوس الطيبة، كالنخلة، وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك. وأما الكلمة الخبيثة، فهي على النقيض من ذلك، هي كلمة الشرك والباطل التي تعمل على إفساد الحياة، وفي نشر بذور الشر في كل مكان، وفي كل نفس، وهي كالشجرة الخبيثة التي قد تتشابك أغصانها، وتتعالی فروعها، ولكنها لا تثمر إلا ثمرًا مرًّا، ولا تعطي فائدة، كشجرة الحنظل، ونحوها، وفي نفس الوقت لا تتحمل أية هزة، فلا قرار لها ولا بقاء (٢). ووصف الشجرة الخبيثة، التي شبه بها الكلمة الخبيثة في صفتها بثلاث صفات: الأولى: أنها خبيثة، وذلك يحتمل أن يكون بحسب الرائحة، وأن يكون بحسب الطعم، وأن يكون بحسب الصورة والمنظر، واشتمالها على المضار الكثيرة. وأصل (الخبث) في كلام العرب كما (٢) انظر: عون الحنان في شرح الأمثال في القرآن، علي الطهطاوي، ص ٢١٢. www. modoee.com ٣٠٥ حرف الخاء ذكرت سابقًا: المكروه، فإن كان في الكلام بها القيامة) (٤). فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن کان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار، ومنه قيل لما يرمى من منفي الحديد: الخبث(١). الثانية: کونها (اجئت من فوق الأرض)، أي: استؤصلت. وهذه الصفة في مقابلة (أصلها ثابتٌ) في صفة الشجرة الطيبة، وحقيقة (الاجتثاث) أخذ الجثة كلها من فوق الأرض، لكون عروقها قريبة من الفوق؛ فکأنها فوق، وهذا يعني: أنه ليس لها أصل، ولا فرع، وليس لها ثمرة، ولا فيها منفعة(٢). الثالثة: كونها (ما لها من قرارٍ)، فنفى أن یکون لها مکان تستقر فیه، وأن یکون لها استقرار. قال الزمخشري رحمه الله: ((شبّه بها القول، الذي لم يعضّد بحجة فهو داحض غير ثابت، والذي لا يبقى؛ إنما يضمحل عن قريب لبطلانه؛ من قولهم: الباطل لجلج»(٣). وعن قتادة رضي الله عنه أنه قيل لبعض العلماء: (ما تقول في كلمة خبيثة؟ فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقرًّا، ولا في السماء مصعدًا، إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافي (١) انظر: العين، الفراهيدي ٤ / ٢٤٩، تهذيب اللغة، الأزهري ٧ / ١٤٦. (٢) انظر: فتح البيان، القنوجي ٧/ ١١١. (٣) الكشاف ٢/ ٥٥٤. هذا هو مثل الكلمة الطيبة، ومثل الكلمة الخبيثة. وليس هذا وذاك مجرد مثل يضرب، ولا مجرد عزاء للطيبين وتشجيع؛ وإنما هو الواقع في الحياة، ولو أبطأ تحققه في بعض الأحيان، والخير الأصيل لا يموت ولا یذوي، مهما زحمه الشر وأخذ علیه الطريق، والشر کذلك لا یعیش إلا ريثما يستهلك بعض الخير المتلبس به، فقلما يوجد الشر خالصًا، وعندما يستهلك ما يلابسه من الخير، فلا تبقى فيه منه بقية، فإنه يتهالك، ويتهشم مهما تضخم واستطال(٥). ثم أخبر سبحانه وتعالى عن فضله وعدله في الفريقين: أصحاب الكلمة الطيبة، وأصحاب الكلمة الخبيثة. فبين سبحانه وتعالى فبين أنه في ظل الشجرة الثابتة مثلًا للكلمة الطيبة، يثبت الذين آمنوا بإيمانهم بالقول الثابت أحوج ما يكونون إليه في الدنيا والآخر، والقول الثابت: بكلمات القرآن، وبالعمل الصالح، وبكلمات الإيمان، يكون العون من الله، والثبات للذين آمنوا. وفي ظل الشجرة الخبيثة المجتثة من فوق الأرض ما لها من قرار، ولا ثبات يضل الظالمين عن القول الثابت (يضلّ (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦ / ٥٨٧. (٥) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٠٩٨. ٣٠٦ جَوَنُور القرآن الكريمِ الخبيث اللّه الظّالمین)، فيضل هؤلاء بعدله بسبب ظلمهم وشرکھم، واتباع الهوى، وتمکن الخرافات والأباطيل من نفوسهم القلقلة المضطربة، وإضلالهم في الدنيا أنهم لا يثبتون في مواقف الفتن وتزل أقدامهم أوّل شيء، وهم في الآخرة أضل وأذل ويفعل الله ما يشاء بإرادته المطلقة(١). وذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةٌ وَيُضِلُ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. أي: يثبّت الذين صدقوا برسالة الأنبياء