النص المفهرس
صفحات 41-60
الحزن أي: يستبشرون بهم من حيث إنه لا خوف عليهم، فالخوف والحزن على هذا منفيان عن الذين لم يلحقوا بهم. أو الباء للسببية والمعنى بسبب أنه لا خوف عليهم إلخ. وحينئذ يحتمل أن يكونا منفيين عنهم أنفسهم، أي: إن الفرح والاستبشار يكونان شاملين لهم بحالهم ويحال من خلفهم من إخوانهم بسبب انتفاء الخوف والحزن عنهم وهم حیث هم. كما يحتمل أن يكون المراد نفيهما عن الذين لم يلحقوا بهم أيضًا، والمختار عندي أن المراد بنفي الخوف والحزن نفيهما عن الذين لم يلحقوا بهم ممن قاتل معهم ولم يقتل، وأن الآية الآتية مفسرة لذلك. والخوف: تألم من مكروه يتوقع، والحزن: تألم من مكروه وقع، وقد قيل إن المراد بالخوف والحزن: ما يكون في الدنيا، وقيل: بل المراد ما يكون في الآخرة. ويجوز أن يكون المعنى أنه لا خوف عليهم في الدنيا من استئصال المشركين لهم أو ظفرهم بهم ثانية، ولا هم يحزنون في المستقبل البعيد عندما يقدمون على ربهم في الآخرة)) (١). فتحصل من أقوال المفسرين أن الحزن منفي عن الشهداء ومن سيلحق بهم عندما يقدمون على ربهم سبحانه وتعالى، ويدخلهم جنته ودار کرامته. (١) المنار، محمد رشيد رضا ٤ / ١٩٣. علاج الحزن في القرآن الكريم والسنة النبوية العلاج الكافي والبلسم الشافي لحالات الحزن، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده؛ إذ أنه سبحانه وتعالى جعل القرآن الكريم شفاء ورحمة للمؤمنين، وما عليهم سوى العودة إلى كتاب ربهم، وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ليفوزوا بالسعادة والطمأنينة والراحة في الدارين، ومن هذه العلاجات الربانية التي ذكرت في القرآن الكريم ما سيكون بيانه في النقاط الآتية: أولًا: الإيمان والعمل الصالح: أنجع الأدوية، وأفضل العلاجات، وأشفى العقاقير للهم والحزن؛ الإيمان والإكثار من الأعمال الصالحة، حيث إن المؤمن بربه يرضى بالقضاء والقدر، ویعلم أن ما أصابه لم یکن ليخطئه، ويعلم أن في هذا الابتلاء والامتحان خيرًا کثیرًا وأجرًا كبيرًا، وأن المصائب والنكبات التي تنزل به يخفف الله بها عليه من الخطايا والسيئات، ويستحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلم، من نصبٍ ولا وصبٍ، ولا همٍّ ولا حزنٍ ولا أذّی ولا غمّ، حتّى الشّوكة يشاكها، إلّا كفّر الله بها من خطاياه)(٢). (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب www. modoee.com ١٥٥ حرف الحاء ثم إن المؤمن المحتسب واثق بوعد الله سبحانه وتعالى له بقوله عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ، حَيَوَةً طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(٢﴾ [النحل:٩٧]. فالحياة الطيبة يزول معها الهم والحزن. ولعل السبب في ذلك أن المؤمنين بالله سبحانه وتعالى الإيمان الحقيقي الذي من ثمرته وتمامه العمل الصالح معهم أصول وأسس يتلقون فيها جميع ما يرد عليهم من المحبات والمسرات بقبول وشكر لله عليها، كما يتلقون المكاره والهم والغم والحزن بالمقاومة لما يمكنهم مقاومته، والصبر الجميل لما لا بد من وقوعه. كما أن الإيمان باليوم الآخر وتصوره عند المؤمن یجعله یعلم أن الدنيا لا تساوي شيئًا؛ فهي قصيرة جدًّا، ومتاعها زائل وكل ما علیها سیفنی .. فعندما يفقد عزيزًا يعرف أنه سيلتقي به في الآخرة - إن شاء الله-، وما عند الله خير وأبقى، وأنه إذا صبر وجد الأجر العظيم في ذلك اليوم، فهذا الإيمان يهون المصيبة ويخفف الحزن، ويجعل المؤمن مقبلا على الله راجيًا ثوابه، محتسبا كل ما أصابه. وعند الرجوع إلى كتاب الله سبحانه المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، ٧/ ١١٤، رقم ٥٦٤١. وتعالى نجد أن هذا العلاج قد ذكر في أكثر من آية وهذه هي النصوص الدالة على ذلك: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْنَا أَهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِى هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ )﴾ [البقرة: ٣٨]. أي: انزلوا من الجنة إلى الأرض لتعيشوا فيها (١)، وهذا الأمر لبيان أن طور النعيم والراحة قد انتهى وجاء طور العمل، وفيه طريقان: هدى وإيمان، وكفر وخسران(٢)، ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِى هُدَى﴾ الخطاب لآدم وزوجه وإبليس، والمراد ذريته، ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ﴾ أي: فمن استمسكوا بالشرائع التي أتى بها الرسل، وراعوا ما يحكم العقل بصحته بعد النظر في الأدلة التي في الآفاق والأنفس (٣). وقوله: ﴿فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، جواب شرط فمن اتبع هداي، ومعناه: اتباع الهدى يفضي بالعبد إلى أن لا يخاف ولا يحزن لا في الدنيا ولا في الآخرة(٤). فالمهتدون بهدى الله لا يخافون مما هو آت، ولا يحزنون على ما فات، فإن من سلك سبيل الهدى سهل عليه كل ما أصابه (١) أيسر التفاسير، الجزائري ١/ ٤٧. (٢) انظر: تفسير المراغي، ١ / ٩٧. (٣) انظر: المصدر السابق. (٤) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ١ / ٤٧. مَوَسُولَرُ النفسية لِلْقُرْآن الكَرِيْمِ ١٥٦ الحزن أو فقده، لأنه موقن بأن الصبر والتسليم مما والحزن، والضلال، والشقاء، فحصل له يرضي ربه، ويوجب مثوبته، فيكون له من المرغوب، واندفع عنه المرهوب، وهذا ذلك خير عوض عما فاته، وأحسن عزاء عما عكس من لم يتبع هداه، فكفر به، وكذب فقده، فمثله مثل التاجر الذي يكدّ ويسعى بآياته))(٢). وتنسيه لذة الربح آلام التعب (١). قال السعدي: ((﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنْكُمْ مِّنِى هُدى﴾ أي: أيّ وقت وزمان جاءكم مني -یا معشر الثقلین- هدى، أي: رسول و کتاب يهديكم لما يقربكم مني، ويدنيكم مني، ويدنيكم من رضائي، ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ﴾ منکم، بأن آمن برسلي و کتبي، واهتدى بهم، وذلك بتصديق جميع أخبار الرسل والكتب، والامتثال للأمر والاجتناب للنهي، فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وفي الآية الأخرى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضْلُّ وَلَا يَشْقَى (٣)﴾ [طه: ١٢٣]. فرتب على اتباع هداه أربعة أشياء؛ نفي الخوف والحزن، والفرق بينهما أن المكروه إن کان قد مضی أحدث الحزن، وإن كان منتظرًا أحدث الخوف، فنفاهما عمن اتبع هداه، وإذا انتفيا حصل ضدهما، وهو الآمن التام، وكذلك نفي الضلال والشقاء عمن اتبع هداه، وإذا انتفیا ثبت ضدهما، وهو الهدى والسعادة، فمن اتبع هداه حصل له الأمن والسعادة الدنيوية والأخروية والهدى، وانتفى عنه كل مكروه، من الخوف، (١) انظر: تفسير المراغي، ١ / ٩٧. ومن الآيات الدالة على أن الإيمان