النص المفهرس

صفحات 41-47

الحكمة
قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
فكيف يكون هذا؟ فأنزل الله تعالى
﴿قُل لَّوْكَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِّ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ
أَنْ نَنْفَدَ كَلِمَتُ رَبٍِ﴾ [الكهف: ١٠٩] حِكَمَه
وعجائیه»(١).
وإذا جرينا على تفسير الحكمة بأنها الذهن وما أشبهها. وأما الفقر والخمول
القرآن على نحو ما تقدم في معانيها، فيكون
((من أوتي القرآن أوتي خيرًا كثيرًا، أوتي
صحة في جسم وطهارة في نفس، وكمالًا
في عقل، وسعة في مال، وعزة في تواضع،
وشدة في رحمة، ورسوخًا في علم، وصدقًا
في قول)»(٢).
ومن الخير المتحصل من الحكمة أنها
سبب من أسباب السعادة، فالسعادة تكمن
في المقام الأول في قوى النفس، أي: في
اتصافها بالفضائل والمكرمات.
السعادة جعلوها كلها في قوى النفس التي
ذكرناها في أول الكتاب، (وهي الحكمة
والشجاعة والعفة والعدالة)، وأجمعوا على
أن هذه الفضائل هي كافية في السعادة ولا
يحتاج معها إلى غيرها من فضائل البدن ولا
(١) انظر: تفسير السمر قندي ٢٨/٣، الكشف
والبيان، الثعلبي ٦/ ٢٠٢، معالم التنزيل،
البغوي ٢٢٢/٣.
(٢) الأدب النبوي، محمد عبد العزيز الشاذلي
ص١٩١.
ما هو خارج البدن، فإن الإنسان إذا حصل
تلك الفضائل لم يضره في سعادته أن يكون
سقيما ناقص الأعضاء مبتلي بجميع أمراض
البدن، اللهم إلا أن يلحق النفس منها مضرة
في خاص أفعالها مثل فساد العقل ورداءة
وسقوط الحال وسائر الأشياء الخارجة عنها
فليست عندهم بقادحة في السعادة ألبتة))(٣).
٢. إصابة الحق.
من آثار الحكمة توفيق الله تعالى
صاحبها إلى إصابة الحق في أقواله وأفعاله،
وذلك لأن حكمته ترشده إلى حسن الفعال،
وصحیح الأقوال، ولهذا کان ما يصدر عن
الحكماء من أفعال وأقوال تراثًا تتناقله
الأجيال، وعبرا تتردد عبر الأزمنة.
ويستفاد أثر الحكمة في إصابة الحق
يقول ابن مسكويه فيما يحكيه عن قولا وعملا من قول الله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ
حكماء الإغريق واليونان: ((لما قسّموا الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوْنِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة:
٢٦٩].
فإنه تعالى ((لما ذكر أحوال المنفقين
للأموال فيما سبق من الآيات، وأن الله
(٣) تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، ابن
مسكويه ص٩٢، وهذا هو المنهج الذي
أخذ به حجة الإسلام الغزالي في حديثه عن
أمهات الفضائل حيث جعلها أربعة الحكمة
والشجاعة والعدل والعفة.
انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي ٥٥/٣،
٤ / ٤٢٥، إلا أنه في الموضع الثاني نسبها
للإمام الشافعي رحمه الله.
www. modoee.com
٧٥

حرف الحاء
أعطاهم، ومن عليهم بالأموال التي يدركون بمقتضاه والبعد عمّا سواه (٣).
بها النفقات في الطرق الخيرية، وینالون بها
المقامات السنية، ذکر ما هو أفضل من ذلك،
وهو أنه يعطي الحكمة من يشاء من عباده،
ومن أراد بهم خيرًا من خلقه، والحكمة هي
العلوم النافعة، والمعارف الصائبة، والعقول
المسددة، والألباب الرزينة، وإصابة
الصواب في الأقوال والأفعال، وهذا أفضل
العطايا، وأجل الهبات))(١).
