النص المفهرس
صفحات 21-36
الحسد فتمنى اليهود أن يكون هذا النبي منهم، متوعّدین العرب به، مستنصرین به عليهم، ﴿وَلَمَّا جَآءَ هُمْ كِنَبُ مِنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَغَرُوا فَلَمَّا جَآءُ هُم مَا عَرَقُواْ كَفَرُوا بِئَّ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور: یا معشر اليهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته، فقال سلام بن مشکم: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي کنا نذكر لكم فأنزل الله الآية، فهم قد رجعوا بغضب من الله جديد؛ لكفرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله أنزل عليه الكتاب من فضله، وكانوا لجهلهم يدعون أنهم أحق، وباءوا بغضب على غضب سابق؛ لكفرهم بالأنبياء قديمًا ولهم عذاب مهين(١). وظهر حسد اليهود للنبي صلی الله علیه وسلم في صور، منها: الصورة الأولى: القتل، كما قال سبحانه: (١) التفسير الواضح، محمد حجازي، ١/ ٥٣. ﴿وَفَرِيقًا نَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]. فإنهم حاولوا قتل النبي محمد صلى الله علیه وسلم، لولا عصمة الله سبحانه وتعالى له، إذ أنهم سحروه وسمّموا له الشاة (٢). الصورة الثانية: كتمان الحق، وادعاؤهم أنه ليس بالنبي المرسل، ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ اَلْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمٌّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]. يخبر تعالى أنه قد تقرر عندهم -أي: علماء اليهود- وعرفوا أن محمدًا رسول الله وأن ما جاء به حق وصدق، وتيقنوا ذلك، کما تيقنوا أبناءهم بحیث لا يشتبهون عليهم بغيرهم، فمعرفتهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وصلت إلى حد لا يشكّون فيه ولا يمترون، ولكن فريقًا منهم -وهم أكثرهم- الذين كفروا به، كتموا هذه الشهادة مع تيقنها (٣). الصورة الثالثة: العناد وكراهية تنزل الخير على محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿يتسمًا أَشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ بَغْيًّا أَنْ يُنْزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِّ فَبَآءُ و بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠]. أي: بئس الشيء الذي باعوا به أنفسهم (٢) انظر: روح المعاني، الألوسي، ١/ ٣١٨. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٨٨. www. modoee.com ٢٣١ حرف الحاء وبذلوها - الكفر بما أنزل الله-، وهو الكتاب لا يودون تنزيل جميع ذلك على المؤمنين، المصدق لما معهم، أي أنهم اختاروا الكفر عداوةً وحسدًا وخوفًا من فوات الدراسة وزوال الرياسة ... ﴿وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾ تذييل لما سبق (٣). على الإيمان، وبذلوا أنفسهم فيه ... أي: أنهم كفروا لمحض العناد الذي هو نتيجة الحسد، وكراهة أن ينزل الله الوحي من فضله على من يختار من عباده، ولا بغي أقبح من بغي من يريد الحجر على الله، فلا يرضى أن يجعل الوحي في آل إسماعيل، كما جعله من قبل في آل إسحاق(١). الصورة الرابعة: كراهية تنزل الخير على المؤمنين، ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِنَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِنِ رَّبِكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [البقرة: ١٠٥]. والسبب في ذلك أنهم يرون أنفسهم أحق بأن یوحی إلیهم، فیحسدونکم، وما يحبون أن ينزل علیکم شيء من الوحي، ثم بيّن سبحانه أن ذلك الحسد لا يؤثر في زوال وتشهّيهم لا من قبل التدبر والميل إلى ذلك، فإنه سبحانه وتعالى يختص برحمته وإحسانه من يشاء(٢). والمراد من الخير في الآية: إما الوحي، أو القرآن، أو النصرة، أو ما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم من المزايا، أو عام في أنواع الخير كلها؛ لأن المذكورين الصورة الخامسة: تمنيهم ردة المؤمنين عن دينهم، وعودتهم إلى دائرة الكفر ليكونوا سواء، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًّا مِّنْ عِندٍ أَنْفُسِهِمِ مِنْ بَعْدٍ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَأَعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَقَّ يَأْتِىَ اَللَّهُ بِأَمْيُِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩]. إن التعبير بجملة: ﴿مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِمْ﴾ متعلق بمحذوف وقع صفة؛ إما للحسد، أي: حسدًا كائنًا من أصل نفوسهم، فكأنه ذاتي لها، وفيه إشارة إلى أنه بلغ مبلغًا متناهيًا، وهذا يؤكد أمر التنوين إذا جعل للتكثير أو التعظيم، وإما الوداد المفهوم من ﴿وَدَّ﴾، أي: ودادًا كائنًا ﴿مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِمْ﴾، الحق (٤). فهم يتمنون أن يرتد أهل الإيمان عن دينهم، ويتخلوا عن شريعة ربهم ليكونوا سواء في الباطل، إذ أنهم يشعرون؛ بل ويوقنون أن إيمان المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم يكمن فيه الخير والصلاح، (١) تفسير المراغي، ١ / ١٦٨. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/ ٢٢٥. (٣) روح المعاني، الألوسي، ١/ ٣٥٠. (٤) روح المعاني، الألوسي، ١/ ٣٤٧. ٢٣٢ مُوسُو ◌َ النَِّّ القرآن الكريم المسد وبالتالي فنار الحسد لا تهدأ إلا إن ارتد هؤلاء عن دينهم، فخسروا هذا الخير المتمثل في الإسلام والقرآن. وقال ابن عجيبة: ((يتمنون ذلك من عند أنفسهم وتشھّیھم، أي: حسدا حاصلًا من تلقاء أنفسهم، لم يستندوا فيه إلى شبهة ولا دليل))(١). (١) البحر المديد، ابن عجيبة، ١/ ١٢٧. آثار الحسد إن للحسد آثارًا سيئة بغيضة مذمومة، يلمس شرها عامة الناس والتعرّف على هذه الآثار أمر مهم إعمالا لمبدأ تهذيب النفس لتتجنبه وتبتعد عن مسبباته، وبيان ذلك فيما يأتي: ١. تكبّر الحاسد على أوامر الله سبحانه وتعالى، وسخط الله عليه. والحاسد بفعله هذا يكون مشاركًا لإبليس -اللعين- عندما تكبر على أوامر الله عز وجل رافضًا السجود لآدم عليه الصلاة والسلام حسدًا منه لأبينا آدم على النعمة، والمكانة التي حباها الله تعالى بها، ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لِأَدَمَ فَسَجَدُوّا إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرٌ وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. قال قتادة: «حسد عدو الله إبليس آدم عليه السلام ما أعطاه من الكرامة، وقال: أنا ناري، وهذا طيني))(٢). قال ابن القيم: ((الحاسد شبيه بإبليس، وهو في الحقيقة من أتباعه؛ لأنه يطلب ما يحبه الشيطان من فساد الناس، وزوال نعم الله عنهم، كما أن إبليس حسد آدم لشرفه وفضله، وأبى أن يسجد له حسدا، فالحاسد (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٣١/١. www. modoee.com ٢٣٣ حرف الحاء من جند إبليس)» (١). ٢. ادعاء الخيرية. فقد ادعى إبليس الخيرية والأفضلية على آدم عليه السلام، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَّ قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن ثَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]. قال القرطبي: ((قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ أي: منعني من السجود فضلي عليه))(٢). وقال الطبري: ((يريد إبليس من جوابه: أنه أشد وأقوى وأفضل من آدم لفضل النار التي خلق منها، على الطين الذي خلق منه آدم))(٣). ٣. التسخط على قضاء الله لتفاوت الإنعام على الناس. إن الحسد يجعل الفرد عدوًّا لنعم الله تعالی التي أنعم بها على عباده، فلسان حاله يقول: لم أنعمت هذه النعم على فلان وليس علي؟ ويكون متسخّطًا على قضاء الله سبحانه، والله تعالى يقول: ﴿لَا يُسْشَلُ عَنَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. فالمعنى: لا يسأله الخلق عن قضائه في خلقه، وهو يسأل الخلق عن عملهم؛ لأنهم عبيد(٤). (١) بدائع الفوائد ٢٣٤/٢. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٧/ ١٥٣. (٣) جامع البيان، الطبري، ٨/ ١٣١. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١١/ ٢٤٦. ومن هنا، فقد جعل سبحانه وتعالى الناس متفاوتين؛ لتستمر الحياة ويحصل التكامل بين البشر، وتتم سنة الابتلاء ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَيْفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَنَكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾﴾ [الأنعام: ١٦٥]. ٤. النميمة. وهي نقل الحديث من قوم إلى قوم على جهة الإفساد والشر (٥)، أو من فرد إلى فرد، وقيل: النميمة: الوشاية، وأصل النميمة الهمس والحركة الخفيفة (٦). فظهور هذه الآفة السيئة يؤدي إلى الإضرار بالمجتمع، واضطرابه، واهتزاز أركانه، وفساده؛ لأن الحاسد والعائن إن لم يستطع التأثير بنظره وقلبه، فإنه يسلك هذا السلوك؛ ليقضي مأربه ومبتغاه، بحسده وإيقاع الفساد بين الناس، وقد نهى الشارع الحكيم عن هذه الخصلة الذميمة، وهذا الخلق الدنيء، وحذّر من عاقبة النمّام الوخيمة، ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ ) هَنَّارٍ مَشَّكَ بِنَّمِيمٍ﴾ [القلم: ١٠- ١١]. ((أي: يمشي بالنميمة بين الناس؛ ليفسد بينهم)»(٧)، وقوله: ﴿مَشَآَمِ﴾ أي: (٥) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، ١٢٠/٥. (٦) المفردات، الأصفهاني،ص ٨٢٥. (٧) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، ٨/ ٩٥، موسوعة النفسية القرآن الكريم ٢٣٤ الحسد كثير المشي، ﴿بِسَمِيمٍ﴾ ((أي: بنقل