والعمل الصالح علاج للحزن قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصََرَى وَالصَِّينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَّا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٦٢]. ٦٢ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّئُونَ وَالنَّصَرَى مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَِحًا فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ ﴾ [المائدة: ٦٩]. يُحِزْنُونَ والمعنى، أي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم هم الذين يستحقون الوصف بالإيمان المطلق، حيث آمنوا بجميع الكتب، والرسل. ﴿وَلَّذِينَ هَادُواْ﴾ أي: الذين انتسبوا إلى دين اليهود. وهي شريعة موسى، ﴿وَالنَّصَرَى﴾ أي: الذين انتسبوا إلى دين عيسى. ﴿وَالصَِّينَ﴾: اختلف فيهم على عدة أقوال؛ فمن العلماء من يقول: إن الصابئين فرقة من النصارى؛ ومنهم من يقول: إنهم فرقة من اليهود؛ ومنهم من يقول: إنهم فرقة من المجوس؛ ومنهم من (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٠. www. modoee.com ١٥٧ حرف الحاء يقول: إنهم أمة مستقلة تدين بدين خاص الحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة، كل من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية ولا خوف علیھم فیما يستقبلونه ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه))(٣). بها؛ ومنهم من يقول: إنهم من لا دين لهم: من كانوا على الفطرة؛ ولا یتدینون بدین. فإذا أرسل إليهم الرسل فآمنوا بالله واليوم الآخر ثبت لهم انتفاء الخوف، والحزن، كغيرهم من الطوائف الذين ذكروا معهم (١). وقوله تعالى: ﴿مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ هذا بدل ممن قبله عائد إلى الذين فَلَهُمْ هادوا، والنصارى، والصابئين. أَجْرُهُمْ﴾ أي: ثوابهم؛ وسمى الله تعالى ((الثواب)) أجرًا؛ لأنه سبحانه وتعالى التزم على نفسه أن يجزي به كالتزام المستأجر بدفع الأجرة للأجير. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أضاف ربوبيته إليهم على سبيل الخصوص تشريفًا، وتكريمًا، وإظهارًا للعناية بهم؛ فهذه كفالة من الله عز وجل، وضمان، والتزام بهذا الأجر؛ فهو أجر غير ضائع. ﴿وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: من كل مما الخوف مما يستقبل، والحزن على ما يخاف في المستقبل: من عذاب القبر، مضى (٥). وعذاب النار، وغير ذلك. ﴿وَلَا هُمْ يحزُونَ﴾ أي: على ما مضى من الدنيا؛ لأنهم انتقلوا إلى خير منها (٢). يقول ابن كثير: ((نبه تعالى على أن من أحسن من الأمم السالفة وأطاع فإن له جزاء (١) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الفاتحة والبقرة ٢٢١/١ -٢٢٢. (٢) انظر: المصدر السابق. وقال القشيري: ((اختلاف الطريق مع اتحاد الأصل لا یمنع من حسن القبول، فمن صدّق الحق سبحانه في آياته، وآمن بما أخبر من حقه وصفاته، فتباين الشرع واختلاف وقوع الاسم غير قادح في استحقاق الرضوان، لذلك قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ﴾ ثم قال: ﴿مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾، أي: إذا اتفقوا في المعارف فالكلّ لهم حسن المآب، وجزيل الثواب. والمؤمن من کان في أمان الحق سبحانه، ومن كان في أمانه سبحانه وتعالى فبالأحرى ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون)) (٤). فئمرة الإيمان بالله، واليوم الآخر، والعمل الصالح، هو حصول الأجر، وانتفاء ومن الآيات الدالة على أن الإيمان علاج للحزن قوله تعالى: ﴿ بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ. لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ: أَجْرُهُ، عِندَ رَبِّهِ، وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: ١١٢]. (٣) تفسير القرآن العظيم، ١/ ١٨٢. (٤) لطائف الإشارات، ١ / ٩٦. (٥) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الفاتحة والبقرة ١/ ٢٢٣. مُوسُو ◌َرُ النَّقية لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ١٥٨ الحزن والمعنى، أي: بلی إنه يدخلها من لم یکن هودًا ولا نصارى، إذ رحمة الله لا تختصّ مما يستقبلهم، وحزن مما ينزل بهم، فإذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم داخلهم بشعب دون شعب، بل کل من عمل لها وأخلص في عمله، فهو من أهلها. الهلع ولم يستطيعوا صبرًا على البأساء، وهم يستخذون للدجّالين والمشعوذين، ويعتقدون بسلطة غيبية لكل من يعمل عملًا لا يهتدون إلى معرفة سببه(١). ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ؟ أَجْرُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي: كل من انقاد لله وأخلص في عمله، فله الجزاء على ذلك عند ربه الذي لا يضيع أجر من أحسن عملًا. والآية ترشد إلى أن الإيمان الخالص لا يكفي وحده للنجاة، بل لا بد أن يقرن بإحسان العمل، وقد جرت سنة القرآن إذا ذکر الإیمان أردفه عمل الصالحات کقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصََّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيْرًا (١٢)﴾ [النساء: ١٢٤]. ثم قال: ﴿وَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: إن الذين أسلموا وجوههم لله وأحسنوا العمل لا تساور نفوسهم مخاوف ولا أحزان، كما تختلج صدور الذين أشرب قلوبهم حبّ الوثنية، وأعرضوا عن الهداية، إذ من طبيعة المؤمن أنه إذا أصابه مكروه بحث عن سببه واجتهد في تلافیه، فإن لم یمکنه دفعه فوّض أمره إلى ربه، ولم يضطرب ولم تهن له عزيمة، علمًا منه بأنه قد ركن إلى القوة القادرة على دفع كل مكروه، وتوكل على من بيده دفع كل محظور. أما عابدو الأوثان والأصنام فهم في خوف وخص الوجه، لأنه إذا جاد بوجهه في السجود لم يبخل بسائر جوارحه(٢). وفهم من الآية، أن من لیس کذلك، فهو من أهل النار الهالكين، فلا نجاة إلا لأهل الإخلاص للمعبود، والمتابعة للرسول (٣). ومن الآيات التي دلت على أن الإيمان والعمل الصالح علاج للأحزان قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ وَأَقَامُواْ الضَّكَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ ﴾ [البقرة: ٢٧٧]. فالآية ذكرت أن الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وهاتان من الأعمال الصالحة، فإنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ومعنى الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به؛ ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ﴾ أي: عملوا الأعمال (١) انظر: تفسير المراغي، ١/ ١٩٥. (٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١/ ١٣٧. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٣. www. modoee.com ١٥٩ حرف الحاء الصالحات؛ وهي المبنية على الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلی الله علیه وسلم. ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ﴾ أي: أتوا بها قويمة بشروطها، وأركانها، وواجباتها، ومكملاتها؛ وعطفها على العمل الصالح من باب عطف الخاص على العام؛ لأن إقامة الصلاة من الأعمال الصالحة، ونص علیها لأهميتها. ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ أي: أعطوا الزكاة مستحقها؛ والزكاة: هي النصيب الذي أوجبه الله عز وجل في الأموال الزكوية. ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَيِّهِمْ﴾ أي: لهم ثوابهم عند الله. ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيهِمْ﴾ أي: فيما يستقبل من أمرهم. ﴿وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ أي: فيما مضى من أمرهم (١). والتي تحدثت عن الربا ونهت عنه. يقول أبو حيان الأندلسي: ((مناسبة هذه الآية لما قبلها واضحة، وذلك أنه لما ذکر حال آكل الربا، وحال من عاد بعد مجيء الموعظة، وأنه کافر أثیم، ذکر ضد هؤلاء لیبین فرق ما بين الحالين)»(٢). (١) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الفاتحة والبقرة ٣٨٠/٣. (٢) البحر المحيط، أبو حيان ٢/ ٧١١. ربطها بما قبلها فقال: ((هذا خبر من الله عز وجل بأن الذين آمنوا، يعني الذين صدقوا بالله وبرسوله، وبما جاء به من عند ربهم، من تحریم الربا وأکله، وغير ذلك من سائر شرائع دينه. ﴿وَعَمِلُواْ الصَّلِحَةِ﴾ التي أمرهم الله عز وجل بها، والتي ندبهم إليها. ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾ المفروضة بحدودها، وأدّوها بسننها. ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ المفروضة عليهم في أموالهم، بعد الذي سلف منهم من أكل الرّبا، قبل مجيء الموعظة فيه من عند ربهم. ﴿وَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ يعني: ثواب ذلك من أعمالهم وإيمانهم وصدقتهم. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يوم حاجتهم إليه في معادهم. ﴿ولا خوفُ عليهِمْ﴾ يومئذ من عقابه على ما وهذه الآية لها مناسبة بالآيات التي قبلها كان سلف منهم في جاهليتهم وكفرهم قبل مجيئهم موعظة من ربهم، من أكل ما كانوا أكلوا من الربا، بما كان من إنابتهم، وتوبتهم إلى الله عز وجل من ذلك عند مجيئهم الموعظة من ربهم، وتصديقهم بوعد الله ووعيده. ﴿وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على تركهم ما ونجد أن الإمام الطبري عندما فسرها كانوا تركوا في الدنيا من أكل الربا والعمل به، إذا عاینوا جزيل ثواب الله تبارك وتعالى، وهم على تركهم ما تركوا من ذلك في الدنيا ١٦٠ القرآن الكريم الحزن ابتغاء رضوانه في الآخرة، فوصلوا إلى ما وقبل منهم ما جاؤوه به من عند الله، وعمل وعدوا على تركه))(١). فهؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات الأربع: الإيمان، والعمل الصالح، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ليس عليهم خوف من مستقبل أمرهم؛ ولا حزن فيما مضى من أمرهم؛ لأنهم فعلوا ما به الأمن التام، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَكُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ تُهْتَّدُونَ [الأنعام: ٨٢](٢). کذلك ذکر الله سبحانه وتعالى أنه من آمن وأصلح فإنه لا خوف علیه ولا حزن، وهذا يدل على أن هاتين الصفتين علاج للحزن، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا تُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِينَ وَمُنذِرِينٌّ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأنعام: ٤٨]. ٤٨ أي: وما نرسل رسلنا إلا ببشارة أهل الطاعة لنا بالجنة والفوز المبين يوم القيامة، جزاءً منّا لهم على طاعتنا، وبإنذار من عصانا وخالف أمرنا، عقوبتنا إياه على معصيتنا يوم القيامة، جزاءً منا على معصيتنا، لتعذر إليه فيهلك إن هلك عن بينة. ﴿فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ﴾، أي: فمن صدّق من أرسلنا إليه من رسلنا إنذارهم إياه، (١) جامع البيان، ٦/ ٢١. (٢) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الفاتحة والبقرة ٣/ ٣٨٢. صالحًا في الدنيا ﴿فَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾، عند قدومهم على ربهم، من عقابه وعذابه الذي أعدّه الله لأعدائه وأهل معاصيه ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، عند ذلك على ما خلّفوا وراءهم في الدنيا(٣). قال أبو زهرة عند قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ((أي: فمن أذعن للحق، وآمن بما جئت به، وجعل هواه تبعًا لما تدعو إليه فله الجزاء الأوفى، ودعم الإذعان الحق بالعمل الصالح، فالإيمان من غير عمل أجوف أجرد لا ينتج بذاته، ومن آمن وعمل صالحًا فإنه لا يحزن على ما فاته في الماضي، بل يطمئن بذكر الله، ولا يخاف من المستقبل لأنه يرجو ما عند الله تعالى)) (٤). وقال وهبة الزحيلي: ((فمن آمن وأصلح عمله بامتثال الطاعات، واتّباع الرّسل، فلا خوف عليهم من مخاطر المستقبل، ولا هم يحزنون على ما فاتهم في الدنيا ولا على شيء يصادفهم يوم لقاء الله. وهذا وعد ثابت محقق»(٥). وفي الآية لطيفة ذكرها الشنقيطي، حول إلى ماذا ينصرف الإيمان والإصلاح، فقال: ((وقوله هنا: ﴿فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ﴾ (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١١/ ٣٦٩. (٤) زهرة التفاسير، ٥/ ٢٥٠٧. (٥) التفسير الوسيط، ١/ ٥٥٢. www. modoee.com ١٦١ حرف الحاء انصرف الإيمان إلى ركنه الأكبر، وهو كان يقسم بينهن. الاعتقاد القلبيّ، وصار الإصلاح بعده يراد به الأعمال، كما قال تعالى هنا: ﴿فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ﴾ آمن قلبه وأذعن واعتقد ما یجب اعتقاده إثباتًا ونفیًا، وأصلح-مع ذلك الإيمان القلبيّ عمله- بجوارحه ﴿فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ﴾ آمن قلبه، وأصلح عمل جوارحه، بأن امتثل الأوامر، واجتنب النواهي، هذا القسم من الناس هم المبشّرون الذين فيهم: ﴿وَمَانُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِرِينَ﴾ وقال الله فيهم: ﴿فَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني يوم القيامة: ﴿وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(١). وثمرة هذا الإيمان ندركه في إيمان زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، بما قدره الله لهن، فهن رضي الله عنهن مسلّمات لأمر