وقال أحد المعاصرين مبينًا ثمرة الحكمة
في إصابة الحق في القول والعمل: ((الحكمة
كما قال الجمهور: العلم والفقه والقرآن،
فهي لا تختص بالنبوة، بل هي أعم منها،
وأعلاها النبوة، والرسالة أخص، وذلك
يرشد إلى تمييز الحقائق من الأوهام،
والتفرقة بين الوسواس والإلهام، وآلة
الحكمة: العقل، فمن عرف ما في القرآن
من أحكام وأسرار، وأدرك بسلامة عقله ما
في الإنفاق من فوائد تعود على الأمة بالخير
وعلى المنفق بالثواب الجزيل، لم يتأثر
بوساوس الشيطان، ولم يتردد في البذل
والإنفاق في سبيل الله))(٢).
ومن فوائد الحكمة كذلك أنّها تدلّ على
المعرفة بالله عزّ وجلّ مع نفاذ البصيرة
وتهذيب النّفس وتحقيق الحقّ للعمل
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٥٧.
(٢) التفسير المنير، وهبة الزحيلي ٣/ ٦٤.
٣. صيانة العقل من الشطط والسفه.
الحكمة سمة عالية، وهدية غالية تصان
بها العقول، وتحفظ بها النفوس من السفه
والشطط، والطيش والهوى -أعني عقول
ونفوس المتصفين بها- ولهذا اشتملت
الحكمة كما ذكره بعض العلماء على: الذكاء
والذكر والتعقل وسرعة الفهم وقوته وصفاء
الذهن وسهولة التعلم، وبهذه الأشياء یکون
حسن الاستعداد للحكمة (٤).
والناظر في آيات القرآن الكريم التي
تتحدث عن العقل يجد أنها تعلي من شأن
العقل كثيرًا، وتبين مكانته، وتحث على
التفكير في كل شيء التفكير في خلق الله
تعالى، والتفكير في عواقب الأمور قبل
الإقدام على شيء منها.
والحکیم یستعمل حكمته في كل شيء،
فیصون عقله من سوء التفکیر، وعلیه یصون
نفسه من سوء الصنيع، فلا تعتري تصرفاته
سفاهة ولا يطرأ عليها شطط أو خلل.
٤. الذكر الحسن.
من آثار الحكمة حسن الذکر بین الناس
في حياة الإنسان وبعد مماته، ولذلك فإن
صاحب الحكمة يلبس صاحبها تاج الكرامة
(٣) انظر: موسوعة نضرة النعيم، ١٧٠٥/٥.
(٤) انظر: تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، ابن
مسکویه ص ٢٧.
٧٦
فَضْو
جَوْسُو ◌َرُ الْتَفْسِيْ
القرآن الكريمِ

الحكمة
في الدنيا والآخرة، وینفع الله تعالی بها
طلاب العلم ومريدي الخیر.
وليس أدل على ذلك من سيدنا لقمان
عليه السلام الذي ذكره الله تعالی في کتاب
الله العزيز في آيات تتلى ويتعبد بها، في
سورة تحمل اسمه ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا لَقْمَنَ الْحِكْمَةَ
أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ.
[لقمان:
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ )﴾
١٢ ].
فحکمته علیه السلام جعلت منه رجلًا
ذا منزلة كبيرة بين الناس حيث بلغ الفضل
عليهم بالوعظ والتعليم والهدي والإرشاد،
كما أشار إليه الرازي في تفسيره: آتينا لقمان
الحكمة حين جعلناه شاكرًا في نفسه وحین
جعلناه واعظًا لغيره، وهذا لأن علو مرتبة
الإنسان بأن يكون كاملاً في نفسه ومكملاً
لغيره.
فقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ
قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ [لقمان: ١٣].