ما قاله دفعه الحسد إلى ارتكاب جريمته في قتله أخيه. الإنسان في آخر وأذاعه سرًّا، لا يريد صاحبه إظهاره على وجه الإفساد للبين، مبالغ في ذلك بغاية جهده)» (١). وفي الحديث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة نمام)(٢). وفي رواية: (لا يدخل الجنة قتات)(٣). ٥. القتل. والحسد -هذه الصفة الذميمة المكروهة عند الناس - عندما تغلي في قلب الإنسان ونفسه، ولا يظهر أثرها العملي في المحسود، فإنها تجعل صاحبها يحرّك أعضاءه إلى جانب فكره؛ حتى يصل به الأمر إلى محاولة القتل، وهذا الأمر الجلي واضح في قصة ابني آدم عليه الصلاة والسلام حيث الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٠٣/١٨، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٨/ ٢٠٩. (١) نظم الدرر، البقاعي ٨/ ١٠١. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم النميمة، ١ / ١٠١، رقم ١٠٥. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب مايكره من النميمة، ١١٤/٧، رقم ٦٠٥٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم النميمة، ١/ ١٠١، رقم ١٠٥. والقتات: هو النمام، وقيل: النمام الذي يكون مع القوم يتحدثون فينم عليهم، والقتات الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون ثم ينم. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٤ / ١١. قال تعالى في بيان هذه الحادثة: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقٍ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَّ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ ) لَيِنُ بَسَطَتَ إِلَّ يَدَكَ لِتَقْتُكَنِى مَآ أَنْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكٌ إِنَّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴿ إِنّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَّأَ بِئْمِى وَإِنْكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَّوُاْ الظَّلِينَ ) فَطَوَّعَتْ لَهُ, نَفْسُهُ. قَبْلَ أَخِيهِ فَقَثَلَهُ، فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢٧-٣٠]. قال ابن عاشور: ((وإنما حمله على قتل أخيه حسده على مزية القبول، والحسد أول جريمة ظهرت على الأرض» (٤). ٦. انتشار الحقد والضغينة. الحسد يزرع في القلب الضيق والكراهية، ويعمي البصيرة أن تنشرح لنعم غيرها من الناس، فتتقوی بسبب ذلك عوامل الحقد، وقطع التواصل، وتقل سلامة الصدر، ويدخل الحاسد في دائرة ذوي القلوب المريضة الحاقدة البغيضة. قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ أَن لَّنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَنَهُمْ ﴾ [محمد: ٢٩]. قال القرطبي: ((الأضغان: ما يضمر من المكروه، واختلف فى معناه، قال ابن عباس: (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٦/ ١٧٠. www. modoee.com ٢٣٥ حرف الحاء حسدهم، والمعنى أم حسبوا أن لن يظهر الله إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥]. عداوتهم وحقدهم لأهل الإسلام)»(١). إن سلامة القلب ونقاءه تزهّد الشخص في الدنيا، بل تزيل الحسد من نفسه، كما وصف تعالى به أهل الجنة من صفاء للقلوب ونزع للغل من صدورهم، ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ تَجْرِى مِن تَحِمُ الْأَنْهَرُ وَقَالُواْ لَلْحَمْدُ لِلَِّ الَّذِى هَدَنَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَ نَا الله لَقَدْ جَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوّاً أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُوْ رِثْتُمُوهَا بِمَا كُنُّمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]. وقال الزحيلي: ((ومن نعم الله تعالى على أهل الجنة صفاء نفوسهم وسلامة صدورهم، لا یکدرهم کدر، ولا يؤلمهم ألم، ولا یحزنھم فزع، ولا یحدث بینھم شر؛ لأن الله نزع ما في صدورهم من حسد وحقد وعداوة وغل ونحوها من أمراض النفس في الدنيا)»(٢). آثاره على المجتمع: وكما أن الحسد له آثار على الفرد، فکذلك له آثار على المجتمع، فالفرد هو نواة المجتمع، وقد بيّن العلامة ابن جبرين رحمه الله آثار الحسد على المجتمع، فقال رحمه الله: ((لقد أمر الله تعالى بالاستعاذة من شر الحاسد في قوله: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ وهذا دلیل علی أن له شرًّا وفيه ضررًا، ولا یتحصن منه إلا بالاستعاذة بالله تعالی؛ حيث إن الحسد من أعظم الأمراض الفتاكة بالمجتمع؛ فهو یجبر صاحبه على أصعب الأمور، ويبعده عن التقوى، فيضيق صدر الحسود، ويتفطّر قلبه إذا رأى نعمة الله على أخيه المسلم، ولقد كثر الحسد بين الأقران، والإخوان، والجيران، وكان من آثار ذلك التقاطع