الله راضيات به، ونعرف ﴿* تُرْجِى مَن ذلك من خلال قوله تعالى: تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ أَبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ تَغَرَّ أَعْيُُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَانَيْتَهُنَّ كُلُهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِ قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٥١]. والمعنى: ﴿تُرْجِ مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ﴾ أي: تؤخر مضاجعة من تشاء من نسائك، وتضاجع من تشاء، ولا يجب عليك قسم بینهن، بل الأمر في ذلك إليك، على أنه ﴿وَمَنِ أَبْنَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ﴾ أي: ومن دعوت إلى فراشك، وطلبت صحبتها ممن عزلت عن نفسك بالطلاق، فلا ضيق عليك في ذلك. ثم بين السبب في الإيواء والإرجاء، وأنه كان ذلك في مصلحتهن، فقال: ﴿ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُُّهُنَّ وَلَا يَحْزَنَ وَبَرْضَيْنَ بِمَاً ءَانَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أي: إنهن إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحرج في القسم، فإن شئت قسمت، وإن شئت لم تقسم لا جناح عليك في أي ذلك فعلت، وأنت مع هذا تقسم لهن اختيارًا منك لا وجوبًا عليك، فرحن بذلك، واستبشرن به، واعترفن بمنتك علیھن في قسمك لهن، وتسویتك بینهن، وإنصافك لهن، وعدلك بینهن. ﴿وَاُلَّهُ يَعْلَمُ مَافِ قُلُوبِكُمْ﴾ من الميل إلى بعضهن دون بعض مما لا یمکن دفعه، ومن الرضا بما دبر له في حقهن من تفويض الأمر إلیه صلى الله عليه وسلم . وفي هذا حث على تحسين ما في القلوب، ووعيد لمن لم يرض منهن بما دبر الله له من ذلك، وفوضه إلی مشیئته، وبعث على تواطؤ قلوبهن، والتصافي بينهن، والتوافق على رضا رسول الله صلى الله علیه وسلم . ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ أي: وكان (١) العذب النمير، الشنقيطي ١/ ٢٨٣. جَوَسُورُ النَّقيده الْقُرآن الكَرِيْمِ ١٦٢ الحرف الله عليمًا بالسرائر، حليمًا فلا يعاجل أهل أملك)(٣)) (٤). الذنوب بالعقوبة، ليتوب منهم من شاء له أن یتوب، وینیب من ذنوبه من ینیب(١). يقول الألوسي: ((﴿ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ تَفَرَّ أَعْيُُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَانَيْتَهُنَّ كُلُهُنَ﴾ أي: تفويض الأمر إلى مشيئتك أقرب إلى قرة عيونهن وسرورهن ورضاهن جمیعًا؛ لأنه حکم کلھن فیه سواء، ثم إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلًا منك، وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله تعالى فتطمئن به نفوسهن»(٢). ويقول طنطاوي: ((والمعنى، ذلك الذي شرعناه لك من تفويض الأمر إليك في شأن أزواجك، أقرب إلى رضا نفوسهن لما تصنعه معهن، وأقرب إلى عدم حزنهن وإلی قبولهن لما تفعله معهن؛ لأنهن یعلمن أن ما تفعله معهن إنما هو بوحي من الله تعالى وليس باجتهاد منك، ومتى علمن ذلك طابت نفوسهن سواء سویت بینهن في القسم والبيتوتة والمجامعة، أم لم تسو ... وكان عليه الصلاة والسلام مع هذا يشدد على نفسه في رعاية التسوية بينهن، تطييبًا لقلوبهن، ويقول: (اللهم هذه قدرتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا (١) تفسير المراغي، ٢٢/ ٢٤. (٢) روح المعاني، ١١/ ٢٣٩. فإيمانهن بالله ورسوله وحبهن لله ورسوله جعلهن يرضين بهذه القسمة، ولولا ذلك لدخل في أنفسهن حزن، ولكنهن -رضي الله عنهن جميعًا- تقبلن هذا بالرضا والتسليم. وبهذا ندرك أهمية الإيمان ومكانته في القلوب. ومن خلال الآيات السابقة وتأويل المفسرين لها يتبين لنا أن علاج الحزن هو الإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، والإيمان بالقضاء والقدر، والأعمال الصالحة من صلاة وزكاة وسائر أعمال الطاعة، وإصلاح القلب والعمل، وتقوى الله في السر والعلن، وترك ما حرم الله من الشرك والكبائر والصغائر. ثانيًا: التقوى: ((التقوى: هي ترك ما تهوى لما تخشى))(٥) بهذا عرفها الإمام أحمد. وقال طلق بن حبيب: ((التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب (٣) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر، ٤٣٨/٣، رقم ١١٤٠، وابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء، ٦٣٣/١، رقم ١٩٧١. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير، رقم ٤٥٩٣ (٤) التفسير الوسيط، ١١/ ٢٣٣. (٥) الآداب الشرعية، ابن مفلح ٢٤٢/٢. www. modoee.com ١٦٣ حرف الحاء الله، وأن تترك معصية الله، على نورٍ من الله، تخاف عقاب الله))(١). وأصل التقوی أن یجعل العبد بینه وبین ما یخافه ويحذره وقاية تقیه منه(٢). وحقيقتها العمل بطاعة الله إيمانًا واحتسابًا أمرًا ونهيًا، فيفعل ما أمر الله به إيمانًا بالآمر وتصدیقًا بوعده، ويترك ما نھی الله عنه إيمانًا بالناهي وخوفًا من وعيده(٣). والتقوى من علاجات الحزن وقد ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك، فقال: ﴿يَبِيءَآدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلُ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِيٌ فَمَنِ أَثَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَ خَوْفٌ عَلَتِهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٣٥ [الأعراف: ٣٥]. أي: يا بني آدم إن یاتکم رسل من أبناء جنسكم من البشر يتلون عليكم آياتي التي أنزلها عليكم لبيان ما آمركم به من صالح الأعمال وترك ما أنهاكم عنه من الشرك والرذائل وقبيح الأعمال، فمن اتقى منکم ما نھیتهعنه، وأصلح نفسه بفعل ما أو جبته عليه؛ فلا خوف عليهم من عذاب الآخرة، ولا هم يحزنون حین الجزاء على ما فاتهم(٤). قال ابن كثير: ((﴿فَمَنِ أَنَّقَى وَأَصْلَحَ﴾ أي: ترك المحرمات وفعل الطاعات)»(٥). (١) مجموع فتاوى ابن تيمية، ٧/ ١٦٣. (٢) جامع العلوم والحكم، ابن رجب ١/ ٣٩٨. (٣) الرسالة التبوكية، ابن القيم ص ١٣. (٤) انظر: تفسير المراغي، ١٤٥/٨. (٥) تفسير القرآن العظيم، ٣٦٨/٣. وقال السعدي: «لما أخرج الله بني آدم من الجنة، ابتلاهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب عليهم يقصون عليهم آيات الله ويبينون لهم أحكامه، ثم ذكر فضل من استجاب لهم، وخسار من لم يستجب لهم فقال: ﴿فَمَنِ أَثَّقَى﴾ ما حرم الله، من الشرك أعماله وَأَصْلَحَ والكبائر والصغائر، الظاهرة والباطنة ﴿فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من الشر الذي قد یخافه غيرهم ﴿وَلاهُمْ يَحْزَنُنَ ﴾ على ما مضى، وإذا انتفى الخوف والحزن حصل الأمن التام، والسعادة، والفلاح الأبدي)) (٦). وذكر