النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الحَب
التوازن
عناصر الموضوع
مفهوم الحرب
٨
الحرب في الاستعمال القرآني
٩
الألفاظ ذات الصلة
١٠
إسناد الحرب لله تعالى ولرسوله
١٣
المحاربون لله ولرسوله
٢٢
الإعداد للحرب
٣٧
في ميدان الحرب
٤٣
بعد انتهاء الحرب
٤٧
مقاصد الحرب كما بينها القرآن
٥١
أخلاق المؤمنين المحاربين وغيرهم
٥٦
من مبادئ الحرب في سورة العاديات
المجلد الثَّانِىعَشِر
٢٨

حرف الحاء
مفهوم الحرب
أولًا: المعنى اللغوي:
الحرب: نقيض السلم، ورجل محرب، أي: شجاع، وفلانٌ حزبُ فلان، أي: يحاربه،
وحرّبته تحريبًا، أي: حرّشته على إنسان فأولع به وبعداوته(١).
وقيل: يراد به القتال والترامي بالسّهام، ثم المطاعنة بالرماح، ثم المجالدة بالسيوف، ثم
المعانقة، والمصارعة إذا تزاحموا(٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الحرب: صراع بين مجموعتين، تسعى إحداهما لتدمر الأخرى، أو التغلب عليها (٣).
وقد يقصد من الحرب تحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية أو أيدلوجية أو لأغراضٍ
توسعيّة، وهي عادة آخر الأوراق بيد السياسة.
فالمعنى الاصطلاحي متفق مع المعنى اللغوي، فكلاهما يدلان على نقيض السلم.
(١) انظر: العين، الفراهيدي ٢١٣/٣.
(٢) انظر: تاج العروس، الزبيدي، ٢٤٩/٢.
(٣) الموسوعة العربية العالمية، ٩/ ١٦٢.
٨
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الحب
الحرب في الاستعمال القرآني
وردت مادة (حرب) في القرآن (٦) مرات(١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١
﴿وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾ [التوبة: ١٠٧]
الفعل المضارع
١
﴿ إِنَّمَا جَزَُّواْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]
المصدر
٤
﴿كَلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ ﴾ [المائدة: ٦٤]
وجاءت الحرب في القرآن على وجهين(٢):
الأول: القتال، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَثْقَفَنَّهُمْ فِ الْحَرَّبِ﴾ [الأنفال: ٥٧]، أي: في القتال.
الثاني: المخالفة للشرع والإفساد في الأرض، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَُّؤُاْ الَّذِينَ
يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]، يعني: إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله ورسوله،
ويسعون في الأرض فسادًا وإفسادًا.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ١٩٦.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ١٦٦، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٤٤٤/٢.
www. modoee.com
١٩

حرف الحاء
الألفاظ ذات الصلة
١
القتال:
القتال لغةً:
من قاتل فلان فلانًا، وقاتله مقاتلة وقتالًا، وهو بمعنى المحاربة والمقاتلة، ولا يكون إلا
بین اثنین(١).
القتال اصطلاحًا:
القتال صيغة مبالغة من القتل، والمقاتلة هي القتال ولا يكون إلا بين اثنين (٢).
الصلة بين القتال والحرب:
والقتال بهذا التعريف يكون صورة من صور الحرب، فالحرب أعم وأشمل وتتعدد
صورها، بينما القتال ليس له إلا صورة واحدة، وكلاهما يكون مع الغير.
الغزو:
٢
الغزو لغة:
القصد، والغزو: السير إلى قتال العدو، يقال: غزا يغزو غزوًا فهو غاز، وجمعه غزاة
وغز(٣).
الغزو اصطلاحًا:
عرفه الأصفهاني بقوله: ((الغزو الخروج إلى محاربة العدو)) (٤).
الصلة بين الغزو والحرب: الحرب والغزو بينهما عموم وخصوص، فالحرب أعم وأشمل
من الغزو، إذ الغزو فيه من التحرك والمسير لملاقاة العدو في عقر داره، وهو صورة من صور
الحرب، بينما الحرب تشمل الغزو وغيره من أنواع الحروب، وكلاهما يكون مع الغير.
(١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، ٦٢/٩.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٥٤٩/١١.
(٣) انظر: المصدر السابق ١٥/ ١٢٣.
(٤) المفردات، ص٣٦٠.
موسوعة النفسية
القرآن الكريم
١٠

الحب
الجهاد:
٣
الجهاد لغة:
الجهاد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب، أو اللّسان، أو ما أطاق من شيءٍ، والاجتهاد
والتّجاهد: بذل الوسع والمجهود (١).
الجهاد اصطلاحًا:
الجهاد والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو (٢)، وزاد بعضهم وغلب استعماله
شرعًا في الدعوة إلى الدين الحق(٣).
الصلة بين الحرب والجهاد:
الحرب والجهاد بينهما عموم وخصوص، فالجهاد أعم من الحرب، فكل مجاهد ناصرًا
للدین، ورافعًا لكلمة الله، فهو محارب لأعداء الله و دینه، وليس كل محارب مجاهدًا، فقد
يريد بحربه مطالب دنيوية.
والحرب صراع وخصومة بين طرفين، بينما الجهاد قد يكون مجاهدة الإنسان لنفسه،
لتهذيبها، وإلزامها أمر الله.
وفي الحرب يحاول كل طرف أن يحقق غايته في خصمه، بينما الجهاد: استفراغ الجهد
لمصلحة الدين، ويكون فيه تمني الصلاح للطرف الآخر، وليس بالضرورة قهره.
السلم :
٤
السلم لغةً:
السّلم والسّلم والسّلم، وقد قرئ على ثلاثة أوجه، والسّلم: ضد الحرب (٤).
السين واللام والميم معظم بابه من الصّحّة والعافية، والسّلام: المسالمة(٥).
السلم اصطلاحًا:
الذي يهمنا فى هذه الدراسة ما هو ضد الحرب، وهو حالة نفسية تسود أفراد المجتمع
نتيجة وحدة الأهداف والغايات والتصورات، تجعلهم يشعرون بالأمان والسكينة في كل
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١٣٤/٣.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٢٠٨.
(٣) انظر: التوقيف، المناوي ص ١٣٣.
(٤) انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد ٢/ ٨٥٨.
(٥) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٦٨/٣.
www. modoee.com