والتهاجر، والبغضاء والعداوة، فأصبح كل من الأخوين أو المتجاورين يتتبع العثرات، ويفشي أسرار أخيه، ويحرص على الإضرار به، والوشاية به عند من یضره أو یکید له، ولا شك أن ذلك من أعظم المفاسد في المجتمعات الإسلامية، فإن الواجب على المسلمين أن يتحابوا، ويتقاربوا، ويتعاونوا على الخير والبر والتقوى، وأن يكونوا يدًا واحدة على أعدائهم من الكفار والمنافقين، فمتى أوقع الشيطان بينهم العداوة والبغضاء، وتمكنت من قلوبهم الأحقاد والضغائن، حصل التفرق والتقاطع، وصار کل فرد یلتمس من أخيه عثرة، أو زلة فيفشیها، ویعيبه بها، ویکتم ما فيه من الخير، ويسيء إلى سمعته))(٣). (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٦/ ٢١٤. (٢) التفسير المنير، الزحيلي، ٨/ ٢٠٩. (٣) رسالة في الحسد، ابن جبرين ص ١٠. ٢٣٦ مَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم الحسد سبل الوقاية من الحسد ١. تنفير الحاسد من الحسد. إن الحسد خصلة ذميمة مكروهة لدى الناس الأتقياء الأنقياء، والله عز وجل أمرنا بالاستعاذة من الحاسد وشره وَمِن شَرِ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥]. أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد نھی عن الحسد وحذر منه، فقال: (لا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا)(١). قال ابن حجر في شرح الحديث: ((إن النهي عن التحاسد ليس مقصورًا على وقوعه بین اثنین فصاعدًا، بل الحسد مذموم، ومنهي عنه، ولو وقع من جانب واحد؛ لأنه إذا ذم مع وقوعه مع المكافأة فهو مذموم مع الإفراد بطريق الأولى))(٢). ٢. مبار کة ما يعجبه إذا رآه. إن مبارکة الحاسد تكون بترديد ما يقرّر عظمة الله على لسانه مع استشعار ذلك بقلبه بجعله رطبًا بذكره سبحانه، وهذا من أولويات الأمور، والأسباب التي تمنع الكريم. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر، ٧ / ١١٦، رقم ٦٠٦٤، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظن والتجسس والتناجس، ٤ / ١٩٨٥، رقم ٢٥٦٣. (٢) فتح الباري، ابن حجر، ١١ / ٢٧٤. الحسد وتقضي عليه؛ لأن تفويض الأمر إلى الله تعالى من أعظم معاني عمق الإيمان. يقول تعالى في الحث على التبريك: وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّنَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةً إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَأْ أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف: ٣٩]. قال الطبري: ((أي هلا إذا دخلت بستانك فأعجبك ما رأيت منه قلت: ما شاء الله كان، لا قوة على ما نحاول من طاعته إلا به سبحانه»(٣). ٣. حث الحاسد على إفشاء السلام. إن الإفشاء السلام ميزة طيبة في حياة الفرد من صفاء القلب وسكون النفس، ونقائها؛ لما يشكله من محاولة دائمة لتوثيق علاقات المودة والقربى بين أفراد الجماعة المسلمة. ((وإفشاء السلام والرد على التحية بأحسن منها من خير الوسائل لإنشاء هذه العلاقات وتوثيقها)»(٤)، ﴿وَإِذَا حُبِيتُم ◌ِنَحِيَّةٍ فَحَيُواْبِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾ [النساء: ٨٦]. ٤. قراءة المحسود آيات من القرآن إن الله عز وجل لما أنزل القرآن الكريم جعله رحمة للناس وشفاء لقلوبهم وأبدانهم، وقد جاء في بعض آياته ما يتخذ (٣) جامع البيان ١٥/ ٢٤٥. (٤) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢/ ٧٢٦. www. modoee.com ٢٣٧ حرف الحاء كأوراد معالجات للأدواء وخاصة الحسد منها، مثل: # قراءة آية الكرسي. وهي قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُ لَا تَأْخُذُهُ، سِنَّةٌ وَلَا نَوْمٌّ لَّهُهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِ الْأَرْضُِّ مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ؟ إِلَّا بِإِذْنِةٌ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَآءٌ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يُودُهُ، حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِىُّ اَلْعَظِيمُ ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. قال القرطبي: «هذه آية الكرسي سيدة آي القرآن وأعظم آية .. ، نزلت ليلًا، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم زيدًا فكتبها)) (١). وقال ابن الجوزي عن تفسير هذه الآية: (روی مسلم في صحيحه عن أبي بن کعب(٢) أن النبي صلی الله عليه وسلم قال له: (يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله أعظم؟) قال: قلت: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُومُ ﴾؛ قال فضرب على صدري: وقال: (ليهنك العلم يا أبا المنذر))(٣). قراءة آخر آيتين من سورة البقرة. ٠ وهما قوله تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونُّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ (١) الجامع لأحكام القرآن، ٣/ ٢٥٦. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل سورة الكهف وقراءة آية الكرسي، ١ / ٥٥٦، رقم ٨١٠. (٣) زاد المسير، ابن الجوزي، ١/ ٢٥٠. وَمَلَتِكَئِهِ، وَكْتُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍمِّن رُسُلِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيُ ﴿ لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَِّينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَاْ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَاً رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةً لَنَابِهِءٌ وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٥-٢٨٦]. جاء في الحديث الصحيح عن أبي مسعود الأنصاري البدري رضي الله عنه أن رسول الله صلی الله علیه وسلم قال: (من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه)(٤)، وهما من قوله تعالى: ﴿مَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ إلى آخر السورة، قيل معناه: ((كفتاه بركة وتعوذًا من الشياطين والمضار)(٥). قال ابن حجر: «معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (کفتاه): کفتاه کل سوء، وقيل: كفتاه شر الشيطان، وقيل: دفعتا عنه شر الجن والإنس))(٦)، وقال ابن بطال: ((إذا كان من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه، (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب فضل سورة البقرة، ١٢٦/٦، رقم ٥٠٠٩، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة، ٥٥٥/١، رقم ٨٠٨. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٣/ ١٤٣. (٦) فتح الباري، ابن حجر، ١٠/ ٦٧. موسوعة التفسير القرآن الكريم ٢٣٨ الحسد ومن قرأ آية الكرسي كان عليه من الله حافظ كان يتعوذ بهذه السورة وأختها (٤)، ويأمر أصحابه بالتعوذ بهما، فكان التعوذ بهما من سنة المسلمين)»(٥)، عن عقبة بن عامر ولا يقربه شيطان حتى يصبح، فما ظنك بمن قرأها کلها من کفایة الله له، وحرزه، یدخر له من ثوابها»(١). وحمايته من الشيطان وغيره، وعظيم ما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط؟ (قل أعوذ برب الفلق)، و(قل أعوذ برب قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين. الناس)(٦)، قال النووي: «في هذا الباب؛ أي يقول الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥]. باب فضل قراءة المعوذتين: فيه بيان عظم فضل هاتين السورتين))(٧). ((من المعلوم أن الحاسد هو الذي تشتد محبته لإزالة نعمة الغير إليه، ولا يكاد يكون کذلك؛ إلا ولو تمکن من ذلك بالحیل لفعل، فلذلك أمر الله بالتعوذ منه، وقد دخل في هذه السورة كل شر يتوقى ويتحرّز منه دینًا ودنيا؛ فلذلك لما نزلت فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزولها؛ لكونها مع ما يليها جامعة في التعوذ لكل أمر)) (٢). وقال الطبري: «أي نستعيذ بالله من شر الحاسد الذي يحسد»(٣). وقال ابن عاشور: ((والغرض منها تعليم النبي صلى الله عليه وسلم كلمات للتعوذ بالله من شر ما يتقى شره من المخلوقات الشريرة، والأوقات التي يكثر فيها حدوث الشر، فعلّم الله نبيه هذه المعوذة ليتعوذ بها، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم (١) شرح صحيح البخاري، ١٠/ ٢٤٧. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٦ / ١٩٦. (٣) جامع البيان، الطبري، ٣٠/ ٣٥٤. ((وقد دل فعل النبي صلى الله عليه وسلم في رقية نفسه عند شكواه، وعند نومه متعوذًا بهما على عظيم البركة في الرقي بهما، والتعوذ بالله من كل ما يخشى في النوم)»(٨). ٥. الاستعاذة بالله من الشيطان وأتباعه. إن الاستعاذة بالله - أي: اللجوء بحماه- سلاح قوي شديد الفعالية وخاصة في جانب الشيطان، فإنك عندما تستعيذ بالله منه فإنه یخنس ویضعف أو تنعدم وسوسته لابن آدم فلا يرتكب المحظور، ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ (٤) أي: سورة الناس. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٣٠/ ٦٢٥. (٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة المعوذتين، ٥٥٨/١، رقم ٨١٤. (٧) المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي، ٦/ ٩٦. (٨) المصدر السابق. www. modoee.com ٢٣٩ حرف الحاء الشَّيْطَنِ نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. وساوسه، الشيطان: «ونزغ ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾: يصيبنك، ويعرض لك عند الغضب وسوسة بما لا يحل، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: اطلب النجاة من ذلك بالله، فأمره تعالى أن يدفع الوسوسة بالالتجاء إليه، والاستعاذة به))(١). ((وتأمل حكمة القرآن كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي نعلم وجوده ولا نراه بلفظ ((السميع العليم)) و((حم)) السجدة، وجاءت الاستعاذة من شر الإنس الذين يؤنسون، ويرون بالأبصار بلفظ ((السميع البصير في حم المؤمن)) فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَمُهُمْ إِن ◌ِ صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَلِفِيَةٍ فَأَسْتَعِدْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦]. لأن أفعال هؤلاء معاينة ترى بالبصر، وأما نزغ الشيطان، فوساوس، وخطرات يلقيها في القلب، يتعلق بها العلم، فأمر بالاستعاذة بالسميع العليم فيها، وأمر بالاستعاذة بالسميع البصير في باب ما یری بالبصر، ويدرك بالرؤية»(٢). (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٧/ ٣٠٤، روح المعاني، الألوسي، ٩/ ١٤٧. (٢) تفسير المعوذتين، ابن تيمية، ص ١٢٩. ٦. المحافظة على الأذكار والاستغفار. فَاذْكُرُونِيّ أَذْكُرَكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِ وَلَا تَكْفَرُونِ ﴾ [البقرة: ١٥٢]. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يقول في صباح كل يوم، ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات، فيضره شيء)(٣). ويقول أيضًا: (من نزل منزلًا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك)(٤)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بكلمات الله التامات)، قيل معناه: ((الكاملات لا يدخل فيها نقص ولا عيب، وقيل: النافعة الشافية، وقيل: المراد بالكلمات هنا القرآن)»(٥)، فالإتيان بالأذكار السابقة تحصيل لحفظ الله تعالى من السوء (٣) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا أصبح وإذا أمسى، ٢/ ١٢٧٣، رقم ٣٨٦٩. وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٣٣٢/٢، رقم ٣١٢٠. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره، ٢٠٨٠/٤، رقم ٢٧٠٨. (٥) المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي، ١٧ / ٣١. موسوعة النفسية القرآن الكريم ٢٤٠ الحسد والمكروه، ومن كيد الشيطان ووسوسته، عند الله، وتلذذه بحب الطاعات؛ فقد عالج نفسه، وأتى لها بما يحقق لها السعادة ومن كيد الحساد وعيونهم وأضرارهم. والاطمئنان بأن الله تعالى بيده الخير، وهو ٧. المحافظة على صلاة الفجر. قادر على رد کل أذى أو کید أو شر، ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّ كُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠]. إن لصلاة الفجر وقعًا خاصًّا في نفس المسلم وقلبه؛ فهي تذكّر ظلمة القبر ورهبته، إلا أن قلب الإنسان ونفسه سرعان ما تهدأ وتطمئن، عند تذكر قوله تعالى: ﴿وَقُرْءَانَ اَلْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. فهي صلاة تشهدها الملائكة، وتحضرها، وتشهد لمن صلاها، وهذا من الأمور التي تعطي المسلم شيئًا من الطمأنينة بجانب الخوف والرجاء والرهبة. قال الرازي: ((قوله: ﴿وَقُرْءَانَ اُلْفَجْرِ﴾؛ أجمعوا على أن المراد منه صلاة الصبح)» (١). فمن يصلي الفجر في جماعة فهو في حماية الله تعالی وکنفه، ورعايته، وحفظه، يدافع عنه ويمنع التعرض له بأي سوء سواء أکان من حسد أم غيره. ٨. الصبر. إن الصبر على المصاب وعدم التفكير فيه يجعل العبد يرضى عن الله بلا ضجر أو تسخط، وهو من الأمور المعالجة للنفس والبدن من جميع الآفات بما فيها الحسد؛ لأن من صبر مع فهمه عمق الاحتساب (١) مفاتيح الغيب، ٢١/ ٢٧. ((وقصة سيدنا يعقوب عليه السلام خير شاهد في الصبر على البلاء؛ حيث مكث فترة طويلة، ورجاؤه لا يتغير بعودة يوسف، فلما ضم إلى فقد يوسف، فقد بنيامين لم يتغير أمله، وقال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِ بِهِمْ جميعًا﴾[يوسف: ٨٣]. وبعد انتظاره وجلده جمعه الله تعالى بولديه، ولمّ شمل الأهل بعد الفراق الذي سببه الحسد الواقع من قبل أولاده لأخيهم يوسف، وكان إكرام الله ليوسف عليه السلام لصبره، واحتسابه أن رفعه على إخوته، وأعطاه حكم مصر بعد أن لقي ما لقي من التعب والعنت))(٢). (٢) تفسير المراغي، ١٣/ ٤٤. www. modoee.com ٢٤١ حرف الحاء علاج الحسد ١. الإخلاص لله تعالى. إن إخلاص المسلم لله تعالى من إنما حصل لهم بتيسير الله تعالى، وبقدرته، القربات والطاعات التي يتحصل بها الحفظ والحماية من الله لعباده المخلصين ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوْهَ وَالْفَحْشَآءُ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]. ﴿الْمُخْلَصِينَ قال الرازي: ((قوله فيه قراءتان، تارة اسم الفاعل، وأخرى اسم المفعول، فوروده باسم الفاعل يدل