النص المفهرس

صفحات 1-20

جَوْ و ◌َرُ النفيسة الموضوعى
لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ
الجَسَّْ
عناصر الموضوع
مفهوم الحسد
٢١٢
الحسد في الاستعمال القرآني
٢١٤
الألفاظ ذات الصلة
٢١٥
مجالات الحسد
٢١٧
أسباب الحسد
٢٢٠
نماذج من الحاسدين في القرآن الكريم
٢٢٤
آثار الحسد
٢٣٣
٢٣٧
سبل الوقاية من الحسد
٢٤٢
علاج الحسد
المجلد الثانىعشر

حرف الحاء
مفهوم الحسد
أولًا: المعنى اللغوي:
إن الباحث في معاجم اللغة العربية يجد أن معنى الحسد يحمل مفهوم: كراهية الحاسد
وجود النعمة عند غيره وتمني زوالها من المحسود، وأصل الحسد مستفاد من: الحسدل
وهو: القراد، ومن القشر لأن الحسد يقشر القلب كما تقشر القراد الجلد فتمص دمه؛ ولذلك
يقال: حسد الشجر إذا قشر لحاها، ومعلوم أن الشجرة إذا قشر عنها لحاؤها يبست، قال أبو
تمام(١):
یعیش المرء ما استحیا بخير
ويبقى العود ما بقي اللّحاءُ
والحسد مصدر فعله الماضي: حسد بفتح السین، ومضارعه: يحسد - يحسد، بکسر
السين وضمها، ويأتي المصدر على حسود، وحسّده: إذا تمنى أن تتحول إليه نعمته وفضيلته
أو تسلب منه، ويقال: تحاسد القوم، وقومٌ حسّدٌ وحسدةٌ، ورجل حاسد من قوم حسّد، وهو
من طبعه الحسد ذکرًا كان أو أنثى.
وقد يأتي الحسد بمعنى العقوبة كما هو عند العرب من قولهم: ((حسدني الله إذا كنت
أحسدك)) أي: عاقبني الله على حسدي إياك، وأما الحسد على الشجاعة ونحو ذلك فهو:
الغبطة وفيه معنى التعجب، وليس فيه تمني زوال ذلك عن المحسود، فإن تمناه فهو الحسد،
وهو المنهي عنه شرعًا(٢).
مما سبق نستخلص أن تعريف الحسد في اللغة: تمني زوال نعمة مّا من يد صاحبها، على
أن تتحول إلى الحاسد وتنتقل إليه.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
إن معنى الحسد في الاصطلاح لا يبعد عن معناه في اللغة، فقد قال الفيروزآبادي: «تمني
زوال نعمة المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها، أو تمني عدم حصول النعمة للغير))(٣).
(١) ديوان أبي تمام، ٢/ ٣١١.
(٢) انظر: مقاييس اللغة/ ابن فارس ٦١/٢، الصحاح، الجوهري ٥٤٦/٢، لسان العرب، ابن منظور
١٤٨/٣-١٤٩.
(٣) لسان العرب، ابن منظور ٤٣٨/٣، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ٢٧٧.
مَوَسُولُ اللَّشية
القرآن الكريم
٢١٢

المسد
وقال الكفوي: (اختلاف القلب على الناس؛ لكثرة الأموال والأملاك))(١).
وقال صاحب التحرير والتنوير: ((إحساس نفساني مركب من استحسان نعمة في الغير،
مع تمني زوالها عنه؛ لأجل غيرة على اختصاص الغير بتلك الحالة، أو على مشاركته
الحاسد))(٢).
وقال النووي: ((الحسد: تمني زوال النعمة عن صاحبها، سواء كانت نعمة دين أو دنيا)»(٣).
وقال الشوكاني: ((الحسد: تمني زوال النعمة التي أنعم الله بها على المحسود، (إذا
حسد) إذا أظهر ما في نفسه من الحسد، وعمل بمقتضاه، وحمله الحسد على إيقاع الشر
بالمحسود»(٤).
وقال ابن تيمية رحمه الله: ((والتحقيق أن الحسد هو: البغض والكراهة؛ لما يراه من حسن
حال المحسود)»(٥).
وبذلك لا يخرج المعنى اللغوي عن المعنى الاصطلاحي، فمن رأى شيئًا ربما استحسنه،
ومن استحسن ربما تمنى لنفسه، ومن تمنى ربما حسد، لكن المعنى الاصطلاحي زاد في
بعض المحترزات والتقييدات منها: أن مبعث الحسد هو شدة الأسى على الخير لدى المرء،
ودافعه الكراهية المؤدي إلى تمني زوال النعمة عن المنعم عليه، وأن تكون هذه النعمة له
دون المنعم عليه (٦).
والحاسد تشتد محبته لإزالة نعمة الغیر إلیه، ولا یکاد یکون کذلك إلا ولو تمکن من ذلك
بالحيل لفعل؛ فلذلك أمر الله بالتعوذ منه (٧).
(١) الكليات، الكفوي ص٤٠٨.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٦٢٩/٣٠.
(٣) رياض الصالحين، النووي ص ٤٦٦.
(٤) فتح القدير، الشوكاني ٥/ ١٩٤.
(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية، ١٠/ ١١١.
(٦) العين والحسد وعلاجها، ملفي الشهري، ص ١٤.
(٧) مفاتيح الغيب، الرازي ١٦/ ١٩٥.
www. modoee.com
٢١٣

حرف الحاء
الحسد في الاستعمال القرآني
وردت مادة (حسد) في القرآن (٥) مرات (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
﴿أَمْ يَحْسُّدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾
٢
[النساء: ٥٤]
المصدر
١
﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِندٍ
أَنفُسِهِم ﴾ [البقرة: ١٠٩]
اسم الفاعل
١
﴿وَرِمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ن﴾ [الفلق:٥]
وجاء الحسد في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: تمنّي زوال نعمة المحسود(٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٢٠١، المعجم المفهرس
الشامل، عبد الله جلغوم، باب الحاء ص٤٣٣.
(٢) انظر: الصحاح، الجوهري، ٤٦٥/٢، مقاييس اللغة، ابن فارس، ٤١١/٤، لسان العرب، ابن منظور،
١٤٨/٣-١٤٩، القاموس المحيط، الفير وآبادي، ص٢٧٧.
صَوْسُو ◌َرَ النَّفِي
القرآن الكريم
٢١٤
١
﴿وَ مِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾﴾ [الفلق: ٥]
الفعل المضارع