حرف الحاء
نواحي الحياة.
الصلة بين الحرب والسلم:
الحرب نتيجة للخلاف، والسلم نتيجة للود والوئام، فهما حالتان متضادتان، لا تجتمعان،
ولا ترتفعان، فإذا ساد أحدهما رفع الآخر.
١٢
جَوَسُوع
القرآن الكريم

الحب
إسناد الحرب لله تعالى ولرسوله
أذن الله لرسوله وللمؤمنين بالحرب
على المشركين وأعوانهم، وتكفّل الله
بالنصر لرسوله وللمؤمنين، وبيّنت الآيات
أنّ الكافرين كلما أوقدوا نارًا تكفّل الله
لرسوله وللمؤمنين بإطفائها، وذلك حكمة
من الله، سنتعرف على ذلك في النقاط
الآتية:
أولًا: حكمة إسناد الحرب لله تعالى
ولرسوله:
إن من أشد وأقسى أنواع الحروب
الحاسمة، ما کان بین قوتین غیر متکافئتين،
فإعلان الحرب من الله على العصاة،
وإعلان المجاهرين بالفساد في الأرض
الحرب على الله، تمثلان نوعًا من حرب
غير متكافئة، تجعل من أعداء الله عبرة عبر
الزمان، لذا سنجعل الحديث في مسألتين:
المسألة الأولى: إعلان الحرب من
الله تبارك وتعالى على العصاة.
قال عز وجل: ﴿فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ
مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ
أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ
[البقرة: ٢٧٩].
تنشأ الحرب بین البشر من قديم الزمان،
وكلما كان أحد أطراف الحرب ذا سطوة
وقوة ومنعة، ويمتلك من الآلات والوسائل
والجند ما لا يملكه الآخر، وكان لديه من
العلم والخبرة والقدرة على التعمية على
الخصم، والمكر به، وأخذه على حين غرة،
كانت نتائج هذه الحرب محسومة لصالحه،
وهذا لا يتنازع فيه خصمان.
والله عز وجل قد وصف نفسه في كتابه
العزيز بكل صفات القوة والمنعة، والإحاطة
بأسرار هذا الكون، وخضوع كل ما فيه
لأمره، وإرادته، وتدبيره، لذلك فإن الله إذا
أعلن حربًا على أحد، أذله وقهره، ويمكن
بيان بعض هذه الصفات التي وصف الله
بها نفسه، لبيان قهره وبطشه بكل من يخالف
عن أمره من خلال القرآن الكريم، وهي كما
يأتي:
القوي المتين.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ
الْمَّتِينُ ﴾ [الذاريات: ٥٨].
فهذا ((بيان لعظمته عز وجل، وأن شأنه
مع عبيده لا يقاس))(١).
العزيز الجبار.
قال تعالى: ﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلََّّ هُوَ
اَلْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ
الْعَزِيزُ الْجَنَّارُ الْمُتَكَبِّرُّ سُبْحَنَ اَللَّهِ
عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الحشر: ٢٣].
ذو البطش الشديد.
(١) محاسن التأويل، القاسمي، ٩/ ٤٧.
www. modoee.com
١٣

حرف الحاء
قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ )﴾
[البروج: ١٢].
أي: ((مضاعف عنفه؛ فإن البطش أخذ
بعنف)»(١).
# لا تحصى جنوده عددًا ولا عدة.
قال تعالى: ﴿وَلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ
وَكَانَ اَللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٧].
وقال أيضًا: ﴿وَمَا جَعَلْنَاْ أَصْحَبَ النَّارِ إِلَّا
مَلَكَةُ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْنَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيَأْ وَلَا يَرْنَبَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْمُؤْيُونُّ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم ◌َرَضٌ
وَالْكَفِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللّهُ بِهِذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللّهُ مَّن
يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَةً وَمَا يَقْلَمُ جُدَ رَبِكَ إِلَّ هُوَّ وَمَا هِىَ
إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ﴾ [المدثر: ٣١].
أي: وما يعلم جنود ربك جموع خلقه
على ما هم عليه إلا هو، ولا سبيل لأحد
من خلقه حصر الممكنات، والاطلاع على
حقائقها وصفاتها، وما يوجب اختصاص
کل منها بما يخصه من کم و کیف واعتبار
ونسبة إلا هو سبحانه(٢).
أخذه أليم شدید.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ
الْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدُ
١٠٢
[هود: ١٠٢].
يباغت عدوه بالعقاب.
(١) أنوار التنزيل، البيضاوي، ٣٠١/٥.
(٢) انظر: المصدر السابق، ٢٦٢/٥.
قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَّهُم
بأَسُنَا بَيَنْتَّاوَهُمْ نَآَيِمُونَ ، أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىّ
أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ
٩٨
أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الهَّ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا
الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ ﴾ [الأعراف: ٩٧-٩٩].
((والمقصود من الآية أن الله خوفهم
بنزول العذاب وهم في غاية الغفلة وهو حال
النوم بالليل، وحال الضحى بالنهار؛ لأنه
الوقت الذي يغلب على الإنسان التشاغل
فيه بأمور الدنيا»(٣).
● لا يخشى المحاسبة، فهو لا يعبأ
بخصمه ولا یحسب له حسابًا.
قال تعالى: ﴿لَا يُسْشَلُ عَنَّا يَفْعَلُ وَهُمْ
يُسْتَلُونَ ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
* لا يعجزه شيء في ملكه.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ
اَلْحَكِيمُ الْخَيرُ ﴾ [الأنعام: ١٨].
﴿أَوَلَمْ يَسِيْرُواْ فِ اْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ
وقال:
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ
قُوَّةٌ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ، مِنْ شَىْءٍ فِ السَّمَوَتِ
وَلَا فِى الْأَرْضِّ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا
٤٤
[فاطر: ٤٤].
: محيط بكل شيء علمًا وخبرة.
قال تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ
الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَنَغَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِنَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي، ٢/ ٢٣١.
مَوَسُولَةُ الْبَّقِينَ
القرآن الكريم
١٤