على كونه آتيًا بالطاعات، والقربات مع صفة الإخلاص، ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه لنفسه، واصطفاه لحضرته، وعلى كلا الوجهين، فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزهًا عما أضافوه إليه، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾، فكان هذا إقرار من إبليس بأنه ما أغواه، وما أضله عن طريقة الهدى))(١). ٢. الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره. ((فالله سبحانه قدّر الأشياء، أي: علم مقاديرها، وأحوالها، وأزمانها قبل إيجادها، ثم أو جد منها ما سبق في علمه أنه يوجد على نحو ما سبق في علمه، فلا يحدث حدث في العالم العلوي والسفلي إلا وهو صادر عن (١) مفاتيح الغيب، ١٨/ ١١٦. مَوَسُور القرآن الكريم علمه تعالى، وقدرته وإرادته دون خلقه، وأن الخلق ليس لهم فيها إلا نوع اكتساب، ومحاولة ونسبة، وإضافة، وأن ذلك كله وتوفیقه، وإلهامه»(٢). ((فمذهب أهل الحق إثبات القدر، ومعناه: أن الله سبحانه وتعالى قدّر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه وتعالى أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى، وفي أمکنة معلومة، وهي تقع على حسب ما قدّره الله سبحانه وتعالى)) (٣). ٣. تقوى الله والتوكل عليه. إن تقوى الله عز وجل وحفظه والتوكل عليه، والالتجاء بكنفه وتفويض الأمر إليه تمثّل أمرًا عظيمًا في حياة الأمة، وبناء النفوس على أساس الرضا والمحبة والسلامة، وبالتالي الإعانة في الاستشفاء من الآفات والأمراض بعمومها، ﴿وَمَن يَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ: إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِيْ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]. ﴿وَمَّنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾﴾ ومن يتق الله في كل أموره ويفوّضها إليه، فهو حسبه وكافيه، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِوٍ﴾ والمعنى أن الله بالغ أمره على كل حال، سواء توكل العبد على ربه أو لم يتوكل (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٧/ ١٢٩. (٣) شرح الأربعين النووية ص ٢١. ٢٤٢ الحسد علیه غير أن المتو کل علیه یکفر عنه سيئاته، ویعظم له أجرًا. قال ابن مسعود: ((إن أكبر آية في القرآن تفويضًا، هي قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسَّبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِهٍ﴾))(١)، ((أي من فوّض إليه أمره كفاه ما أهمّه)) (٢). فكل من الحاسد والمحسود إذا أرادا أن يتخلص من الآفات والمسببات، من الحسد وآثاره، فقد وجب عليهما أن يجعلا من تقوى الله والتوكل عليه سلاحًا مانعًا؛ ليتحقق لهما الخير والسعادة والعيش براحة ودون مكدرات. ٤. الدعاء. إن الدعاء سلاح قوي وله أثر فعّال، ويكون بالاتصال المباشر مع الله عز وجل من غير وساطة بين العبد وربه، ومما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍّ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِ وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]. عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلی الله علیه وسلم: (إن الدعاء هو العبادة، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠])، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه (١) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٨/ ١٣٩. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٨/ ١٤٥. وسلم قال: (ليس شيء أكرم على الله سبحانه من الدعاء)(٣). ٥. الصدقة والإحسان. إن للإحسان أثرًا عظيمًا في حياة المسلم، وسلوكه؛ إذ يحمله على التنازل عن المسيء، وهذه الدرجة عالية ليست إلا للمحسنين، ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِمِينَ الْفَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾[آل عمران: ١٣٤]. وفي الآية التي قبلها جاء الأمر من العلي الجليل بالمسارعة إلى المغفرة وطلبها منه سبحانه: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاَلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. فجاء الترغيب في الجنة، والعمل من أجلها، وأنها أعدّت للمتقين، الذين وصفهم الله تعالى بأنهم يبذلون ويتصدقون في الرخاء والشدة مما أعطاهم الله سبحانه، ويكبحون جماح غيظهم، وغضبهم، وأذاهم عمن أساء بل يصل الأمر إلى العفو وفوق ذلك الإحسان إلى المسيء أيضًا، فهذه صفات عظيمة من اتصف بها وتربع في (٣) أخرجه ابن ماجه في سننه، کتاب الدعاء، باب فضل الدعاء، ١٢٥٨/٢، رقم ٣٨٢٩. وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢٣٤/٢، رقم ٣٠٨٧. www. modoee.com ٢٤٣ حرف الحاء رحابها جعله الله