إشارة إلى التكميل، وفي هذا لطيفة وهي
أن الله ذكر لقمان وشكر سعيه حيث أرشد
ابنه ليعلم منه فضيلة النبي عليه السلام الذي
أرشد الأجانب والأقارب، فإن إرشاد الولد
أمر معتاد، وأما تحمل المشقة في تعليم
الأباعد فلا، ثم إنه في الوعظ بدأ بالأهم،
وهو المنع من الإشراك(١).
(١) مفاتيح الغيب، ١١٩/٢٥.
ومن آثارها في الشأن كذلك أن صاحبها
یکون کالغیث حيثما حلّ نفع، وأينما وضع
أفاد، فيتعلّم منه الكبير والصّغير، ويكون
مصدر خیر بإذن الله(٢).
والحكمة ترفع الإنسان درجات وتشّفه،
وتزيد من مكانته بين النّاس، فقد روي عن
أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلی الله
عليه وسلم قال: (إنّ الحكمة تزيد الشّريف
شرفًا، وترفع العبد المملوك حتّى تجلسه
مجالس الملوك)(٣).
وقد روي عن عبيد الله بن عمر بن عبد
الوهّاب بن محمّدٍ المكّيّ قال: ((قال لقمان
لابنه: يا بنيّ، جالس العلماء، وزاحمهم
بركبتيك؛ فإنّ اللّه تبارك وتعالى ليحيي
القلوب بنور الحكمة، كما يحيى الارض
الميتة بوابل السّماء))(٤)
٠
فكون الإنسان ممدوح الخلال، مأثور
المحامد، يعتمد على مدى استقامته على
(٢) انظر: موسوعة نضرة النعيم، الحكمة
٠١٧٠٥/٥
(٣) أخرجه الماوردي في أدب الدنيا والدين
ص٤١، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ١٧٣، وابن
عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ١/ ٨٤
رقم٧١.
وقد ضعفه العراقي في المغني عن حمل
الأسفار ٢٣/١، وحكى أنه من قول أنس
والحسن وليس مرفوعًا.
(٤) أخرجه أحمد في الزهد، رقم ٥٥٢، ص٨٩،
وابن المبارك في الزهد والرقائق رقم ١٣٨٧،
وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله/
رقم ٦٧٤.
www. modoee.com
٧٧

حرف الحاء
دين الله تعالى ظاهرًا وباطنًا، وقيامه الصلح على إيديهما إلا إذا اتصفا بالحكمة،
وذلك لأنهما يتدخلان بين شخصين بينهما
من الخصوصية والخفاء والستر ما ليس بين
غيرهما، لما للحياة الزوجية من خصوصيتها
المعروفة.
بالواجبات الدينية والدنيوية، والتحلي
بالفضائل والتخلي عن الرذائل، وهذا من
الحكمة التي لا ينبغي أن يغفل عنها المرء،
قال ابن القيم: ((فإن أدب المرء عنوان
وحكمتهما تظهر في تقديري في الأمور
التالية:
سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته
وبواره، فما استجلب خير الدنيا والآخرة
بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانها بمثل
قلة الأدب))(١).
٥. التوفيق في الإصلاح بين الناس.
من آثار الحكمة توفيق الله تعالى
صاحبها في الإصلاح بين الناس، ولهذا
نجد القرآن الكريم يشير في قضية الصلح
بين الزوجين إلى ضرورة توفر النية الحسنة
في الصلح سواء كانت النية من طرفي النزاع
أو من الحكم القاشم بالصلح.
قال تعالى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا
فَأَبْعَثُواْ حَكَمَا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِن
يُرِيدَآ إِصْلَحًا يُوَقِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا
خَبِيرًا ﴾ [النساء: ٣٥].
وأكثر المفسرين على أن المقصود بقوله
تعالى ﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلَحًا﴾ يعني: الحکمین،
حیث روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد
وسعيد بن جبير وغيرهم(٢)، ولا يتحقق
(١) مدارج السالكين، ابن القيم ٣٦٨/٢.
