النص المفهرس

صفحات 21-28

الحكم
أنفسكم، أو على الوالدين أو الأقارب،
فقولوا الحق، ولا تميلوا لغنيٌّ لغناه على
فقير، ولا لفقير لفقره على غنيّ، فتظلموا
بذلك، فإن الله الذي سوّى بين الغنيّ
والفقير عند القضاء هو الأولى في الحكم
بينهما، وهو أعلم بما فيه مصلحة كلّ واحد
منهما منکم، فلذلك أمركم بالتسوية بينهما
في الشهادة لهما وعليهما، وإياكم أن تتبعوا
أهواء أنفسكم في المیل في شهادتکم إذا
قمتم بها فتقولوا غير الحق، ولكن قوموا
فيها بالقسط، وأدّوا الشهادة كما أمركم الله
بأدائها، بالعدل لمن شهدتم له و علیه(١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ
بِأَلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اُلْكِتَبِ
وَمُهَيْمِنَا عَلَيْهِ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ وَلَا
تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ عَمَّاجَآءَ ◌َ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا
مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ
أُمَّةً وَاحِدَةٌ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَّكُمْ فِي مَآ ءَاتَنَكُمْ فَاسْتَبِقُواْ
اُلْخَيْرَتِّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِئُكُمْ
بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨].
والمعنى: ولقد أنزلنا إليك يا محمد
القرآن موافقًا لأصول ما جاء في الكتب
﴿وَمُھَيِنًا﴾ عليها
السماوية قبله،
﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ بما شرع الله فيه
من الأحكام دون الأخذ بما في التوراة
والإنجيل، فقد جعل الله تعالى لكل أمة من
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٣٠٢.
الأمم شريعة خاصة بها، ولو شاء الله تعالى
لجمعکم على منهج واحد، وشريعة واحدة،
ولكنه لم يفعل ذلك؛ لاختبار مدى استجابة
الناس لأمر الله تعالى الذي يقتضي اتباع
الناسخ، وترك المنسوخ (٢).
وقوله تعالى: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً
فِىِ الْأَرْضِ فَأَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ اَلْهَوَى
فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:
٢٦].
والمعنى: يخاطب الله تعالى نبيه داود
قائلاً: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةٌ﴾ لمن
كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحق ﴿فَاحْكُمُ
بَيْنَ النَّاسِ﴾ بحكم الله تعالى العادل، ولا تتبع
هوی نفسك في قضائك فتضلّ عن سبيل
الله تعالى وشرعه، وإنّ الله تعالی سیعذّب
﴿اَلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سچِيلِ اللّهِ﴾ تعالی وحكمه،
بسبب تناسيهم يوم الحساب والعرض على
(٣)
الله عز وجل"
(٢) انظر: الهداية، مكي بن أبي طالب ١٧٧١/٣،
تفسير القرآن العزيز، العز بن عبدالسلام
٣٩٠/١.
(٣) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ١٥٢/٣.
www. modoee.com
٢٧

حرف الحاء
موقف الناس من الحكم بالعدل
إن الناس أمام الحكم بالعدل صنفان،
صنف يسعى لتطبيق حكم الله، وعلى
ذلك فإنه یسمع ویطیع، وینقاد ويستسلم،
وينشرح صدره، وصنف يتولى ويعرض
ويصد عند تحكيم شريعة الله تعالى، وبيان
هذين الصنفين فيما يأتي:
أولًا: موقف المؤمنين:
مما لا شك فيه أن موقف المؤمنين
سيكون إيجابيًّا من أي قضية ربانية،
وبالأخص إذا كانت تشتمل على الأوامر
والنواهي التي تشكّل بمجموعها المنهاج
الذي ينبغي للمؤمن أن يسير عليه في
الدنيا؛ لينال رضا الرحمن في الآخرة، ومن
المظاهر الإيجابية التي يجب أن یکون علیھا
المؤمنون في التعامل مع الأحكام الإلهية ما
يأتي:
١. السمع والطاعة.
يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَامَنَ
الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ
ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتَبِكَتِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ
بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً
غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
والمعنى: لقد آمن وصدّق الرسول صلى
الله عليه وسلم بما أوحى إليه من ربه من
القرآن، وما فيه من تشريعات، وغير ذلك
من سائر ما فيه من المعاني التي حواها، وقد
تابعه المؤمنون في ذلك الإيمان اعتقادًا في
قلوبهم، وإقرارًا بألسنتهم(١).
٢. التسليم والانقياد.
يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ
لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًّاً
أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمٌّْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا مُّبِينًا ﴾ [الأحزاب:
٣٦].
والمعنى: أنه لا يجوز للمؤمنين بحال
من الأحوال إذا صدر الأمر الإلهي بالفعل،
أو الترك، أن يختاروا ما يشاؤون على
وفق رغباتهم؛ فإن من يخالف شرع الله
تعالى وحكمه قد حاد عن الصراط السوي
وابتعد(٢).
٣. انشراح الصدر.
ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ
ثُمَّ لَا يَجِدُ وافِي أَنفُسِهِمْ حَجًا مِمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُوْاْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
والمعنى: إنه لا يصح إيمان العبد حتى
يقبل بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم
في کل ما يعرض لهم من الأمور، ثم لا يجد
في قلوبهم ضیقًا من حكم الله ورسوله،
ويسلّم لحكم الله ورسوله(٣).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٦/ ١٢٤.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٣٧٧.
(٣) انظر: تفسير السمر قندي ٣١٥/١.
٢٨
صَوُو
القُرآن الكَرِيْمِ

الحكم
ثانيًا: موقف الكافرين:
معلوم أن الكافر جاحد لما أنزل الله
تعالی علی الرسول صلی الله عليه وسلم من
الوحي، ومن ثمّ فهو منكر لأحكام الشريعة
الإسلامية التي جاءت ضمن الوحي الإلهي،
ومن مظاهر هذا التنكّر ما يأتي:
١. التولي عن حكم الله.
يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ وَأَنِ اُعْكُمْ بَيْنَهُم
بِمَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ
يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكٌ فَإِنِ تَوَلَّوْاْ
فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يُرِدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ
كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩].
والمعنى: أنزلنا إليك القرآن وفيه حكم
الله تعالى الحق، فاحكم بما جاء من
الأحكام، واحذر أن يصرفك الفاسدون
عن بعض هذه الأحكام ولو كان أقلّ قليلٍ،
بتصوير الباطل بصورة الحق، فإن رفضوا
الحكم بما أنزل الله تعالى وأرادوا غيره،
فاعلم أن الله تعالى يريد أن يحملهم جريرة
ذنوبهم المتمثلّة في تولّيهم عن حكم الله عزّ
وجلّ، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ متمرّدون في
الكفر، متشبّئون به، خارجون عن طاعة الله
تعالى الآمر العدل (١).
٢. الإعراض.
يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَ تَرَ إِلَى
(١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٤٧/٣.
الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى
كِتَبِ اَللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم
مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣].
والمعنى: انظر يا محمد وتعجّب من
حال هؤلاء الذين ﴿أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ﴾ التوراة
وفيه البشارة بك، ومع ذلك يعرضون عن
القرآن وما فيه من الأحكام الواضحة البينة
الموافقة لما جاء مكتوبًا عندهم في التوراة؛
إرضاءً لأهوائهم وأباطيلهم(٢).
٣. الصّدود.
يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ
وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى
اُلَّغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوّاْ أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ
الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلا بَعِيدًا ، وَإِذَا
قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ
رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا
﴾ [النساء: ٦٠-٦١].
المعنى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ
أَنَّهُمْ ءَامَنُواْبِمَا﴾ أوحي إليك من المنافقين
الذين يريدون تحكيم الطواغيت من
كهنة اليهود وسحرتهم فيما يعرض لهم
من القضايا التي تحتاج للحكم فيها، مع
بتكذيب تلك الطواغيت،
مِرو
أنهم
﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ﴾ عن الهدى
(٢) انظر: التفسير الواضح، محمد محمود
حجازي ٢١٩/١.
www. modoee.com
٢٩

حرف الحاء
وعن الحق ﴿ضَلَلاَ بَعِيدًا﴾، وفي المقابل
إذا دعي هؤلاء المنافقون إلى حكم الله
تعالی الوارد في كتابه، وسنة رسوله صلى
الله عليه وسلم تراهم يعرضون إعراضًا (١).
