النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الحَلْتُ عناصر الموضوع مفهوم الخبيث ٢٧٤ الخبيث في الاستعمال القرآني ٢٧٥ الألفاظ ذات الصلة ٢٧٦ الموصوف بالخبث في القرآن ٢٧٨ ٢٨٨ بين الطيب والخبيث ٢٩٥ الاغترار بكثرة الخبيث ٢٩٨ تحريم الخبائث ٣٠٢ التناسب بين الخبيثين ٣٠٥ الخبيث في المثل القرآني ٣٠٨ مصير الخبيث وأهله المُجَلَّدَ الثَّالِكْ عَشَر حرف الخاء مفهوم الخبيث أولًا: المعنى اللغوي: خبث الشيء خباثة وخبئًا فهو خبيث، وهم خبثاء وخباث، والخبيث: نعت كل شيء فاسد، وخبيث الطعم، وخبيث اللون وبه خبث، وخباثة وأخبث فهو مخبث إذا صار ذا خبث وشر. والخبيث: ضد الطيب من الرزق والولد والناس، وقد خبث الشيء خبائة، وخبث الرجل خبثًا، فهو خبيث، وأخبثه غيره، أي: علّمه الخبث وأفسده، وأخبث أي: اتخذ أصحابًا خبثاء، فهو خبيث مخبث ومخبثان، والكفر مخبئة لنفس المنعم، والأخبثان البول والغائط، وشيء خبيث، أي: نجس، والمخبث: الذي يعلم الناس الخبث، ويطلق الخبيث على الحرام كالزنا، وعلى الرديء المستكره طعمه أو ريحه كالثوم والبصل، وعلى الحرام وعلى الكافر، ومنه الخبائث، وهي التي كانت العرب تستخبثها مثل: الحية والعقرب(١). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: الخبيث: هو ما يكره بسبب رداءته وخسته سواء أكان محسوسًا أم معقولًا، وذلك يتناول الباطل في الاعتقاد والتفكير، والكذب في المقال، والقبح في الأفعال والتصرفات(٢). العلاقة بين المعنى اللغوي والمعني الاصطلاحي: من خلال التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي للفظ (الخبيث) يتضح لنا بجلاء العلاقة الوثيقة بين المعنيين، حيث إن الخبيث اصطلاحًا تعني المكروه لرداءته وفساده، والخبيث لغة تعني الفاسد والرديء والمحرم والمكروه. (١) انظر: العين، الفراهيدي ٤ /٢٤٨، تهذيب اللغة، الأزهري ٧/ ١٤٦، الصحاح، الجوهري ٢٨١/١، مجمل اللغة، ابن فارس ٣١٠، أساس البلاغة، الزمخشري ٢٢٨/١. (٢) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص ١٥٢. ٢٧٤ جوية القرآن الكريم الخبيث الخبيث في الاستعمال القرآني وردت مادة (خبث) في القرآن بصيغ متعددة، بلغت (١٦) مرة (١). والصيغ التي جاءت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١ ﴿وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] الصفة المشبهة ١٣ ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] الجمع ٢ ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِّيثَ [الأعراف: ١٥٧] وجاء الخبيث في الاستعمال القرآني بمعنى: ما يكره رداءة وخساسة، محسوسًا كان أو معقولًا، وذلك يتناول الباطل في الاعتقاد، والكذب في المقال، والقبيح في الفعال (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٢٠٧-٢٠٨. (٢) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٢٧٠-٢٧١، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٥٢٢/٢. www. modoee.com ٢٧٥ حرف الخاء الألفاظ ذات الصلة الرديء: ١ الرديء لغة: الرديء: الدون من الأشياء، والخابث: الرديء من كل شيء، والرديء الفاسد والمنكر والمكروه والوضيع الخسيس، والجمع أردئاء (١). الرديء اصطلاحًا: لا يختلف المعنى الاصطلاحي للرديء عن معناه اللغوي. الصلة بين الرديء والخبيث: الرديء والخبيث من المترادفات في المعنى، فالرديء هو الخبيث والفاسد. الطيب: ١ الطيب لغة: الطيب: الأفضل من كل شيء، والطيب: كل ما تستلذه الحواس أو النفس والطيب الحلال، وكل ما خلا من الأذى والخبث، وهو ضد الخبيث (٢). الطيب اصطلاحًا: الطيب: لفظ ويراد منه ثلاثة معان: الطاهر، والحلال، والمستلذ. (٣). الصلة بين الخبيث والطيب: الطيب والخبيث ضدان؛ فالطيب طاهر حلال، والخبيث نجس حرام. الفاسد: ١ الفاسد لغة: فسد يفسد فسادًا وفسودًا، نقيض صلح، فهو فاسد (٤). (١) انظر: المخصص، ابن سيده ٤ / ٤٥، مختار الصحاح، الرازي، ص ١٢١، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة ٣٣٧/١. (٢) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٤/ ٢٩، تاج العروس، الزبيدي ٣/ ٢٨٤، معجم لغة الفقهاء، قلعجي وقنيبي، ص ٢٩٤، القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب، ص٢٣٦. (٣) انظر: الكليات، الكفوي، ص٥٨٦. (٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ / ٥٠٣. ٢٧٦ جوية القرآن الكريم الخبيث الفاسد اصطلاحًا : ((هو خلاف الصحيح، وهو مالا يترتب أثره عليه))(١). الصلة بين الفاسد والخبيث: الخبيث أعم، فکل خبیث فاسد، ولیس کل فاسد خبيث. النجس: ١ النجس لغة: النجس: الشيء القذر حتى من الناس، وكل شيء قذرته فهو نجس (٢). النجس اصطلاحًا: قال المتولي: ((النجاسة في اصطلاح الفقهاء: كل عين حرم تناولها على الإطلاق، مع إمكان التناول لا لحرمتها» (٣). الصلة بين الخبيث والنجس: الخبيث والنجس من المترادفات أيضًا. الحرام: ١ الحرام لغةً: الحرام من حرم، فالحاء والراء والميم أصل واحد، وجمع الحرام حرم، والحرام ضد الحلال، والحرام هو المنع والتشديد (٤). الحرام اصطلاحًا: هو ما طلب الشارع من المكلف تركه على وجه الإلزام، بحیث یعاقب فاعله ویئاب تاركه(٥). الصلة بين الحرام والخبيث: إن بين الخبيث والحرام علاقة وثيقة حيث إن الخبيث محرم لخبثه وفساده، فكل خبيث محرم. (١) القاموس الفقهي، سعدي أبو جیب، ص ٢٨٥. (٢) انظر: العين، الفراهيدي ٦/ ٥٥. (٣) المنثور في القواعد الفقهية، الزركشي ٣/ ٢٤٨. (٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ٤٥. (٥) انظر: علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف، ص ١١٣. www. modoee.com ٢٧٧ حرف الخاء الموصوف بالخبث في القرآن إنّ الله عز وجل خلق الطيب والخبيث وأمرنا بالطيب ونهانا عن كل خبيث؛ لأن من خلقنا أدرى بنا من أنفسنا، والخبث يكون في الأموال فهناك الحرام والحلال، وهناك الخبيث من الأعمال، والخبيث من الناس الذين يصدون عن الله بكل السبل، وهناك أيضًا الخبيث من المطعم والمشرب. أولًا: الخبث في الأموال: قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَالَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَيْثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُم ◌ِفَاخِذِيهِ إِلَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهٍّ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. عن البراء بن عازب قال: ((نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، وكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فیسقط البسر والتمر فیأکل، وکان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف وبالقنو قد انكسر فیعلقه، فأنزل الله عز وجل: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِفَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيَةٍ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧] (١). إن الكسب ينقسم إلى نوعين: كسب طیب وآخر خبیٹ، والله عز وجل يأمرنا بالإنفاق من حلالات ما كسبنا من التجارة والصناعة، فإن من شأن المال أن يجعل المرء عبدًا له إن لم یحسن إدارته وأن یعرف الإنسان مقصود المال، وأنه لماذا خلق؟، فلا يحفظ إلا قدر الحاجة، ولا يعطيه من همته فوق ما يستحقه ويجتنب الحرام المحض، ويجتنب الجهات الجالبة للمال المكروهة القادحة في المروءة، كالهدايا التي فيها شوائب الرشوة، وكالسؤال الذي فيه الذلة، وهتك المروءة(٢). والرسول صلی الله عليه وسلم يقول: (إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس، بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس، لم يبارك له فيه، و کان کالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى)(٣). فعلى المؤمن أن يتحرى كسبه الطيب، (١) أسباب النزول، الواحدي، ص٨٨. (٢) انظر: موسوعة فقه القلوب، التويجري ٤/ ٣٢٨٢. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب تأويل قولِ الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ یومیپھآ آودينٍ ﴾، ٥/٤، رقم ٢٧٥٠. ٢٧٨ صَوَسُو ◌َر النفسية الموضو الْقُرْآن الكَرِيمِ الخبيث فعن أبي هريرة قال: قال الرسول صلى الله منه وجه الله عز وجل، فهذا لا يثمر خيرًا، عليه وسلم: (يأتى على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذمنه، أمن حلال أم من حرام)(١). والآية الكريمة تحثنا على ألا نقصد الخبيث الرديء من أموالنا لننفق منه، فالله أغنى عنه منا، فلا نجعل لله ما نكره، وأن یکون الإنفاق بأفضل الموجود، فلا يكون بالدون والرديء الذي تعافه النفوس، والله غني عن الخبيث الذي يخرجه ضعيف الإيمان واليقين، حميد يحمد الطيب الذي يخرجه الإنسان، ويجزي به عليه جزاء الراضي الشاكر، وهو الذي أعطاه إياه (٢). قال ابن عباس رضي الله عنه: ((أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيه -وهو خبيثه- فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا))(٣). وقيل: المقصود من الآية: عدم العدول عن المال الحلال، وقصد الحرام، فتجعل النفقة منه (٤). والمنفقون على قسمين: الأول: هناك من ينفق ماله رياء لا يبتغي (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب من لم يبال من حيث كسب المال، ٣/ ٥٥، رقم ٢٠٥٩. (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١ / ٣١٠. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٦٩٧. (٤) المصدر السابق. وحظ صاحبه منه التعب فى كسبه، والحسرة على ضياعه، والعذاب على إنفاقه في غير و جهه. الثاني: من أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله لا يرجو سواه، فهذا يثمر خيرًا، وحظ صاحبه منه الأجر في کسبه، ومضاعفة أجره وماله، وتطهير نفسه وماله، والفوز بالجنة. ونظير ذلك قوله تعالى: وَءَاتُواْ الْيَلْمَى أَنْوَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْغِيثَ بِالطَّيِّبِّ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]. هذه الآية عنى بها جل جلاله أوصياء اليتامى أن يعطوهم ما لهم إذا بلغوا الحلم وأنس منهم الرشد وعدم أخذ الجيد من أموالهم وإعطائهم مكانه الرديء(٥). يقول الطبري رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: ولا تستبدلوا الحرام عليكم من أموالهم بأموالكم (٦). قال سعيد بن المسيب رضي الله عنه: ((كان أولياء اليتامى يأخذون الجيد من مال الیتیم ويجعلون مكانه الرديء)» (٧). وقد عبر سبحانه وتعالى عن الحلال والحرام بالخبيث والطيب في هذه الآية للتنفير من أكل أموال اليتامى والترغيب فيما (٥) انظر: الهداية الى بلوغ النهاية، مكي بن أبو طالب ٢ / ١٢١٥. (٦) انظر: جامع البيان ٧/ ٥٢٥. (٧) معالم التنزيل، البغوي ١ / ٥٦٢. www. modoee.com ٢٧٩ حرف الخاء رزقهم الله من الكسب الحلال بالاكتفاء به وعدم التشوف إلى مال اليتيم فإنه ظلم وسحت(١). واستبدال بالخبيث الطيب ليس فقط في الأموال، فهناك الكثير من الناس من أبدل أطيب الكلام وهو القرآن الكريم، بالخبيث