النص المفهرس
صفحات 1-20
صَوْو ◌َرُ النَّفِة الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الجُشْرَاتُ عناصر الموضوع مفهوم الحشرات ٢٤٨ الحشرات في الاستعمال القرآني ٢٤٩ الألفاظ ذات الصلة ٢٥٠ ٢٥٢ الحكمة الإلهية في خلق الحشرات ٢٥٨ الحشرات المذكورة في القرآن ٢٧٣ الحشرات في المثل القرآني ٢٧٨ لمسات إعجازية في خلق الحشرات المجلد الثانىعشر حرف الحاء مفهوم الحشرات أولًا: المعنى اللغوي: هي هوام الأرض وصغار دوابها، وقيل: الصيد كله حشرة، ما تعاظم منه وتصاغر؛ والحشرة أيضًا: كل ما أكل من بقل الأرض(١). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: لا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، فهي صغار دواب الأرض وهوامها(٢). والحشرات عند علماء الحيوان: كل كائن من شعبة المفصليات، له ثلاثة أزواج من الأرجل، ويقطع في تحوله ثلاثة أطوار، بيضة الحشرة، حورية الحشرة (صرصور)، خادرة الحشرة فراشة، والجمع حشرات(٣). (١) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ٧٣، لسان العرب، ابن منظور ٤ / ١٩١، تاج العروس، الزبيدي ١١/ ٢١. (٢) انظر: التوقيف ص ١٤١. (٣) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١٧٥/١. مَوَسُولَةُ التَّقِّ القرآن الكريم ٢٤٨ الحشرات الحشرات في الاستعمال القرآني لم يرد لفظ الحشرات في الاستعمال القرآني، ولكن جذر الكلمة وهي مادة (حشر) موجودة في القرآن، والتي تعني: الجمع مع السّوق والانبعاث، وبذلك سميت حشرات الأرض لكثرتها وانسياقها وانبعاثها(١). وقد ذكر القرآن بعض الحشرات، وهي: البعوضة: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيَ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاَ مَّا بَعُوضَةً فَمَهْ فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]. الجراد: في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْتُلُوفَانَ وَالْرَادَ﴾ [الأعراف: ١٣٣]. القمّل: في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطَّوفَانَ وَاَلْجَرَادَ وَاَلْقُمَّلَ﴾ [الأعراف: ١٣٣]. النحل: في قوله تعالى: ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]. الذباب: في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُْ ضُرِبَ مَثَلٌ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُمْ إِنَّ الَّذِينَ مَّدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ﴾ [الحج:٧٣]. النمل: في قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا أَنُواْ عَلَى وَارِ اَلنَّمْلِ﴾ [النمل: ١٨]. العنكبوت: في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلٍ. اُلْعَنْكَبُوتِء ◌َأَخَذَتْ بَيْنًا﴾ [العنكبوت: ٤١]. دابة الأرض: في قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ اَلْمَوْتَ. مَا دَلَّمْ عَلَى مَوْتِهِ* إِلَّاه دَابَةٌ الْأَرْضِ﴾ [سبأ:١٤]. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢/ ٦٧. www. modoee.com ٢٤٩ حرف الحاء الألفاظ ذات الصلة ١ الحيوان: الحيوان لغة: اسم يقع على كل شيء حي، ووصف الله عز وجل الدار الآخرة بأنها الحيوان، والمعنى أن من صار إلى الآخرة لم يمت ودام حيًّا فيها(١). الحیوان اصطلاحًا: كل ذي روح من المخلوقات غير العاقلة (٢). الصلة بين الحشرات والحيوان: أن الحشرات من أنواع الحيوانات. الكائنات الحية: ٢ الكائنات الحية: هي مجموعة المتعضيات الحية التي تشكل الكتلة الحية على سطح الأرض، وتقسم عادة لعدة ممالك حسب التصنيف المعتمد أهمها: الحيوانات والنباتات والفطريات والأوليات والجراثيم. والكائن الحي: هو أي خلية أو مجموعة خلايا متمايزة أو غير متمايزة تتصف بقيامها بالوظائف الحيوية التي تجعلنا نصفها بالحياة مثل التنفس والهضم والحركة. الصلة بين الحشرات والكائنات الحية: أن الحشرات من أنواع الكائنات الحية. الدابة: ٣ الدابة لغة: كل ما دب على وجه الأرض، وقد غلب على ما يركب من الحيوان، وفي العرف يطلق على الخيل والحمار والبغل (٣). (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٤/ ٢١٤. (٢) انظر: معجم لغة الفقهاء، قلعجي قنيبي ص ١٩٠. (٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١/ ٣٦٩-٣٧٠، تاج العروس، الزبيدي ٣٩٢/٢. مَوَسُوبَةُ التَّقِيَّة لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٥٠ الحشرات الدابة اصطلاحًا: الحي الذي من شأنه الدبيب، وقيل: كل حيوان في الأرض، وإخراج البعض الطير من الدواب رد بالسماع، ولا يخرج المعنى اللغوي عن المعنى الاصطلاحي له(١). الصلة بين الحشرات والدابة: أن الحشرات من الأنواع التي تدب على الأرض. (١) انظر: التوقيف، المناوي ص ١٦٣. www. modoee.com ٢٥١ حرف الحاء الحكمة الإلهية في خلق الحشرات خلق الله تعالى الحشرات لحكمة، ولها منافع ومضار، وفي خلقتها الإبداع الرباني، وسنبين ذلك في النقاط الآتية: أولًا: حكمة خلق الحشرات: إن عالم الحشرات فيه من العجائب والحكم الإلهية ما يستحق الوقوف والتأمل طويلًا، وذلك أنه عالم مستقل بل هو عوالم تحار فيها العقول والأفكار، فيه تنوع في الخلق؛ فمنه ما يطير ومنه ما يمشي على رجلين وعلى أربع وعلى أكثر، ومنه ما يرى بالعين المجردة ومنه ما لا يرى، وهناك اختلاف في الأشكال والألوان، وفي الأصوات، وفي طريقة الحياة وتناول الطعام، وفي الأسماع والأبصار وآلات البطش، وأشياء يعجز العلم عن تسطيرها. وعن