النص المفهرس

صفحات 61-64

الحزن
يبتغون بذلك مرضاة ربهم، ولا يتبعون
ذلك بمنهم على من أحسنوا إليهم ولا
بإیذائهم، لهم عند ربهم ثواب لا يقدر
قدره، ولا خوف علیھم حین یخاف الناس
وتفزعهم الأهوال، ولا هم يحزنون حین
يحزن الباخلون الممسكون عن الإنفاق في
سبيل الله، إذ هم أهل السكينة والاطمئنان
والسرور الدائم (١).
وقوله: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم
بِأَلَيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَنِيَةٌ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ
عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ﴾، أي: الذين ينفقون أموالهم
في كل وقت وكل حال، لا يحصرون
الصدقة في الأيام الفاضلة أو رؤوس
الأعوام ولا يمتنعون عن الصدقة في العلانية
إذا اقتضت الحال العلانية، وإنما يجعلون
لکل وقت حکمة ولکل حال حكمها؛ إذ
الأوقات والأحوال لا تقصد لذاتها، وقوله:
فلهم أجرهم عند ربهم يشعر أن هذا الأجر
عظيم، وفي إضافتهم إلى الرب ما فيها من
التکریم(٢).
يقول المراغي: ((المعنى: إن الذين
ينفقون أموالهم في جميع الأزمنة وفي سائر
الأحوال، ولا یحجمون عن البذل إذا لاح
لهم وجه الحاجة إلی ذلك، لهم ثوابهم عند
(١) انظر: تفسير المراغي، ٣/ ٣١.
(٢) المنار، محمد رشيد رضا ٣/ ٧٨.
ربهم في خزائن فضله، ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾
حين يخاف الباخلون من تبعة بخلهم بالمال
وحبسه حين الحاجة إلى بذله في سبيل الله،
﴿وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم من
صالح العمل الذي يرجون به ثواب الله.
ذاك أن نفوسهم قد سمت وبلغت حدًّا
من الكمال لم يبق لسلطان المال معه موضع
في قلوبهم، وأصبحت مرضاته الشغل
الشاغل لهم، فلا يستريح لهم بال إلا إذا
سدوا خلّة محتاج أو آسوا جراح مكلوم، أو
أشبعوا بطن جائع، أو جهزوا جيشًا يسدّون
به ثغرة فتحها عدو، وهؤلاء هم المؤمنون
حقًّا الذين يبتغون فضلا من ربهم ورضوانًا.
وإنما قدم الليل على النهار، والسّ على
العلانية للإيماء إلى تفضيل صدقة السرّ على
صدقة العلانية، وجمع بين السرّ والعلانية
للإيماء إلى أن لكل منهما موضعًا تقتضيه
المصلحة قد يفضل فيه سواه، إذ الأوقات
والأحوال لا تقصد لذاتها)»(٣).
فالآيتان تبين لنا أن الله تبارك وتعالى
مدح الذین ینفقون في سبيله ثم لا يتبعون ما
أنفقوا من الخيرات والصدقات منَّا على ما
أعطوه، ولا أذىّ مع من أحسنوا إليه، ومدح
الذين ينفقون في سبيله وابتغاء مرضاته في
جميع الأوقات من ليل ونهار، والأحوال من
(٣) تفسير المراغي، ٣/ ٥٢.
www. modoee.com
١٧٥

حرف الحاء
سر وجهر (١).
عاقبتهم، وعظيم ثوابهم، وهذه الجمل تبین
جزاءهم الذي وعدهم الله به وهو ثلاثة
أنواع:
أولها: الثواب يوم القيامة، وفي الدنيا،
وذلك بالبركة، وبفضل التعاون الذي توجده
الصدقة والإنفاق في سبيل الله؛ ثم بالنعيم
المقيم يوم القيامة. وقد سمى سبحانه
وتعالى ذلك أجرًا، ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ
رَبِّهِمْ ﴾ وسماه في مواضع أخرى جزاء،
مع أنه المعطي والمانع، والرازق والباسط،
وذلك تفضل منه وكرم، ولنتعلم من الله
عدم المنّ في العطاء.
والثاني من الجزاء: الأمن من الخوف؛
إذ قال سبحانه: ﴿وَلَا خَوْفٌّ عَلَيْهِمْ﴾ والصدقة
تؤمن من الخوف في الدنيا وفي الآخرة،
فهي أمن من عذاب الله يوم القيامة؛ إذ
إنها تكفر السيئات، كما قال تعالى:
وإنَّ
اْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
وكما قال صلى الله عليه وسلم: (الصدقة
تطفئ الخطيئة)(٢).
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٣٢/١.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب السفر،
باب ما ذكر في فضل الصلاة، ٢/ ٥١٣، رقم
٦١٤.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٥١٣٦.
أما الأمن من الخوف في الدنيا، فلأن
وقد بين الله تعالى في ثلاث جمل حسن الإنفاق في مواضع الإنفاق وقاية للمجتمع
من غوائل الفقر، وعوامل التخريب، فلا
يحصن مال الغني إلا الإنفاق في كل ما يعود
على الفقير والمجتمع بالنفع، وإن الأمن من
الخوف بالإنفاق واضح كل الوضوح في
الإنفاق لإمداد القوات المجاهدة في الدفاع
عن الأمة، كما هو واضح في سد حاجات
الفقير، وتهيئة فرص الحياة الرفيعة والعمل
له.
والثالث من أنواع الجزاء: نفي الحزن،
والبعد عن أسبابه. والحزن هم نفسي؛ ولذا
عبر عنه بالفعل الذي يصور النفس والشخص
فقال سبحانه: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وهم
النفس يدفع بالاعتماد على الله، وطلب
رضاه، واطمئنان الضمير، وبرد اليقين،
وذلك کله يتحقق في الدنيا بالصدقة، وزوال
الحزن في الآخرة بها أعظم وأكبر (٣).
وقال طنطاوي: ((﴿وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
أي: لا يصيبهم ما يؤدي بهم إلى الحزن
والهم والغم، لأنھم دائمًا في اطمئنان يدفع
عنهم الهموم والأحزان)) (٤).
فتحصل مما سبق أن من علاجات
الحزن الإنفاق في سبيل الله ابتغاء مرضاته،
فمن فعل ذلك و قاه الله الحزن، ودفعه عنه.
(٣) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢ / ١٠٣٩ -
١٠٤٠.
(٤) التفسير الوسيط، طنطاوي ١ / ٦٣٠.
١٧٦
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الحزن
وبعد هذه النصوص القرآنية التي ذكرها
الله سبحانه وتعالى نرى أن علاج الحزن في
کتاب ربنا متوفر، وهو يسير على من يسره
الله علیه، فکتاب ربنا ما ترك خیرًا إلا ودلنا
علیه ولا شرًّا إلا وحذرنا منه.
موضوعات ذات صلة:
البكاء، السعادة، الغم، الفرح، اليأس
www. modoee.com
١٧٧