من الأغاني وما تحتويه من كلمات هابطة تخدش الحياء، واستبدلوا قراءة كتاب الله جل جلاله وأكبوا على الجرائد والمجلات والكتب الخليعات، التي تعمل على دمار المجتمع المسلم. ثانيًا: الخبث في الأعمال: ليس من الحكمة والعدل التسوية بين الجيد والرديء من الأشياء والأعمال، فلا يتساوى الضار والنافع ولا الفاسد والصالح، ولا الحرام والحلال، ولا الظالم والعادل، فلكل منها حکم یلیق به عند الله جل جلاله الذي يضع كل شيء في موضعه بحسب علمه(٢)، كما قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِىِ الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُنَّقِينَ كَالْفُبَّارِ﴾ [ ص: ٢٨]. قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّعَاتِ أَن ◌َّتْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوَآءَ تَّخْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمَّ سَآءَ مَا (١) انظر: روائع البيان تفسير آيات الأحكام، الصابوني ١/ ٤٢٢. (٢) انظر: تفسير المراغي ٧/ ٣٨. يَحْكُمُونَ ﴾ [الجاثية: ٢١]، قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ، فَأَتَّقُواْ اللّهَ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: ١٠٠ ]. عن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل حرم عليكم عبادة الأوثان وشرب الخمر والطعن في الأنساب، ألا إن الخمر لعن شاربها وعاصرها وساقيها وبائعها وآكل ثمنها)، فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله إني كنت رجلاً كانت هذه تجارتي، فاعتقبت من بيع الخمر مالًا، فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أنفقته في حج أو جهاد أو صدقة لم یعدل عند الله جناح بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب)، فأنزل الله تعالى تصدیقًا لقوله صلى الله عليه وسلم ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَاُلَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِّ فَأَتَّقُواْ اللّهَ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾﴾ [المائدة: ١٠٠](٣). إنّ مما ترتضيه الفطرة السليمة وتدركه العقول المستقيمة، أن الخير والشر لا يستويان، وأن الخبيث والطيب لا يتساويان، ومن غير المعقول أن تكون الأعمال الطيبة مساوية للأعمال الخبيثة ومعاملة أهل (٣) أسباب النزول، الواحدي، ص ٢١٠. ٢٨٠ جَوْسُورَة التَّة القرآن الكريم الخبيث الخبيث كمعاملة أهل الطيب، فهذه قوانين الكفر فهي شجرة خبيئة المأكل والمطعم، كشجرة الحنظل ونحوها، لا عروق عادلة فى تسيير هذا الكون، فإنه لا بد من عقاب المسيء، وثواب المحسن، فلا مساواة بين الخير والشر، والله يعاقب على أن يحذر الناس فيرجوا ثواب الله عز وجل ويخافوا عقابه(١). تمسكها، ولا ثمرة طيبة تؤكل منها ولا رائحة زكية تشم منها، وكذلك كلمة الكفر الشر، ويثيب على الخير، ولازم هذه النتيجة والمعاصي ليس لها ثبوت نافع في القلب، ولا تٹمر إلا کل قول خبیٹ، وعمل خبیٹ، يضر صاحبه ولا ينفعه، ولا يصعد إلى الله منه عمل صالح(٢). والشجر مثله مثل الناس، ينقسم إلى صنفين: إلى طيب وإلى خبيث، وقد ضرب الله مثلاً للكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، وضرب الله مثلا للكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةٌ كَشَجَرَوْ طَتْبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِ السَّمَآِ تُؤْنِ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَيّهَأُ وَيَضْرِبُ اللّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ أَجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ اْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قرارِ ﴾ [إبراهيم: ٢٤ -٢٦]. إن شجرة الإيمان أصلها ثابت في قلب المؤمن علمًا واعتقادًا، وفرعها من الكلام الطيب، والعمل الصالح، والأخلاق الحسنة، والأعمال والأقوال التي تخرجها شجرة الإيمان، هي ما ينتفع به المؤمن، وينفع غيره به في الدنيا والآخرة، وأما شجرة (١) انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٢٣٦٨/٥. ويقول الألوسي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: ((وجه تشبيه الكلمة الطيبة بمعنى شهادة أن لا إله إلا الله بهذه الشجرة المنعوتة بما ذكر أن أصل تلك الكلمة ومنشأها وهو الإيمان ثابت في قلوب المؤمنين وما يتفرع منها وينبني عليها من الأعمال الصالحة والأفعال الزكية يصعد إلى السماء، وما یترتب على ذلك من ثواب الله تعالى ورضاه هو الثمرة التي تؤتيها كل حين، ويقال نحو هذا على تقدير أن تكون الكلمة بمعنى آخر فتأمل))(٣). إن الكلمة الطيبة والعمل الطيب والدعوة إلى الله عز وجل كالشجرة الطيبة ثابتة ومثمرة ثابتة لا تزعزعها الأعاصير، ولا تعصف بها ریاح الباطل مهما اشتدت وتکالبت، ومهما رأينا واقعًا مريرًا من الظلم والطغيان والتآمر الخبيث على الدعوة الإسلامية التي هي (٢) انظر: موسوعة فقه القلوب، التويجري ١٣١٦/٢. (٣) روح المعاني ٧/ ٢٠٢. www. modoee.com ٢٨١ حرف الخاء أطيب دعوة للحق والخير ونعيم الدنيا اَلْخَسِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦ - ٣٧]. والآخرة، وإن خيل البعض أنها معرضة ففي هذه الآية يقول الطبري رحمه الله: للخطر الماحق في بعض الأحيان، فهي تظل إن الله عز وجل يحشر الذين كفروا بربهم، وينفقون أموالهم للصد عن سبيل الله، إلى كالشجرة العالية الثابتة تبقى متعالية، تطل على الشر والظلم