عوالم الحشرات والحيوانات والطيور، يتحدث القرآن الكريم، فيقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَّمَّ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِى اُلْكِتَبِ مِن شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَيْهِمْ يُحْشَرُونَ )﴾ [الأنعام: ٣٨]. ﴿أُمَّمَّ أَمْثَالُكُمْ﴾، مكتوبة أرزاقها وآجالها وأعمالها كما كتبت أرزاقكم وآجالكم وأعمالكم، ويقول تعالى: ﴿﴿ وَمَا مِن دَابَةٍ فِ اَلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اَللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَسُسْتَوْدَعَهَا كُلُّ فِ كِتَبٍ مُّبِينٍ ومستودعها [هود: ٦]. يعنى: تساوت المخلوقات، وتماثلت المصنوعات في الحاجة إلى المنشئ: في حال الإبداع ثم في حال البقاء، وكذلك جميع الصفات النفسية والنعوت الذاتية توقفت عن الإيجاد والاختيار، فما من شيء من عين وأثر، ورسم وطلل إلا وهو على وحدانيته شاهد، وعلى كون أنه مخلوق دلیل ظاهر. يقول تعالى عن إخراج العسل الذي فيه شفاء للناس من النحل، تلك الحشرة الضعيفة: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّْلِ أَنْ أَّخِذِى مِنَ لْبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ٦٨ مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ فَاسْلُكِ سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفُ أَلْوَنُهُ فِيهِ شِفَآءُ لِلنَّاسِنَّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ [النحل: ٦٨-٦٩]. وعن فطانة النملة، حكى الله تعالى قولها وقد رأت سليمان عليه السلام وجنوده: ﴿حََّ إِذَا أَنُواْ عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَتَأَيُّهَا النَّمْلُ أَدْ خُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ فَنَبَسَّمَ سُلَيْمَنُ وَجُنُودُهُ، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١) ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اُلَِّ أَنْعَمْتَ عَلَنَّ وَعَ وَلِدَنَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَنَهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادَِ ١٩ ﴾ [النمل: ١٨- ١٩]. الصَّلِمِينَ ٢٥٢ مُؤَسُولَةُ الْبَقِيَّة جوبيبو القرآن الكَرِيْمِ الحشرات وعن القمل والجراد أخبر تعالى أنها مهيمن على أحوالها لا يشغله شأن عن شأن، وأن المكلفين ليسوا مخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان (١). آية من آياته يعذب بها من يشاء، وقد سماها الله تعالى في كتابه العزيز آيات مفصلات، فقال تعالى: ﴿ فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الُوفَانَ وَالْرَادَ وَاَلْقُمَّلَ وَالضَّفَارِعَ وَالذَّمَ ءَايَتٍ تُفَصَّلَتِ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِنَ [الأعراف: ١٣٣]. فقد عذب الله تعالى قوم فرعون بحشرة صغيرة لم يكونوا يتوقعون ذلك ولم يخطر لهم على بال. وعن الذباب وما فيها من الإعجاز الدال على عظمة الله وقدرته الباهرة في هذه الحشرة الصغيرة التي تحدى الله تعالى بها العالم، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُّ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوْ ذُبَابًا وَلَوِ أَجْتَمَعُواْ لَهُ، وَإِن يَسْتُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنِهِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج: ٧٣]. وفي خلق الحشرات كثير من الحكم، فقد جعل الله لها غرائز يعرف بها بعضها إشارة بعض، وهدى الذكر منها الإتيان الأنثى، وفي ذلك دليل على نفاذ قدرة المركب ذلك فيها، وفيها من الحكم الدالة على عظم قدرته ولطف علمه وسعة سلطانه وتدبيره تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس المتكاثرة الأصناف، وهو لما لها وما عليها ثانيًا: منافع الحشرات ومضارها: فأما منافع الحشرات: فمن الحشرات النافعة التي ذكرها القرآن الكريم: النحل. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّْلِ أَنْ أَخِذِى مِنَ لِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ٦٨ كُلِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَتِ فَاسْلُكِ سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفُ أَلْوَنُهُ فِيهِ شِفَآءُ لِلنَّاسِنُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَنَفَّكَّرُونَ ﴾ [النحل: ٦٨-٦٩]. بينت الآية أن العسل فيه شفاء للناس؛ لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة، وقلّ معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه العسل، وليس الغرض أنه شفاء لكل مريض، کما أن کل دواء كذلك، وتفكيره إمّا لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء، وكلاهما محتمل، وعن أبي سعيد رضي الله عنه: (أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: (اسقه عسلًا) ثم أتى (١) انظر: لطائف الإشارات القشيري ١/ ٤٧٠، الكشاف، الزمخشري ٢/ ٢١، البحر المحيط لأبي حيان ٤ / ٥٠٠، منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام للدكتور حمود بن أحمد الرحيلي ٣٧٩/١. www. modoee.com ٢٥٣ حرف الحاء الثانية، فقال: (اسقه عسلًا) ثم أتاه الثالثة مثل: التسمم البولي والناشئ من أمراض الكبد، والاضطرابات المعدية والمعوية، فقال: (اسقه عسلًا) ثم أتاه فقال: قد فعلت؟ فقال: (صدق الله، وكذب بطن أخيك، اسقه عسلًا) فسقاه فبرأً(١) (٢). وضد التسمم في الحميات، مثل: التيفويد والالتهاب الرئوي والسحائي المخي والحصبة، وفى حالات ضعف القلب، قال المراغي: ((وقد أثبت الطب الحديث ما للعسل من فوائد، أدع الكلام فيها ليتولى شرحها النطاسي الكبير المرحوم عبد العزيز إسماعيل باشا قال في كتابه: الإسلام والطب الحديث: ما أصدق الآية الكريمة! ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]. وحالات الذبحة الصدرية، وبصفة خاصة في الارتشاحات العمومية الناشئة من التهابات الكلى الحادة وفي احتقان المخ وفى الأورام المخية إلخ، وقد يقال: وما أهمية هذه الآية مع أن كل أنواع الغذاء لها فوائد، وقد ذكر العسل؛ لأنه غذاء لذيذ الطعم وبطريق المصادفة. إن التر کیب الکیماوي للعسل كما يلى: من «٢٥- ٤٠ دكستروز (جلوكوز)))، من «٣٠ - ٤٥ لیفیلوز))، من «١٥ - ٢٥ ماء)). والجلوكوز الموجود فيه بنسبة أكثر من أي غذاء آخر، وهو سلاح الطبيب في أغلب الأمراض، واستعماله في ازدياد مستمر بتقدم الطب، فيعطى بالفم وبالحقن الشرجية وتحت الجلد وفى الوريد، ويعطى بصفته مقويًا ومغذيًا، وضد التسمم الناشئ من مواد خارجية كالزرنيخ والزئبق والذهب والکلوفرم والمورفین إلخ، وضد التسمم الناشئ من أمراض أعضاء الجسم (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب الدواء بالعسل، ١٢٣/٧، رقم ٥٦٨٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب التداوي بسقي العسل، ١٧٣٦/٤، رقم ٢٢١٧. (٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٦١٩/٢، مدارك التنزيل، النسفي ٢٢٢/٢. فالحقيقة هي أن أنواع الغذاء الأخرى لا تستعمل كعلاج إلا فيما نذر من الأمراض ناشئة عن نقصها فى الغذاء فقط، وهذه الفواكه التي تشبه العسل في الطعم فإن السكر الذي فيها هو سكر القصب أو أنواع أخرى، وليس فيها إلا نسبة ضئيلة من (الجلوكوز) الذي هو أهم عناصر العسل. وإذا علمنا أن الجلوكوز يستعمل مع الأنسولين حتى في حالة التسمم الناشئ عن مرض البول السكري علمنا مقدار فوائده، وأن القرآن الكريم لم يذكره بطريق المصادفة، ولكنه تنزيل ممن خلق الإنسان والنحل، وعلم كلا منهما علاقته بالآخر))(٣). وأما أضرار الحشرات: (٣) تفسير المراغي ١٤/ ١٠٦. مَوَسُوبَةُ الْبَشِد القرآن الكريم ٢٥٤ الحشرات فمن الحشرات الضارة التي ذكرها بني إسرائيل مع موسى. ففي الفصل الثامن من سفر الخروج: إن موسى أنذر فرعون أن الذباب سيدخل بيوته وبیوت عبيده وسائر قومه فیفسدها، ولا يدخل بیوت بني إسرائيل المقیمین في أرض جاسان، وأن ذلك وقع وفسدت الأرض من تأثير الذباب (١). القرآن الكريم: الجراد والقمل. قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْتُلُوفَانَ وَاَلْزَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَارِعَ وَلَّمَ ءَايَتٍ مُّفَصَّلَتٍ فَأَسْتَكْبَرُوا وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ ﴾ [الأعراف: ١٣٣]. بينت الآية أن الله تعالى أرسل على ثالثًا: الإبداع الإلهي في خلق الحشرات: بني إسرائيل الجراد، وتعتبر الجراد من الحشرات المؤذية والمخربة، والتي تسبب الكوارث وإتلاف المحاصيل الزراعية، وإذا لقد ذكر القرآن الكريم الإبداع الإلهي في خلق الكائنات. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّلَوْ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى بَطْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى أَرْبَعَ يَخْلُقُ اَللَّهُ مَا يَشَآءُ إِنَّاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [النور: ٤٥]. طلعت أسرابه على الزرع أتت علیه، فلم تبق منه ثمرًا ولا ورقًا، وقد سلطه الله تعالى على بني إسرائيل فأكل زرعهم وثمارهم وثيابهم وسقوف دورهم، وابتلاهم الله بالقمل وهو: حشرة صغيرة، تسكن الأجساد القذرة، وتعيش على ما تمتصه من الدم، وقيل: هي صغار الجراد، وهي أشدّ فتكًا وأكثر بلاء من كباره، وقيل: هو السوس الذي يصيب الحبوب، ومفردها قمّلة، وقيل: هو ما نسميه بالقراد، وقيل: هو الحشرات التي تهلك النبات والحرث، وحين نراه تفزع ونبحث عن تخليص الزرع منه باليد والمبيدات، وكل ذلك من تنبيهات الحق للخلق، وهي مجرد تنبيه وإرشاد ولفتٌ للالتفات إلى الحق، وقد جاء في التوراة: إن البعوض والذباب كان من الضربات العشر التي ضرب الرب بها فرعون وقومه ليرسلوا يخبر القرآن الكريم عن الإبداع الإلهي في خلق الكائنات ومنها الحشرات، ویتجلى الإبداع الإلهي في خلق الحشرات؛ وذلك أن الحشرات مع صغر حجمها ودقتها فيها كل مقومات الحياة. ! إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْي» قال تعالى: أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاَ مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَأَ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَلْحَتُّ مِن زَّبِّهِمَّ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا (١) انظر: تفسير المراغي ٤٣/٩، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩/ ٦٩، تفسير الشعراوي ٤٣١٩/٧. www. modoee.com ٢٥٥ حرف الحاء وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًاً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا ولذا فقد زودها الخالق كما هي الحال في ﴾ [البقرة: ٢٦]. الْفَسِقِينَ معظم الحشرات بزوج من العيون المركبة؛ فالمشركون نظروا إلى حجم هذه إذ إنّ كلّ عين من هذه العيون مكونة من مئات الوحدات المتشابهة المتراصة بعضها بجوار بعض، كلّ وحدة من هذه الوحدات المتشابهة المتراصة بعضها بجوار بعض. الحشرة فرأوها شيئًا تافهًا، فكيف يجعله الله مثلا؟ ولم يلتفت المشركون إلى الإبداع الإلهي وعظمة الصانع وقدرته وبديع خلقه سبحانه، ولو نظروا إلى ذلك لوجدوا أن هذه البعوضة مع ضعفها وصغرها ودقة حجمها خلق من خلق الله، فيها من العجائب والأسرار ما يدعو للتأمل والنظر، وليست شيئًا تافهًا. فإن هذه البعوضة بحجمها المتناهي في الصغر تحمل معها كل أجهزة الحياة، من عيون ترى، وأجنحة تطير، وأجهزة جنسية لحفظ النوع، وجهاز هضمي للطعام وإخراج الفضلات، وإن البعوضة تمتلك حوالي (١٠٠) عين، وهذه العيون كلها موجودة في الرأس على شكل يشبه قرص العسل، تقوم عين البعوض باستلام الإشارات وترسلها إلى الرأس. وللحشرات عيون تختلف في تركيبها عن عين الإنسان أو القرد أو البقرة أو السلحفاة أو السمكة، ولكن على الرغم من هذا الاختلاف إلا أن الحشرات ترى بها الأشياء التي تنظر إليها، فالذبابة المنزلية مثلًا بحاجة إلى عين ترى بها الغذاء، وتدرك أيّ حرکة يقصد بها الاعتداء على حياتها؛ وإن الحشرات ليست لها رئتان كما للإنسان، ولكنها تتنفس عن طريق أنابيب، وحين تنمو الحشرات وتكبر، لا تقدر تلك الأنابيب أن تجاریها في نسبة تزايد حجمها، ومن ثم لم توجد قط حشرة أطول من بضع بوصات، ولم يطل جناح حشرة إلا قليلًا. وبفضل جهاز تكوين الحشرات وطريقة تنفسها لم يكن في الإمكان وجود حشرة ضخمة، وهذا الحد من نمو الحشرات قد كبح جماحها كلها، ومنعها من السيطرة على العالم، ولولا وجود هذا الضابط الطبيعي لما أمكن وجود الإنسان على ظهر الأرض، وتصور إنسانًا فطريًّا يلاقي دبورًا يضاهي الأسد في ضخامته، أو عنكبوتًا في مثل هذا الحجم! ولم يذكر إلا القليل عن التنظيمات الأخرى المدهشة في فيزيولوجيا الحيوانات، والتي بدونها ما كان أي حیوان- بل كذلك أي نبات- یمکن أن یبقی في الوجود. فهذا التنوع والتمايز في عالم الحشرات صَوْ نُوبَةُ الْبَِّّـ القرآن الكريم ٢٥٦ الحشرات المليء بالعبر والأسرار، لم يكن عبثًا أو منها، فإن المربع يخرج منه زوايا ضائعة، مصادفة عمياء، ولم يكن من صنع وثن أو وشكل النحل مستدير مستطيل فترك صنم، كما لم يبق مجال لأحد أن يدع أو المربع حتى لا تضيع الزوايا فتبقى فارغة، ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت یظن بأن لله شريكًا في ملكه(١). فرج ضائعة؛ فإن الأشكال المستديرة إذا جمعت لم تجتمع متراصة، ولا شكل في الأشكال ذوات الزوايا يقرب في الاحتواء من المستدیر، ثم تتراص الجملة منه بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فرجة إلا المسدس، وهذه خاصية هذه الشكل. قال الغزالي: «ثم في کل حيوان ونبات أعجوبة وأعاجيب تخصه لا يشاركه فيها غيره، فانظر إلى النحل وعجائبها، وكيف أوحى الله تعالى إليها حتى اتخذت من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون، وكيف استخرج من لعابها الشمع والعسل، وجعل أحدهما ضياءً، وجعل الآخر شفاءً، ثم لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الأزهار والأنوار واحترازها عن النجاسات والأقذار، وطاعتها لواحد من جملتها هو أكبرها شخصًا وهو أميرها، ثم ما سخر الله تعالی له أمیرها من العدل والإنصاف بينها حتى إنه ليقتل على باب المنفذ كل ما وقع منها على نجاسة. ثم دع عنك جميع ذلك وانظر إلى بنائها بيوتها من الشمع، واختيارها من جملة الأشكال الشكل المسدس، فلا تبني بيتًا مستديرًا ولا مربعًا ولا مخمسًا بل مسدسًا؛ الخاصِّية في الشكل المسدس يقصر فهم المهندسين عن دركها، وهو أن أوسع الأشكال وأحواها المستديرة وما يقرب (١) انظر: المنار، محمد رشيد ١٣/١٢، تفسير الشعراوي ١٨/ ١١١٧٧. فانظر كيف ألهم الله تعالى النحل على صغر جرمه ولطافة قده لطفًا به وعناية بوجوده وما هو محتاج إليه ليتهنا بعيشه فسبحانه ما أعظم شأنه وأوسع لطفه وامتنانه»(٢). (٢) إحياء علوم الدين ٣١٩/٤. www. modoee.com ٢٥٧ حرف الحاء الحشرات المذكورة في القرآن إن القرآن الكريم قد اهتم بأمر الحشرات وسمی بعض سوره بأسماء حشرات منها، مثل: سورة النمل، وسورة النحل، وسورة العنكبوت، ومن الحشرات التي ذكرها القرآن الكريم ما يأتي: أولًا: النمل: النمل: اسم جنس لحشرات صغيرة، ذات ست أرجل، تسكن في شقوق من الأرض. وهي أصناف متفاوتة في الحجم، والواحد منه نملةٌ، وسميت النملة نملة لتنملها، وهو کثرة حر کتها وقلة قرارها. وقيل: إن النمل أكثر جنسه حِسَّا؛ لأنه إذا التقط الحبّة من الحنطة والشعير للادخار قطعها اثنين لئلا تُنْبِت، وإن كانت كزبرة قطعها أربع قطع(١). ومن عجائب مخلوقات الله تعالى والتي ذكرها القرآن الكريم النمل، قال تعالى: ﴿حَّ إِذَا أَنَوْ عَلَى وَارِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَتَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْ خُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُنُودُ هُ، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(١)﴾ [النمل: ١٨]. لما ذكر القرآن الكريم ملك سليمان عليه السلام وجنوده من الجن والإنس والطير أراد الله تعالى أن يطلع سليمان عليه السلام (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤١/١٩. على مملكة من خلقه، وهي مملكة النمل، فقد ذكرت الآية أن سليمان عليه السلام حین مرّ على وادي النمل تنبهت نملة للخطر الذي سوف يصيب جماعتها، فتكلمت