الحسد
الألفاظ ذات الصلة
المنافسة:
١
المنافسة لغة:
مأخوذة من الفعل ((نافس)) يقال: نافس في الشّيء منافسةً، إذا رغب فيه على وجه المباراة
في الكرم، وتنافسوا فيه، أي: رغبوا(١)، أو مشتقة من النّفاسة، يقال: شيءٌ نفيس، أي: ذو
نفاسةٍ وخطر يتنافس به، والتّنافس: أن يبرز كلّ واحدٍ من المتبارزين قوّة نفسه (٢).
المنافسة اصطلاحًا:
تعني: ((مجاهدة النفس للتشبه بالأفاضل واللحوق بهم، من غير إدخال ضرر على غيره)»
﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦](٣).
الصلة بين المنافسة والحسد:
((قد تسمى المنافسة حسدًا والحسد منافسة، ويوضع أحد اللفظين موضع الآخر، ولا
حجر في الأسامي بعد فهم المعاني، وهذا يدل على أن المنافسة قد تجر إلى الحسد إن لم
ينتبه المنافس ويتق الله؛ إذ إن المنافسة في المباحات تنقص من الفضائل، وتناقض الزهد،
والرضا، والتوكل)) (٤).
الإيثار:
٢
الإيثار لغة:
تقديم الشيء.
قال ابن فارس رحمة الله تعالى: ((الهمزة والثاء والراء، له ثلاثة أصول: تقديم الشيء،
وذكر الشيء، ورسم الشيء الباقي)»(٥)، والمعنى الأول هو الذي يعنينا هنا.
الإيثار اصطلاحًا:
تفضیل المرء غيره على نفسه.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: ((الإيثار: تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية؛ رغبة
(١) مختار الصحاح، لرازي ص٣١٦.
(٢) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٦١/٥.
(٣) المفردات، الأصفهاني، ص ٨١٨.
(٤) إحياء علوم الدين، الغزالي، ٣/ ١٨٩.
(٥) مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٥٣.
www. modoee.com
٢١٥

حرف الحاء
في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة))(١).
وأضاف الجرجاني رحمه الله تعالى معنىّ لطيفًا فقال: ((الإيثار: أن يقدم غيره على نفسه
في النفع له والدفع عنه، وهو النهاية في الأخوة)»(٢).
الصلة بين الإيثار والحسد:
المؤثر متصف بخلق أهل الجود والكرم، والحاسد متصف بخلق أهل البخل؛ لتمنيه منع
النعمة عن الغير.
الغبطة:
٣
الغبطة لغة:
أن يتمنى المرء مثل ما المغبوط من النعمة من غير أن يتمنى زوالها عنه (٣).
الغبطة اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين الحسد والغبطة:
قال ابن منظور: ((الغبط: أن يرى المغبوط في حال حسنة، فيتمنى لنفسه مثل تلك الحال
الحسنة، من غير أن یتمنی زوالها عنه، وإذا سأل الله مثلها فقد انتھی إلی ما أمره به ورضیه له،
وأما الحسد فهو أن يشتهي أن يكون له ما للمحسود، وأن یزول عنه ما هو فيه»(٤).
وقال الرازي: ((إذا أنعم الله على أخيك بنعمة، فإن أردت زوالها؛ فهذا هو الحسد، وإن
اشتهيت لنفسك مثلها؛ فهذا هو الغبطة)»(٥).
وقد تسمى الغبطة حسدًا، کما جاء في حديث عبد الله بن مسعود، أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلط على هلكته في الحق،
ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها)(٦). وقد فسّر النووي الحسد في الحديث
فقال: ((هو أن يتمنى مثل النعمة التي على غيره من غير زوالها عن صاحبها))(٧).
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٨/ ٢٦.
(٢) التعريفات، الجرجاني ص ٤٠.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٥٩/٧، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٦٤٣/٢.
(٤) لسان العرب، ابن منظور ٣٥٩/٧.
(٥) مفاتيح الغيب ٦٤٦/٣.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم، ٢٥/١، رقم ٧٣، ومسلم في
صحيحه، كتاب، باب فضل من يقوم بالقرآن، ٥٥٨/١، رقم ٨١٥.
(٧) المنهاج شرح صحيح مسلم ٦ / ٩٧.
جَوَسُواحَرَ النَّفسيد
القرآن الكريم
٢١٦

الحسد
مجالات الحسد
تعددت مجالات الحسد التي تحدث
عنها القرآن، وهي كما يأتي:
أولًا : الحسد في الدين:
كما أن الحسد يكون في متاع الحياة
الدنيا، فإنه قد يكون في الدين من النبوة،
والرسالة، والصلاح، والتوفيق، وهذا ظاهر
في حسد المشركين للنبي صلى الله عليه
وسلم، على مقام الرسالة ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ
هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْبَيْنِ عَظِيمٍ ) أَهُرْ
يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَخْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى
اُلْحَيَوَةِ الدُّنيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ
◌ِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضَا سُخْرِنَّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ
مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [الزخرف: ٣١-٣٢].
وقال أيضًا: ﴿أَهُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَأَ بَلٌ
هُمْ فِ شٍَّ مِّن ذِكْرِىّ بَلِ لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابٍ﴾ [ص: ٨].
فقد نظر المشركون إلى النبي صلى الله
عليه وسلم نظر حسد على هذه المنزلة التي
حباه الله تعالی بها من اختياره رسولًا ونبيًّا
قائلين: لماذا أنزل الله هذا القرآن على محمد
صلى الله عليه وسلم؟ ولم ينزله على رجل
عظيم من القريتين، مكة أو الطائف؟(١).
فهل هم الذین یقسمون رحمة ربك بین
خلقه، فيجعلون كرامته لمن شاءوا وفضله
لمن أرادوا، أم الله هو الذي يقسم ذلك
(١) جامع البيان، الطبري، ٢٥/ ٩٥.
فيعطيه لمن يحب؟ وهذا تبكيت من الله
تعالى لهؤلاء القوم الذين اعترضوا على
قسمة الله وفضله حسدًا وبغيًا من عند
أنفسهم. كما أن في ذلك نفيًا للشبهة المتعلقة
بالنبوات، وهي قولهم: إن محمدًا لما كان
مساويًا لغيره في الذات، والصفات والخلقة
الظاهرة، والأخلاق الباطنة، فكيف يعقل
أن يختص بهذه الدرجة العالية، والمنزلة
الشريفة؛ إذ أنهم ظنوا أن الشرف لا يحصل
إلا بالمال والأعوان، وذلك باطل (٢).
ومراد قولهم: ﴿أَمُنِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ
بَيْنِنَاً﴾ إنكار كونه ذكرًا منزلاً من عند الله
تعالى، وهذا دليل على أن مناط تكذيبهم
ليس إلا الحسد، وقصر النظر على الحطام
الدنیوي(٣).
ثانيًا: الحسد في نعم الدنيا:
يقع الحسد في أمور الحياة الدنيا سواء
أکانت مالًا، أم جاهًا، أم منصبًا، أم جمالًا،
أم غير ذلك من الجوانب، ويكثر هذا بين
الأقران في العلم وغيره من الصناعات
والتجارات، ولا يختص به العامة، بل
يتعداهم إلى أهل العلم الشرعي، الذين
يبتغون به عرض الدنیا، ثم إن بعض أهل
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٧٩/٢٦، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير،، ٧/ ٤٧.
(٣) روح المعاني، الألوسي، ٢٣/ ١٦٨،
اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي
٣٧٩/١٦.
www. modoee.com
٢١٧