الحب
[الطلاق: ١٢].
یتحکم في إرادة خصمه و قوته.
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الُْهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُوَةٌ
غُلَّتْ أَيْدِيِهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ
كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن
زَّيِّكَ مُفْيَنًا وَكُفْرَا وَأَلْغَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَّةَ وَالْبَعْضَآءَ
إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَّةِ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرَّبِ أَطْفَأَهَا
اللَّهَّ وَيَسْعَوْنَ فِ الْأَرْضِ فَسَادَّا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ
الْمُفْسِدِينَ ﴾ [المائدة: ٦٤].
فكلما أوقدوا نارًا، أي: أهاجوا شرًّا،
وأجمعوا أمرهم على حرب النبي صلى
الله عليه وسلم، أو أحد غيره بغير حق
لمخالفتهم أمر الله، (أطفأها الله) وقهرهم،
ووهن أمرهم، فذكر النار مستعار، فالله يرد
کیدهم ویتحکم في قدرهم کیف یشاء(١).
إن طرفًا محاربًا يمتلك هذا القدر من
القوة والمنعة والقهر لخصمه، لا قبل لأحد
بحربه، فردًا كان أو جماعة أو دولة عظيمة
مدی الزمان.
قال تعالى مخبرًا عن سطوته بالظلمة
العتاة: ﴿أَمْ يَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْدٍ
مَكَّنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَوْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا
السَّمَآَةُ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَمَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِى مِن
◌َِّهِمْ فَأَهْلَكَْهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا
مَاخَرِينَ ﴾ [الأنعا
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٦/
٢٤٠.
هذا بعض ما أخبر به الله عز وجل من
قوته وتنوع جنده، وما خفي أجل وأعظم،
قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَُّ جُدَ رَيِّكَ إِلَّا هُوَ﴾
[المدثر: ٣١].
فقوة الله لا تقارن بقوة المخلوقات، ولا
طاقة لعقل الإنسان أن يتخيلها.
والله عز وجل ولي أنبيائه ورسله،
وناصرهم ومؤيدهم، قال تعالى: ﴿إِنَّا
لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَاَلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
ـا﴾ [غافر: ٥١].
٥١
وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ ◌ُ
فكل من يحيد عن أمر الله، أو أمر رسوله
صلى الله عليه وسلم، فإنما يعرض نفسه
لحرب أعلنها الله عز وجل باسمه واسم
رسوله صلی الله علیه وسلم، فهو حتمًا
منهزم مقهور.
ففي إسناد الحرب لله تبارك وتعالى
ولرسوله صلى الله عليه وسلم في قوله عز
وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ
مَا بَقِىَ مِنَ الْرّبُواْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْ مِنِينَ (١٦) فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ
فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ* وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ
رُهُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ
(٢٧٩
[البقرة: ٢٧٨-٢٧٩].
من الحكم العظيمة، والتهديد والوعيد،
والزجر والردع، ما يجعل كل عاقل يفكر
مرات عديدة في جملة من الأمور يمكن
بيانها في النقاط التالية:
www. modoee.com
١٥

حرف الحاء
١. قبح جريمة الربا.
فقد ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن
جرائم عديدة، يرتكبها العصاة من الناس،
فما توعد أحدًا منهم کما توعد آكل الربا،
المقیم المصر علیه، فهي تدمر المجتمعات
البشرية، وتغرس الحقد والجشع في نفوس
الناس، وتمنع التراحم بينهم، وتؤسس
لهيمنة الأغنياء وأصحاب رؤوس المال
على عموم الناس والبسطاء، وتجعل منهم
عبيدًا لهم، وتؤسس لحالة من التنازع
والصراع التي تفضي لإشعال الحروب
والدمار بين المجتمعات البشرية والدول،
لا لأجل إحقاق العدل وبسط الأمن والسلم
بين الناس، وإنما لأجل دوام حالة الاستعباد
والذل التي يرغب أصحاب المال في فرضها
على الضعفاء والمقهورين؛ لذا فقد أعلنها
الله حربًا على المصرین علی جريمة الربا
دون غيرها من الجرائم، لأنها تؤسس لكل
الجرائم بعدها (١).
٢. هزيمة المعاندين.
إن إعلان الحرب من الله على العصاة من
المرابين وغيرهم، فيه دلالة على هزيمتهم
المؤكدة، وأن وبطشه واقع بهم، وأن
عاقبتهم إلى زوال، وذلك جليٌّ من عظيم
قوته، وشدة بطشه بالمعاندين، وضعفهم
(١) انظر: المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها
في المجتمعات وموقف المسلم منها، غالب
عواجي، ٢/ ١٣١٠.
الشدید أمام وجبروته.
٣. وجوب محاربة المقيمين على
المعاصي وإقامة الحدود عليهم.
قال عز وجل: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ
بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فيه من الدلالة على
وجوب مقاتلة الرسول صلى الله عليه وسلم
وولاة الأمر للمرابين المصرين على عدم
الانتهاء من هذه المعاملة المالية الخبيثة،
فالحرب من الله بالنار يوم القيامة، وزلزلة
نفوسهم، والحرب من الرسول وولاة الأمر
بالسيف في الدنيا، حيث نزل سياق الآية في
بني عمرو بن عمير من ثقيف وبني المغيرة
من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الجاهلية،
فلما جاء الإسلام، وكانوا قد أمنوا، ودخلوا
فيه، فطلبت ثقيف أن تأخذه منهم، فرفضوا
ذلك، فرفع عتاب بن أسيد-نائب مكة -
الأمر إلى رسول الله صلی الله عليه وسلم
فنزلت هذه الآية، فکتب رسول الله صلى
الله عليه وسلم إليه آيات الربا إلى قوله
عز وجل: ﴿فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ ﴾ فقالوا: نتوب إلى الله، ونذر ما
بقي من الربا فتركوه كله.
فمن كان مقيمًا على الربا، لا ينزع عنه،
كان حقًّا على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن
نزع وإلا ضرب عنقه.
وقال قتادة: أو عدهم الله بالقتل كما
يسمعون وجعلهم بهرجًا ، أي: دماؤهم
مَهْ شَوَالَرُ النَّفَسَبِير
الْقُرآن الكَرِيْمِ
١٦