النملة مخاطبة جماعتها: ادخلوا مساكنكم، حتى لا يقتلكم سليمان وجنوده. وكانت هذه النملة فزعةً فزعًا شديدًا، وحريصةً أشد الحرص على سلامة جماعتها، وعبرت عن ذلك بقولها: ﴿لا يَخْطِمَنَّكُمْ﴾. والحطم: حقيقته الكسر لشيء صلب، واستعير هنا للرفس بجامع الإهلاك. و﴿لَا يَخْطِمَنَّكُمْ﴾ (لا) ناهية، والجملة مستأنفة تكريرًا للتحذير ودلالة على الفزع؛ لأن المحذر من شيء مفزع يأتي بجمل متعددة للتحذير من فرط المخافة، والنهي عن حطم سلیمان إیاهن کنایة عن نھیھن عن التسبب فيه وإهمال الحذر منه، والنون توکید للنھي. ولم يكن سليمان عليه السلام مستبدًا ولا غليظًا ولا ظالمًا، وإنما كان نبيًّا وملكًا عادلًا، ينظر إلى مخلوقات الله، ویقدر لها رأيها، ويسمع قولها، وقد أدركت النملة ذلك فقالت: ﴿وَهُزْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بجريمتهم، لكثرة غلبتهم ومراعاتهم نظام المشي، وذلك أن الجند إذا سيرهم قائدهم على جهة كان مشيهم بانتظام نحوها حتى إذا ٢٥٨ مُوسو عبر التشيك الوضوء جوبيى القرآن الكريم الحشرات ولهذا تقدمت النملة بالعذر لسليمان عليه السّلام ووصفته وجنوده بالعدل والرحمة والتباعد عن الجور، إذا علمت بإلهام الله إياها أنه نبي لا یجور ولا یتیه ولا یظلم، فسمع سليمان عليه السلام حديث النملة، ولم يغضب، ولم يعاتب، ولم يغير أمرها لإخوانها، وإنما استحسن صنيعها، وتوجه بالشكر لله الذي علمه منطق النمل(١). قال أهل التفسير: في كلام هذه النملة أنواع من البلاغة: نادت، ونبّهت، وسمت، وأمرت، ونصت، وحذرت، وخصت، وعمت، وأشارت، وأعذرت. ووجهه: نادت: ((يا»، نبهت: ((ها))، سمت: ((النمل))، أمرت: ((ادخلوا))، نصت: ((مساكنكم))، حذرت: ((لا يحطمنكم)»، خصت: ((سليمان))، عمت: ((وجنوده»، أشارت: ((وهم))، أعذرت: ((لا يشعرون))(٢). وفي هذه الآية: نجد أن النمل مملكة من مخلوقات الله العجيبة، وأنها تتخاطب بلغة خاصة فيما بينها، وفيها أن النملة حريصة على سلامة مجتمعها وحرصها على أمنه، وفي هذا العبرة لكل إنسان أن يحرص على سلامة المجتمع الذي يعيش فيه، (١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٤ / ٢٠٠، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤١/١٩. (٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٣٥٦/٣، اللباب في علوم، ابن عادل ١٣٣/١٥. كان أمامهم شيء يدوسونه ولم يحيدوا عنه، ويعمل بكل الوسائل الممكنة لصالح الأمن والاستقرار، وفيها دعوة للملوك والرؤساء للاهتمام بشؤون المملكة، والمسؤولين وعدم الغفلة عنها حتى في شؤون الحيوان والطير والحشرات؛ ليسود العدل وينتشر الأمن والأمان في المجتمعات. ثانيًا: الذباب: الذباب: اسم يطلق على كثير من الحشرات المجنحة، منها: الذبابة المنزلية، وذبابة الخيل، وذبابة الفاكهة، وذبابة اللحم، والجمع أذّة، وذُبَان(٣). وضرب الله تعالى مثلًا في بيان عجز معبودات المشركين وتفاهتها بالذباب، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُّ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ أَجْتَمَعُواْ لَهُ، وَإِنِ يَسْبُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنِقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج: ٧٣]. لما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة آلهة الكفار التي يعبدونها من دون الله تعالى بلا حجة لهم في ذلك ولا علم، ذكر في هذه الآية ما يدل على إبطال قولهم، فبدأت الآية بأداة النداء ﴿يَأَيُّهَا﴾، والتي تدعو إلى الانتباه، وأكد ذلك بقوله: ﴿فَاسْتَمِعُواْ لَهُ﴾، أي: تدبروه حق تدبره؛ لأن نفس (٣) انظر: موسوعة الطير والحيوان في الحديث النبوي ص ١٩٥. www. modoee.com ٢٥٩ حرف الحاء السماع لا ينفع، وإنما ينفع التدبر، ثم بيَّن الله تعالى أن هذه الآلهة التي يعبدونها من دون الله الواحد الأحد هي أحقر وأذل وأهون من أن تعبد وتتخذ إلهًا. وبَيَّن الله تعالى وجه حقارتها وذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ أَجْتَمَعُواْ لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]. فقوله تعالى: ﴿لَن يَخْلُقُواْ ذُبابًا﴾، جاءت بنفي المستقبل فلم يقل مثلًا: لم يخلقوا، فالنفي هنا للتأبيد، فهم ما استطاعوا في الماضي، ولن يستطيعوا أيضًا فيما بعد حتى لا يظن أحد أنهم ربما تمكّنوا من ذلك في مستقبل الأيام، ونفي الفعل هكذا على وجه التأبيد؛ لأنك قد تترك الفعل مع قدرتك عليه، إنما حين تتحدّى به تفعل لتردّ على هذا التحدّي، فأوضح لهم الحق سبحانه أنهم لم يستطيعوا قبل التحدي، ولن يستطيعوا بعد التحدي، فكأنه سبحانه قال: إن هذه الأصنام وإن اجتمعت لن تقدر على خلق ذبابة على ضعفها، فكيف يليق بالعاقل جعلها معبودًا، وقوله تعالى: ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]. ذبابة، فقال تعالى: ﴿وَإِنِ يَسْلُبُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج: ٧٣]. كأنه سبحانه قال: أترك أمر الخلق والإيجاد وأتكلم فيما هو أسهل منه، فإن الذباب إن سلب منها شيئًا، فهي لا تقدر على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب، ثم سوى الله تعالى بين الآلهة وبين من يعبدها في الحقارة والذل والضعف، فقال تعالى: ﴿َضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ [الحج: ٧٣]. وفيه قولان: أحدهما: المراد منه الصنم والذباب، فالصنم كالطالب من حيث إنه لو طلب أن يخلقه ويستنقذ منه ما استلبه