حرف الحاء
الدین والتقوی قد يقع فيه، ذلك أنه من جملة
الذنوب التي لا يسلم منها إلا المعصومون،
وهم الأنبياء.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اَللَّهُ بِهِ،
بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢].
(ينهى تعالى المؤمنين عن أن يتمنى
بعضهم ما فضّل الله به غيره من الأمور
الممكنة وغير الممكنة. فلا تتمنى النساء
خصائص الرجال التي بها فضّلهم على
النساء، ولا صاحب الفقر والنقص حالة
الغنى والكمال تمنيًا مجردًا؛ لأن هذا هو
الحسد بعينه، تمني نعمة الله على غيرك
أن تكون لك ويسلب إياها. ولأنه يقتضي
السخط على قدر الله، والإخلاد إلى
الکسل، والأماني الباطلة التي لا يقترن بها
عمل ولا كسب. وإنما المحمود أمران: أن
يسعى العبد على حسب قدرته بما ينفعه من
مصالحه الدينية والدنيوية، ويسأل الله تعالى
من فضله، فلا یتکل علی نفسه ولا علی غیر
ربه))(١).
(والنص عام في النهي عن تمني ما
فضّل الله بعض المؤمنين على بعض .. من
أي أنواع التفضيل، في الوظيفة والمكانة،
وفي الاستعدادات والمواهب، وفي المال
والمتاع .. وفي كل ما تتفاوت فيه الأنصبة
في هذه الحياة ..
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٧٦.
جوبيى
القرآن الكريم
والتوجه بالطلب إلى الله، وسؤاله
من فضله مباشرة بدلًا من إضاعة النفس
حسرات في التطلع إلى التفاوت وبدلًا من
المشاعر المصاحبة لهذا التطلع من حسد
وحقد ومن حنق کذلك ونقمة، أو من شعور
بالضياع والحرمان، والتهاوي والتهافت
أمام هذا الشعور .. وما قد ينشأ عن هذا
كله من سوء ظن بالله وسوء ظن بعدالة
التوزيع .. حيث تكون القاصمة، التي تذهب
بطمأنينة النفس، وتورث القلق والنكد،
وتستهلك الطاقة فى وجدانات خبيثة، وفي
اتجاهات كذلك خبيثة. بينما التوجه مباشرة
إلى فضل الله، هو ابتداء التوجه إلى مصدر
الإنعام والعطاء، الذي لا ينقص ما عنده بما
أعطى، ولا يضيق بالسائلين المتزاحمين
على الأبواب! وهو بعد ذلك موئل الطمأنينة
والرجاء ومبعث الإيجابية في تلمس
الأسباب، بدل بذل الجهد في التحرق
والغيظ أو التهاوي والانحلال! النص عام
في هذا التوجيه العام))(٢).
يقول الإمام الغزالي: ((يكثر الحسد بين
المتحاسدين من الناس الذين يجمعهم
زخرف الدنيا والغرور بها، وتجمعهم روابط
يجتمعون بسببها في مجالس المخاطبات
ويتواردون على الأغراض، فإذا خالف واحد
منهم صاحبه في غرض من الأغراض، نفر
(٢) في ظلال القرآن ٢/ ٦٤٢.
٢١٨

الحسد
طبعه عنه، وأبغضه، وثبت الحقد في قلبه، وذكر أمامه، أو وصف حاله أمامه، وقد
يقع الحسد على غرض بين متباعدين أو
فعند ذلك یرید أن يستحقره، ویتکبر علیه،
ویکافئه على مخالفته لغرضه، ویکره تمكنه
من النعمة التي توصله إلى أغراضه.
متقاربین، ولو لم یکن الغرض من اختصاص
الاثنين، بل من اختصاص أحدهما، لكن في
الغالب لا يقع إلا بين متقاربين أو متنافسين
أو متماثلين.
وتترادف جملة من الأسباب؛ إذ لا رابطة
في بلدتین متنائیتین، فلا يكون محاسدة
بينهما، أما إذا تجاورا في مسکن أو سوق،
أو مدرسة، أو مسجد وتواردا على مقاصد
تتناقض فيها أغراضهما، فيثور من التناقض
والتنافر والتباغض ما يؤدي إلى الحسد؛
لذلك ترى العالم يحسد العالم دون العابد،
والعابد يحسد العابد دون العالم، والتاجر
يحسد التاجر، والشجاع يحسد الشجاع ولا
يحسد العالم، وحسد الواعظ للواعظ أكثر
من حسده للفقيه والطبيب؛ لأن التزاحم
بينهما على مقصود واحد أخص، فأصل
هذه المحاسدات العداوة، وأصل العداوة
التزاحم بينهما على غرض، والغرض الواحد
لا یجمع متباعدین بل متناسبین؛ لذلك یکثر
الحسد بينهما، نعم فمن اشتد حرصه على
الجاه، وأحب الصيت في جميع أطراف
العالم بما هو فيه، فإنه يحسد کل من هو في
العالم ومنشأ ذلك كله حب الدنيا؛ فإن الدنيا
تضيق على المتزاحمين)) (١).
والحسد قد یقع بین المتحاسدین، ولو
کانا متباعدین إذا علم أحدهما حال الآخر
(١) إحياء علوم الدين، ٣/ ١٩٤.
www. modoee.com
٢١٩

حرف الحاء
أسباب الحسد
للحسد أسباب متعددة يتعلق بعضها
بالحاسد، وبعضها يتعلق بالمحسود، وفيما
يأتي بيان بعضها:
أولًا: الأسباب المتعلقة بالحاسد:
١ . العدواة والبغضاء.
وهو أشد أسباب الحسد، فإن من آذاه
شخص بسبب من الأسباب وخالفه في
غرض بوجه من الوجوه، أبغضه قلبه،
ورسخ في نفسه الحقد، والحقد يقتضي
التشفي والانتقام، فإن عجز المبغض عن أن
یتشفی بنفسه، أحب أن يتشفى منه الزمان ...
فالحسد يلزم البغض والعداوة ولا يفارقهما،
وإنما غاية التقى أن لا يبغي، وأن يكره ذلك
من نفسه(١).
فهي مفضية للحسد، ومنها تكون
الأحقاد، وذلك مذكور في القرآن الكريم،
فهؤلاء أهل مكة يحكي القرآن عنهم ﴿وَإِذَا
لَقُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ
اْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيَظْ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٩٩].
فمسيس الحسنة يسؤهم، ونزول البلاء
بالمسلمين يسعدهم ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةٌ
تَسُؤَّهُمْ وَإِن تُصِبِّكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن
(١) انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي ٣/ ١٩٢.
تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُُّّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ
اُللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠].
٢. التعزز والتكبر.
وهو أن يثقل عليه أن يترفّع عليه غيره،
وهكذا كان حسد أكثر الكفار لرسول الله
صلى الله عليه وسلم إذ قالوا: كيف يتقدم
علينا غلام يتيم، وكيف نطأطئ رؤوسنا؟
فقالوا: ﴿وَقَالُواْ لَوْلًا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ
مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف
أي: كان لا يثقل علينا أن نتواضع له
ونتبعه إذا كان عظيمًا، وقال يصف قول
قريش: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِناً
[الأنعام: ٥٣].
إن الله تعالى بيّن في هذه الآية أن
كل واحد مبتلى بصاحبه، فأولئك الكفار
الرؤساء الأغنياء كانوا يحسدون فقراء
الصحابة على كونهم سابقين في الإسلام،
مسارعين إلى قبوله، فقالوا: لو دخلنا في
الإسلام لوجب علينا أن ننقاد لهؤلاء الفقراء
المساكين، وأن نعترف لهم بالتبعية فكان
(٢)
ذلك یشق عليهم(٢).
وهذا الحسد هو الذي دعاهم إلى
الطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن يطرد فقراء الصحابة ليجلسوا معه فكان
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٢/ ٢٣٧، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير، ٣/ ٢٣٣، روح
المعاني، الألوسي، ٧/ ١٦٢.
٢٢٠
مَوَسوبر النفسية الوضوء
القرآن الكريمِ