الحرب
مهدورة(١).
رابعًا: تنكير الحرب في سياق الآية:
إن جعل الحرب نكرة بهذا الأسلوب
القرآني العظيم يلقي بظلال الرهبة والعظمة
في قلوب السامعين، إنها حرب لا طاقة
لکم بها، ولا معرفة لکم بکنھھا، فهي
حرب لن تكون بالسيف وحسب، بل
تتعداها خارج نطاق ما تتوقعون، حرب
على الأعصاب والقلوب، وحرب على
بركة السعة في الأرزاق، تذهب متعة اليسر
في الحياة والرخاء، وحرب على السعادة
والطمأنينة تجعل المرابي يعيش حالة من
البؤس والاضطراب، حرب من الله تقذف
في قلوب أعدائه الرعب، ألا ترى قوله عز
وجل: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا
كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾
[البقرة: ٢٧٥].
إنها حالة تلقي بظلال الكآبة والشدة وفقد
الطمأنينة والراحة لدى المرابين (٢)، فإن
قالوا: هلا قيل بحرب اللّه ورسوله؟ فالرد
القاطع بأن هذا أبلغ، لأن المعنى: فأذنوا
بنوع من الحرب عظيم عند اللّه ورسوله(٣).
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١/
٧١٦.
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ١/ ٣٢٦.
(٣) انظر: الكشاف، الزمخشري، ١/ ٣٢٢.
المسألة الثانية: إعلان الحرب من
العصاة علی الله ورسوله.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَُّواْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ
اُللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَن
يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَعَ أَبْدِ يهِمْ
وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضَِّ
ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي
الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [المائدة: ٣٣].
ففى ظلال هذه الآية الكريمة، وفي ضوء
ما تم بيانه في المسألة الأولى من قوة الله
عز وجل، فإن المتأمل في أحوال العصاة
والمخالفين لأمر الله تبارك وتعالى ورسوله
صلى الله عليه وسلمْ يخرج ببعض من
الدلالات، يمكن بيانها في النقاط التالية:
١. جهل المحاربين لله ورسوله بعظمة
الخالق.
جاءت آيات القرآن الكريم لتصف العتاة
من الكفار والعصاة بالجهل وعدم العلم
تارة، والسفاهة ونفي التعقل تارة أخرى.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَّهُمْ ءَامِنُواْكَمَآ ءَامَنَ
النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ اَلتُّفَّهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ
الشُّفَهَدَةُ وَلَكِنْ لَّا يَعْلَمُونَ )﴾
﴾ [البقرة: ١٣].
وصفهم بالسفاهة وعدم العلم.
وقال أيضًا: ﴿يَقُولُونَ لَيْن رَّجَعْنَآ إِلَى
اْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَ الْأَعُرُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ
الْمُنَّفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (®
﴾ [المنافقون: ٨].
www. modoee.com
١٧

حرف الحاء
وصفهم بالجهل فيما يتعلق بصفة العزة إلى الله سبحانه وتعالى والفوز بكرامته))(٣).
٣. الخزي والذل في الدنيا لمن حارب
هذه العزة وهم لا يتذوقونها، وهم منقطعون الله ورسوله.
٢. وجوب معاقبة من حارب الله لله ورسوله بالعقوبة والقصاص في الدنيا
ورسوله.
أمر الله بمحاربة المفسدين في الأرض
من المسلمين، والغلظ عليهم، وأخذهم بما
يستحقون من العقوبة الرادعة التي تجعلهم
عبرة لمن خلفهم، ففي قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوَّأَ
أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَبْدِ يِهِمْ وَأَرْجُلُهُم
مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، أمر
بملاحقة قطاع المسلمين؛ لأن توبة المشرك
تدرأ عنه العقوبة قبل القدرة وبعدها، أما من
دخل صف المسلمين، ثم خرج لإشاعة
الفساد ومحاربة أولياء الله، فلا بد من أخذه
بما يستحق، وتوبته لا تسقط حدًّا(٢).
وقد جعل الله محاربة هذا الصنف من
المفسدین من أعظم ما یتقرب به إلى الله.
قال تعالى معقبًا على هذه الآية:
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَآَبْتَغُواْ
إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ. لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: ٣٥].
أي: ((وجاهدوا في سبيله بمحاربة أعدائه
الظاهرة والباطنة، لعلّكم تفلحون بالوصول
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٦/
٣٥٨٠.
(٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ١٢٥/٢.
وكما توعد المولى عز وجل المحاربين
توعدهم أيضًا بالذلة والصغار، والفضح
علی رؤوس الأشهاد.
قال تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ
تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ
يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضَِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِى
الدُّنْيَا﴾ أي: («شر وعار ونكال وذلة وعقوبة
في عاجل الدنيا قبل الآخرة)» (٤).
٤. الوعيد بعذاب الآخرة.
لم يتوقف وعيد الله تعالى للمحاربين
لله ورسوله في الدنيا، رغم قسوة العذاب
وخزيه، بل توعدهم بالعذاب المؤلم يوم
القيامة.
قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِ الْآخِرَةِ عَذَابٌ
عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣].
وذلك نكاية فيهم ولبيان عظم جرمهم
في حق الله عز وجل وحق رسوله وأوليائه.
فكل من حارب الله ورسوله، وتمرد
على شرعه، وأفسد في الأرض، وقطع
الطريق، وقتل أنبياء الله وأولياءه، كان مع
من غضب الله عليهم فحاربهم، وأمر رسله
(٣) المصدر السابق.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٠١/٣.
١٨
مُوسُوبَةُ الَّفِيـ
القرآن الكريم
لله ولرسوله والمؤمنین، فکیف یستشعرون
عن مصدرها الأصيل (١).