لعجز عنه والذباب بمنزلة المطلوب. والثاني: أن الطالب من عبد الصنم، والمطلوب نفس الصنم أو عبادتها. وهذا أقرب؛ لأن كون الصنم طالبًا ليس حقيقة، بل هو على سبيل التقدير، أما هاهنا فعلى سبيل التحقيق، لكن المجاز فيه حاصل؛ لأن الوثن لا يصح أن يكون ضعيفًا؛ لأن الضعف لا يجوز إلا على من يصح أن یقوی. وهاهنا وجه ثالث: وهو أن يكون معنى قوله: (ضعف) لا من حيث القوة، ولكن نصب على الحال کأنه قال: يستحيل أن يخلقوا الذباب حال اجتماعهم فکیف حال انفرادهم، ثم بین تعالی أنهم أحقر من ذلك لظهور قبح هذا المذهب، كما يقال للمرء عند المناظرة: ما أضعف هذا المذهب، وما وأذل وأهون فليس عجزهم فقط عن خلق أضعف هذا الوجه. ٢٦٠ القرآن الكريم الحشرات وقوله تعالى: ﴿مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقّ قَدْرِهِ﴾ [الحج: ٧٤]. أي: ما عظموه حق تعظیمه، حیث جعلوا هذه الأصنام على نهاية خساستها شريكة له في المعبودية، وهو قوي لا يتعذر عليه فعل شيء وعزيز لا يقدر أحد على مغالبته، فأي حاجة إلى القول بالشريك(١). وفي هذه الآية: يخبر الله تعالى أن العبادة إنما تكون للواحد الأحد الخالق المصور وليست للمخلوق، الذي يعجز عن خلق ذبابة، وإن أخذ منه الذباب شيئًا لم يقدر أن ينتصر منه، وخص الذباب لأربعة أمور تخصه: لمهانته وضعفه واستقذاره و کثرته، وسمّي ذبابًا؛ لأنه يذبّ احتقارًا واستقذارًا، والذباب أنواع كثيرة، منه الذباب المعروف، ومنه ذباب الفاكهة، ومنه الزنابير وغيرها، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله على خلق مثله ودفع أذيته فكيف يكونون آلهة معبودین وأربابًا مطاعین؟! وهذا من أقوى الحج وأوضح البراهين والأدلة القاطعة التي تثبت بطلان الوثنية، وتقيم الدليل على الوحدانية، فإن الأوثان ومن يتبعونها ولو تضافرت كل القوى معها لا یمکن أن یخلقوا ذبابًا، وفيها إبطال کل (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ١٧١/٣، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥١/٢٣. أنواع الشرك من الأصنام والقبور والأولياء وغير ذلك من أنواع الشرك (٢). ثالثًا: النحل: النحل: اسم جنس جمعي، واحده نحلة، وهو ذباب له جرم بقدر ضعفي جرم الذباب المتعارف، وأربعة أجنحة، ولون بطنه أسمر إلى الحمرة، وفي خرطومه شوكة دقيقة كالشوكة التي في ثمرة التين البربري (المسمى بالهندي) مختفية تحت خرطومه يلسح بها ما يخافه من الحيوان، فتسم الموضع سمًّا غير قوي، ولكن الذبابة إذا انفصلت شوكتها تموت، وهو ثلاثة أصناف: ذكر وأنثى وخنثى، فالذكور هي التي تحرس بيوتها، ولذلك تكون محومة بالطيران والدوي أمام البيت، وهي تلقح الإناث لقاحًا به تلد الإناث إناثًا، والإناث هي المسماة العاسيب، وهي أضخم جرمًا من الذكور، ولا تكون التي تلد في البيوت إلا أنثى واحدة، وهي قد تلد بدون لقاح ذکر، ولكنها في هذه الحالة لا تلد إلا ذكورًا، فليس في أفراخها فائدة لإنتاج الوالدات، وأما الخنثى فهي التي تفرز العسل، وهي العواسل، وهي أصغر جرمًا من الذكور، وهي معظم سكان بيت النحل(٣). (٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٤ / ٤٠، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢ / ٩٧. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٤/١٤. www. modoee.com ٢٦١ حرف الحاء ذكر القرآن الکریم أن الله تعالی أوحى إلى النحل، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّْلِ أَنِ أَّخِذِى مِنَ لِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ٦٨ ◌ُ كُلٍ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَتِ فَاسْلُكِ سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَنُهُ. فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَّةً لِّقَوْمٍ يَنَفَّكَّرُونَ :[النحل: ٦٨-٦٩]. لما بين سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أن من آياته العظيمة الدالة على قدرته وعظمته ووحدانيته إخراج الألبان من النعم، وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب، بين في هذه الآية أن من آياته الباهرة والدلائل القاطعة الدالة على قدرته وحكمته وخلقه هي إخراج العسل من النحل، فعطف عبرة على عبرة ومنة على منة، وغير أسلوب الاعتبار لما في هذه العبرة من تنبیه علی عظیم حكمة الله تعالی، إذ أودع في خلقة الحشرة الضعيفة هذه الصنعة العظيمة وجعل فيها هذه المنفعة، كما أودع في الأنعام ألبانها وأودع في ثمرات النخيل والأعناب شرابًا، وكان ما في بطون النحل وسطًا بين ما في بطون الأنعام وما في قلب الثمار، فإن النحل يمتص ما في الثمرات والأنوار من المواد السكرية العسلية ثم يخرجه عسلًا كما يخرج اللبن من خلاصة المرعى، وفيه عبرة أخرى وهي أن أودع الله في ذبابة النحل إدراكًا لصنع محكم مضبوط منتج شرابًا نافعًا لا يحتاج إلى حلب الحالب، وافتتحت الآية بفعل أوحى، وذلك لما في أوحى من الإيماء إلى إلهام تلك الحشرة الضعيفة تدبيرًا عجيبًا وعملًا متقنا وهندسة في الجبلة، فكان ذلك الإلهام في ذاته دليلًا على عظيم حكمة الله تعالى؛ فضلًا على ما بعده من دلالة على قدرة الله تعالی ومنة منه. والوحي: الكلام الخفي والإشارة الدالة على معنى كلامي، ومنه سمي ما يلقيه الملك إلى الرسول وحيًا لأنه خفي عن أسماع الناس، وأطلق الوحي هنا على التكوين الخفي الذي أودعه الله في طبيعة النحل، بحيث تنساق إلى عمل منظم مرتب بعضه على بعض لا يختلف