(٢) انظر: تفسير مقاتل ١/ ٣٧١، تفسير عبدالرزاق
الصنعاني ٤٥٥/١، جامع البيان، الطبري
٣٣٢/٨.
إخلاص النية فى الصلح، بحيث يحققه
الله تعالى على أيديهما، وعدم التأثر
بالهوى أو الميل لطرف على حساب
الطرف الآخر.
رأب الصدع والشقاق بين الزوجين
على وجه السرعة وعدم التراخي فيه،
لأن التراخي يزيد الأمر تعقيداً.
الحرص علی کتمان ما يبوح به الزوجان
من أسرار وخفايا في العلاقات
الزوجية، وذلك لأن حفظ السر أمانة،
والأمانة من الإيمان.
٦. الثواب العظيم في الآخرة.
والحكمة تدعو صاحبها للعمل على وفق
الشّرع، فيصيب في القول والفعل والتّفكير،
ويسير على هدى وبصيرة، فالحكمة تدفع
المرء إلى التحلي بالفضائل واجتناب
الرذائل، وتدعوه إلى القول العدل، والحكم
بالعدل، وهذا كله من طرق نيل الثواب في
الآخرة.
ويمكن استنباط نيل صاحب الحكمة
مَشَارَةُ النَّفْسَيَدْ
القرآن الكريمِ
٧٨

الحكمة
الثواب في الآخرة من عموم قول الله الحكمة محبوب من الناس، مقبول قوله،
محمود فعله، يقبل عليه الناس لينهلون من
حکمته أو یسترشدوا برأيه.
ج
تعالى ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن
يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرَأُ وَمَا
[البقرة:
يَذَّكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ﴾
٢٦٩].
قال السعدي في تفسير الآية الكريمة:
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا
كَثِيرًا﴾: «لأنه خرج من ظلمة الجهالات
إلى نور الهدى، ومن حمق الانحراف في
الأقوال والأفعال، إلی إصابة الصواب فیھا،
وحصول السداد، ولأنه كمل نفسه بهذا
الخير العظيم، واستعد لنفع الخلق أعظم
نفع، في دينهم ودنياهم، وجميع الأمور لا
تصلح إلا بالحكمة، التي هي وضع الأشياء
مواضعها، وتنزيل الأمور منازلها، والإقدام
في محل الإقدام والإحجام في موضع
الإحجام))(١).
قال أبو القاسم الجنيد بن محمد، وقد
سئل: بم تأمر الحكمة؟ قال: (تأمر الحكمة
بكلّ ما يحمد في الباقي أثره، ويطيب عند
جملة النّاس خبره، ويؤمن في العواقب
ضرره)(٢).
٧. تأليف القلوب.
من الآثار الطيبة للحكمة أنها تورث
صاحبها ألفة بين الناس وقبولًا، فصاحب
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٥٧.
(٢) موسوعة الأخلاق، موقع الدرر السنية.
وقد أشار القرآن الكريم إلى نعمة الله
تعالی علی نبيه صلی الله علیه وسلم وعلى
المؤمنين جميعًا، أو على الأوس والخزرج
خاصة، حيث جمعهم وألف بين قلوبهم،
وأزال ما كان بينهم من ضغينة الجاهلية
وعدائها، وذلك بتوفيق الله عز وجل، ثم
بحكمة النبي محمد عليه أفضل الصلاة
وأزكى السلام.
فقال جل شأنه ﴿وَإِن يُرِيدُوْ أَن يَخْدَهُوَكَ
فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهَ هُوَ الَّذِىّ أَيَّكَ بِنَصْرِهِه
وَبِالْمُؤْمِنِينَ ا وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمَّ لَوْ
أَنْفَقْتَ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ
قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ, عَزِيزٌ
﴾ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣].
حَكِيمُ (٦٣)
ويستنبط من الآيتين الكريميتين أن
الحكمة سبب من أسباب تأليف القلوب
واجتماعها حيث ختمت الآية يوصف الله
تعالى بالحكمة، وحكمة الرسول صلى الله
عليه وسلم من نعم الله تعالى التي أنعم بها
علیه.