الله سبحانه وتعالى أيضًا أن المتقين هم الفائزون، الذين لا خوف عليه ولا هم يحزنون. قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّى اللَّهُ الَّذِينَ أَثَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوَّهُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [الزمر: ٦١]. (O أي: بما سبق لهم من السعادة والفوز عند الله ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَلَ هُمْ يَحْزَثُونَ﴾ أي: ولا يحزنهم الفزع الأكبر بل هم آمنون من كل فزع مزحزحون (٧) . عن كل شر مؤملون كل خير " يقول السعدي: ((ولما ذكر حالة المتكبرين، ذكر حالة المتقين، فقال: ﴿وَيُنَّجِى اَللَّهُ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾ أي: (٦) تيسير الكريم الرحمن، ص ٢٨٧. (٧) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ١٠٠. مَوَسوبر التفسير القرآن الكريم ١٦٤ الحزن بنجاتهم، وذلك لأن معهم آلة النجاة، وهي تقوى الله تعالى، التي هي العدة عند كل هول وشدة. ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوْءُ﴾ أي: العذاب الذي يسوؤهم ﴿وَلَاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ فنفى عنهم مباشرة العذاب وخوفه، وهذا غاية الأمان. فلهم الأمن التام، يصحبهم حتى یوصلهم إلی دار السلام، فحينئذ يأمنون من كل سوء ومكروه، وتجري عليهم نضرة النعيم، ويقولون: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ ﴾ [فاطر: ٣٤]))(١). الذین اتقوه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه في الدنيا (٢). يقول المراغي: ((﴿وَيُنَجِّى اَللَّهُ الَّذِينَ أَنَّقَوْاْ بِمَفَازَ تِهِمْ﴾ أي: وينجّي الله من عذاب جهنم الذين اتقوا الشرك والمعاصي وينيلهم ما يبتغون، ويعطيهم فوق ما كانوا يؤملون. ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوْهُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ أي: لا یمسهم أذی جهنم ولا يحزنون على ما فاتهم من مآرب الدنیا، إذ هم قد صاروا إلى ما هو خير منه، نعيم مقيم، في جنات تجري من تحتها الأنهار، ورضوان من الله أکبر. (١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٧٢٨. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣١٩/٢١. وخلاصة ذلك: أنهم أمنوا من كل فزع، وبعدوا من كل شر، وفازوا بكل خير)»(٣). كما أنّ الله تعالى ذكر أن المتّقي يجعل له من کل ھمّ فرجًا، ومن كلّ ضیقِ مخرجًا، ومن كلّ بلاءٍ عافية، ومن كل عسر يسرًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢-٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُمِنْ أَمْرِ هِجْرًا﴾ [الطلاق: ٤]. قال الربيع بن خثيم: (يجعل له مخرجا فالله سبحانه ينجي من جهنم وعذابها، من كلّ ما ضاق على النّاس)) (٤). وكذلك يكفر الله سيئاته ويعظم أجره، ويضاعف حسناته؛ ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَِئَاتِ، وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرً﴾ [الطلاق: ٥]. قال ابن كثير: «أي: یذهب عنه المحذور، ويجزل له القّواب على العمل اليسير))(٥). ومن كان هذا ثوابه وهذه الفضائل والمكرمات جزاؤه فكيف يحزن، ولم يحزن؟! جعلنا الله من المتقين. ومما يتبين لنا أن التقوى علاج للحزن ما ذكره ابن القيم عندما ذكر مراتب التقوى فقال: ((التقوى ثلاث مراتب إحداها: حمية القلب والجوارح عن الآثام والمحرّمات، (٣) تفسير المراغي، ٢٤/ ٢٧. (٤) روائع التفسير، ابن رجب الحنبلي ١ / ٥٧٨. (٥) تفسير القرآن العظيم، ١٧٤/٨. www. modoee.com ١٦٥ حرف الحاء الثّانية: حميتها عن المكروهات، الثالثة: الحمية عن الفضول وما لا يعني. فالأولى: تعطي العبد حياته، والثّانية: تفيده صحّته وقوته، والثّالثة: تكسبه سروره وفرحه وبهجته)) (١). وبعد الذي سبق ندرك أن التقوى وإصلاح القلب والعمل من علاجات الحزن، وهذه هي العلاجات الربانية الشافية، مع ما تقدم من الإيمان والعمل الصالح. ثالثًا: الاستقامة: الاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم، من غير تعريج عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك(٢). وعرفها القشيري فقال: ((الاستقامة هي الثبات على شرائط الإيمان بجملتها من غير إخلال بشيء من أقسامها))(٣). قال ابن رجب رحمه الله تعالى: ((أصل (٤) الاستقامة استقامة القلب على التوحيد)» ٠ والاستقامة ذكرها الله سبحانه وتعالى في موطنين على أنها سبب في عدم الخوف والحزن، قال الله تعالى: ﴿إنَّ (١) الفوائد، ابن القيم ص ٣١. (٢) جامع العلوم والحكم، ابن رجب ١/ ٥١٠. (٣) لطائف الإشارات، ٣/ ٣٢٧. (٤) جامع العلوم والحكم، ١/ ٥١١. الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتِكَةُ أَلََّّ تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُتُمْ تُوعَدُونَ ) [فصلت: ٣٠]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّأُسْتَقَمُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [الأحقاف: ١٣]. أي: وحدوا الله تعالى وآمنوا به، ثم استقاموا فلم يحيدوا عن التوحيد، والتزموا طاعته سبحانه وتعالى، إلى أن توفوا على ذلك(٥). أي: إن الذين جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم والاستقامة في الدين التي هي منتهى العمل، وثمّ للتراخي الرتبي فالعمل متراخي الرتبة عن التوحيد، وقد نصوا على أنه لا يعتد به بدونه ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من لحوق مكروه ﴿وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ﴾ من فوات محبوب (٦). وقد فسر الصحابة رضي الله عنهم الاستقامة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ◌َللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ﴾، بالتوحيد، وأداء الفرائض، والاستجابة للأمر والنهي، وإخلاص العمل لله تعالى: سئل صدّيق الأمّة وأعظمها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم استقامة أبو بكر (٥) المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي ٩/٢. (٦) روح المعاني، الألوسي ١٣/ ١٧٣. مَوَسُولَة النَّتِيَّة القرآن الكريم ١٦٦ الحزن الصّدّيق رضي الله عنه عن الاستقامة فقال: هي المعتبرة لا ما هو منقطع إلى ضده من (ألّا تشرك بالله شيئا)»، يقول ابن القيم معلقًا على هذا: ((يريد الاستقامة على محض التّوحيد))(١). وقال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه : ((الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنّهي، ولا تروغ روغان الثعالب»، وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: ((استقاموا: أخلصوا العمل لله». وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن عباس -رضي الله عنهما -: ((استقاموا: أدوا الفرائض)). وقال أيضًا ابن عباس: ((أخلصوا له الدّين والعمل. وقال فيها: استقاموا على طاعة اللّه))(٢). وهذه الاستقامة لا تکون في حال دون حال بل یکون حال صاحبها دائمًا عليها حتى يلقى ربه، وهذا هو الذي يفهم من الآية، يقول القشيري: «﴿ثُمَّ اُسْتَقَمُوا﴾: ثم حرف يقتضي التراخي، فهو لا يدل على أنهم في الحال لا یکونون مستقیمین، ولکن معناه استقاموا في الحال، ثم استقاموا في المآل بأن استداموا إيمانهم إلى وقت خروجهم من الدنيا، وهو آخر أحوال كونهم مكلّفين))(٣). ويقول الألوسي: ((أي داوموا على الاستقامة دوامًا متراخيًا ممتد الأمد وتلك الاستقامة (١) مدارج السالكين، ١٠٤/٢. (٢) ذكر هذه النقول ابن القيم، انظر: مدارج السالكين ٢/ ١٠٤. (٣) لطائف الإشارات، ٣٢٧/٣. الحيد إلى الهوى والشهوات»(٤). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((أعظم الكرامة لزوم الاستقامة))(٥). وقد رتب الله على الاستقامة ثمارًا عظيمة يجد صاحبها ذلك في حياته وعند مماته وبعد مماته؛ ومنها: تتنزل عليه الملائكة عند الموت تبشره ٥ بالجنة. * لا خوف عليه من فزع يوم القيامة وأهواله. لا يحزن على ما فاته ولا ما خلفه بعد مماته. # یعیش مطمئنًا هادئ البال؛ لأنه قائم بما أمره الله به. وهذا ما دلت عليه الآيتان السابقتان. يقول الإمام الطبري: ((﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللهُ﴾ الذي لا إله غيره ﴿ثُمَّأَسْتَقَمُواْ﴾ على تصديقهم بذلك فلم يخلطوه بشرك، ولم يخالفوا الله في أمره ونهيه ﴿فَلاخَوْنُ عَلَيْهِمْ﴾ من فزع يوم القيامة وأهواله ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلفوا وراءهم بعد مماتهم)) (٦). ويقول القشيري: ((من كان له أصل الاستقامة أمن من الخلود في النار، ومن له (٤) روح المعاني، ٣٣/٢. (٥) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ١٠٦/٢. (٦) جامع البيان، ٢٢ / ١١١. www. modoee.com ١٦٧ حرف الحاء كمال الاستقامة أمن من الوعيد من غير أن يلحقه سوء بحال))(١). فالإیمان والاستقامة سببان في الاطمئنان النفسي، والراحة القلبية، وهما علاجٌ شافٍ الهم والحزن، ولذا نجد أن الله سبحانه وتعالى قرنهما معا في الآيتين السابقتين، و ختم کلا الآیتین بأنهم لا خوف علیه ولا هم يحزنون. رابعًا: الإحسان: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)(٢)، هكذا عرفه النبي صلی الله عليه وسلم . وقد جاءت كلمة الإحسان في القرآن الكريم كلمة جامعة بحيث شملت الحياة کلها، کعلائق الإنسان بخالقه جل وعلا، وعلائقه بالمخلوقات قاطبة، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ﴾ [النحل: ٩٠]. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية: ((أجمع آية في القرآن لخير أو لشر)»(٣). (١) لطائف الإشارات، ٣/ ٣٢٨. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (إن الله عنده علم الساعة)، ٦/ ١١٥، رقم ٤٧٧٧، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان والإسلام، ١/ ٣٦، رقم ٨. (٣) أخرجه الطبري في تفسيره ١٧/ ٢٨٠. والإحسان في العلاقة بين العبد وربه وبينه وبين خلقه من أسباب ذهاب الحزن، والله سبحانه وتعالى قد وعد من أحسن أنه لا خوف عليه ولا حزن، قال تعالى: ﴿بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ: أَجْرُهُ. عِنْدَ رَبِّهِ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٢) ﴾ [البقرة: ١١٢]. ذكر الله سبحانه وتعالى في الآية التي قبل هذه أن اليهود والنصارى قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان منهم، ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَى فرد الله عليه بقوله: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ: أَجْرُهُ، عِندَ رَبِّهِ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١)﴾ [البقرة: ١١١- ١١٢]. فاليهود والنصارى حكموا لأنفسهم بالجنة وحدهم، وهذا مجرد أماني غير مقبولة، إلا بحجة وبرهان، وهكذا كل من ادعى دعوى، لا بد أن يقيم البرهان على صحة دعواه، وإلا، فلو قلبت عليه دعواه، وادعی مدع عكس ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما، فالبرهان هو الذي يصدق الدعاوی او یکذبها، ولما لم یکن بأیدیھم برهان، علم كذبهم بتلك الدعوى (٤). (٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٢. مَوَسُولَةُ الَّشية القرآن الكريم ١٦٨ الحزن وقوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوّ مُحْسِنٌ فَلَهُ: أَجْرُهُ، عِندَ رَبِّهِ، وَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ ﴾. المعنی: بلی إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنّة ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ من أخلص نفسه له لا يشرك به غيره. وإنما عبر عن النفس بالوجه؛ لأنه أشرف الأعضاء، ومجمع المشاعر، وموضع السجود، ومظهر آثار الخضوع. أو المعنى: من أخلص توجهه وقصده، بحيث لا يلوي عزيمته إلى شيء غيره ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في عمله، موافق لهدیه صلی الله عليه وسلم، وإلا لم يقبل، ولذا قال صلى الله عليه وسلم : (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ) (١). ﴿فَلَهُ» أَجْرُهُ، عِندَ رَبِّهِ،﴾ وهو عبارة عن دخول الجنة، وتصويره بصورة الأجر للإيذان بقوة ارتباطه بالعمل. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ من فوات مطلوب(٢). فرحمة الله ليست خاصة بشعب دون شعب، وإنما هي مبذولة لكل من يطلبها ويعمل لها عملها، وهو ما بينه سبحانه وتعالى بقوله: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ، لِلَّهِ وَهُوَ (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور، ٣/ ١٣٤٣، رقم ١٧١٨. (٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ١/ ٣٧٦. مُحْسِنٌ فَلَهُ: أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّدٍ﴾(٣). قال الطنطاوي: ((وقوله تعالى: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ المراد به اتجه إليه، وأذعن لأمره، وأخلص له العبادة، وأصل معناه الاستسلام والخضوع. وخص الله تعالى الوجه دون سائر الجوارح بذلك، لأنه أكرم الأعضاء وأعظمها حرمة، فإذا خضع الوجه الذي هو أكرم أعضاء الجسد فغيره من أجزاء الجسد أکثر خضوعًا. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ من الإحسان، وهو أداء العمل على وجه حسن أي: مطابق للصواب وهو ما جاء به الشرع الشريف. والمعنى: ليس الحق فيما زعمه كل فريق منكم يا معشر اليهود والنصارى من أن الجنة لكم دون غيركم، وإنما الحق أن كل من أخلص نفسه لله، وأتى بالعمل الصالح على وجه حسن، فإنه يدخل الجنة، ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من لحوق مكروه كما قال تعالى: ﴿فَلَهُ: أَجْرُهُ، عِندَ رَبِّهِ، وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَُّونَ﴾))(٤). وعند قراءة الآية نجد أن الله سبحانه وتعالى ذكر الله التوحيد والإيمان الخالص ولم يحمل عليه الوعد بالأجر عند الله تعالى واستحقاق الكرامة في دار المقامة إلا بعد أن قيده بإحسان العمل، فقال: ﴿بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ: أَجْرُهُ. (٣) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ١/ ٣٥١. (٤) التفسير الوسيط، طنطاوي ١ / ٢٥٠. www. modoee.com ١٦٩ حرف الحاء لَيْسَ بأمانيَكَة بعمل الصالحات، كقوله: وَلَآَ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصََّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَيْكَ يَدْخُلُونَ أَلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [النساء: ١٢٣ -١٢٤]. يقول سيد قطب: ((هنا يقرر قاعدة من قواعد التصور الإسلامي في ترتيب الجزاء على العمل بلا محاباة لأمة ولا لطائفة ولا لفرد. إنما هو الإسلام والإحسان، لا الاسم ﴿بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ والعنوان مُحْسِنٌ فَلَهُ: أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾))(٢). ثم قال: ((و﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ .. فأخلص ذاته كلها لله، ووجّه مشاعره كلها إليه، وخلص لله في مقابل خلوص الآخر للخطيئة .. ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ. لِلّهِ﴾. هنا تبرز سمة الإسلام الأولى: إسلام الوجه-والوجه رمز على الكل- ولفظ أسلم يعني الاستسلام والتسليم. الاستسلام (١) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ١/ ٣٥١. (٢) في ظلال القرآن، ١/ ١٠٣. عِنْدَ رَبِّهِ﴾، وتلك سنة القرآن تقرن الإيمان المعنوي والتسليم العملي. ومع هذا فلا بد من الدليل الظاهر على هذا الاستسلام: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ .. فسمة الإسلام هي الوحدة بين الشعور والسلوك، بين العقيدة والعمل، بين الإيمان القلبي والإحسان العملي .. بذلك تستحيل العقيدة منهجًا للحياة كلها وبذلك تتوحد الشخصية الإنسانية بكل نشاطها واتجاهاتها وبذلك يستحق المؤمن هذا العطاء كله: ﴿فَلَهُ: أَجْرُهُ. فنفى أماني المسلمين كما نفى أماني أهل الكتاب، وجعل أمر سعادة الآخرة منوطًا بالإيمان والعمل الصالح معًا (١). عِنْدَ رَبِّهِ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. الأجر المضمون لا يضيع عند ربهم .. والأمن الموفور لا يساوره خوف، والسرور الفائض لا يمسه حزن .. وتلك هي القاعدة العامة التي يستوي عندها الناس جميعًا. فلا محسوبية عند الله سبحانه ولا محاباة))(٣). والآية ذكرت جزاء من أسلم وجهه لله وهو محسن بأن أجره على الله ولا خوف عليه ولا حزن، ﴿فَلَهُ: أَجْرُهُ عِندَ رَيْدِ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور، وآمنهم مما يخافونه من المحذور، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما مضی مما يتركونه(٤). وقد أفادت الآية الكريمة ما يأتي: إثبات ما نفوه من دخول غيرهم الجنة. (٣) المصدر السابق، ١/ ١٠٤. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٢٦٧. ١٧٠ مُوسُوبَةُ المَجيد القرآن الكريم الحزن ومن كان وليًّا لله سبحانه وتعالى فلا وتحفظه وتسدده، ویعیش عيشة مطمئنة، لا خوف فيها ولا حزن، ولا هم ولا غم، ولا نکد ولا كدر. بیان أنهم ليسوا من أهل الجنة، إلا إذا أسلموا وجوههم لله، وأحسنوا شك ولا ريب أن المعية الإلهية تحوطه له العمل فيكون ذلك ترغيبًا لهم في الإسلام، وبيانًا لمفارقة حالهم لحال من يدخل الجنة، لكي يقلعوا عما هم عليه، ويعدلوا عن طريقتهم المعوجة. يقول الله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ بيان أن العمل المقبول عند الله تعالى لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [يونس: ٦٢]. یجب أن یتوفر فیه أمران: أولهما: أن یکون خالصًا لله وحده. ثانيهما: أن يكون مطابقًا للشريعة التي ارتضاها الله تعالى وهي شريعة الإسلام(١). المحسن أشرح الناس صدرًا وأطيبهم نفسًا، وأنعمهم قلبًا(٢). ونخلص من هذا أن الإحسان جزاؤه عظیم، والمتصف به موعود بالأجر الکثیر، وأنه لا خوف علیه ولا حزن، وهذا هو الذي یسعی إلیه الناس ویرجونه. خامسًا: ولاية الله عز وجل: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وولاية الله موافقته بأن تحب ما يحب وتبغض ما يبغض وتكره ما يكره وتسخط ما يسخط وتوالي من يوالي وتعادي من يعادي))(٣). (١) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١ / ٢٥٠. (٢) انظر: موسوعة فقه القلوب، التويجري ٢/ ١٤٢٨. (٣) الاستقامة، ٢/ ١٢٨. أي: إن أولیاء الله الذين يتولونه بإخلاص العبادة له وحده والتو کل علیه ولا يتخذون له أندادا یحبونهم کحبه، ولا يتخذون من دونه وليًّا ولا شفیعًا يقربهم إليه زلفى ﴿لَاخَوْفُ عَلَيَّهِمْ ﴾ في الآخرة مما يخاف منه الكفار والفساق والظالمون من أهوال الموقف وعذاب الآخرة ﴿وَلَ هُمْ يَحْزَنُنَ﴾ من لحوق مكروه أو ذهاب محبوب، ولا يعتريهم ذلك فيها، لأن مقصدهم نيل رضوان الله المستتبع للكرامة والزلفى، ولا ريب في حصول ذلك ولا خوف من فواته بموجب الوعد الإلهي (٤). يقول السعدي: ((يخبر تعالى عن أوليائه وأحبائه، ويذكر أعمالهم وأوصافهم، وثوابهم فقال: ﴿أَلََّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اَللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبلونه مما أمامهم من المخاوف والأهوال. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما أسلفوا، (٤) انظر: تفسير المراغي، ١١/ ١٢٩. www. modoee.com ١٧١ حرف الحاء لأنهم لم يسلفوا إلا صالح الأعمال، وإذا کانوا لا خوف علیھم ولا هم يحزنون، ثبت لهم الأمن والسعادة، والخير الكثير الذي لا يعلمه إلا الله تعالى))(١). وقال الإمام الشوكاني: «والمراد بأولیاء الله خلص المؤمنين؛ كأنهم قربوا من الله سبحانه بطاعته واجتناب معصيته، وقد فسر سبحانه هؤلاء الأولياء بقوله: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ [يونس: ٦٣]. أي: يؤمنون بما يجب الإيمان به ویتقون ما يجب عليهم اتقاؤه من معاصي الله سبحانه))(٢). المعنى الذي يدور بین الحب والقرب هو الذي أراده القرآن الكريم من كلمة ولي ومشتقاتها في کل موضع أتى بها فيه سواء في جانب أولياء الله أو في جانب أولیاء أعداء الله وأعداء الشيطان)) (٣). ثم إن من شرط ولاية الله سبحانه وتعالى هو أن يؤمن الإنسان بالله وبرسوله وأن يتبع الرسول فى الظاهر والباطن، وكل من يدعي محبة الله وولا یته بدون متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كاذب. قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِ يُحْبِبُّكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. (١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٦٨. (٢) فتح القدير، ٢/ ٥١٩. (٣) ولاية الله، إبراهيم هلال ص ٧١. وذكرت الآية جزاء هؤلاء فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَجْزَّئُونَ﴾. قال أبو السعود: ((﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في الدارين من لحوق مكروهٍ، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَثُونَ﴾ من فوات مطلوب، أي: لا يعتريهم ما يوجب ذلك، لا أنه يعتريهم، لكنهم لا يخافون ولا يحزنون، ولا أنه لا یعتربهم خوفٌ وحزنٌ أصلًا، بل يستمرون على النشاط والسرور، كيف لا واستشعار الخوف والخشية استعظامًا لجلال الله سبحانه وهيبته واستقصارًا للجد والسعي في وقال الدكتور إبراهيم هلال: ((وهذا إقامة حقوق العبودية من خصائص الخواصّ والمقرّبين، والمراد بيان دوام انتفائهما لا بیان انتفاء دوامهما، کما یوهمه كون الخبر في الجملة الثانية مضارعًا لما مر مرارًا من أن النفي إن دخل على نفس المضارع يفيد الاستمرار والدوام بحسب المقام، وإنما يعتريهم ذلك؛ لأن مقصدهم ليس إلا طاعة الله تعالى ونيل رضوانه المستتبع للكرامة والزّلفى، وذلك مما لا ريب في حصوله ولا احتمال لفواته بموجب الوعد بالنسبة إليه تعالى، وأما ما عدا ذلك من الأمور الدنيوية المترددة بين الحصول والفوات فهي بمعزل من الانتظام في سلك مقصدهم وجودًا وعدمًا حتی یخافوا من حصول ضارّها أو ١٧٢ موسوعة النفسية القرآن الكريم الحزن يحزنوا بفوات نافعها)) (١). ولعلنا ندرك كذلك مكانة الولاية وعظيم نفعها عندما نقرأ حديث النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته)(٢). فولي الله إذا حزبه أمر أو نزل به كرب أو ألمت به حاجة فهو دائمًا ملتجئ إلى الله يسأله ويستعيذه ويطلب منه ما يريد، يقول ابن دقيق العيد: ((قوله: (ولئن استعاذني لأعيذنه) يدل على أن العبد إذا صار من أهل حب الله تعالى لم يمتنع أن يسأل ربه حوائجه ويستعيذ به ممن يخافه والله تعالى قادر على أن يعطيه قبل أن يسأله وأن يعيذه قبل أن يستعيذه ولكنه سبحانه متقرب إلى عباده بإعطاء السائلين وإعاذة المستعيذين)) (٣). (١) إرشاد العقل السليم، ٤/ ١٥٨. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقائق، باب التواضع، ٨/ ١٠٥، رقم ٦٥٠٢. (٣) شرح الأربعين النووية، اابن دقيق العيد ص ١٢٨. سادسًا: الشكوى إلى الله: الحیاة لا تخلو من مصائب ومحن، وقد تزيد على الإنسان فلا يجد بدًّا من شكواها؛ ليخفف عن نفسه، وينفس من كربه، وفي سير الأنبياء والصالحين دروس للمصابين، فقد شكوا ما أصابهم إلى ربهم، فعاد عاقبة ذلك سكون القلب وتفريج الكرب. والشكوى إلى الله عبادة، وهي من أسباب ذهاب الأحزان، وقد ذكر الله عن نبيه يعقوب عليه السلام عندما بلغ به الحزن مبلغًا أنه شكا ذلك إلى ربه، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُواْ بَفِى وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [يوسف: ٨٦]. أي: قال لهم يعقوب عليه السلام : لست أشكو غميّ وحزني إليكم، وإنما أشكو ذلك إلى الله، فهو الذي تنفع الشكوى إليه، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) أي: أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون أنتم، فأرجو أن يرحمني ويلطف بي ويأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب (٤). والبث: أشد الحزن، سمي بذلك؛ لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى يثبته، أي: يظهره(٥)، فإذا شكاه إلى من يفرجه ويكشفه خفف عنه ذلك ونفس عنه ما يجد، فيعقوب (٤) صفوة التفاسير، الصابوني ٢ / ٥٩. (٥) معالم التنزيل، البغوي ٤ / ٢٦٨. www. modoee.com ١٧٣ حرف الحاء عليه السلام عندما زاد حزنه شكا إلى ربه من سورة البقرة، أن الذين ينفقون أموالهم ما يجد من هم وحزن وهو يؤمل أن الله في الخير فإن جزاءهم أنهم لا خوف عليهم سیکشف کربه ویزیل همه. قال أبو زهرة: ((﴿إِنَّمَآ﴾ من أدوات الحصر، أي: أنه لا یشکو همومه العارضة، وأحزانه الدفينة إليكم، بل يشكوها إلى اللّه وحده. ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، هذه الجملة تحوي في نفسه كل الرجاء الذي يرجوه والأمل الذي يأمله، وفيه دلالة على أنه يعلم أن اللّه كاشف کربه، مزيل همه، وهو من علم اللّه تعالى، لا من علم أحد، يعلمه بالإلهام أولًا، وبرجائه في اللّه ثانیًا، وبرؤيا يوسف الصادقة ثالثًا، ففيها أنه رأى الشمس والقمر وأحد عشر كوكبًا له ساجدین، وتأويل الرؤيا أن يكون في ظل یوسف، وهو في عز مکین، وإن ذلك واقع لا محالة))(١). سابعًا: الإنفاق في الخير: رتب الله سبحانه وتعالى على الإنفاق أجورًا عظيمة، وفضائل كثيرة، يجنيها المنفق في الدنيا والآخرة، بل إن الله سبحانه وتعالى وعد المنفق بالخلف في ماله، ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في موطنين ولا هم يحزون، وذكر في موطن ثالث: أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتو الزكاة، والزكاة هي إنفاق ولكن هذا الإنفاق واجب، فجزاؤهم أنهم لا خوف علیه ولا هم يحزنون. فهذه المواطن الثلاثة تبين لنا أن الحزن منفي عن الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله سرًّا وعلانية. الَّذِينَ يقول الله سبحانه وتعالى: يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواْ مَنَّا وَلَا أَذَىْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: ٢٦٢]. وقال تعالى: ﴿اَلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِأَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَرَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ [البقرة: ٢٧٤]. ٢٧٤ وَلَاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَأَقَامُواْ الضَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٧٧)﴾ [البقرة: ٢٧٧]. فقوله: ﴿أَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواْ مَنَّا وَلَا أَذَىْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، أي: إن الذين يبذلون أموالهم (١) زهرة التفاسير، ٣٨٥٢/٧. مَوَسُولَهُ النَّ القرآن الكريم ١٧٤