فيه آحادها تشبيهًا للإلهام بكلام خفي يتضمن ذلك الترتيب الشبيه بعمل المتعلم بتعلیم المعلم، أو المؤتمر بإرشاد الآمر، الذي تلقاه سرًّا، فإطلاق الوحي استعارة تمثيلية. ثم فسر سبحانه ما أوحى به إليها بقوله تعالى: ﴿أَنِ أَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨]. أي: اجعلي لك بيوتًا تأوين إليها في أحسن البقاع في الجبال، أو في الشجر أو فيما يعرش الناس ويبنون من البيوت والسقف والکروم ونحوها. وأشير إلى أنها تتخذ البيوت في أحسن ٢٦٢ القرآن الكَرِيْمِ الحشرات البقاع وذلك لشرفها بما تحتويه من المنافع، وبما تشتمل عليه من دقائق الصنعة، واتخاذ البيوت هو أول مراتب الصنع الدقيق الذي أودعه الله في طبائع النحل، فإنها تبني بیوتًا بنظام دقيق، ثم تقسم أجزاءها أقسامًا متساوية بأشكال مسدسة الأضلاع بحيث لا یتخلل بينها فراغ تنساب منه الحشرات، لأن خصائص الأشكال المسدسة إذا ضم بعضها إلى بعض أن تتصل فتصير كقطعة واحدة، وما عداها من الأشكال من المثلث إلى المعشر إذا جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم تتصل وحصلت بينها فرج، ثم تغشي على سطوح المسدسات بمادة الشمع، وهو مادة دهنية متميعة أقرب إلى الجمود، تتكون في کیس دقیق جدًّا تحت حلقة بطن النحلة العاملة فترفعه النحلة بأرجلها إلى فمها وتمضغه وتضع بعضه لصق بعض لبناء المسدس المسمى بالشهد لتمنع تسرب العسل منها، ولما كانت بيوت النحل معروفة للمخاطبين اكتفي في الاعتبار بها بالتنبيه علیھا والتذکیر بھا، و قوله سبحانه: ﴿وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨]. أي: ما يجعلونه عروشًا، جمع عرش، وهو مجلس مرتفع على الأرض في الحائط أو الحقل يتخذ من أعواد ويسقف أعلاه بورق ونحوه ليكون له ظل فيجلس فيه صاحبه مشرفًا على ما حوله، وقوله تعالى: ﴿ُمَّكُلِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ [النحل: ٦٩]. ثم كلي أيتها النحل من كل ثمرة تشتهيها، حلوة أو مزّة أو بين ذلك، وقوله جلّ وعلا: ﴿فَأَسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلْلًا﴾ [النحل: ٦٩]. فاسلكي الطرق التي ألهمك الله أن تسلكيها، وتدخلي فيها لطلب الثمار، ولا تعسر عليك وإن توعّرت، ولا تضلّي عن العودة منها وإن بعدت، وعطفت جملة فاسلكي بفاء التفريع للإشارة إلى أن الله أودع في طبع النحل عند الرعي التنقل من زهرة إلى زهرة ومن روضة إلى روضة، وإذا لم تجد زهرة أبعدت الانتجاع ثم إذا شبعت قصدت المبادرة بالطيران عقب الشبع لترجع إلى بيوتها فتقذف من بطونها العسل الذي يفضل عن قوتها، فذلك السلوك مفرع على طبيعة أكلها. ثم أخبر الله تعالى الناس بفوائدها؛ لأن النعمة لأجلهم، فقال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَنُهُ ﴾ [النحل: ٦٩]. أي: يخرج من بطونها عسل مختلف الألوان، فتارة يكون أبيض وأخرى أصفر، وحينًا أحمر بحسب اختلاف المرعى. وجيء بالفعل المضارع للدلالة على تجدد الخروج وتكرره، وعبر عن العسل باسم الشراب دون العسل لما يومئ إليه اسم الجنس من معنی الانتفاع به وهو محل المنة، وليرتب عليه جملة فيه شفاء للناس، www. modoee.com ٢٦٣ حرف الحاء وسمي شرابًا؛ لأنه مائع يشرب شربًا ولا رابعًا: الفراش: يمضغ. وقوله جلّ جلاله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]؛ لأنه نافع لكثير من الأمراض، وكثيرًا ما يدخل في تركيب العقاقير والأدوية، وتنكيره إمّا لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء، وكلاهما محتمل. وقوله جلّ شأنه: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٩]. أي: إن في إخراج الله من بطون النحل الشراب المختلف الألوان الذي فيه شفاء للناس؛ لدلالة واضحة على أن من سخر النحل، وهداها لأكل الثمرات التي تأكلها، واتخاذها البيوت في الجبال والشجر والعروش، وأخرج من بطونها ما أخرج مما فيه شفاء للناس، هو الواحد القهار الذي لیس کمثله شيء، وأنه لا ينبغي أن یکون له شريك، ولا تصح الألوهة إلا له(١). وفي هذه الآية: تجد قدرة الله تعالى وحكمته وحسن تدبيره لأحوال العالم العلوي والسفلي، فكأنه تعالى لما خاطب النحل بما سبق ذكره خاطب الإنسان وقال: إنا ألهمنا هذا النحل لهذه العجائب، لأجل أن يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه. (١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١٩٩/٣، الكشاف، الزمخشري ٦١٨/٢. الفراش: فرخ الجراد حين يخرج من بيضه من الأرض یرکب بعضه بعضًا، وقد يطلق الفراش على ما يطير من الحشرات ويتساقط على النار ليلًا، وسمي فراشًا لتفرشه وانتشاره(٢). شبه القرآن الكريم الناس في وقت البعث بالفراش المبثوث؛ لأنهم إذا بعثوا یموج بعضهم في بعض، فقال تعالى: ﴿ یَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَأَلْفَرَاشِ اَلْمَبْتُونِ ﴾ [القارعة: ٤]. بينت الآية شدة الأهوال يوم القيامة، وأن الناس من هول ذلك اليوم يكونون منتشرين حیاری هائمین علی وجوههم لا يدرون ماذا يفعلون، ولا ماذا يراد بهم كالفراش الذي يتجه إلى غير جهة واحدة، بل تذهب كل فراشة إلى جهة غير ما تذهب إليها الأخرى، وشبههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف والذلة، والتطاير إلى الداعي من كل جانب، كما يتطاير الفراش إلى النار، وجاء تشبيههم في آية أخرى بالجراد المنتشر في كثرتهم وتتابعهم، فقال تعالى: ﴿كَهُمْ جَرَدٌ مُنَّشِرٌ﴾ [القمر: ٧]. فأول حالهم کالفراش لا وجه له، پتحیر