الحسد
الرد الإلهي: ﴿وَلَا تَعْرُ دِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ مَا عَلَيْكَ
مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم
مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ
٥٢
وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِيَقُولُواْ
أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَاْ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ
بِالشَّكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢-٥٣].
٣. خبث النفس وشحّها بالخير
لعباد الله تعالى.
((فإنك تجد من لا يتشغل برياسة ولا
تكبر ولا طلب مال، إذا وصف عنده حسن
حال عبد من عباد الله تعالى فيما أنعم الله
به عليه يشق ذلك عليه، وإذا وصف له
اضطراب أمور الناس وإدبارهم، وفوات
مقاصدهم، وتنغص عيشهم فرح به، فهو
أبدًا يحب الإدبار لغيره، ويبخل بنعمة الله
على عباده، كأنهم يأخذون ذلك من ملكه
وخزائنه، وهذا ليس له سبب ظاهر إلا خبث
في النفس، ورذالة في الطبع))(١).
ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِن
تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةُ تَسُؤَّهُمْ وَإِن تُصِبَّكُمْ سَيِتَةٌ
يَفْرَحُواْبِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠].
٤. عدم رضى الحاسد، وكذا النظر
إلى النعم عند غيره.
وهذا مخالف لقول المصطفى وأمره بألا
(١) إحياء علوم الدين، الغزالي، ٣/ ١٩٤.
ينظر أحدنا إلى من زاد عليه في نعمة من
مال أو غيره، ولكن لينظر إلى من هو أقل
منه ليعلم نعمة الله عليه، وإذا اشتاقت أو
امتدت عینه إلی ما عند غيره من نعم فلربما
جرّه ذلك إلى الاعتراض على قضاء الله عز
وجل الذي فضّل بعض الناس على بعض
في الرزق.
يقول سبحانه: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى
بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِّ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِآدِ رِزْقِهِمْ
عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ
اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١].
فلا حرج على فضل الله، وذلك فضل
الله يؤتيه من يشاء، ثم إن ذلك يمثّل اعتراضًا
على الله عز وجل فلابد لنا من رضا بما قسم
الله لنا، ولا تزال نار الحقد تؤججها هذه
الرغبة الجامحة في إزالة النعمة من عند الله
حتى تصل بصاحبها إلى أن يحسد المنعم
علیه، فيقتل نفسه وربما غيره بحسده، وهل
يعلم الحاسد المعترض على قضاء الله
أن الحسد لا يجتمع مع الإيمان في قلب
مؤمن، فقد روي عن أبي هريرة رضي الله
عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: (لا يجتمعان في قلب عبد: الإيمان،
والحسد)(٢).
(٢) أخرجه النسائي في سننه، ١٢/٦، رقم ٣١٠٩،
والحاكم في المستدرك، ٢/ ٨٢، رقم ٢٣٩٤.
وقال: ((صحيح على شرط مسلم))، ولم يتعقبه
الذهبي.
www. modoee.com
٢٢١

حرف الحاء
٥. بسط الدنيا وتنافسها.
إذا فتحت الدنيا وبسطت على الناس،
جعلتهم يتصارعون تصارع الثيران على
ما فيها، مستخدمین في ذلك كل ما أوتوا
من قوة ومن وسائل، وصدق ربنا إذ يقول:
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اَللَّهُ الْرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِي الْأَرْضِ
وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾
[الشورى: ٢٧].
ثانيًا: الأسباب المتعلقة بالمحسود:
إن من أسباب الحسد أمورًا تتعلق
بالمحسود سواء أكانت جمالًا، أم مالًا، أم
جاها، أم سلطة أم غيرها، وفيما يأتي بیان
بعض هذه الأسباب:
١. الحسن والجمال.
وفي القرآن نماذج لذلك، منها:
خبر يوسف عليه الصلاة والسلام مع
النسوة.
يعد الحسن والجمال من الأمور التي
يحسد عليها صاحبها، وهذا ظاهر في قصة
يوسف عليه الصلاة والسلام الذي أوتي
شطر الحسن كما بيّن رسول الله صلى الله
علیه وسلم في حديث المعراج: (ثم عرج بنا
إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل: من
أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال:
محمد صلی الله عليه وسلم، قيل: وقد
بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا
أنا بیوسف صلی الله عليه وسلم، إذا هو قد
أعطي شطر الحسن)(١).
وقد قص الله سبحانه علينا خبر النسوة
مع يوسف عليه السلام فقال: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ
فِ الْمَدِينَةِ أَمْرَأَتُّ الْعَزِيزِ تُزَوِدُ فَتَنْهَا عَن نَّفْسِهِ.
قَدْ شَغَفَهَا حُبَّ إِنَّا لَهَا فِ ضَلَلِ تُِّينٍ ) فَلَّا
سَمِعَتْ بِمَكْرِ هِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَمُنَّ مُتَكُمًا
وَوَاتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِينًا وَقَالَتِ أَخْرُجْ عَتِهِنَّ
فَلَمَّا رَأَيْنَهُ: أَكْبَرْنَهُ وَقَطّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا
هَذَا بَشَرًّا إِنْ هَذَا إِلَّ مَلَكُ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣٠-
٣١].
إن خبر حب يوسف عليه الصلاة
والسلام وتغلغله في قلب امرأة العزيز حتى
وصل شغاف قلبها وأحاط به إحاطة السوار
بالمعصم، قد انتشر في المدينة (٢).
فما كان من النسوة إلا أن دبّرن مكيدة
ليفزن برؤية هذا الغلام الذي أخذ بلبّ امرأة
العزيز وقلبها.
فهؤلاء النسوة فعلن ما فعلن من كيد
ومكر وكشف الأسرار غيرة وحسدًا منهن
لامرأة العزيز؛ لاستئثارها به دونهن لما
سمعن من حسنه وجماله، و کل واحدة منهن
تتمنى أن تفوز به ظنًّا منهن أنه صید سهل
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب الإسراء إلى السماوات، وفرض
الصلوات، رقم ١،١٦٢/ ١٤٥- ١٤٦، جزء
من حديث طويل.
(٢) التفسير المنير، الزحيلي ١٢ / ٢٥٨.
٢٢٢
مُوسُوبَةُ النَّفِّ
القرآن الكْرِيْمِ