فإن قيل: ما الفرق بين الإعراض،
والصدود، والتولي؟ فالجواب: أنّ الإعراض
هو أخذ جانب بعيد عن المعرض عنه (٢)، أمّا
الصدود فهو من الصدّ وهو الصّرف، ومن
ثمّ يكون معنى صدّ عن الشيء أي: صرف
عنه، وقد يكون الصّرف بالإقناع أو بالإكراه،
أمّا التولي فهو عدم الانتفاع (٣).
(١) انظر: تفسير السمر قندي ٣١٣/١.
(٢) انظر: المصباح المنير، الفيومي ٢/ ٤٠٢.
(٣) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده
٢٦١/٨، الكليات، الكفوي ص٣٠٩.
أثر تحكيم الشريعة على المجتمع
أحكام الشريعة إلهية المصدر، فالذي
خلق یعلم مخلوقه وما يحتاجه، فمما لا ريب
فيه أن لتحكيم الشريعة الإسلامية أثرًا بالغًا
في رفعة الأمة، وتقدّمها وازدهارها، ويرجع
هذا الفضل العظيم للشريعة الإسلامية على
الأمة المنقادة لها إلى عدة عوامل، منها:
١. أحكام الشريعة الإسلامية تفضّ
النزاعات بين المتخاصمين على أساس
العدل.
٢. أحكام الشريعة الإسلامية تنصف
المظلوم، وتعيد له حقوقه المنزوعة.
٣. أحكام الشريعة الإسلامية تردع الظالم
مهما كان منصبه، وتنزل بحقه العقوبة
المناسبة.
٤. أحكام الشريعة الإسلامية تعتمد ميزان
التقوى كأساس للتفاضل بين الناس في
المجتمع.
هذه العوامل جعلت لهذه الشريعة الغراء
أطيب الأثر على المجتمع المسلم، ويتمثل
هذا الأثر فيما يأتي:
انتشار العدل في المجتمع.
يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ
بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ
عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
٣٠
جوسى
القرآن الكريم

الحكم
وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾
[المائدة: ٨].
فهذه الآية الكريمة تأمر المؤمنين بأن
يكونوا على أتم الجاهزية لتطبيق كل ما
یأمرهم به، والابتعاد عن کل ما ینهاهم عنه،
وألّا تدفعهم كراهيتهم لقوم على ظلمهم،
أو ظلم غيرهم، ثم تبين أن التزام العدل في
الأقوال والأفعال هو الأقرب إلى تحقيق
التقوى في النفوس، وبعد ذلك تحذّر الآية
من مخالفة التعليمات الواردة فيها من
خلال التأكيد على مراقبة الله تعالى لسلوك
عباده(١).
سيادة الأمن داخل المجتمع.
يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا لَگُزْلًا
تُقَدِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْرِجَالِ
وَالنِّسَآِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ
هَذِهِ الْقَرْيَةِ الَّالِمِ أَهْلُهَا وَأَجْعَل لَنَا مِن ◌َّدُّنْكَ وَلِيًّا
﴾ [النساء: ٧٥].
وَأَجْعَل لَّنَا مِن ◌َّدُنكَ نَصِيًّا
تحث هذه الآية الكريمة المؤمنين
على الجهاد في سبيل الله تعالى نصرة
للمستضعفين في الأرض، ورفعًا للظلم
والجور عنهم، وتوفيرًا للأمن لهم، فهم
أحوج ما يكونون لذلك، لاسيما وأن الظّلمة
يستأسدون في حملاتهم الشرسة ضد
الضعفاء من النساء والشيوخ والأطفال،
الذين لا حول ولا قوة لهم إلا بالله
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢/ ٢٠.
العظيم (٢).
· تعزيز الوحدة بين أفراد المجتمع.
يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ وَأَعْتَصِمُوا
بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَغَرَّقُواْ وَأَذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءَ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِّكُمْ فَأَصْبَحْتُم
بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَنَا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةِ مِنَ النَّارِ
فَأَنَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ
تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣].
يأمر الله تعالى عباده بالالتفاف ليكونوا
جماعة واحدة حول شريعة الله تعالى التي
بفضلها منّ الله تعالى على عباده بالألفة
والمحبة، بعد الفرقة والعداوة، فصاروا
إخوانًا يرحم بعضهم بعضًا، ويؤازر بعضهم
بعضًا، بعد أن كادت عداوتهم تتسبب في
هلاكهم، ثم بيّن سبحانه أن الغاية من البيان
السابق هي هداية المجتمع، والحفاظ على
وحدته(٣).
ترسيخ مبدأ المساواة في المجتمع.
يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ
إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَآئِلَ
لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَمَّكُمْ إِنَّ اللَّهُ عَلِيمُ
خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].
والمعنى: يبيّن الله تعالى لعباده في هذه
الآية الكريمة أن ميزان التفاضل بينهم هو
(٢) انظر: أوضح التفاسير، محمد الخطيب،
ص١٠٤، التفسير الميسر، مجمع الملك فهد
ص٩٠.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣١/٤.
www. modoee.com
٣١

حرف الحاء
التقوى فقط، وليس شيئًا سوى التقوى، انتفاع المحتاجين بما يقدّم لهم من
نفقات (٢).
کما یؤكد سبحانه على علمه بأحوال عباده،
وقدرته على التمييز بينهم بحسب مراقبتهم
له سبحانه، وخشیتهم منه(١).
إيجاد مجتمع متکافل.
يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ
الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا
يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ
يَحْسَبُهُمُ الْجَامِلُ أَغْنِيَآءُ مِنَ التَّعَقُّفِ
تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ
إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ.
عَلِيمٌ ) الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم ◌ِآَلَيْلِ
وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةٌ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ
عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٣-٢٧٤].
والمعنى: يحث الله تعالى المؤمنين
في هاتين الآيتين على تحقيق التكافل
الاجتماعي من خلال مدّيد العون لإخوانهم
المحتاجين غير القادرين على كسب ما يسدّ
حاجتهم، والذين تمنعهم العفة عن طلب
المساعدة من الآخرين، ويأتي هذا الحث
من خلال سبيلين، الأول: التشجيع على
تقديم يد العون للمحتاجين سواءً أكانت
المعونة قليلة أم كثيرة، الثاني: التشجيع على
المداومة على الإنفاق لضمان استمرارية
(١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
١٢٣/٨.
إيجاد مجتمع متعلم.
يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ
قَنِتُّ ءَانَآءَ الَتْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ
وَيَرْبُواْ رَحْمَةَ رَبِّهٍ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ
لَا يَعْلَمُونُّ إِنَّمَا يَتَذَّكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [الزمر: ٩].
يبرز الحق جل وعلا في هذه الآية علو
شأن العالمين العابدين من العلماء، وطلبة
العلم الذين هم دائمو التذكر لعظمة الخالق
من خلال التفكر في إبداع الخلق؛ فيكون
ذلك دافعًا لهم للزوم طاعة الله تعالى (٣).
إيجاد مجتمع طاهر.
ويقصد بالطهارة ما يأتي:
١. الطهارة النفسية.
﴿قُل
يدل على ذلك قوله تعالى:
لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَِهِمْ وَنَحْفَظُواْ
فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزَّكَى لَمُّ إِنَّ اللّهَ خَبِيْرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ
﴿ وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ
وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّ
مَا فَهَرَ مِنْهَاً وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِمِنَّ عَلَى جُيُوِنَّ
وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ
أَوْ ءَبَّبِهِنَ أَوْ ءَابَآَِّ بُعُولَتِهِنَ أَوْ
أَبْنَآَبِهِنَ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَنِهِنَّ
أَوْ بَنِيّ إِخْوَيِهِنَّ أَوْ بَنِيّ أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَابِهِنَّ
(٢) انظر: التفسير المنير، د.وهبة الزحيلي ٧١/٣.