في كل وجه، ثم یکونون کالجراد، لأن لها وجهًا تقصده، ويقال: شبههم بالفراش؛ (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥١٢/٣٠. ٢٦٤ مَوَسوبر البقية القرآن الكريم الحشرات لأنهم يلقون أنفسهم في النار كما يلقي الفراش نفسه في النار، في كثرتهم وذلتهم وانتشارهم، فقال: کالفراش، لأنهم یکونون في ذلك اليوم أذل من الفراش؛ لأن الفراش تعالى: لا يعذب وهؤلاء يعذبون، ونظيره قوله ﴿أُوْلَئِكَ كَالْأَنَِّ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وفي أمثالهم: أضعف من فراشة وأذل وأجهل، أما وجه التشبيه بالفراش، فلأن الفراش إذا ثار لم يتجه لجهة واحدة، بل كل واحدة منها تذهب إلى غير جهة الأخرى، يدل هذا على أنهم إذا بعثوا فزعوا، واختلفوا في المقاصد على جهات مختلفة غير معلومة، والمبثوث المفرق، يقال: بثه إذا فرقه، وأما وجه التشبيه بالجراد فهو في الكثرة، قال الفراء: كغوغاء ((الجراد يركب بعضه بعضًا»، وبالجملة فالله سبحانه وتعالى شبه الناس في وقت البعث بالجراد المنتشر، وبالفراش المبثوث؛ لأنهم لما بعثوا يموج بعضهم في بعض کالجراد والفراش، ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُفَخُ فِ الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا )﴾ [النبأ: ١٨]. وقوله في قصة يأجوج ومأجوج: ﴿وَتَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِ بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩](١). وجاء من حديث جابر رضي الله عنه، (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٥٧٤، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٥٥/٥. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثلي ومثلکم کمثل رجل أوقد نارًا، فجعل الجنادب والفراش یقعن فيها، وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي)(٢). قال الغزالي: ((ولعلك تظنّ أنّ ذلك لنقصانها وجهلها، فاعلم أن جهل الإنسان أعظم من جهلها، بل صورة الآدمي في الإكباب على الشهوات الدنيا صورة الفراش في التهافت على النار؛ إذ تلوح للآدمي أنوار الشهوات من حيث ظاهر صورتها ولا يدري أن تحتها السم الناقع القاتل، فلا يزال يرمي نفسه عليها إلى أن ينغمس فيها ويتقيد بھا ویهلك هلاكًا مؤبدا، فلیت کان جهل الآدمي كجهل الفراش؛ فإنها باغترارها بظاهر الضوء إن احترقت تخلصت في الحال والآدمي يبقى في النار أبد الآباد أو مدة مدیدة؛ ولذلك كان ينادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: ((إني ممسك بحجزكم عن النار وأنتم تتهافتون فيها تهافت الفراش)) (٣)، فهذه لمحة عجيبة من عجائب صنع الله تعالى في أصغر الحيوانات، وفيها من العجائب ما لو اجتمع الأولون (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته ومبالغته في تحذيرهم مما يضرهم، ١٧٩٠/٤، رقم ٢٢٨٥. (٣) سبق تخريجه. www. modoee.com ٢٦٥ حرف الحاء والآخرون على الإحاطة بكنهه عجزوا عن لها (٣). حقيقته ولم يطلعوا على أمور جلية من ظاهر صورته، فأما خفايا معاني ذلك فلا يطلع عليها إلا الله تعالى))(١). قال فاضل السامرائي: ((إنه لما ذكر القارعة في أول السورة، والقارعة من القرع، وهو الضرب بالعصا، ناسب ذلك ذكر النفش؛ لأن من طرائق نفش الصوف أن يقرع بالمقرعة، کما ناسب ذلك من ناحية أخرى وهي أن الجبال تهشّم بالمقراع (وهو من القرع) وهو فأسِّ عظيم تحطّم به الحجارة، فناسب ذلك ذكر النفش أيضًا، فلفظ القارعة أنسب شيء لهذا التعبير، كما ناسب ذكر القارعة ذكر (الفراش المبثوث) في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَأَلْفَرَاشِ اَلْمَبْئُوتِ ﴾ [القارعة: ٤]. أيضًا؛ لأنك إذا قرعت طار الفراش وانتشر، ولم يحسن ذكر (الفراش) وحده كما لم يحسن ذكر (العهن) وحده))(٢). خامسًا: البعوض: البعوضة: واحدة البعوض وهي حشرة صغيرة طائرة ذات خرطوم دقیق تحوم على الإنسان لتمتص بخرطومها من دمه غذاءً (١) إحياء علوم الدين ٣١٨/٤. (٢) لمسات بيانية في نصوص من التنزيل، فاضل السامرائي ص ١٩٨. لما ضرب الله تعالى المثل بالعنكبوت في سورة العنكبوت، وبالذباب في سورة الحج، قالت اليهود: ما هذه الأمثال التي لا تليق بالله عز وجل؟!(٤)، فأنزل الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيءَ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَأَ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَلْحَقُ مِن رَّبِّهِمَّ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلَا يُضِلُ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِی پِهِ، كَثِيرًاً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَسِقِينَ [البقرة: ٢٦]. إن الآيات السابقة اشتملت على تحدي البلغاء بأن يأتوا بسورة مثل القرآن، فلما عجزوا عن معارضة النظم سلكوا في المعارضة طريقة الطعن في المعاني فلبسوا على الناس بأن في القرآن من سخيف المعنی ما ینزه عنه كلام الله؛ ليصلوا بذلك إلى إيطال أن يكون القرآن من عند الله بإلقاء الشك في نفوس المؤمنين، وبذر الخصيب في تنفير المشركين والمنافقين. فَبَيَّنَ الله تعالى في هذه الآية أنه ولا يَسْتَحيءٍ﴾، أي: لا يمتنع من ضرب المثل وبيان الحق بذكر البعوضة وبما فوقها، ويقال: لا يمنعه الحياء أن يضرب المثل (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٥٧/١. (٤) انظر: العجاب في بيان الأسباب، ابن حجر ٢٤٥/١. ٢٦٦ مُوسُو ◌َ النَِّّ القرآن الكريم