سبحانه من أهل الجنان(١). فالمحسن من الناس يستولي على قلوب المحسن إليهم، فیجعلهم يلهجون بالدعاء له ویدافعون عنه فلا یصل إليه حاقد ولا ینظر إليه حاسد، وإن كان من الجانب الآخر (المحسود) فإن عفوه عمن ظلمه وأساء إليه من أسباب علاجه وتحقق الرضا له. ٦. التوبة. قد يغفل الإنسان أحيانًا، وخاصة عندما يتعلق قلبه بالدنيا وأمورها، فيكون التنبيه والتحذير من الله عز وجل للإنسان ليرعوي ويعود إليه سبحانه، فمنهم من يعتبر ومنهم من یتمادی -ولا حول ولا قوة إلا بالله-، ﴿ وَمَآ أَضَبَكُمْ مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. (فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَبَكُمْ مِّن تُصِيبَةٍ﴾، أي مصيبة كانت من مصائب الدنيا، كالمرض وسائر النكبات، ﴿فَبِمَا كَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، أي: سبب معاصيكم التي اكتسبتموها، ﴿وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ﴾، أي: من الذنوب فلا يعاقب عليها بمصيبة عاجلة، وجوز كون الموراد بالكثير من الناس، والظاهر الأول، وهو الذي تشهد له الأخبار))(٢). قال سيد قطب رحمه الله: ((في الآية (١) جامع البيان، الطبري، ٤ / ٩١. (٢) روح المعاني، الألوسي، ٢٥/ ٤٠. جوبيبو القرآن الكريم يتجلى عدل الله، وتتجلى رحمته بهذا الإنسان الضعيف، فكل مصيبة تصيبه لها سبب مما کسبت يداه، ولکن الله لا يؤاخذه بكل ما يقترف؛ وهو يعلم ضعفه وما ركّب في فطرته من دوافع تغلبه في أكثر الأحيان، فيعفو عن كثير)) (٣). ٧. الاغتسال للمعين إذا عرف العائن. إن الحسد شر مستطير، وآفة مقيتة مبغوضة، تعافها النفوس الطائعة لله تعالى، السائرة على صراطه المستقيم وتكرهها، فإن من اتصف بهذه الصفة، إن حدثته نفسه بذلك استعاذ بالله من شرها وعصاها؛ ومع ذلك فقد یقع الحسد أو تصادف العین ما يعجبها فتؤثر فيه، وهذا كله بأمر الله تعالى، فإِذا عرف الحاسد، أو العائن، فقد جاء الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم بأن يغتسل العائن للمعين بقوله صلى الله عليه وسلم: (العين حق ... وإذا استغسلتم فاغسلوا) (٤). وفي حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن أباه حدّثه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وساروا معه نحو مكة حتى إذا كانوا بشعب الخرار من الجحفة اغتسل سهل بن حنيف، وكان رجلًا أبيض، حسن (٣) في ظلال القرآن، ٥/ ٣١٥٩. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب الطب والمرض والرقى، ١٧١٩/٤، رقم ٢١٨٨. ٢٤٤ المسد بني عدي بن كعب، وهو يغتسل، فقال: ما رأیت کالیوم ولا جلد مخبأة، فلبط سهل، أي: صرع، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل له: يا رسول الله، هل لك في سهل، والله ما يرفع رأسه، وما يفيق، قال: (هل تتهمون فيه أحدًا؟) قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عامرًا، فتغيظ عليه، وقال: (علام يقتل أحدكم أخاه؟ هلا إذا رأيت ما يعجبك بّکت، ثم قال له: اغتسل له)، فغسل وجهه، ویدیه، ومرفقیه، ور کبتیه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره (١) في قدح، ثم صب ذلك الماء عليه، يصبّه رجل على رأسه، وظهره من خلفه، ثم يكفئ القدح وراءه، ففعل به ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس)(٢). وطريقة الغسل هي: ((یؤتی بقدح من ماء، ولا یوضع القدح بالأرض، فيأخذ منه العائن غرفة فيتمضمض بها، ثم يمجها في القدح، ثم يأخذ منها ما يغسل به وجهه، ثم يأخذ (١) داخلة الإزار: طرف الإزار الذي يلي جسد المؤتزر. انظر: النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير، ٢/ ١٠٧. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٥٥/٢٥، رقم ١٥٩٨٠، وابن ماجه في سننه، كتاب الطب، باب العين، ٢/ ١١٦٠، رقم ٣٥٠٩، ٢/ ١١٦٠. وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، (٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، القرطبي، ٥٦٧/٥، رقم ٢١٢٨. ٢٦٥/٢، رقم ٢٨٢٨. www. modoee.com ٢٤٥ الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة أخو بشماله ما يغسل به كفه اليمنى، ثم بيمينه ما يغسل به كفه اليسرى، وبشماله ما يغسل به مرفقه الأيمن، ثم بيمينه ما يغسل به مرفقه الأيسر، ولا يغسل ما بين المرفقين والكفين، ثم قدمه الیمنی، ثم الیسری، ثم ر کبته الیمنی ثم اليسرى على الصفة، والرتبة المتقدمة، وکل ذلك في القدح، ثم داخلة إزاره، وهو الطرف الذي يلي حقوه الأيمن، وقد ذکر بعضهم: أن داخلة الإزار یکنی به عن الفرج، وجمهور العلماء على ما قلناه، فإذا استكمل هذا صبه من خلفه على رأسه ... ، وهذا المعنى لا يمكن تعليله، ومعرفة وجهه)»(٣). موضوعات ذات صلة: الشر، الشيطان، الظلم