الحسد
کباقي البشر.
خبر يعقوب عليه الصلاة والسلام مع
بنيه في دخولھم مصر.
((اعلم أن أبناء يعقوب لما عزموا على
الخروج إلى مصر، وكانوا موصوفين
بالكمال، والجمال، وأبناء رجل واحد قال
لهم: ﴿وَقَالَ يَبَنِىَّ لَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَحِدٍ
وَأَدْ خُلُواْ مِنْ أَبْوَبِ مُتَفَرِقَةٍ﴾ [يوسف: ٦٧].
وفيه إثبات أن العين حق))(١).
وهكذا يتبين أن الحسن والجمال، والبنية
القوية قد تكون من الأسباب التي هي مطية
للحاسد والعائن؛ كي بيث سمومه، ويقضي
حاجته ومآربه من الحسد والإصابة بالعين.
٢. الحسد على المال.
مثال ذلك قصة قارون في قوله تعالى:
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِ زِينَيْهِّ قَالَ الَّذِينَ
يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُونِى
قَرُونُ إِنَّهُ لَذُوحَظٍ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩].
إن الناس لما رأوه -قارون- على تلك
الزينة قال من كان منهم يرغب في الدنيا
﴿يَّتَ لَنَا مِثْلَ مَّا أُوتِ قَرُونُ﴾ من هذه
الأمور والأموال، والراغبون يحتمل أن
يكونوا من الكفار، وأن يكونوا من المسلمين
(١) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٨/ ١٧٢، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير، ٤ / ٣٤٢، روح
المعاني، الألوسي، ١٣ / ١٥، التفسير المنير،
الزحيلي، ١٣/ ٢٥.
الذين يحبون الدنيا (٢)
وقد جاء التحذير الرباني من هذا الفعل:
﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ
وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِينَ﴾
[الحجر: ٨٨].
إن الناظر في هذه الآية يلحظ مدى
اهتمام القرآن بقطع الطريق على النفس
ولجمها قبل أن تتوغل في مستنقع الحسد
الذي يبدأ بمد العین إلى ما في أيدي الناس،
بل تبين أن النظرة الصحيحة عند رؤية النعيم
الذي يتمتع به الآخرون تکون بتذکر ما عند
الله من النعيم المقيم.
٣. الحسد على الصلاح.
إن من الأمور التي تكون في الإنسان
ويحسد عليها، صلاحه وتقواه، يدل على
ذلك قصة يوسف، قال تعالى حكاية عن
يعقوب لولده يوسف عليهما الصلاة
والسلام: ﴿قَالَ يَبُنَىَّ لَا نَقْصُصْ رُهْ يَاكَ عَلَى
إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَئِنَ لِلْإِنسَنِ
عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: ٥].
ـُبنَىَّ
فقد قال يعقوب لابنه يوسف:
﴿عَلَى إِخْوَتِكَ﴾
لَا نَقْصُصْ رُهْیَاكَ﴾ هذه
﴿فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا﴾ يقول:
فيحسدوك،
فيبغوك الغوائل، ويناصبوك العداوة،
وَإِنَّ الشَّيْطَنَ
ويطيعوا فيك الشيطان،
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٠/ ١١٥،
مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٥/ ١٧.
www. modoee.com
٢٢٣

حرف الحاء
لِلْإِنسَنِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ إن الشيطان لآدم وبنيه
عدو، وقد أبان لهم عن عداوته وأظهرها،
يقول: فاحذر الشيطان أن يغري إخوتك
بك، بالحسد منهم لك إن أنت قصصت
عليهم رؤياك (١).
((وقد علم يعقوب عليه السلام أن إخوة
يوسف عليه السلام العشرة كانوا يغارون
منه؛ لفرط فضله عليهم خلقًا وخلقًا، وعلم
أنهم يعبّرون الرؤيا إجمالًا وتفصيلاً، وعلم
أن تلك الرؤیا تؤذن برفعة ینالھا یوسف عليه
السلام على إخوته الذين هم أحد عشر،
فخشي إن قصها يوسف عليه السلام عليهم
أن تشتد بهم الغيرة إلى حد الحسد، وأن
يعبرّوها على وجهها فينشأ فيهم شر الحاسد
إذا حسد، فيكيدوا له كيدًا ليسلموا من تفوقه
علیهم وفضله فيهم»(٢).
يتضح مما تقدم أن إخوة يوسف عليه
الصلاة والسلام، حسدوه على صلاحه
وتقواه، وأضمروا له العداوة، والكيد؛
حسدًا منهم له على تقدمه عليهم، و کذا حال
الحساد، يفعل الحسد فعله في نفوسهم سواء
أكان الحسد للصلاح والتقوى أم لغيرهما.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٢/ ١٥٢،
التفسير المنير، الزحيلي، ١٢/ ٢٠٧.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٣/١٢.
نماذج من الحاسدين في القرآن الكريم
أولًا: حسد إبليس لآدم:
من سنن الله الثابتة: الصراع بين الحق
والباطل من اللحظة الأولى التي خلق الله
سبحانه وتعالى فيها آدم عليه السلام، وأمر
الملائكة بالسجود له، وكان ممن شملهم
الأمر إبليس -عليه لعنة الله-، فاستجاب
الملائكة للأمر الرباني، ورفض إبليس
ذلك، ومنذ تلك اللحظة اشتعلت نار الحسد
في قلب إبليس، وقد ظهر هذا الحسد من
خلال عدة صور بيّتها الله سبحانه وتعالى
وهي كالآتي:
الصورة الأولى: رفض إبليس الاستجابة
لأمر الله تعالى بالسجود لآدم، ﴿وَإِذْ قُلْنَا
لِلْمَتِكَةِ أَسْجُدُ واْلِّدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى
وَأَسْتَكْبَرٌ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
فقد أمر الله تعالى الملائكة وإبليس
معهم بالسجود لآدم؛ إكرامًا له وتعظيمًا؛
وعبودية الله تعالى، فامتثلوا أمر الله،
وبادروا كلهم بالسجود، إلا إبليس امتنع عن
السجود؛ واستكبر عن أمر الله وعلی آدم،
إباءً واستكبارًا نتيجة الكفر الذي هو منطو
عليه (٣
إن الآية الكريمة السابقة تحمل في طياتها
معاني وإرشادات كثيرة.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٤٢.
مَوَسُولَةُ الَ
لِلْعَرآن الكَرِيْمِ
٢٢٤