والطغيان من عل. جهنم، لیفرق بينهم وهم أهل «الخبث) وبین المؤمنين بالله وبرسوله، وهم ((الطيبون»، فميز الله سبحانه وتعالى بينهم بأن أسكن الطيبين من المؤمنين جناته، وأنزل أهل الكفر ناره(٢). وإن الدعوة الخبيثة وأعمالها من دعوات التحرر من الدین و قیوده -کما يدعون- کالشجرة الخبيثة قد تھیج وتتعالی وتتشابك ويخيل إلى بعض الناس أنها أضخم من الشجرة الطيبة وأقوى، ولكنها في الحقيقة هشة، وتظل جذورها في التربة قريبة تقتلع من أبسط هبة ريح، فلا يبقى لها أثر (١). ثالثًا: الخبث في الناس: لقد خلق الله عز وجل عباده على الفطرة السليمة التي ارتضاها لهم، ولكن فطرة البشر شابها ما شابها من عوالق الكفر الشر والخبث، فكان هناك المؤمن والكافر الطيب والخبيث وما جعلت الجنة والنار إلا لتفرق بينهما فهم ليسوا سواء، فيميز الله الكافر والخبيث المستحق للعقاب، ويفرقه ويعزله عن المؤمن الطيّب المستحق للثواب. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الَِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ، عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ. جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ، فِى جَهَتَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٠٩٨. جَوَسُولَة النَّضية القرآن الكريم إذن فالناس هنا في الإنفاق على نوعين: هناك من ينفق أموالا طائلة في الصد عن سبيل الله ولإغراق العالم الإسلامي في اللهو والغناء والفسق والفجور. وهناك من ينفق أمواله في الحق والجهاد وفي الحركة للقضاء على الباطل وأهله. فبهذا الاحتكاك المرير، تنكشف الطباع، ويتميز الحق من الباطل، كما يتميز أهل الحق من أهل الباطل (٣). وفي سياق هذه الآية يجدد كتاب الله مرة أخرى بيان الحكمة الإلهية في ابتلاء المؤمنين وتمحيصهم بالنكبات والتضحيات، فيقول سبحانه وتعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ اَلْبِيتَ مِنَ الطَّيِّبُ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. (٢) انظر: جامع البيان ١٣ / ٥٣٤. (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٥٠٧. ٢٨٢ الحيث ترفع الحجب وتهتك الأستار عن الخبيث من الناس. قال مجاهد: ((ميز بينهم يوم أحد)»، وقال من المنكر، فعاقبهم الله عز وجل بالعذاب قتادة: (ميز بينهم بالهجرة والجهاد))(١). واختلف المفسرون؛ من المخاطب بالآية على أقوال: قيل: الخطاب للمؤمنين والمنافقين، وقيل: الخطاب للمشركين والمراد بالمؤمنين، وقيل: الخطاب للمؤمنین، والخطاب عند جمهور المفسرين للكفار والمنافقين، أي: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر والنفاق حتى يميز الخبيث من الطيب، قاله ابن عباس والضحاك ومقاتل والكلبي (٢). قال تعالى: ﴿وَلُوطًا ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَغَيْنَهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ تَعْمَلُ الَْبَتِتَّ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَسِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٤]. لقد من الله جل جلاله على سيدنا لوط عليه السلام بأن آتاه الله سبحانه وتعالى الحكمة في فصل القضاء بين الخصوم، و کذلك علمًا بأمر دينه، وما يجب علیه لله من فرائضه. وکان الله عز وجل قد بعثه لقرية اسمها سدوم، و کان أهلها خبثاء يعملون الخبائث، فنجاه الله من عذابه الذي أحلّه بأهل القرية (١) انظر: فتح البيان، القنوجي ٢/ ٣٨٥. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٨٨/٤، فتح القدير، الشوكاني ١ / ٤٦٣. ففي مثل هذه الوقائع والمواقف الصعبة التي كانت تعمل الخبائث من إتيان الذكران في أدبارهم، وخذفهم الناس، وتضارطهم في أندیتهم، مع أشياء أخر كانوا يعملونها الشديد في الدنيا قبل الآخرة، وأكرم الله عز وجل لوطًا عليه السلام في الدنيا بإنقاذه من أهل السوء وأعمالهم، وفي الآخرة بالجنة(٣). وفي قوله تعالى: ﴿اَلَْبِيشَتُ لِلْخَبِيثِنَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِشَتِ وَالطَّيِّبَتُ لِلَّيِّبِينَ وَالَّيِّبُونَ لِلِّّبَتِّ أُوْ لَئِكَ مُبَّهُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦]. يشير جل جلاله إلى مبدأ هام من مبادئ الحياة الاجتماعية، وهو أن النفوس الخبيثة لا تلتئم إلا مع النفوس الخبيئة من مثلها، والنفوس الطيبة لا تمتزج إلا بالنفوس الطيبة من مثلها، فالله عز وجل جعل الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيئات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء. وهذه الآية نزلت في حادثة الإفك حين اتهموا السيدة عائشة رضي الله عنها بالفحش، والمعنى ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهي طيبة؛ لأنه أطيب من كل طيب من (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/ ٤٧٢. www. modoee.com ٢٨٣ حرف الخاء البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له، لا والتربة السهلة السمحة الكريمة، التربة شرعًا ولا قدرًا، فكل طيب له ما يوافقه وكل التي يخرج نباتها إذا أصابها المطر بإذن خبيث له ما يوافقه (١). ومن منطلق هذه الآية فقد اشترط الفقهاء التكافؤ بين الأزواج، والمقصود أن يكون الزوجان متقاربين في كل شيء تقريبًا، والكفاءة تكون أيضًا في الطيبة أو الخبث، فلا يأتي واحد بامرأة خبيثة ويزوجها لرجل طيب كي لا تتعبه، ولا يأتي واحد برجل خبيث ويزوجه بامرأة طيبة كي لا يتعبها؛ لأن الطيب عندما يتزوج