والمرسلين، يثبتهم على دينهم ويقينهم بسبب اعترافهم الثابت بتوحيد اللّه وطمأنینتهم به، فلم تهزه الشكوك ولم يزلزله الإيذاء أو التشكيك؛ فيظلّون على ما هم عليه من اليقين الثابت في الحياة الدنيا، لا تزحزحهم عنه الشدائد والفتن، وإن كانت كموج البحر أو كقطع الليل المظلم، وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله طرفة عين؛ فإن لم يثبته، وإلا زلت سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما (٢). وبین سبحانه وتعالى سبب ضربه للأمثال بقوله: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٥]. (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢/ ٥٥٤. (٢) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٥/ ٤٩٢. وذلك لأنها أمثال مصداقها واقع في الأرض، ولكن الناس كثيرًا ما ينسونه في زحمة الحياة؛ ففي ضربها لهم زيادة إفهام، وتذكير، وتصوير للمعاني (٣). من خلال ما رأينا في المثل من مقابلة وموازنة بين حالتين يلمسهما القارئ لكتاب الله عز وجل، فينحاز إلى ما هو جدير به أن ينحاز إليه من عمل صالح يتقرب به إلى الله جل جلاله، وابتعاد عن الطالح من الأمر. ويفهم من هذا التصوير أن المؤمن مثل الشجرة، لا يزال يعطى من ثماره في كل وقت، صيفا وشتاء، ليلا ونهارًا، وكذلك المؤمن لا يزال يرفع له عمل آناء الليل وأطراف النهار، وفي كل وقت وحين، والكلمة الخبيثة تمثل كفر الكافر، لا أصل له، ولا نبات، ولا فرع، ولا یصعد له عمل، ولا يتقبل منه شيء. (٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣/ ٢٩٨. www. modoee.com ٣٠٧ حرف الخاء مصير الخبيث وأهله لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يوجد في هذه الحياة الطّيّب والخبيث؛ للاختبار والامتحان والتمايز، وليلقى كل منهما جزاءه المناسب فهم لا يستويان أبدًا. قال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ اُلَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَةُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٧]. تتواصل صورة الخبيث في السياق القرآني، لترسم خاتمة له في جهنم وبئس المصير، فالخبيث هنا مجسّم في صورة أكوام من الأقذار الكريهة، تجمّع بعضها فوق بعض، ثم تقذف في النار، بدون اكتراث أو اهتمام، فهذه الصورة للخبيث أوقع في الحس والنفس من أي تعبير آخر، وهي تهدف إلى التنفير من الخبيث، من خلال هذه النهاية المرسومة له، وشتّان بين صورة الخبيث الكريهة التي تنتهي في النار، وبين صورة الطيب المحبوبة، التي تنتهي إلى الجنة(١). يقول الشيخ أبو زهرة رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: إن الخبيث يجتمع بعضهم إلى بعضه، يضم الخبيث إلى الخبيث ویتراكم عليه، حتى يكادوا يكونون عليه (١) انظر: وظيفة الصورة الفنية في القرآن، عبدالسلام الراغب، ص ١٣٨. لبدًا، وهذا تعبير يتناسب مع تكاثف شيء كله خبيث، أي: يجعل الله سبحانه وتعالى الخبیث الحاضر فوق الخبیث الغابر، فوق ما سبقه، فنظمه جمیعًا بعضه لبعضه، وفي هذا إشارة إلى أن في جهنم مكانًا للجميع، وإن كان مزدحمًا متراكمًا، وإشارة إلى تلاحق الحاضرين مع من يقلدونهم، وإشارة إلى تميزهم على الطيبين، أو تميز الطيبين عنهم، وإن هذا كله ينبئ عن الخسارة المطلقة التي لا كسب فيها؛ ولذلك جعلهم الحق عز وجل هم الأخسرين، فجعل أصحابه في جهنم إلى يوم القيامة، وبئس المصير لمن خسر نفسه وماله(٢). فإن الله سبحانه وتعالى يفرق بين الطيب والخبيث في كل الأمور، ثم يكون الجزاء في الآخرة بأن يفترقا، فلا يجتمعان أبدًا؛ فلكلّ داره وقراره، فالطّيّب وأهله لهم الجزاء الطيب في جنان الرحمن، والخبث وأهله لهم العذاب الأليم، والمصير الخبيث. فكل عمل له نتائجه المترتبة عليه: فإن الطّيّب لا يليق به إلا الطيب، ولا يفعل إلا الطيب، ولا يقول إلا الطيب، ولا يأكل إلا الطيب؛ لذلك استحق مجاورة الطيبين في جنات الخلد. والشقي