الحب
وأولياءه بمحاربتهم.
ثانيًا: حكمة إسناد إطفاء نار الحرب
لله تعالى:
الناس في أصل نار الحرب على قولين:
فريق يرى بأنها نار للحرب على
الحقيقة، فقد كان العرب والمسلمون
في قديم الزمان يتخذون العيون
یکمنون في المغارات ليلا، يرصدون
الجيوش، فإذا مر جیش یرید ديار
المسلمين أوقد العين نارًا، يراها غيره
من مكان بعيد، فيشعل نارًا، وهكذا
حتى يصل الأمر إلى المسلمين، فيعدوا
للقائهم، ولا يؤخذوا غفلة، وقيل بل
كانوا إذا اجتمعوا للحرب، و دخل الليل
أشعلوا نيرانًا مخافة البيات والنوم،
وهذا هو أصل النار (١).
وفريق -وهم الجمهور- يرى أن إيقاد
نار الحرب استعارة لما يؤجج قلوب
المفسدين من الغيظ والحقد على
المؤمنين، ومنه قولهم: الآن حمي
الوطيس للجد في الحرب، وفلان
مسعر حرب، فكلما تداعوا لقتال
المسلمين والمكر بهم، صرف الله
قلوبهم وشتتهم، وباعد بین کلمتهم،
وألقى الرعب والوهن في قلوبهم، فلا
(١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي،
٠٣١٧/٤
تقوم لهم قائمة (٢).
والذي تميل إليه النفس هو رأي الجمهور
لأنه أعم، وله أثره في هزيمة المحاربين وفت
عضدهم، وبيان حقد قلوبهم على المؤمنين،
مع كون أصل اصطلاح نار الحرب أقرب
لأصحاب الرأي الأول، لأن فيه بيان أصل
المصطلح.
وسياق قوله عز وجل: ﴿وَقَالَتِ اَلْيُهُودُ
يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ
مَبْسُوَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَ كَثِيرًا مِنْهُم مََّ
أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ مُفْيَنًا وَكُفْرًا وَأَلْغَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَّةَ
وَالْبَغْضَآَةَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَّةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِلْحَرَّبِ
أَخْفَأَهَا اللهُّ وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا وَاَللّهُ لَا
يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [المائدة: ٦٤].
يبين بجلاء أن الذين يشعلون الحروب
بين الأمم، هم في قبضة الله، إن شاء
أبقى نارهم، وسلطها على رقاب من يشاء
من الظالمين، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوْلِ
بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضَا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
[الأنعام: ١٢٩].
وإن شاء أخمدها، ورد كيدهم إلى
رقابهم، فهو المتصرف في كل شيء، فالله
سبحانه وتعالى وحده المتصرف في شؤون
الكون، وجعل أفعال خلقة سترًا لقدره، فعن
عمران قال: قيل: يا رسول الله أعلم أهل
الجنة من أهل النار؟ قال: فقال صلى الله
(٢) انظر: المصدر السابق.
www. modoee.com
١٩

حرف الحاء
عليه وسلم: (نعم)، قال: قيل: ففيم يعمل إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
[النمل: ٥٠- ٥٢].
العاملون؟ فقال صلى الله عليه وسلم:
(كل ميسر لما خلق له)(١)، فلا يكون في
الكون إلا ما يشاء، وفق إرادته وحكمته،
فمن الناس من خلقوا دعاة هداية للناس،
ومنهم من خلق لیکون مصدر فتن وإشعالٍ
للحروب، والكل في قبضة الله.
وفي إسناد إطفاء نار حرب الكفار لله
عز وجل من الحکم ما یمکن ذکر بعضه في
النقاط التالية:
١. تولي الله عز وجل بذاته محاربة
المفسدين.
سياق الآية الكريمة يبين أن الله تعالى هو
من يتولى بنفسه محاربة المفسدين، وإفشال
مخططهم في محاربة المؤمنين، ولا يكل
ذلك لأحد من خلقه، وهذا يلقي بظلال
الرهبة لكل صاحب بصيرة.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا
لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُّلُوكَ أَوْ يُخْرِجُولٌ وَيَمْكُرُونَ
وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ
[الأنفال: ٣٠].
وقال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَّرْنَا مَكْرًا
وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ
أَفَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا ظَلَمُوَأْ
٥١
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب
كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه
وأجله، ٤/ ٢٠٤١، رقم ٢٦٤٩.
مَوْسُورَةُ النفسي
القرآن الكريم
٢. قوة الله تعالى وهيمنته على قلوب
خلقه.
قال تعالى: ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا
اللّهُ﴾ بيان لقدرته سبحانه تعالى وهيمنته
علی قلوب خلقه، مؤمنهم وكافرهم، أما
المؤمنون فيرد عنهم وساوس الشيطان
ويحفظهم من كيده ومکره.
قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَّكَ عَلَيْهِمْ
سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَتَبَعَكَ مِنَ الْغَارِينَ
٤٢
[الحجر: ٤٢].
وأما الكفار فيطفئ نار حربهم، وحقد
قلوبهم بإلقاء الرعب في قلوبهم، فتكون
هزيمتهم من داخل قلوبهم، كما قال عز
وجل: ﴿هُوَ أَلَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ
اَلْكِتَبِ مِن دِيَّرِجِ لِأَوَّلِ الْخَشْرِّ مَا ظَنَنتُمْ أَنْ
يَخْرُجُواْ وَظَنُّواْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اَللَّهِ
فَأَنَمُهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ
الرُّعْبَّ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم ◌ِأَيْدِهِمْ وَأَبْدِى الْمُؤْمِنِينَ
فَأَعْتَيِرُوا يَتَأُوْلِىِ الْأَبْصَرِ ﴾ [الحشر: ٢].
٢٠