الحسد
إذ أنها تبيّن مدى امتثال الملائكة أمر الله
تعالی، وتطبيقهم الفوري، حیث عقب الأمر
بالسجود بالفاء ﴿فَسَجَدُوا ﴾، أما إبليس
اللعين فأبى السجود، وأصر على ذلك
مستكبرًا، رافضًا أمر الله تعالى(١).
الصورة الثانية: التفاخر بالخلقة على
آدم، بأنه ناري الخلقة وآدم طيني، ﴿قَالَ مَا
مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَّ قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْنَنِى مِنْ
ثَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢].
فقد حسد عدو الله إبليس آدم على ما
أعطاه الله من الكرامة، قائلًا: أنا ناري،
وهذا طيني، فكان بدء الذنوب الكبر(٢)،
والذي دفعه إلى التكبر عن أوامر الله
تعالى، والتعالي عليها، والادعاء أن النار
لها الأفضلية على الطين؛ هو الحسد، وفي
هذا مراوغة في الإجابة، وادعاء للخيرية بغير
دليل، وهي إطاعة للعقل وإهمال للأمر،
وترك للدلیل وذهاب إلى القیاس؛ بادعاء أن
النار أفضل من الطين، فخسر وخاب (٣).
القيامة، وأخذ العهد على نفسه بإغواء بني
آدم، ﴿قَالَ أَنْظِرْفِيِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿ قَالَ إِنَّكَ
مِنَ الْمُنْظَرِينَ ﴾ قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ
صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، ثُمَّ لَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ
وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيَّمَتِهِمْ وَعَنْ شَيْلِهِمٌّ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ
(١) البحر المحيط، أبو حيان، ١/ ٢٤٥.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم، ١/ ٧٢.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٤/ ٣٢.
شَكِرِينَ ﴾ [الأعراف: ١٤- ١٧]
وفي هذه الآيات الكريمة يظهر أثر
الحسد المهلك؛ إذ قاده للتمادي والإصرار
على معصية الله تعالى، بل والتوعد بالعمل
على إغواء عباد الله.
وهكذا يلحظ أثر الحسد السيء، وكيف
قاد إبليس للاستكبار على أمر الله تعالى،
وعدم الاستجابة له، ثم إلى الغرور والتفاخر
بالنفس، ثم إلى التمادي في المعصية
والتوعد أمام الجبار سبحانه بالعمل على
إغواء عباده.
ومعنى قوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ﴾
[الأعراف: ١٣].
أي: من أهل الصغار والهوان على
الله وعلى أوليائه لتكبرك، وذلك بسبب
إظهاره الاستكبار فكانت النتيجة أن ألبس
الصغار (٤)، وقوله:
﴿أَخْرُجُ مِنْهَا مَذْهُومًا
مَنْحُورًا ﴾ [الأعراف: ١٨].
أي: ((خروج صغار واحتقار، لا خروج
الصورة الثالثة: طلب إنظاره إلى يوم إكرام، بل مذمومًا مبعدًا عن الله وعن
رحمته، وعن كل خير»(٥).
إن المطالع للآيات التي جاء فيه ذكر قصة
إبليس مع آدم عليه الصلاة والسلام يجد أن
رد إبليس فيها على أمر الله، كان بالرفض
والتكبر، والامتناع من السجود لآدم عليه
(٤) الكشاف، الزمخشري، ٢/ ٦٩.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٤٧١.
www. modoee.com
٢٢٥