الخبيث لا يفعل إلا الخبيث، * ولا يقول إلا الخبيث، ولا يخالط إلا (٢) انظر: زهرة التفاسير ٦/ ٣١٢٥. ٣٠٨ جوسين القرآن الكريم الخبيث الخبيثين، وترى الخبث يتفجر من مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ اَلْأَرْضِ﴾ [الرعد: قلبه ولسانه وجوارحه؛ ولذلك استحق ١٧]، وسنن الله في الدنيا والآخرة واحدة، فالخبيث في الدنيا خبيث في الآخرة. (٣) مجاورة الخبیثین في جهنم مآوی لهم. ولكن إن كثر الخبث وأهله من الزناة والفجرة والفاسقين المجاهرين للمعاصي أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام وإن كان هناك صالحون(١). فعن زينب بنت جحش، رضي الله عنها أن النبي صلی الله عليه وسلم، دخل عليها فزعًا یقول: (لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه)، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم، إذا كثر الخبث)(٢). إن الله كتب النصر والغلب لعباده المتقين والخذلان والحسرة لمن يعاديهم ویقاتلهم من الكفار للصدّ عن سبيل الله، لیمیز الكفر من الإیمان، والحق والعدل من الجور والطغيان. الاجتماع هو بقاء أمثل الأمرین وأصلحهما، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءٍ وَأَمَّا (١) العمدة من الفوائد والآثار الصحاح في مشيخة شهدة، شهدة الإبري، ص ٤١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قصة يأجوج، ومأجوج ١٣٨/٤، رقم ٣٣٤٦. وقد وصف الله سبحانه وتعالى الشرك والزنا واللواطة بالنجاسة والخبث في کتابه دون سائر الذنوب، فقال عز وجل في حق اللوطية: ﴿وَلُوطًا ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَّنَهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتَ تَعْمَلُ الْخَبَتِتُّ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَسِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٤]. وقالت اللوطية: ﴿أَخْرِجُواْ عَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسِ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ [النمل: ٥٦]، فأقروا مع شركهم وكفرهم أنهم هم الخبيثون الأنجاس، وأن لوطًا وآله مطهرون من ذلك باجتنابهم له. فكان الجزاء موافقًا لأعمالهم الخبيثة، فأنزل الله عز وجل عذابه علیھم، قال تعالی: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ، فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٣ - ٧٥]. ((قلبها فأهوى بها منكسة عاليها سافلها، وهذا التمييز بين الأمرين في سنن وغشاها بمطر من حجارة من سجيل متتابعة مسومة مرقوم على كل حجر اسم صاحبه الذي سقط عليه من الحاضرين منهم في بلدهم والغائبين عنها من المسافرين والنازحين والشاذين منها)»(٤). (٣) تفسير المراغي ٩/ ٢٠٦. (٤) البداية والنهاية، ابن كثير١ / ١٨٢. www. modoee.com ٣٠٩ حرف الخاء لقد حرم الله الجنة علی کل خبیٹ، بل جعلها مأوى الطيبين ولا يدخلها إلا طيب، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلِكَةُ طَيِنَّ يَقُولُونَ سَلَمٌ عَلَيْكُمْ أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]. وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَنَّقَوْا رَهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًاْ حَفَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَأَدْخُلُوهَا خَلِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. فإنما استحقوا سلام الملائكة ودخول الجنة بطيبهم، والزناة من أخبث الخلق، وقد جعل الله سبحانه وتعالى جهنم دار الخبيث وأهله، فإذا كان يوم القيامة ميز الخبيث من الطيب، وجعل الخبيث بعضه على بعض ثم ألقاه وألقى أهله في جهنم، فلا يدخل النار طيب، ولا يدخل الجنة خبيث(١). موضوعات ذات صلة: الأكل ، الخمر، الزنا، الشرب، الطعام، الطيبات، الفواحش، المال (١) انظر: روضة المحبين، ابن القيم، ص ٣٦١. ٣١٠ صَوَسُوعَرَ النفسية الموضوي القرآن الكريمِ