الحب
٣. خذلان الله تعالى للمفسدين في فيه مفسدة تعود عليهم، فتكون لظى نارهم
سببًا في حرق قلوبهم.
الأرض.
إن الله تعالى لا يرضي تسلط المفسدين
على أوليائه المؤمنين، فيتولى بنفسه الدفاع
عنهم، فیرد کید عدوهم فيبوء بالخيبة.
قال تعالى: ﴿وَرَدَّاللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِمْ
لَمْ يَنَالُواْ خَيْرً وَكَفَى اَللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ
اللَّهُ قَوِيًّا عَزِزًا ﴾ [الأحزاب: ٢٥].
فبعد أن يطفئ نارهم ويتشتت أمرهم،
وتظهر خفايا قلوبهم لا تراهم إلا أذلاء
مستضعفين منحسرين.
٤. نصر الله تعالی لأوليائه.
تكفل الله عز وجل بنصر أوليائه فقال:
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَّوْبِهِم ◌َاءُ وُهُر
بَلْبَيْنَتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقًّا
عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الروم:٤٧].
ومع ذلك فقد تكون للمفسدين كرة
على المؤمنين، عقوبة للمؤمنين لتقصير
في طاعة، أو تركهم الأخذ بأسباب القوة،
فيسلط الله عليهم عدوهم ليعودوا لدینهم،
فإن عادوا رد کید عدوهم وإطفاء ناره.
قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى
اٌلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].
وخلاصة القول: أن الله تعالی يتصدى
لأعدائه بذاته القدسية، فيبطل كيدهم،
ويطفي نیران باطلهم، ویشتت كلمتهم، فلا
يكادون يجمعون على أمر إلا ويجعل الله
ومن لطائف القول في هذا الشأن أن
يهود كانت تتوعد أهل المدينة من الأوس
والخزرج قبل أن يلتقوا بالنبي صلى الله
علیه وسلم، فيقولون: إن نبيًّا سیبعث، وقد
أطل زمانه، سنتبعه، فنقتلكم معه قتل عاد
وإرم، فلما كلم رسول الله صلى الله عليه
وسلم نفرًا من أهل المدينة في الموسم،
ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: یا
قوم تعلمون والله إنه للنبي الذي توعدكم
به الیهود، فلا تسبقنکم إلیه، فأجابوه فيما
دعاهم إليه، وصدقوه، وقبلوا منه ما عرض
عليهم من الإسلام(١).
فكان توعد اليهود لأهل المدينة يشعل
في قلوبهم نار الخوف من مستقبل لا يبشر
بخير، فجعل الله من هذا التهديد سببًا
لسرعة قبول أهل المدينة لدعوته صلى الله
علیه وسلم قبل أن تسبقهم يهود إليه، فآمنوا
به، فأطفأ الله نار الخوف من قلوب أهل
المدینة، ورد کید الیهود إلی نحرهم.
(١) انظر: دلائل النبوة، أبو نعيم الأصبهاني ١/
٢٩٨.
www. modoee.com
٢١

حرف الحاء
المحاربون لله ولرسوله
الكافرون والملحدون والمنافقون ومن
عاونهم أعلنوا الحرب على الله وعلى
رسوله والمؤمنين، والله أعلن الحرب
عليهم، وأعدّ لهم عذابًا أليمًا في الدنيا
والآخرة، وبيان ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: المحاربون لله تعالى ولرسوله:
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ
يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَبْدِ يهِمْ
وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضَِّ
ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الدُّنْيَاً وَلَهُمْ فِىِ
اَلْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [المائدة: ٣٣].
يفهم سياق قوله تعالى: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ﴾ في الآية الكريمة على المعنى
المجازي، فالله عز وجل لا يحارب كما
يحارب الناس بعضهم بعضًا، لذا فإنه يطلق
لفظ المحاربين لله ورسوله على صنفين من
الناس، یمکن بیانھما کما یآتي:
الأول: الذين يخرجون من ديارهم
مجاهرين بحمل السلاح لقطع الطريق
والإفساد في الأرض، أو الخروج على
السلطان المسلم، الذي يحتكم إلى شريعة
الله(١).
فهؤلاء محاربون لله ورسوله، لمّا كان
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢/ ٨٧٩.
فعلهم هذا مخالفًا لما جاءت به شريعة الله،
فسموا محاربين تشبيهًا لهم بالمحاربين من
الناس (٢).
الثاني: الذين يحاربون رسل الله
وأولياءه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ: لَعَنَّهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَذَّ
◌َهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ [الأحزاب: ٥٧].
أي: يؤذون أولياء الله عز وجل، وقد
يصح إطلاق لفظ المحاربة لله ولرسوله
على من عظمت جريرتهم، وجاهروا
بالمعصية، وإن كانوا من أهل الملة (٣).
ومما تقدم يمكن القول بأن المحاربين
لله ورسوله هم:
من حملوا السلاح لقطع الطريق،
وترويع الآمنين من الناس.
الخارجون على الإمام المسلم الذي
يحكّم شرع الله في رعيته بحمل
السلاح داخل البلد وخارجه.
الحاملون السلاح للصد عن دين
الله، والحيلولة دون ممارسة الناس
لشعائرهم الدينية والقيام بواجب
الدعوة إلى الله.
من يجاهرون بالمعاصي والذنوب،
ويدعون لغير منهج الإسلام الذي هو
دین الله في الأرض، و کل من يعتدون
(٢) انظر: أحكام القرآن، الجصاص، ١/ ٥٤.
(٣) انظر: المصدر السابق.
٢٢
القرآن الكريم