ومن لطائف الآية ما يشير إليه النيسابوري
من كون الائتلاف والمحبة سببه حسن
الدعوة وحسن الأسلوب، حيث يقول ما
ملخصه: ((المحبة لا تحصل إلا عند تصور
www. modoee.com
٧٩

حرف الحاء
حصول خير من المحبوب. ثم إن كان سبب
انعقاد المحبة أمرًا سريع التغير كالمال أو من هذه النعمة القيمة التي يزن بها أموره
الجاه أو اللذة الجسمانية كانت تلك المحبة
بصدد الزوال والاضمحلال، وإن کان سبب
انعقاد المودة کمالًا حقيقيًّا روحانيًّا دائمًا، لم
يتصور لها تغير وزوال.
ثم إن العرب كانوا قبل مقدم النبي
صلى الله عليه وسلم مقبلين على المفاخرة
والتسابق في المال والجاه والتعصب
والتفرق، فلا جرم كانوا متحابين تارة
ومتباغضین أخرى، فلما جاءهم النبي صلى
الله عليه وسلم ودعاهم إلى عبادة الله تعالى
والإعراض عن الدنيا والإقبال على تحصيل
السعادة الأبدية الروحانية توحد مطلبهم
صاروا إخوانًا متراحمين متحابين في الله
ولله))(١).
ومن علامات ائتلاف القلوب على
الحکیم: أن تجده محبوبًا بین الناس مقبولًا،
وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوب هذا
الحب، فقد أشار ابن مسكويه إلى ضرورة
حب الحكماء وإكرامهم لما لهم من أثر
طيب في تربية النفوس وتهذيب الطباع (٢).
٨. الغبطة لصاحب الحكمة.
من ثمرة إيتاء الحكمة أن تجد صاحبها
(١) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٤١٤/٣.
(٢) انظر: تهذيب الأخلاق، ابن مسكويه
ص١٦١.
مغبوطًا من الناس، نظرًا لما تحصل عليه
وتصرفاته، ففي الصحيحن عن عبد اللّه
بن مسعود قال: قال النّبيّ صلى الله عليه
وسلم: (لا حسد إلّا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله
مالًا فسلّط على هلكته في الحقّ، ورجلٌ آتاه
اللّه الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها)(٣).
وتسمية ذلك في الحديث (حسدًا) ليس
على سبيل الذم، لأن الحسد نوعان: محمود
ومذموم، فالمحمود هو أن تتمنى أن یکون
لك ما لأخيك المسلم من الخير والنعمة ولا
یزول عنه خيره، وقد يجوز أن یسمی هذا
منافسة، ويؤيده قول الله تعالى: ﴿وَفِ ذَلِكَ
فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦](٤).
والمذموم هو أن تتمنى زوال نعمة الله
عن أخيك المسلم، وسواء تمنيت مع ذلك
أن تعود إليك أو لا، وهذا النوع الذي ذمه
الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ
النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، فَقَدْ ءَاتَيْنَا
ءَالَ إِبْرَهِيَمَ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُم مُّلْكًا
عَظِيمًا ﴾ [النساء: ٥٤].
وإنما كان مذمومًا؛ لأن فيه تسفيه الحق
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب الاغتباط في العلم والحكمة، رقم ٧٣،
ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين،
باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه، رقم ٨١٦.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧١/٢.
٨٠
جَوْسُوء
الْقُرآن الكَرِيْمِ

الحكمة
سبحانه، وأنه أنعم على من لا يستحق (١).
وفي معناها يقول قتادة: حسدوا هذا
الحيّ من العرب على ما آتاهم الله من
فضله، بعث الله منهم نبيًّا، فحسدوهم على
ذلك(٢).
موضوعات ذات صلة:
الباطل، الحق، الدعوة، اللھو
(١) المصدر السابق ٢/ ٧١.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٧٨/٨.
www. modoee.com
٨١