حرف الحاء
السلام، فحذّر سبحانه وتعالى بني آدم من
اتباعه في خطابه لأبيهم آدم، وبيّن لهم أن
عداوته قائمة دائمة إلى يوم الدين.
ولكن ما سبب تلك العداوة؟ والجواب:
((أن إیلیس کان حسودًا، فلما رأى آثار نعم
الله تعالى في حق آدم عليه السلام حسده،
فصار عدوًّا له))(١).
فـ ((المقصود من ذكر هذه القصة المنع
من الحسد والكبر؛ لأن إبليس إنما وقع فيما
وقع فيه بسبب الحسد والكبر، والكفار إنما
نازعوا محمدًا صلی الله عليه وسلم، بسبب
الحسد والكبر، فذكر الله تعالى هذه القصة
هاهنا ليصير سماعها زاجرًا لهم عن هاتين
الخصلتين المذمومتين))(٢).
ثانيًا: حسد ابن آدم عليه السلام قابيل
لأخيه هابیل:
إن الله سبحانه وتعالى، وهو يقص علينا
القصص في كتابه، يوضح لنا أن تغلغل آفة
الحسد في النفس يجعل الإنسان يقدم على
ارتكاب جريمة القتل، حتى في حق أقرب
الناس إليه (أخيه)، وهذا واضح في قصة
ابني آدم عليه السلام .
يقول تعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ
بِالْحَقِّ إِذْقَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُئِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ
(١) مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٢/ ١٢٤.
(٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، ١٦/
٤٥٣.
يُنَقَبَّلْ مِنَ آلَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكٌ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ
اُللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ ﴿ لَيِنُ بَسَطْتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِنَقْتُلَنِى
مَا أَنْ يِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَّ إِّ أَخَافُ اللَّهَ
رَبَّ الْعَلَمِينَ ) إِنْ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَأَ بِئْسِى وَإِثْمِكَ
فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَُّؤْ الظَّلِينَ
٢ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ، قَتْلَ أَخِيهِ فَقَنَلَهُ، فَأَصْبَحَ
مِنَ الْخَسِرِينَ ﴿ قَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِى
اُلْأَرْضِ لِيُرِيَهُ، كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيَةٍ قَالَ
يَوَيْلَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ
فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِىٌّ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ﴾
[المائدة: ٢٧- ٣١].
إن في إخبار الله تعالى لرسوله صلى
الله عليه وسلم هذه الحادثة، في ظل ما
يلقاه من تكذيب وإعراض من قومه، ومن
أهل الكتاب، الذين كفروا به حسدًا من عند
أنفسهم، من التسلية الشيء الكثير، وكأنه
يقول له: لا تتعب من حسد هؤلاء ومكرهم،
فقد حسد الأخ أخاه حتى أوصله حسده إلى
قتله، فلا تحزن بما فعل هؤلاء واصبر حتى
يأتي أمر الله.
فقد قرّب كل واحد منهما قربانًا إلى الله
تعالی، فتقبّل الله تعالی قربان أحدهما دون
الآخر، فتحرّك الحسد في قلبه، ودفعه إلى
التحرك والعمل، فقال لأخيه ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾،
فهو بهذا يتمثّل أمر الحسد في تنفيذ القتل
ليتخلص منه، ويضمن عدم تقدّمه وتفوّقه
علیه، وهذا دأب الحاسد، ودیدنه، فهو لا
٢٢٦
جَوَُّور
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الحسد
يرتاح، ولا يهدأ له بال، ولا يبرد الحسد في مع كل ما تقدم من التذكير بالله تعالى،
عروقه؛ حتى ينفذ مقصده ومآربه(١).
تعالى، الذي تقبّل الله تعالى قربانه، منبها
له، ومبيّنًا أن تقوى الله تعالى، والإخلاص
له من أهم أسباب القبول عند الله تعالى:
﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾، وإن كنت
مصرًّا على قتلي، فلن أفعل فعلك، فخوفي
من الله تعالى، ربي وربك يمنعني فعل ذلك،
والإقدام عليه، فهذه جريمة لا أجرؤ على
الإقدام عليها، ﴿لَيْنُ بَسَطْتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِنَقْتُلَنِ
مَآ أَنْ يِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَّ إِنَّ أَخَافُ اللّهَ
رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾، وبعد هذا التذكير، والتحذير
والتخويف له، لعله پرجع عن رأيه، وما یرید
فعله، أردف ذلك أن غرضي من هذا، إن لم
ترجع عن فعلك، أن تحمل إثمي وإثمك،
وتبوء بهما، وهذا يجعلك من أصحاب
.
النار، وهذا مصير الظالمين"
ومع كل ما تقدم من الوعظ والإرشاد،
والتخويف والتحذير، لم يتعظ ولم يرجع
عما يخطط له، وبقيت نار الحسد مشتعلة
في صدره، تحثه على الإقدام لارتكاب
جريمته، ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ، نَفْسُهُ، قَبْلَ أَخِيهِ﴾،
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١١/ ٢٠٤،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣/ ٧٥،
تفسير المراغي، المراغي، ٦/ ٩٧.
(٢) جامع البيان، الطبري، ١٩١/٤، تفسير
المراغي، المراغي، ٦/ ٩٨.
والتخويف، والتحذير من سوء العاقبة
وهنا يردّ عليه التقي الورع الواثق بالله والمصير، لم يرتدع، فجاء التعبير بفاء
التعقيب، ﴿فَطَوَّعَتْ﴾ وشبّه الفعل بأمر
عصي على الانقياد فطوّعه حتى سهل
وروض، أو بشيء صلب شديد الصلابة،
يصعب كسره، وتنفيذه، فألانته نفسه،
وسهّلته، وزيّنته له، وذلك نتج عن الحرب
القائمة في نفسه بين عنصري الخير والشر،
فانتصر عنصر الشر في نفسه، ودفعه الحسد
الذي يغلي في صدرہ إلی ارتكاب جريمته،
فناله الخسران بسبب فعلته(٣).
إن الآيات الكريمة السابقة قد تضمّنت
بيانًا لأخلاق صاحب الحسد، وسوء طويته
وشنیع فعله؛ إذ أن حسده قد يحمله ((على
إهلاك نفسه بقتل أقرب الناس إليه قرابة،
وأمسّه به رحمًا، وأولاهم بالحنو عليه،
ودفع الأذية عنه»(٤).
ثالثًا: حسد إخوة يوسف عليه السلام:
لقد قصَّ الله تعالى علينا هذا الخبر في
سورة وصفها بأنها أحسن القصص؛ لما
تضمنته من الدروس والعبر المهمة، ﴿ نَحْنُ
نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٠٨/١١،
زاد المسير، ابن الجوزي، ٢/ ٢٠٠، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي، ٦/ ١٣٣.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٦/ ١٣٥.
www. modoee.com
٢٢٧

حرف الحاء
هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنْتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ وأن الحسد سبب الخذلان والنقصان، وأن
الْغَفِلِينَ﴾ [يوسف: ٣].
وقال الشوكاني: «واختلف في وجه کون
ما في هذه السّورة هو أحسن القصص؟
فقيل: لأنّ ما في هذه السّورة من القصص
يتضمّن من العبر والمواعظ والحكم ما لم
يكن في غيرها، وقيل: لما فيها من حسن
المحاورة، وما كان من يوسف من الصبر
على أذى إخوته وعفوه عنهم، وقيل: لأنّ
فيها ذكر الأنبياء والصّالحين والملائكة
والشّياطين والجنّ والإنس والأنعام والطّير
وسير الملوك والمماليك والتجّار والعلماء
والجهّال والرجال والنّساء وحيلهنّ
ومكرهنّ، وقيل: لأنّ فيها ذكر الحبيب
والمحبوب وما دار بينهما، وقيل: إنّ
(أحسن) هنا بمعنى (أعجب)، وقيل: إنّ كلّ
من ذكر فيها كان مآله السّعادة)»(١).
«ووجه أحسنیتها اشتمالها على: حاسد
ومحسود، مالك ومملوك، وشاهد ومشهود،
وعاشق ومعشوق، وحبس وإطلاق،
وخصب وجدب، وذنب وعفو، وفراق
ووصال، وسقم وصحة، وحل وارتحال،
وذل وعز، وقد أفادت أنه لا دافع لقضاء
الله تعالى، ولا مانع من قدره، وأنه سبحانه
إذا قضی لإنسان بخير ومكرمة، فلو أن أهل
العالم اجتمعوا على دفع ذلك لم يقدروا،
(١) فتح القدير، ٣/ ٦-٧.
جَوَسُوبَة النفسيالوضوي
القرآن الكريم
الصبر مفتاح الفرج، وأن التدبير من العقل،
وبه یصلح أمر المعاش، إلى غير ذلك مما
يعجز عن بيانه بنان التحرير»(٢). لقد كان
يوسف وأخوه أصغر أبناء يعقوب عليه
السلام، وکان یحبهما حبًّا کثیرًا، فكان هذا
الأمر دافعًا لاشتعال نار الحسد في قلوب
الإخوة(٣).
وذات ليلة رأى يوسف عليه السلام رؤيا
قصّها على أبيه، فكانت رؤیا تبشّر بمستقبل
زاهر لهذا الغلام الصغير؛ إذ أنها بشرى بأنه
سیحمل لواء النبوة کما حملها آباؤه من قبل
إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فكانت هذه
الرؤيا عنوانًا آخر من عناوين شدة محبة
يعقوب عليه السلام له، قال تعالى مسطرًا
ذلك في كتابه: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ بَأَبَتِ
إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَئِنُهُمْ
لِ سَجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].
وهنا يقف الأب موقف الرجل الحكيم
الحريص على أبنائه، الخبير بطبائع البشر،
حاثًّا إياه على عدم قص هذه الرؤيا على
الإخوة الذين كانوا في الأصل يحسدونه
على قربه من قلب أبيهم ومحبته له؛ إذ
بسماعهم لهذه الرؤيا سيزداد حسدهم
أكثر، ﴿قَالَ يَبُنَىَّ لَا نَقْصُصْ رُهْ يَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ
(٢) روح المعاني، الألوسي، ١٢ / ١٧٦.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٨/ ٩٣،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/ ٣١٩.
٢٢٨