طيبة تريحه وتقدره، وكذلك الخبيث عندما يتزوج خبيثة فإنهما يتوافقان في الطباع والسلوك، وفي هذا توازن، والخبيث إن لم يخجل من الفضيحة، فالخبيثة لا تخجل منها أيضًا، أما الطيب والطيبة فكلاهما يخشى على مشاعر الآخر ويحافظ على كرامته (٢). رابعًا: الخبث في الأماكن: وكما أن الخبث في الناس والأموال والأعمال فهناك أيضًا خبث في الأماكن. قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ. بِإِذْنِ رَبْدِ، وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٨]. والمقصود في هذه الآية الأرض الطيبة (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٣٤. (٢) انظر: تفسير الشعراوي ٥/ ٢٦٨٣. الله سبحانه وتعالى فتخرج نباتًا حسنًا غزير النفع، والبلد الذي خبث أرضه فهي سبخة لا تنتفع بالمطر لا يخرج نباته إلا عسرًا بمشقة وكلفة (٣). قال ابن عباس رضي الله عنه: «هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن يقول: هو طيب وعمله طيب، كما أن البلد الطيب ثمره طيب، ثم ضرب مثل للكافر كالبلدة السبخة المالحة التي خرجت منها البركة، فالكافر خبیٹ وعمله خبیٹ»(٤). ويقول العز بن عبدالسلام رحمه الله في تفسيره: قال بعض أرباب القلوب: الذي خبث من القلوب لا يخرج إلا نكدًا بالكفر والمعاصي، والجمهور على أنه من بلاد الأرض الطيب التربة والرخيص السعر، أو الكثير من العلماء، أو العادل سلطانه، وضرب الله سبحانه وتعالى الأرض الخبيثة مثلًا للكافر، الذي خبث في تربته، أو بغلاء أسعاره، أو بجور سلطانه، أو قلة علمائه فلا ينتفع به، لشدة تعسره فلا خير فيه (٥). ومن الأماكن الخبيئة والتي تحب الشياطين المكث فيها: * البيوت الخربة التي لا يذكر الله عز (٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢/ ٢١٣. (٤) المصدر السابق. (٥) انظر: تفسير القرآن ١/ ٤٨٧. ٢٨٤ فَضْو مؤسو ◌َةُ التَّقِينَ القرآن الكريم الخبيث وجل فيها، ولا تتلى فيها آياته، ولا تقام فیھا الصلوات، ویعصی الله فيها جهارًا نهارًا، فيكون أصحابها کالأموات، وقد أوصانا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قائلًا: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة)(١). والمؤمن إذا رجع لبيته وذكر اسم الله وسلم على أهله، حضرت الملائكة وتنحى الشيطان، وأما المفرط إذا دخل بيته ولم يذكر الله وغنى وطرب، فقد آوى إلى بيته الخبث كله من الشياطين، وأصبح هذا المكان خبيثاً، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لکم، ولا عشاء، وإذا دخل، فلم یذکر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبیت، وإذا لم یذکر الله عند طعامه، قال: أدر كتم المبيت والعشاء)(٢). و کل مکان یجتمع فیه شیاطین الإنس والجن (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة النافلة في بيته، وجوازها في المسجد، ٥٣٩/١، رقم ٧٨٠. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الاشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما، ١٥٩٨/٣، رقم ٢٠١٨. للفسوق والفجور من الملاهي الليلية وأماكن الرقص وشرب الخمر ولعب الميسر هي أماكن خبيثة. أماكن قضاء الحاجة، ولما كانت الشياطين خبيثة فإنها تألف مثل هذه الأماكن الخبيثة، قال تعالى: ﴿اَلْنَبِيئَتُ ◌ِلْخَبِيثِنَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِشَتِ﴾ [النور: ٢٦]. ولذلك تحضر الشياطين الأماكن التي يقضي فيها الإنسان حاجته، وتريد إتباع الأذية والضرر به. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)(٣). وفائدة هذه الاستعاذة: الالتجاء إلى الله عز وجل من الخبث والخبائث؛ لأن مثل هذه الأماكن خبيثة، والخبيث مأوى الخبثاء فهو مأوى للشياطين، فإذا أراد الشخص دخول الخلاء قال: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث) حتى لا يصيبه الخبث وهو الشر، ولا الخبائث وهي النفوس الشريرة (٤). خامسًا: الخبث في المطعومات والمشروبات: لقد أحل القرآن الكريم أصنافًا من (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب ما يقول عند الخلاء، ٤٠/١، رقم ١٤٢. (٤) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، ابن عثيمين ١ / ١٠٥. www. modoee.com ٢٨٥ حرف الخاء الأطعمة والأشربة ووصفها بالطيبة، كما وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُيِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقَسِمُواْ بِالْأَزْلَرَّ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣]. حرم أصنافًا أخرى ووصفها بالخبث، وقد أثبت العلم الحديث أن كل الأطعمة والأشربة التي أحلها القرآن الكريم، واعتبرها رزقًا طيبًا، مفيدة للإنسان جسدًا وروحًا، وأن الأطعمة التي حرمها مضرة للإنسان جسدًا وروحًا كذلك. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُّدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَأَلَدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ أُضْطَرَّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ فَلَ إِثْمَ عَلَيْهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٢ - ١٧٣]. فالله جل جلاله أمرنا بأكل الحلال الطيب الذي تستطيبه النفس من حلال الرزق الذي أحله الله لنا، وشكره والثناء عليه على النعم التي أنعم بها علينا منقادين لأمره سامعين مطيعين، فلا نحرم ما أحل الله ولا نحلل ما حرم عز وجل، وقد كان الناس في الجاهلية يحرمون بعض المطاعم طاعة منهم للشيطان، واتباعًا لأهل الكفر بالله من الآباء والأسلاف. (١) ثم بين لهم سبحانه وتعالى ما حرم عليهم، وفصله لهم، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَلَّمُ وَلَمُ الْخِنِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَيْقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣/ ٣١٧. أحلّ الله الطّيبات النافعة غير المحرّمات العشر المستخبئات وهي: الميتة: وهي ما مات من الحيوان حتف أنفه، من غير ذبح ولا اصطياد، ما عدا ميتة السمك والجراد الدّم: وهو الدّم المسفوح السائل، لا الجامد کالكبد والطحال. لحم الخنزير وشحمه وجلده وعظمه: وتحريمه لأنه حيوان قذر لا يأكل إلا القاذورات والفضلات العفنة. ما ذبح وذکر علیه اسم غير الله عز وجل. المنخنقة: وهي التي تموت خنقًا، وهو حبس النّفس في الحلقوم، فهي نوع من الميتة. الموقوذة: وهي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد كالعصا أو الحجر أو الحصاة حتى تموت بلا ذكاة شرعية. المتردّية: هي ما سقطت من مكان عال کجبل أو سطح، أو الهاوية في بئر. النّطيحة: وهي التي نطحتها بهيمة أخرى، فماتت، وهي حرام كالميتة. ما أكل السبع: وهي التي افترسها حيوان کالذئب والنّمر والسّبع، فتموت، فلا تؤکل لأنها ميتة، وتأنفها الطّباع. ٢٨٦ جوسى القرآن الكريمِ الخبيث ما ذبح على النّصب: أي الحجارة التي وجلالها (٣). كانت حول الكعبة لا يؤكل؛ لأنه مما ذكر اسم غیر الله علیه(١). فهذه الأطعمة خبيثة محرمة لا يجوز للمؤمن أكلها إلا إذا كان مضطرًا لذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنِزِيرِ وَمَا أُمِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ بٌِّ فَمَنِ اضْطُتَّ غَيَرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٤ - ١١٥]. قال تعالى: ﴿وَيُحِلُ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَّيْثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْظَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. من رحمات الله عز وجل بعباده الرحمة التي وعد في إحلال الطيبات التي حرمت عليهم بشؤم ظلمهم، ويحرم عليهم الخبائث كالدم ولحم الخنزير والربا والرشوة، ويخفف عنهم ما كلفوه من التكاليف الشاقة التي هي من قبيل ما كتب عليهم حينئذ(٢). فثبت أن الله جل جلاله أحل ما هو طیب في نفسه قبل الحل، فکساه بإحلاله طيبًا آخر، فصار منشأ طيبه من الوجهين معًا فعند تأمل هذا الموضع حق التأمل نجد أسرار الشريعة، ونرى محاسنها وكمالها وبهجتها (١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢/ ١٠. (٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٧٩/٣. قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَتُّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. الخمر هو المتّخذ من ماء العنب النّيء، وتشمل كل شراب مسكر خامر العقل وغطّاه، ووصف الله عز وجل هذا النوع من المشروبات بالرجس، ويقال للنتن والعذرة والأقذار: رجس، يحمله الشيطان ويزينه للعباد؛ لتضليلهم وجرهم إلى ما حرم سبحانه وتعالى، فأمرنا باجتنابه وإبعاده وجعله في منأى عنا، واقترنت صيغة الأمر مع نصوص الأحاديث وإجماع الأمة، فحصل الاجتناب في جهة التحريم، فبهذا حرمت الخمر، وقد مرّ تحريم الخمر للتّرويض وبالتدريج في مراحل أربع، ولا خلاف بين علماء المسلمين أن هذه الآية نزلت بتحريم الخمر بشكل قاطع (٤). وهذه الآية جمعت أسباب تحريم الخمر وكذلك الميسر والأزلام وهي: ١ وصفت بکونها رجسًا، أي: قذرًا، حسًّا ومعنى، عقلًا وشرعًا. * أنها من عمل الشيطان وذلك غاية القبح. أمر الله سبحانه وتعالى باجتنابها، (٣) انظر: التفسير القيم، ابن القيم، ص ٢٨٩. (٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٨٧/٦. www. modoee.com ٢٨٧ حرف الخاء والأمر بالاجتناب أشدّ تنفیرًا من مجرد النّهي عنها أو القول بأنها حرام، فهو يفيد الحرمة وزيادة وهو التنفیر. جعل الله جل جلاله اجتنابها سببًا للفرح والفوز والنجاة في الآخرة(١). (١) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي ١ / ٤٩٦. جوسين القرآن الكريمِ بين الطيب والخبيث اقتضت حكمة الله جل جلاله البالغة أن لا يجعل أمر هذا الدّين إلا في أيدي صفوته من عباده، وأمر هذا الدّين هو أخذه بحقه، ولوكره الكافرون. وحتى يكون هذا كان لا بدّ من سنة ربانية لا تتخلّف، وهي سنّة التمييز والتمايز، فالله سبحانه وتعالى هو العليم بعباده وما في قلوبهم، هو الخبير بمن خلق، ولكن تحقّق سنة التمايز التي لا تظهر للناس إلا في حال الابتلاء والمحن، فيظهر وقتها المعدن الحقيقي للأشياء من حولنا. أولًا: تمييز الخبيث من الطيب: لا بد أن يعقد الله سببًا من المحنة، يظهر فيه وليه، ويفتضح فيه عدوه، يعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر، قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ أَلْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخِيِثَ مِنَ الطَّيِّبُ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. يقول الطبري رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: إن الله ما كان ليدع المؤمنين على ما هم من التباس المؤمن منهم بالمنافق، فلا يعرف هذا المنافق المستتر بالكفر من المؤمن المخلص الصادق الإيمان إلا بالمحن والاختبار، كما ميز بينهم يوم أحد عند لقاء العدو عند خروجهم إليهم يوم أحد، ٢٨٨ الخبيث فبالمحن والابتلاء ظهر المؤمنون بإيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله وظهر المنافقون بمخالفتهم ونكوثهم عن الجهاد وخيانتهم لله ولرسوله(١). إنّ هناك الطيب من الأفعال وخبيثها، ومن البشر كذلك قد يكون ظاهرًا وقد یکون مستترًا، وليس من سنة الله في أرضه أن تكون ظاهر الأعمال في كلّ الأحوال محل تعمية على الناس، فلا يستطيعون معها التفريق بين مؤمن ومنافق وبين طائعٍ (٢) وعاصٍ(٢). فالله یمحص ويبتلي عباده لتكون راية الحق خفاقة بأيدي طاهرة نقية ولا يصل إلى ذلك المبتغى إلا من نقّاهم الله سبحانه من الخبث وتوطّدت نفوسهم على الطيّب فقط، وصدّق ذلك كلّه أفعالهم ومواقفهم في عسرهم ويسرهم، في راحتهم كما في أزماتهم، في صغائر أمورهم وعظائمها. ومعنى التمييز هو التفريق بين المتشابهات في بعض المظاهر ولكنها مختلفة في الحقيقة، فقد يكون الحق متلبسًا بالباطل والعكس صحيح، فيأتي الابتلاء والتمحيص مرة أخرى، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَصَلَبَّكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَإِذْنِ اَللّهِ وَلِيَعْلَمَ اَلْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ﴾ [آل (١) انظر: جامع البيان ٧/ ٤٢٤. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٧٣/٢. عمران: ١٦٦ - ١٦٧]. ففي هذ الآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، ومواساة لهم فیما أصابهم، فالمؤمن یرضى ويسلم بما قضاء الله وقدره. فهذا البلاء من القتل والجرح والهزيمة ما كان إلا ليظهر المؤمن الصادق من غيره بثبوتهم في القتال والصد في سبيل الله، وليميز الله الخبيث من الطيب فأظهر الحق سبحانه الغير الصادقين في الإيمان، وذلك بإظهارهم الشماتة، فقد كشفهم الله في هذه الموقعة، وميز الصف الإسلامي منهم وقرر حقيقة موقفهم يومذاك، فقال الحق سبحانه: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيٍِ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾ [آل عمران: ١٦٧](٣). فأصبح من الواضح أن من لوازم التمايز في الجماعة الابتلاء، فإن التمايز هنا تحقيق لسنة الخالق استخراجًا للخبيث من بين الطيّب لينبذه لتعود الصحّة والعافية للجماعة علی وجه أفضل وأسلم مما كانت عليه. وهنا وقف المسلمون موقفا عظيمًا تشيب من هوله الولدان، وتتحطّم فيه الرجولة الزائفة وينكشف عوارها، كان موقفًا لا یصمد فیه إلا من أخلص لله وباع نفسه فیه لله. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤ /٢٦٥. www. modoee.com ٢٨٩ حرف الخاء يصف الله سبحانه وتعالى ذاك الموقف العظيم في كتابه العظيم فيقول: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقَكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذِ زَاغَتِ اُلْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظْتُونَ ◌ِاللَّهِ الْفُنُونَ هُنَالِكَ أَبْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلِِّلُواْ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ زِلْزَالأَ شَدِيدًا () فِي قُلُوبِهِم مَّرَضَُّ مَّا وَعَدَنَا اَللَّهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا غُرُورًا ٣)﴾ [ الأحزاب: ١٠ - ١٢]. لقد اختبر المؤمنون بالحصر والقتال ليتبين المخلصون من المنافقين وبين الله موقف المنافقين وتربصهم الدوائر بالمسلمين، وانتحالهم الأعذار، واختلاق المبررات للتراجع والفرار، في انتظار النتيجة التي يتوقعون أن تكون على المسلمين لا لهم، فابتلي المؤمنون بهذه الفتنة العظيمة بالخوف والقلق، والجوع، ليتبين إيمانهم، ويزيد إيقانهم، وهنالك تبين نفاق المنافقين، وظهر ما كانوا يضمرون، هذه عادة المنافق عند الشدة والمحنة، لا يثبت إيمانه، وينظر بعقله القاصر (١). فهو امتحان عظيم، وابتلاء عزّ نظيره، غير أنه سنّة من ربّ العباد ليصفّي من خلاله أهل دینه من کلّ خبثٍ وخبيث، وليحصل التمییز عند المسلمین وعند الناس بین عباد الله الذين استقاموا على أمره، وبين من كان ثبوتهم على أمر الله مجرّد زعم وادّعاء لم يجاوز حلاقيمهم فيفضحهم الله عز وجل في كتابه العزيز بقولهم: ﴿مَّا وَعَدَنَا ◌َللَّهُ وَرَسُولُهُ, إِلَّاغُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢]. وموقفهم هذا فيه ما فيه من الخبث الكامن في نفوسهم، وتخذيل المسلمين في هذا الموقف الحرج العصيب، غير أن حالهم هذا لم يكن له أثر في قلوبٍ آمنت بربها، فقال عنهم ربّ العالمين على لسانهم: ﴿قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ. وَصَدَقَ اللّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ [الأحزاب: ٢٢](٢). لقد كثرت الفتن، وذلك لكثرة مدعي الإيمان المنطوين تحت لواء الإسلام، وهم كغثاء السيل في الكثرة ولكنهم قلة في نصرة دينه وإعلاء كلمته والجهاد في مرضاته، فيأبى الله إلا أن يظهر الحقائق ويبتلي السرائر ويميز الخبيث من الطيب. قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُواْ ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمٌّ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ اَلْكَذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٢-٣]. قال ابن عباس رضي الله عنه وغيره: المراد: قوم من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قریش یؤذونھم ویعذبونهم بسبب إسلامهم، کسلمة بن هشام وعیاش بن أبي (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٦٦٠. (٢) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٢٣٩/٢. ٢٩٠ جوسى عبر القرآن الكريمِ الخبيث ربيعة والوليد بن الوليد وعمار بن ياسر الآثام، وليحمل أثقل الأوزار، ولينال أشد العذاب باستحقاق! ويبتلى الحق، ليميز وياسر أبوه وسمية أمه وعدة من بني مخزوم وغيرهم، فكانت صدورهم تضيق لذلك، وربما استنكروا أن يمكن الله الكفار من المؤمنین(١). الخبيث من الطيب، ويعظم الأجر لمن يمضي مع الابتلاء ويثبت، فهو الكسب للحق والخسار للباطل، مضاعفًا هذا وذاك! هنا وهناك!))