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٢٤٥/٧.
٣٢
جوسبو
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الحكم
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَِّعِينَ غَيْرِ أُوْلِىِ
الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطَّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ
عَلَى عَوْرَتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِيْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ ◌ِيُعْلَمَ
مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى اَللَّهِ جَمِيعًا
أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:
٣٠-٣١].
والمعنى: في هاتين الآيتين الكريمتين
يأمر الله تعالى عباده المؤمنين رجالاً ونساءً
بما يحفظ المجتمع المسلم عفيفًا طاهرًا، من
غضِّ للبصر عن النظر إلى ما حرم الله تعالى،
وحفظٍ للفرج عن قضاء الشهوة في ما حرّم،
ثم يخص النساء بالأمر بإخفاء ما يثير الفتنة
من الزينة، وبارتداء الحجاب الذي يسترها
ويصونها، وألّا يظهرن ما عندهن من الزينة
إلّا لأزواجهن، أو آبائهن، أو آباء أزواجهن،
أو أبنائهن، أو أبناء أزواجهن، أو إخوانهن،
أو أبناء إخوانهن، أو أبناء أخواتهن، أو
النساء المؤمنات، أو ما ملكن من العبيد،
أو البله من الرجال الذين لا حاجة لهم في
النساء، أو الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم
من الذين لا علم لهم بعورات النساء.
ثم نهاهن عمّا كان سائدًا فى الجاهلية من
ضرب النساء عند سيرهن بأرجلهن ليسمع
صوت ما يخفين من الزينة كالخلاخيل
وغيرها، ثم يعمم الله تعالى الأمر للمؤمنين
والمؤمنات بالتوبة إلى الله تعالى من كل ما
قد یکون بدر منهم من المخالفات خصوصًا
ما يتعلق بخدش الحياء والعفة (١).
٢. الطهارة البدنية.
يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿یَبَنِى ءَادَمَ
خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ وَلَا
تُشْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].
والمعنى: يأمر الله تعالى في هذه الآية
الكريمة العباد بما يحفظهم طاهرين أصحاء،
من المحافظة على النظافة الشخصية، وعدم
الإسراف في تناول الأطعمة والأشربة، ثم
علل الحق جل وعلا هذه الأوامر بأنه پبغض
المتجاوزين لحدود الاعتدال في سائر
الأمور(٢).
إيجاد مجتمع قوي عزيز مسالم.
يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ
لَهُم مَّا أُسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ
تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ
مِن دُونِهِمْ لَا نَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ وَمَا تُنفِقُواْ
مِن شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَنَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا
وَإِنْ جَنَحُواْ لِلسَّلَّمِ فَأَجْنَحْ لَهَا
نُظْلَمُونَ أ
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال:
٦٠- ٦١].
والمعنى: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين
في هاتين الآيتين أن يكونوا على أتم
الاستعداد والجاهزية لحماية أنفسهم ممّا
(١) انظر: المصدر السابق ٦/ ١٧٠، التفسير
المیسر، مجمع الملك فهد ص٣٥٣.
(٢) انظر: التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص
١٥٤.
www. modoee.com
٣٣

حرف الحاء
يهددهم من الأخطار القادمة من ناحية أعداء
الإسلام والمسلمين في کل مكان وزمان،
ودلّهم على الوسيلة التي يحقّقون من
خلالها الأمن لأنفسهم، وهي امتلاك القوة
بكافة أنواعها ووسائلها، وحثّ على الإنفاق
في سبيله لتيسير ذلك، ثم وضّح الموقف
الذي ينبغي على المؤمنين أن يتخذوه في
حالة طلب أعدائهم للسّلام معهم، وهو
الموافقة شريطة أن تكون مبادئ السلم
محقّقةً العزة للمؤمنين، متفقة مع أحكام
الشريعة الإسلامية (١).
موضوعات ذات صلة:
الحرية، الخلافة، السياسة، الشورى،
العدل
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٣٢٤ - ٣٢٥.
٣٤
جوسين
القرآن الكريمِ