الحب
على شرع الله بتغييره وتحريفه(١).
ثانيًا: المعاونون للمحاربين لله تعالى
ولرسوله:
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مَسْجِدًا
ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَغْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، مِن قَبْلُّ
وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىّ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ
لَكَذِبُونَ ﴿
١٠٧) ﴾ [التوبة: ١٠٧].
إن أعداء الله ورسوله يحركون سواد
الناس من سفهاء وبسطاء ويغرونهم بالمال
ورغد العيش، ليسيروا على نهجهم، ويكونوا
تحت أمرهم وطوع إرادتهم، فهؤلاء جميعًا
قادة و جند، محاربون لله ورسوله، وهم عند
الله ظلمة خاطئون.
قال تعالى: ﴿فَالْنَقَطَهُمْ ءَالُ فِرْعُوْنَ
لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ
وَهَمَنَ وَحُنُودَ هُمَا كَانُواْ خَطِينَ ﴾
[القصص: ٨].
ففرعون من تزعم محاربة الله ونبيه
موسى عليه السلام، وهامان قائده، والجند
هم الحاشية والرعية الذين كانوا أداة ظلمه
وبطشه، جميعهم في میزان الله خاطئون.
قال الطبري في تفسيره: ((إن فرعون
وهامان وجنودهما كانوا بربهم آثمین»(٢).
ومعاونة الظالمين والمحاربين لا تتوقف
(١) انظر: تفسير الشعراوي، ٣٠٣٩/٥.
(٢) جامع البيان، ١٩ /٥٢٤.
عند تنفيذ أمرهم، بل تتعداه إلى صور كثيرة،
نذكر منها ما يأتي:
١. التخابر لصالح المحاربين وإبداء
المودة لهم.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ
عَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ
كَفَرُواْ بِمَا جَّكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ
أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُمُ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِى سَبِيلِ
وَأَبْغَ مَرْ ضَائِىَّ قُِّرُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُبِمَاً
أَخْفَيْتُمُ وَمَآ أَعْلَنْتُمْ وَمَن يَفْعَلَّهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ
السَّيِلِ ﴾ [الممتحنة: ١].
ففي سياق الآية الكريمة ينهى الله
المؤمنين عن التخابر مع الأعداء، المحاربين
لله ورسوله، بل ما هو أقل من ذلك وهو
إظهار المودة وهي درجة من درجات
المحب ورتبه.
وقد بين سبحانه وتعالى أن من يسرّ من
المؤمنين إلى المشركين بالمودّة فقد ضلّ،
أي: فقد جار عن قصد السبيل التي جعلها
الله طريقًا إلى الجنة وسببًا لبلوغها(٣).
٢. التمهيد للمحاربين وتهيئة المناخ
لهم.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مَسْجِدًا
ضِرَارًا وَكُفْراً وَتَغْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُّ
وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىِّ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ
(٣) انظر: المصدر السابق ٢٣/ ٣١١.
www. modoee.com
٢٣

حرف الحاء
(١٠٧)﴾ [التوبة: ١٠٧].
لَكَذِبُونَ
فقد قام نفر من المنافقين ببناء مسجدٍ
لاستقبال أبي عامر الكافر، الذي كفر بالله،
وكذَّب نبيه، ولحق بالروم يحزّب الأحزاب
لقتاله، و کتب إلى أهل مسجد الضّرار يطلب
منهم تتمة بناء المسجد، وإعداد ما استطاعوا
من السلاح لمحاربته صلى الله عليه
وسلم، فأمر الله تعالی نبیه بهدم مسجدهم،
ووصفهم بالمحاربین، والكاذبين في دعوى
إرادتهم الحسنى (١)، وهذا بيان واضح،
ودليل دامغ على أن كل من يمهد للمحاربين
لله هو محارب تجب محاربته، والتصدي له
حتی یکف أذاه.
٣. موالاة المحاربين.
قال تعالى في بيان منع موالاة أعداء
الأمة من اليهود والنصارى: ﴿﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْيُهُودَ وَالنَّصَرَىّ أَوْلِيَّةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍَّ وَمَن يَتَوَلَُّ مِنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنَّهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى
اَلْقَوْمَ الظَّلِمِينَ
فَتَرَى الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ
٥١
يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَآَبِرَةٌ
فَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ
عَ مَآ أَسَرُواْ فِيّ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ ﴾
[المائدة: ٥١- ٥٢].
فمن یوالی المحاربين لله ورسوله كان
في صفهم، فهو منهم، قال الزمخشري:
لا تتخذوهم أولياء فتنصرونهم أو
(١) المصدر السابق ١٤ / ٤٦٩.
تستنصرونهم، ثم علل النهي بقوله: ﴿بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: إنما يوالي بعضهم بعضًا
لاتحاد ملتهم واجتماعهم في الكفر (٢)،
وهذا أمر من اللّه في وجوب مجانبة
المحاربين للأمة والمتربصين بها.
٤. الدعاية للفكر الهدام والانحلال
الخلقي.
لم تعد الحرب في هذا الزمان مقتصرة
على المعارك العسكرية، فقد غدت الحرب
الإعلامية والنفسية، ونشر الانحلال الخلقي
والتشكيك في دين الله من أهم وسائل
الكفار في محاربة الأمة وعقيدتها؛ لذا فإن
الذين يسهمون في بث الرذيلة، ومحاربة
الفضيلة لا يقل خطرهم عن خطر العسكريين
المحاربين للأمة.
وقد حذر الله تعالى من خطر هؤلاء
وتوعدهم بالعذاب فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ
أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةٌّ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
﴾ [النور: ١٩].
وقال صلى الله عليه وسلم: (من دعا إلى
ھدی، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه،
لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا
إلى ضلالةٍ، كان عليه من الإثم مثل آثام من
تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا)(٣).
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ١/ ٦٤٢.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب
من سن سنة حسنة، ٤ / ٢٠٦٠، رقم ٢٦٧٤.
جَوَسُوبَةُ النَّسيد
القرآن الكريم
٢٤