(٣) قال مجاهد رحمه الله وغيره: نزلت هذه الآية مسلية ومعلمة لهم أن هذه هي سيرة الله في عباده اختبارًا وتمحيصًا للمؤمنين(٢). فسنّة الله في أي دعوة صادقة خالصة أن يتعرض أصحابها للمحن والابتلاءات لكي تنقى من خبثها ولا يبقى فيها إلا الطيب، إن هذا شأن السالكين إلى الله في كل زمان ومكان فلابد في هذا الطريق أن يصقله الابتلاء وأن تظهر معدنه المحنة. وعن هذا يقول سيد قطب رحمه الله: ((إن ذهاب الباطل ناجيًا في معركة من المعارك وبقاءه منتفشًا فترة من الزمان، ليس معناه أن الله تاركه، أو أنه من القوة بحيث لا یغلب، أو بحیث یضر الحق ضررًا باقيًا قاضيًا، وإن ذهاب الحق مبتلى في معركة من المعارك، وبقاءه ضعيف الحول فترة من الزمان، ليس معناه أن الله مجافيه أو ناسيه! أو أنه متروك للباطل يقتله ویردیه، كلا إنما هي حكمة وتدبير هنا وهناك يملي للباطل ليمضي إلى نهاية الطريق وليرتكب أبشع (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٢٣/١٣. (٢) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٤ / ٢٨٦. ثانيًا: الخلط بين الخبيث والطيب: إن الطيب والخبيث وإن كانا في بعض الأوقات غير معروفين وغير ظاهرين، ولكن في الكثير من الأوقات يكون أحدهما معروفًا يمكن التمييز بينهما، فالحرام بيّن والحلال بيّن، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحلال بین، والحرام بین، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقی المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات: کراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه)(٤). في الحديث دلالة على أن الأشياء من حيث الحكم ثلاثة أقسام: ١. حلال خالص لا شبهة فيه، كالملابس والمطاعم والمراكب المباحة. ٢. حرام خالص لا شبهة فيه، كشرب الخمر والربا والزنا وأكل مال اليتيم (٣) في ظلال القرآن ١/ ٥٢٢. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، ١ / ٢٠، رقم ٥٢. www. modoee.com ٢٩١ حرف الخاء ونحوها مما نص الشرع على تحريمه. ٣. مشتبه بين الحلال والحرام، کالمعاملات و المطاعم التي يترد الناس في حكمها ويختلط الأمر عليهم. وقد نهانا الله عن استبدال وخلط أموال اليتامى، فقال تعالى: ﴿وَءَاتُوْ اَلْيَفْتَ أَمْوَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخِيْثَ بِالطَّيِّبِّ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَكُمْ إِلَى أَمْوَِّكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]. فقد كانوا في الجاهلية لعدم الدين لا والعناد. يتحرجون عن أموال اليتامى، فيأخذون أموال اليتامى ويبدلونها بأموالهم، ويقولون: اسم باسم ورأس برأس، مثل أن یکون لليتيم مائة شاة جياد فيبدلونها بمائة شاة هزلى لهم، ويقولون: مائة بمائة؛ فنهاهم الله عنها (١). فالآية الكريمة تحذر من جمع وضم وخلط أموال اليتامى مع أموال الوصي عليهم، وعدم استبدال الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالهم الخاص فيأكلوها جمیعًا فهذا ذنبٌ عظيم، فإن اليتيم بحاجة إلى رعاية وحماية؛ لأنه ضعيف، وظلم الضعيف ذنب عظيم عند الله (٢). قال سعيد بن جبير: «لا تبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالکم، يقول: لا تبذروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام)»(٣). (١) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ١/ ٤٠٣. (٢) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني ١/ ٢٣٧. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٢٠٧. جوبيع القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَءَآخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَاخَرَ سَيْئًا عَسَى اللّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢]. لقد کان الناس في عهد رسول الله صلی الله علیه وسلم أربع طبقات: الأولى: المؤمنون من الأنصار والمهاجرين الذين أخلصوا لله عز وجل. الثانية: الكفار الذين أبوا إلا الكفر الثالثة: المنافقون الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر والحقد على المسلمين. الرابعة: وآخرون خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا، ولم يتم انطباعهم بالطابع الإسلامي ولم يصهروا في بوتقة الإسلام تمامًا. وتقرر الآية الكريمة كيفية التعامل في المجتمع المسلم، وتوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلص من المسلمين إلى طريقة التعامل مع كل منهم (٤). وتبين الآيات أن الأشقياء نوعان: كفار ومنافقون. فذكر الكفار بقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَُّواْ بِشَايَِنَآ أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾ [الحديد: ١٩]. وذكر المنافقين بقوله تعالى: اٌلْمُنَّفِقِينَ فِ الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ (٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٥٦٨. ٢٩٢