المسد
فَيَكِيدُواْ لَكَ كَبْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَن عَدَوْ
مُبِينٌ﴾ [يوسف: ٥](١).
روج
وتعليل أمره بعدم قص الرؤيا قوله:
﴿فَيَكِيدُواْ لَّكَ كَيْدًا﴾ أي: فيحسدوك ويبغوك
الغوائل، ويناصبوك العداوة، ويطيعوا
فيك الشيطان، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوٌّ
تُپینٌ﴾ الشيطان عدو لآدم وبنیه، قد أبان
لهم عن عداوته وأظهرها، فاحذر الشيطان
أن يغري إخوتك بك فيحسدوك، إن أنت
قصصت عليهم رؤياك (٢)، وقد وقع ما حذّر
منه عليه السلام، فوقع الحسد في قلوب
الإخوة، واتخذ صورًا متنوعة قصها القرآن
الکریم.
الصورة الأولى: وصفهم لأبيهم بأنه في
ضلال مبين بمحبته ليوسف عليه السلام،
﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِنَا مِنَّا
وَتَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلٍ مُّبِينٍ ﴾ [يوسف:
٨].
فقد كان هذا القول حسدًا منهم ليوسف
وأخيه لما رأوا من ميل يعقوب إليه وكثرة
شفقته عليه، (ووصف أبيهم بالضلال
المبین) يعني لفي خطأ بیّن في إيثاره حب
یوسف علینا مع صغره لا نفع فيه، ونحن
عصبة ننفعه ونقوم بمصالحه، من أمر دنياه،
وإصلاح أمر مواشیه، وليس المراد من ذکر
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٣١٨، زاد
المسير، ابن الجوزي، ٤ / ١٣٨.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٢/ ١٥٢.
هذا الضلال: الضلال عن الدين؛ إذ لو أرداوا
ذلك لكفروا به، ولكن أرادوا به الخطأ في
أمر الدنيا، وما يصلحها(٣).
الصورة الثانية: التفكير بقتل يوسف
والتخلص منه، ﴿اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ أَطْرَحُوهُ
أَرْضَا يَعْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِكُمْ وَتَكُونُواْ مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا
صَلِحِينَ﴾ [يوسف: ٩].
يقولون: هذا الذي يزاحمكم في محبة
أبيكم لكم، أعدموه من وجه أبيكم؛ ليخلوا
لكم وحدكم، إما بأن تقتلوه، أو تلقوه في
أرض من الأراضي تستريحوا منه، وتختلوا
أنتم بأبیکم، وتکونوا من بعد إعدامه قومًا
. (٤)
صالحین(٤).
فقد قادهم الحسد إلى التفكير في قتل
يوسف والتخلص منه؛ ليحوزوا على قلب
أبيهم ومحبته الكاملة لهم، التي لا يشاركهم
فيها أحد، وهذه آية من عبر الأخلاق السيئة،
وهي: التخلص من مزاحمة الفاضل بفضله
لمن هو دونه فیه، أو مساویه، بإعدام صاحب
الفضل، وهي أكبر جريمة؛ لاشتمالها على
الحسد، والإضرار بالغير، وانتهاك ما أمر
الله بحفظه(٥).
الصورة الثالثة: إصرارهم على ارتكاب
الخطأ مع معرفتهم التامة بذلك، وتعليل
ذلك بأنهم سيتوبون بعد ذلك إلى الله،
(٣) تفسير الخازن المسمى لباب التأويل، ٣/ ٦.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/ ٣١٩.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٢/ ٢٢٣.
www. modoee.com
٢٢٩

حرف الحاء
٩].
﴿وَتَكُونُواْ مِنْ بَعْدِهِ، قَوْمًا صَلِحِينَ﴾ [يوسف: يتسابقون ويلعبون، وتركوا يوسف عند
المتاع، فأكله الذئب، ودليلهم في ذلك الدم
الكذب على قميصه، ولكنها حجة تحمل
في طياتها إدانتهم(٢).
الصورة الرابعة: التخلص منه بإلقائه في
غيابة الجبّ، ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ، وَأَجْمَعُواْ أَنْ
يَجْعَلُوهُ فِى غَيَبَتِ الْجُنُّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّتَنَّهُم
بِأَمْرِهِمْ هَذَاوَهُمْ لَا يَشْعُونَ﴾ [يوسف: ١٥].
إن يوسف عليه السلام لما برز مع إخوته
أظهروا له العداوة الشديدة، وجعل هذا الأخ
يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه ولا يرى
فیهم رحيمًا، فضربوه حتى كادوا يقتلونه،
فانطلقوا به إلى الجبّ يدلونه فيه وهو
متعلق بشفير البئر، حتى إذا بلغ نصفها ألقوه
ليموت(١).
الصورة الخامسة: الكذب على أبيهم
والادعاء على الذئب بأنه قد أكل يوسف
وهم عنه غافلون، ﴿وَجَاءُ وَ أَبَاهُمْ عِشَآءُ
يَبْكُونَ ﴿ قَالُواْ يَأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِيُّ
وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّتْبُ
وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ أَنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ
١٧
وَجَآءُو عَلَى قَمِيصِهِ، بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ
أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاَللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا
تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٦-١٨].
لقد فعلوا فعلتهم النكراء، فجاءوا أباهم
مساءً باكين كي لا يظهر عليهم أثر التآمر،
مظهرين أسفهم وندمهم على تقصيرهم في
الحفاظ عليه، وتتابعت الحجج أنهم كانوا
(١) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٨/ ٩٩.
مَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريم
رابعًا: حسد أهل الكتاب للنبي صلى
الله عليه وسلم:
أولًا: حسد اليهود للنبي صلى الله عليه
وسلم.
إن الله سبحانه وتعالى قد بيّن لأهل
الكتاب على لسان أنبيائهم عليهم السلام،
أنه سيكون نبي في آخر الزمان، واضح
الصفات، ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ
الأُقِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ, مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِى
التَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِّيْثَ وَيَضَحُ عَنْهُمْ
إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمَّ قَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَُّوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ أَلُّورَ
الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[الأعراف: ١٥٧].
معروف الاسم، يقول سبحانه:
﴿وَإِذْ
قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَنْيَمْ يَبَِّّ إِسْرَّهِيلَ إِنِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُر
تُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَقَّ مِنَ الثَّوْرَيَّةِ وَمُبَشِرًا بِرَسُولٍ يَأْتِ مِنْ
بَعْدِى أَسْمُهُ أَعْمَدٌ فَمَّا جَآءَ هُم بِلْبَيْنَتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ
سَبِّينَ﴾ [الصف: ٦].
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٨/ ١٠٠،
روح المعاني، الألوسي، ١٢/ ١٩٩.
٢٣٠