الحرب
ثالثًا: جزاء المحاربين لله تعالى وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَأْ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ
وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ))﴾
ورسوله عليه السلام ومعاونيهم:
[العنكبوت: ٤٠].
إن الله یغضب لدینه أن تنتهك محارمه،
ويغضب لأوليائه أن يعتدى عليهم،
والمحاربون ظلمة ومعتدون، ينتهكون كل
الحرمات، ويؤذون ويقتلون من يأمر بالقسط
من الناس، والله تعالى يتولى أولياءه، ويرد
عنهم كيد عدوهم، وقد عاقب المحاربين
لدينه في الدنيا والآخرة، ويمكن بيان ذلك
فيما يلي:
١. العقوبة والعذاب في الدنيا.
إن من نصر الله لأوليائه ودفاعه عنهم
أن كتب على عدوهم الهزيمة والعذاب في
الحياة الدنيا، وليكون هؤلاء المحاربين لله
ودينه عبرة لمن بعدهم.
قال تعالى في حق فرعون: ﴿قَالْيَوْمَ
تُنَجِّكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلَفَكَ ءَايَةً وَإِنَّ
كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ مَئِنَا لَغَفِلُونَ ﴾
[يونس: ٩٢].
وجعل عذابهم بثلاث وسائل يمكن
بيانها كما يأتي:
الوسيلة الأولى: إهلاكهم بالسنن
الكونية.
قال تعالى: ﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَئِةٍ فَمِنْهُم
مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ
الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ
وسنن الله ماضية وباقية في أعدائه
المحاربين لأوليائه وشرعه، لا تتبدل ولا
تتغير.
قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْاْ
مِن قَبْلٌ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا
٦٢
[الأحزاب: ٦٢].
الوسيلة الثانية: أخذهم بأيدي المؤمنين
أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم
بمحاربة الكفار والمنافقين ومنازلتهم،
والغلظة عليهم، وجعل قتالهم من أعظم
العبادات التي يتقرب بها إلى الله تعالى،
وجاء السياق القرآني في قتال المحاربين لله
على النحو الآتي:
# الأمر بقتال المحاربين لله.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ لَلْحُرُمُ
فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ
وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍّ فَإِنِ
تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْاْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ
سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [التوبة: ٥].
وبين السمر قندي في تفسيره أن هذه الآية
نسخت سبعين آية في القرآن من الصلح،
والعهد، والكف، والصبر على الأذى
الذي لحق بالمؤمنين من الكفار المعتدين،
وأمرت المؤمنين بملاحقتهم وأسرهم،
www. modoee.com
٢٥

حرف الحاء
والتشديد عليهم، ورصدهم بكل طريق (١). وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمَّ
مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَسِقُونَ
(١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
وأمر الله المؤمنين بقتالهم لإلحاق
الهزيمة بهم والخزي في الدنيا.
قال تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ
بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ
وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
[التوبة: ١٤].
أمر بقتال كافة المحاربين الذين
يتربصون بالأمة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ
اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ
حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُواْ فِهِنَّ
أَنفُسَكُمْ وَقَئِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً
كَمَا يُقَطِلُونَكُمْ كَافَّةُ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ
مَعَ الْمُنَّقِينَ ﴾ [التوبة: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَيِّلُواْ
الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلَيَجِدُواْ فِيكُمّ
(١٢٣)
غِلْفَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ
[التوبة: ١٢٣].
وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بهذا
الجهد، فقاتل أعداء الله، وحمل الصحابة
اللواء من بعده، حتی غدی دین الله عزیزًا،
وحق في هذه الأمة قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
(١) انظر: تفسير السمر قندي، ٢/ ٣٩.
التكفل بهزيمة المحاربين.
تكفل الله بهزيمة الكفار، وإزهاق
أرواحهم وأموالهم، وجعلها حسرة عليهم،
قال تعالى: ﴿سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
٥)﴾ [القمر: ٤٥].
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُفِقُونَ أَمَوَلَهُمْ
لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِّ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ
عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَُ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى
جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: ٣٦].
﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ
وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمُ وَبِفْسَ أَلْمِهَادُ ﴾
[آل عمران: ١٢].
فمجمل الآيات الكريمة يبين أن الهزيمة
والحسرة واقعة بمن يحاربون الله ورسوله،
رغم کثرة أموالهم وعددهم وعدتهم.
قال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
مَتَعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمٌ
فيِ الْبِلَدِ (@
وَبِئْسَ المِهَادُ ﴾ [آل عمران: ١٩٦ -١٩٧].
# إقامة الحد على المحاربين.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَّوُاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ
اُللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ
يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَبُوْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ
وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضِّ
ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَاً وَلَهُمْ فِيِ
مَوَسوبر التفسير
القرآن الكريم
٢٦